النص المفهرس
صفحات 81-100
١٧ - كتاب الصيام (٤) باب (٥٧١) حديث رواية واحد، ولا سيما هما زوجتان وهما أعلم بذلك من الرجال، ولأن روايتهما توافق المنقول، وهو ما تقدم من مدلول الآية، والمعقول: وهو أن الغسل شيء وجب بالإنزال، وليس في فعله شيء يحرم على صائم، فقد يحتلم بالنهار، فيجب عليه الغسل، ولا يحرم عليه، بل يتم صومه إجماعاً. فكذلك إذا احتلم ليلاً بل هو من باب الأولى. وجمع بعضهم بأن الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد، ونقله النووي عن أصحاب الشافعي، وفيه نظر، فإن الذي نقله البيهقي وغيره من نص الشافعي - رضي الله عنه - سلوك الترجيح، وعن ابن المنذر وغيره سلوك النسخ، ويُعَكّر على حمله على الإرشاد التصريح في كثير من طرق حديث أبي هريرة بالأمر بالفطر، وبالنهي عن الصيام، فكيف يصح الحمل المذكور إذا وقع ذلك في رمضان. وما قيل: محمول على من أدركه الفجر مجامعاً فاستدام بعد طلوعه عالماً بذلك، يُعَكِّرُ عليه ما رواه النسائي من طريق عبد الملك بن أبي بكر أن أبا هريرة كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم. وحكى ابن التين عن بعضهم أنه سقط ((لا)) من حديث الفضل، وكان في الأصل من أصبح جنباً في رمضان فلا ((يفطر))، فلما سقط ((لا)) صار ((فليفطر)) وهذا بعيد بل باطل؛ لأنه يستلزم عدم الوثوق بكثير من الأحاديث، وأنها يطرقها مثل هذا الاحتمال، وكأن قائله ما وقف على شيء من طرق هذا الحديث إلا على اللفظ المذكور، انتهى. ورجح حديث عائشة وأم سلمة لما جاء عنهما من طرق كثيرة جداً بمعنى واحد، حتى قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر، وأما أبو هريرة فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي به، كما ذكرها الحافظ، وروايات الرفع عنه قليلة. ٨١ ١٧ - كتاب الصيام (٤) باب (٥٧٢) حديث ٥٧٢/ ١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ وَأَمِّ سَلَمَة زَوْجَي النّبِيِّ بَّةِ؛ أَنَّهُمَا قَالَتَا: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ لَيُصْبِحُ جُنُباً مِنَ جِمَاعٍ، غَيْرِ احْتِلَامِ، ثُمَّ يَصُومُ. أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٢٢ - باب الصائم يصبح جنباً. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٣ - باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، حدیث ٧٨. ١٢/٥٧٢ - (مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن) مولاه (أبي بكر بن عبد الرحمن عن عائشة وأم سلمة زوجي النبي (وَلّ) قال ابن عبد البر: روى جماعة الحديث عن أبي بكر عن أبيه، ولا معنى لذكر أبيه لأنه شهد القصة كلها مع أبيه عند عائشة وأم سلمة وعند أبي هريرة، انتهى. وتقدمت الروايات التي تدل على حضوره في المواضع كلها (أنهما قالتا: إن كان رسول الله (8) ليصبح جنباً من جماع) والحديث أخرجه أبو داود(١) برواية القعنبي عن مالك، وبرواية عبد الله الأذرمي عن ابن مهدي عن مالك، وقال في آخر الحديث: قال الأذرمي في حديثه: ((في رمضان))، زاد في نسخة الخطابي وهامش المجتبائية: قال أبو داود: ما أقل من يقول هذه الكلمة يعني يصبح جنباً في رمضان، وإنما الحديث كان يصبح جنباً وهو صائم. قال الخطابي: أجمع عامة العلماء على أنه إذا أصبح جنباً في رمضان، فإنه يتم صومه ويجزئه، غير أن إبراهيم النخعي فرّق بين أن يكون ذلك منه في الفرض أو التطوع، وهذه اللفظة التي زادها الأذرمي إن ثبتت فهي حجة عليه من جهة النص، وإلا فسائر الأخبار حجة عليه من جهة العموم، انتهى. قلت: وتقدم قول النخعي في الأقوال السابقة، وذكر الشيخ في ((البذل))(٢) ما يتابع زيادة الأذرمي (غير احتلام ثم يصوم). (١) أخرجه أبو داود (٢٣٨٨، ٢٣٨٩). (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (١١/ ٢٠٧). ٨٢ ١٧ - كتاب الصيام (٤) باب (٥٧٢) حديث بے۔ قال الزرقاني: أعاد المصنف هذا الحديث مع أنه قدمه قبل الذي فوقه لإفادة أن له فيه شيخين إذ رواه ثمة عن عبد ربه، وههنا عن سمي، انتهى. وتقدم أن العلماء كأنهم أجمعوا على صحة صوم الجنب، سواء كان من احتلام أو جماع. قال الشيخ في ((البذل)) تبعاً للحافظ: قال القرطبي: في هذا فائدتان: إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بياناً للجواز، والثانية: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه ◌َ# كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه، وقال غيره: في قولها: من غير احتلام، إشارة إلى جواز الاحتلام عليه وإلا لما كان للاستثناء معنى، ورُدَّ بأن الاحتلام من الشيطان، وأجيب: بأن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام، انتهى. وكتب والدي فيما حكى عن شيخه من ((تقرير أبي داود)»: واختلفوا في جواز احتلامه و 184 وعدم جواز ذلك، والمحقق المعتمد عليه أن الأنبياء لا يحتلمون برؤية شيء في المنام، كما هو العادة في الاحتلام، ولكنه يجوز عليهم خروج المني حالة النوم لامتلاء الأوعية، خالية قلوبهم وأحلامهم عن الوسواس وقتئذ، انتهى. وقال العيني راداً على قول كعب الأحبار: إن يأجوج ومأجوج من احتلام آدم، فقال: وجاء في الحديث امتناع الاحتلام على الأنبياء عليهم السلام، انتهى. وبما أفاده الشيخ جزم به ابن حجر في ((تحفة المحتاج)). تکمیل إذا انقطع دم الحائض أو النفساء في الليل، ثم طلع الفجر قبل اغتسالها صح صومهما. ووجب عليهما إتمامه، سواء تركتا الغسل عمداً أو سهواً بعذر أم بغيره كالجنب عند كافة العلماء، إلا ما حكي عن بعض السلف ممن لا نعلم صحته عنه، قاله الزرقاني تبعاً للحافظ والنووي. ٨٣ ١٧ - كتاب الصيام (٥) باب (٥) باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم وحكى الباجي فيه خلاف محمد بن مسلمة إذ قال: إنه يمنع صحة الصوم، وحكى عن ((المجموعة)) وغيره من شرط جواز إمكان الغسل قبل الفجر، وحكى فيه أقوالاً أخر. قال الحافظ: وحكى ابن دقيق العيد: أن في المسألة في مذهب مالك قولين، وحكى فيه اختلافاً آخر لبعض المالكية. قال الأبي: شذّ مُحمد بن مسلمة. فقال: تقضي وتكفر المتعمدة، انتهى. وقال الموفق(١): إن الحكم في المرأة إذا انقطع حيضها من الليل كالحكم في الجنب سواء، ويُشْتَرَط أن ينقطع حيضُها قبل طلوع الفجر، لأنه إن وُجِد جزء منه في النهار أفسد الصوم، وفال الأوزاعي، والحسن بن حي، وعبد الملك بن الماجشون، والعنبري: تقضي، فَرَّطَتْ في الاغتسال أو لم تُفَرِّظ، لأن حدث الحيض يمنع الصوم بخلاف الجنابة. ولنا: أنه حدث يوجب الغسل فتأخير الغسل منه إلى أن يصبح لا يمنع صحة الصوم كالجنابة وما ذكروه لا يصح، فإن من طهرت من الحيض ليست حائضاً، وإنما عليها حدث موجب للغسل فهي كالجنب، فإن الجماع الموجب للغسل لو وجد في الصوم أفسده كالحيض، وبقاء وجوب الغسل منه كبقاء وجوب الغسل من الحيض، انتهى. (٥) ما جاء في الرخصة في القبلة قال المجد: بالضم: اللثمة، وقال النووي في ((اللغات)): (٢) قبلة الرجل والمرأة معروفين، قيل: إنهما من المقابلة وأظنهما من الإقبال، انتهى. للصائم اختلفت الروايات في هذا الباب، لذا اختلف العلماء في ذلك سلفاً (١) ((المغني)) (٣٩٣/٤). (٢) انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٨٠/٢/٢). ٨٤ ١٧ - كتاب الصيام (٥) باب وخلفاً. قال أبو عمر: ممن كره القبلة للصائم عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وعروة، وقد روي عن ابن مسعود أنه يقضي يوماً. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن عروق الخصيتين معلقة بالأنف فإذا وجد الريح تحرك، وإذا تحرك دعي إلى ما هو أكثر من ذلك، والشيخ أملك لإربه. وكره مالك(١) القبلة للصائم في رمضان للشيخ والشاب. وعن عطاء عن ابن عباس: أنه كره للشاب ورخص للشيخ، قال عياض: منهم من أباحها على الإطلاق، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وداود من الفقهاء، ومنهم من كرهها على الإطلاق(٢)، وهو مشهور قول مالك، ومنهم من كرهها للشاب، وأباحها للشيخ وهو المروي عن ابن عباس، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي، وحكاه الخطابي عن مالك، ومنهم من أباحها في النفل، ومنعها في الفرض، وهي رواية ابن وهب عن مالك. وقال النووي: إن حرّكت القبلةُ الشهوةَ فهي حرام على الأصح عند أصحابنا، وقيل: مكروه كراهة تنزيه، وقال أصحابنا الحنفية في فروعهم: لا بأس بالقبلة والمعانقة إذا أمن على نفسه أو كان شيخاً كبيراً ويكره له مسّ فرجها، وعن أبي حنيفة: يكره المعانقة والمصافحة والمباشرة بلا ثوب والتقبيل الفاحش مكروه، وهو أن يمضغ شفتيها، قاله محمد، كذا في ((العيني))(٣)، قلت: وسيجيء عن ابن قتيبة أنه مال إلى أن القبلة تفسد الصوم، وحكاه الخطابي عن ابن مسعود وسعيد بن المسيب. (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٠ /٦٢). (٢) قال مالك: لا أحب للصائم أن يقبل، فإن قبّل في رمضان فأنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن قبّل فأمذى فعليه القضاء ولا كفارة. ((التمهيد)) (١١٥/٥). (٣) انظر: ((عمدة القاري)) (٨٦/٨). ٨٥ ١٧ - كتاب الصيام (٥) باب وقال الحافظ(١): ممن أفتى بإفطار من قبّل وهو صائم عبد الله بن شبرمة أحد فقهاء الكوفة، ونقله الطحاوي عن قوم لم يسمهم وأباحها قوم مطلقاً بل بالغ بعض أهل الظاهر فاستحبها، انتهى. قال أيضاً: وروي عن ابن القاسم عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر أو قبل فأنعظ ولم يمذ ولا أنزل، وأنكره غيره عن مالك، وأبلغ من ذلك ما روى عبد الرزاق عن حذيفة: ((من تأمل خلق امرأته وهو صائم بطل صومه))، لكن إسناده ضعيف، انتهى. قلت: ما حكي عن أحمد من الإباحة مطلقاً لعله رواية عنه - رضي الله عنه - وإلا ففي ((الروض المربع)) (٢): تكره القبلة ودواعي الوطء لمن تحرك شهوته؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - نهى عنها شاباً ورخص لشيخ، رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، ورواه سعيد عن أبي هريرة وأبي الدرداء وكذا عن ابن عباس بإسناد صحيح: ((كان ◌َّر يقبل وهو صائم، وكان مالكاً لإربه)) وغير ذي الشهوة في معنى الشيخ، انتهى. وفي ((الإقناع))(٣): وحرم نحو لمس كقبلة إن حركت شهوة خوف الإنزال، وإلا فتركه أولى، قال في ((حاشيته)): قوله: إن حركت شهوة، هذا في حق غيره ◌َ# وإلا فمن خصائصه القبلة في الصوم مع وجود الشهوة، فقد كان ◌َّ يقبل عائشة وهو صائم ويمس لسانها ولعله لم يبلع ريقه المختلط بريقها، قال في ((الخصائص)): اختص بجواز القبلة في الصوم المفروض مع قوة شهوته، انتهى. قال الأبي: المشهور عن مالك كراهتها مطلقاً، ومنه رواية بكراهتها (فتح الباري)) (١٥١/٤). (١) (٢) (١/ ٤٣٢). (٣) (٤٧٤/١). ٨٦ --- ١٧ - كتاب الصيام (٥) باب للشاب دون الشيخ، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وكرهها في رواية ابن وهب في الفرض دون النفل، انتهى. وفي ((الشرح الكبير)) (١) للدردير: كره مقدمة جماع كقبلة وفكر ونظر إن عُلِمَتِ السَّلامة من مني ومذي وإلاّ يعلم بأن شك وأولى إن عُلِمَ عدمها حَرُمَتْ مقدمة الجماع، لا إن توهم عدم السلامة، انتهى. وتقدم في كلام العيني ما في فروع الحنفية. تکمیل قال الزرقاني: أجمعوا على أن من قَبَّل وسَلِمَ فلا شيء عليه، فإن أمذى فكذلك عند الحنفية والشافعية، وعليه القضاء عند مالك، وعن أحمد: يفطر، وإن أمْنى فسد صومه اتفاقاً، انتهى. ولا يصح حكاية الإجماع لما تقدم عن جماعة أنها تفطر مطلقاً، قال ابن قدامة: إن قبل فأمنى أفطر بلا خلاف فإن أمذى أفطر عندنا وعند مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفطر، وروي ذلك عن الحسن والشعبي والأوزاعي، واللمس بشهوة كالقبلة، كذا في العيني. قال الحافظ (٢): اختلفوا فيما إذا باشر أو قبّل أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر ولا قضاء في الإمذاء، وقال مالك وإسحاق: يقضي في كل ذلك، ويُكَفِّر إلا في الإمذاء فيقضي فقط، وروي عن ابن القاسم عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر أو قبّل فأنْعَظ ولم يمذ ولا أنزل، وأنكره غيره عن مالك، وقال ابن قدامة: إن قبل فأنزل أفطر بلا خلاف، كذا قال، وفيه نظر، فقد حكى ابن حزم أنه لا يفطر ولو أنزل، وقوى ذلك وذهب إليه، انتهى. قلت: واستثنى المالكية خروج المني أو المذي من المستنكح كما في ((الشرح الكبير)). (١) (٥١٨/١). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٥١/٤). ٨٧ ١٧ - كتاب الصيام (٥) باب (٥٧٣) حديث ١٣/٥٧٣ - حتى بَحَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَن رَجُلاًّ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، فِي رَمَضَانَ. أَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْداً شَدِيداً. فَأَرْسَلَ امْرَأْتَهُ تَسْأَلُ لَهُ عَنْ ذُلِكَ. وٍَّ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا. فَأَخْبَرَتْهَا فَتَسَلَتْ عَلَى أَمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ أمُ كَلَمَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ. فَرَجَعَتْ فَأَخْبَرَتْ لَوْجَهَا بِذلِكَ. فَرَادَهُ ن ١٣/٥٧٣ - (مالك، عنزيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار) قال الزرقاني (١): مرسل عند جميع الرواة، ووصله عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء عن رجل من الأنصار، انتهى. قال الحافظ: روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار أنه قبّل امرأته وهو صائم فأمر امرأته، الحديث. وأخرجه مالك لكنه أرسله، انتهى. (أن رجلاً) أي من الأنصار كما تقدم (قبّل امرأته وهو صائم في رمضان فوجد) أي حزن (من ذلك وجداً) أي حزناً (شديداً، من خوف الإثم والندم عما ارتكبه (فأرسل امرأته) إلى أهل بيت النبي لة (تسأل له عن ذلك) الفعل. قال الباجي(٢): يريد حزن وأشفق أن يكون ذلك محظوراً، ولعله وقت أن قبّل غفل عن النظر في ذلك، ثم تذكر فأشفق من فعله له وظن أنه ممنوع فأرسل امرأته (فدخلت على) أم المؤمنين (أم سلمة) هند بنت أمية (زوج النبي صَهَا الله تذكرت ذلك لها، فأخبرتها أم سلمة) أي بجواز هذا الفعل لما (أن رسول الله مَهَذِ اللَّه يقبل) بشد الباء أي يقبّلها كما في رواية للبخاري بسند آخر: وكان يقبّلها وهو والتـ صائم. (وهو صائم) أجابت بفعله ولو، لأن التعليم الفعلي أبلغ. (فرجمت) إلى بيتها (فأخبرت زوجها بذلك) أي بفعله وَ ل﴾ (فزاده) أي (١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٣/٢). (٢) ((المنتقى)) (٤٥/٢). ٨٨ - --------- ----- ١٧ - كتاب الصيام (٥) باب (٥٧٣) حدیث الرد اللهُ يولُّ لِرَسُولِ اللَّهِ بِلّهِ سلمةَ، فَوَحَدَتْ عِنْدَهَا ٥ مَا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ؟)) فَأَخْبِرَتْهُ 1976 بحول الله ألْوِيَا أَنِّي أَفْعَلُ ذُلِكَ؟)) الزوج الملك الخبر ... قال الباجي: يقتضي أنه استدام الأسف والحزن، فكان ذلك زيادة على حزنه المتقدم قبل السؤال، إذ لم تأته بما يقنعه، ويؤمن من خوفه مما كان يعتقد أنه أثم به، فيكون معنى زاده ههنا أدام له الأسف والحزن، ولم يزله ما سمع في ذلك من قول النبي وَّة، ويحتمل أن يكون معنى زاده ذلك حزناً اشتد حزنه لما يقوى عنده من سند الحظر حين لم يكن عند أم سلمة من الإباحة غير ما أخبرته ولم يكن ذلك عنده يقتضي الإباحة له، انتهى. إبطال الزوج: كامثل رسين اله( ** ) بالضم مبتدأ (يحل) بضم الياء وكسر الحاء من أحلَّ أي يبيح خبر الوسيلة وليس ما شاء) بلفظ الماضي في النسخ المصرية، وفي الهندية: « يشاء"، بالمضارع، أي كما أحلّ له وَلِّ القتال بمكة ساعة، ففي ((جمع الفوائد)) برواية الشيخين والترمذي والنسائي: فإن أحدٌ ترخَّصَ لقتال رسول الله بَّر فيها فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم (ثم رجعت امرأته) مرة أخرى (إلى ٤ سنة) لتسألها: هل هذا الفعل مما يقتدى فيه بالنبي ◌َّ أم لا؟ اتوجدت عندها رسول الله *، فقال رسول الله قال: ما لهذه المرأة؟) تجيء وتروح، ولعله ويل علم قبل ذلك بمجيئها، وهو الأوجه عندي، أو المعنى ما تسأل هذه المرأة؟ (فأخبرته أم سلمة؛ بأنها تسأل عن القُبلة للصائم (فقال رسول اله(ل) وقد ظن أنها لم تخبرها: (ألا) بفتح الهمزة وتشديد اللام (ألهافيها أتي أفعل ذلك؟) قال الباجي(١): كان يجب عليها أن تخبرها بذلك، (١) ((المنتقى)) (٤٥/٢). ٨٩ ١٧ - كتاب الصيام (٥) باب (٥٧٣) حدیث فَقَالَتْ: قَدْ أَخْبَرْتُهَا. فَذَهَبَتْ إِلَى زَوْجِهَا فَأَخْبَرَتْهُ. فَزَادَهُ ذُلِكَ شَرًّا . وَقَالَ: لَسْنَا مِثْلَ رَسُول اللَّهِ وَ ه. اللَّهُ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَحَلَ مَا شَاءَ. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿، وَقَالَ: ((وَاللَّهِ! إِنِّي لأَنْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ)). وفيه المقنع، ولعله ◌َل* ظن أنها لم تخبرها بذلك، فأنكر عليها ذلك ونبهها على الإخبار بأفعاله إذ هي السنن، وإنما يؤخذ أكثر هذه المعاني عن أزواج النبي ◌َّل، ويجب عليهن أن يخبرن بذلك ليقتدي الناس برسول الله وَليقول، قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ﴾(١) الآية. وقال ابن عبد البر(٢): فيه إيجاب العمل بخبر الواحد. (فقالت: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثل رسول الله مَ﴿، يحل الله) على الجملة الفعلية في النسخ الهندية، وفي المصرية: الله يحل (لرسوله) وَلَول (ما شاء، فغضب رسول الله مَ﴾) وتقدم وجه الغضب في من أصبح جنباً في رمضان (وقال: والله إني لأتقاكم لله) باللام على لفظ الجلالة في جميع النسخ. (وأعلمكم بحدوده) قال في ((المجمع)): الحدود محارم الله وعقوباته التي قرنها بالذنوب، وأصل الحد المنع والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام، فمنها ما لا يقرب كالفواحش المحرمة، منه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُهَا﴾ ومنها؛ ما لا يعتدى كالمواريث المعينة وتزويج الأربع، ومنه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾(٣)، انتهى. (١) سورة الأحزاب: الآية ٣٤. (٢) ((التمهيد)) (١١٦/٥). (٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٩. ٩٠ --- - ------ ١٧ - كتاب الصيام (٥) باب (٥٧٤) حديث ١٤/٥٧٤ - وحدّثني عَنَّ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيِهِ، عَنْ عَائِشَةً أَمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها؛ أَنَّهَاَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ. ثُمَّ ضَحِكَتْ. أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٢٤ - باب القبلة للصائم. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٢ - باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرّمة على من لم تحرك شهوته، حديث ٦٢. قال ابن عبد البر(١): فيه دلالة على جواز القبلة للشاب والشيخ؛ لأنه لم يقل للمرأة زوجك شيخ أو شابّ؟ فلو كان بينهما فرق لسألها لأنه المبين عن الله تعالى، وقد أجمعوا على أن القبلة لا تكره لنفسها، وإنما كرهها من كرهها خشية ما تؤول إليه، انتهى. قلت: لكن من فرق بين الشاب والشيخ أو الخائف على نفسه والمالك(٢) له -وهم الجمهور - إنما قالوا بذلك جمعاً بين الروايات، والروايات في ذلك مختلفة كما سترى، على أن الحديث واقعة حال لا عموم لها فلا مانع من أن النبي ◌ُّل يعلم أن زوجها شيخ. ١٤/٥٧٤ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة أم المؤمنين) - رضي الله عنها - (أنها قالت: إن) بكسر فسكون مخففة من المثقلة، دخلت على الجملة الفعلية (كان رسول الله﴾مل ليقبّل) بفتح اللام للتأكيد (بعض أزواجه) أي عائشة - رضي الله عنها - بنفسها كما يدل عليه لفظ ضحكت، قال الزرقاني(٣): عائشة كما في مسلم عنها كان يقبلني وهو صائم، أو أم سلمة كما في البخاري أو حفصة كما في مسلم، لكن الظاهر أن كلاً منهن إنما أخبرت عن فعله معها (وهو صائم) جملة حالية. (ثم ضحكت) هكذا في جميع النسخ المصرية بلفظ الماضي وهو الأوجه (١) انظر: ((الاستذكار)) (٥٦/١٠). (٢) هكذا في الأصل والظاهر المالك لنفسه. (٣) ((شرح الزرقاني)) (١٦٤/٢). ٩١ ١٧ - كتاب الصيام (٥) باب (٥٧٥) حدیث ٥٧٥/ ١٥ - وحتشي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ بَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ غَائِكَةَ ابْنَهَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُعَيْلٍ، امْرَأَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَانَتْ تَغَيِّلُ رَأْسَ عُمَرَ بْنِ الْخَنََّابِ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَا بَنْهَاهَا . بالسياق، وفي الهندية: ثم تضحك ببناء المضارع، تنبيهاً على أنها صاحبة القصة ليكون أبلغ في الثقة بها، لأن علم العيان أوثق من علم البيان، زاد ابن أبي شيبة عن شريك عن هشام عن أبيه: فظننا أنها هي، وقال الداودي: ضحكت تعجباً ممن خالفها في ذلك، أو تعجبت من نفسها إذا حدثت بمثل هذا مما تَسْتَحْيي النساء من ذكر مثله للرجال، لكن ألجأتها ضرورة التبليغ إلى ذلك، أو سروراً بتذكر مكانها من النبي ◌ُّر وحالها معه. ١٥/٥٧٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن عاتكة ابنة) وفي رواية: بنت (سعيد بن زيد بن عمرو) بفتح العين، هكذا في جميع النسخ الهندية بواسطة سعيد في نسبها إلا نسخة ((المصفّى)) فليست فيها، وكذلك ليست في النسخ المصرية، وفي الهامش عن ((المحلى)): هذا وهم من يحيى، والصواب ما لسائر الرواة بسقوطها، انتهى. فلما كانت الواسطة وهماً من يحيى، فحقيق أن تذكر مع التضبيب عليها كما ثبت في الأصول (ابن نفيل) بضم النون وفتح الفاء وسكون التحتية (امرأة) أي زوجة (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (كانت تُقَبِّلُ رأس عمر بن الخطاب وهو صائم). ۔۔ قال الباجي(١): يحتمل أن تفعل ذلك على وجه الالتذاذ، ويحتمل أن تفعله على وجه الإكرام والبر (فلا ينهاها) أي لم يمنعها، وذلك لعله لأنه - رضي الله عنه - يملك نفسه ويعلم منها أنها تملك نفسها، وقال الباجي: ليس في الحديث ما يدل على أنها هي صائمة لجواز أن تكون حائضاً في وقت صومه في رمضان، أو يكون صومه في غير رمضان، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٤٧/٢). ٩٢ ١٧ - كتاب الصيام (٥) باب (٥٧٦) حديث لأن النَّضْرِ، مَوْلَى ٦٠٠ ٥ ٢٠ جَمَنُ: أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ ١٥ -- - -: م هَا زَوْلُهُ كَلِكَ، وَهُموَ عَبْدَ اللَّه بْنْ ١ حى. س- ١٠٢ بذر الغ أبي، وار جاعٌ، فَقَالَتْ لَهُ عائِشَةُ: ١٥٠ ١٠٠: إنّ : ١٠ 2 الى النض) سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن ١٦/٥٧٦ _ ٠١٠٠ ٨) بضم العين فيهما ، ساخنة بستلة) بن عبيد الله، أحد العشرة القرشية التيمية، أم عمران أمها أم كلثوم بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - من رواة الستة (أخبرته؛ أي أبا النضر لأنها خان، سه عائشة زوج النبي﴾ فدخل 1 جهر سيد للأ من عبد فيحسن بن أبي بكر الصديق) من رواة ((الصحيحين)) وغيرهما، ثقة مقبول من الثالثة، مات بعد السبعين. إينو ماكم ثقالت له: عمته عائشة أم المؤمنين: (ما يمنعك) بصيغة المضارع، وفي النسخ المصرية: ما منعك بصيغة الماضي (أن تدنو) أن تقرب (من أملك) أي زوجك (فتقبلها وتلاعبها؟؛ قصدت - رضي الله عنها - بذلك إفادته الحكم، وإلا فمعلوم أنه لا يقبّلها بحضرة الناس سيما عمته أم المؤمنين. قال الباجي(١): لم تقصد بذلك أمره به لأن أحداً لا يؤمر بمثل هذا، وإنما هو موقوف على اختيار فاعله، وليس في ذلك إباحة لتقبيله إياها بحضرة عائشة وغيرها؛ لأن هذا مما يجب أن يستتر به ولا يفعل بحضرة أحد، وإنما سألته عن المانع له من ذلك إن كان الصوم أو غيره، ولعله قد بلغها ذلك عنه، فأرادت أن تعلمه بأنه غير مانع، انتهى. وقال أبو عبد الملك(٢): تريد ما يمنعك إذا دخلتما، ويحتمل أنها شكت (١) المنتقى (٤٦/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٦٤/٢). ٩٣ ١٧ - كتاب الصيام (٥) باب (٥٧٧) حديث فَقَالَ: أُقَبِّلُهَا وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. ١٧/٥٧٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، لعائشة قلة حاجته إلى النساء. وسألتها أن تكلمه فأفتته بذلك إذ صح عندها ملكه لنفسه، انتهى. والأوجه عندي أنها - رضي الله عنها - بلغها عنه أنه لا يبيحه في الصوم كما يدل عليه سؤاله (فقال: أقبّلها وأنا صائم؟) الواو حالية (قالت) عائشة - رضي الله عنها ـ (نعم) قال الباجي: قالت: نعم، ولم تعد عليه الحض على الملاعبة والتقبيل بعد أن كملت تعليمه الحكم، فثبت أنها قصدت التعليم دون الحض على الملاعبة، انتهى. واختلفت الفتيا عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - في قبلة الصائم، فهذا الأثر صريح في أنها أباحت له القبلة ولم ترها من الخصائص، وسيأتي في الباب الآتي ما يخالف ذلك، ولا ضيق في الجمع، إذا حمل أثر الباب على أنها - رضي الله عنها - علمت منه ملك نفسه كما حمل عليه الشراح، أو يحمل على أنها أرادت إعلام أنها لا تفطر. قال الحافظ: ويجمع بحمل النهي على كراهة التنزيه فإنها لا تنافي الإباحة، ثم لم يذكر في السؤال الملاعبة واكتفى على التقبيل لأن حكمها حكم القبلة. قال الموفق(١): المقبّل لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن لا ينزل فلا يفسد صومه بذلك، لا نعلم فيه خلافاً، الثاني: أن يمني فيفطر بغير خلاف نعلمه، والثالث: أن يمذي فيفطر عند إمامنا ومالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يفطر، ورد ذلك عن الحسن والشعبي والأوزاعي، ثم قال: واللمس بشهوة كالقبلة في هذا، انتهى. ١٧/٥٧٧ - (مالك، عن زيد بن أسلم أن أبا هريرة وسعد بن أبي وقاص) (١) ((المغني)) (٣٦٠/٤). ٩٤ ...----- -------- ١٧ - كتاب الصيام (٦) باب (٥٧٨) حديث كَانَا يُرَخِّصَانِ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِم. (٦) باب ما جاء في التشديد في القبلة للصائم ١٨/٥٧٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ ﴿، كَانَت إِذَا ذَكَرَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،وَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، تَقُولُ: وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ الصحابيان - رضي الله عنهما - (كانا يرخصان في القبلة للصائم) وكذا عمر - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة والتابعين كما تقدم، قال ابن عبد البر(١): لا أعلم أحداً رخص فيها إلا وهو يشترط السلامة مما يتولد منها، ومن علم أنه يتولد منها ما يفسد صومه وجب عليه اجتنابها، اهـ. (٦) ما جاء في التشديد في القبلة للصائم لما كانت الروايات في ذلك مختلفة ذكرها المصنف في بابين، ولما كان المرجح عند المالكية التشديد في ذلك إذ المشهور عندهم الكراهة مطلقاً كما تقدم في بيان المسالك آخر هذا الباب. ١٨/٥٧٨ - (مالك، أنه بلغه أن عائشة) رضي الله عنها (زوج النبي وسيلة صلىالله أخرجه الشيخان بطريق الأسود، ومسلم من طريق القاسم وعلقمة ومسروق الأربعة عن عائشة - رضي الله عنها - (كانت إذا ذكرت أن رسول الله ولو كان يقبّل) نفسها كما في عدة روايات، أو بعض أزواجه كما في الروايات الأخرى (وهو صائم تقول) مبيحة للمخاطب أو مانعة له عن الاتباع قولان للعلماء كما سيأتي (وأيكم أملك لنفسه)(٢) وبه فسر الترمذي ما ورد في الروايات وكان (١) انظر: ((الزرقاني)) (١٦٥/٢). (٢) ذكر ابن عبد البر طرق هذا الحديث في ((التمهيد)) (٢٦٤/٢٤ - ٢٦٦). ٩٥ ١٧ - كتاب الصيام (٦) باب (٥٧٨) حديث مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مام بلاغ مالك هذا، وصله البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٢٣ - باب المباشرة للصائم. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٢ - باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرّمة على من لم تحرك شهوته، حديث ٦٥. ولفظ البخاري برواية أملككم لإربه، فقال: يعني لنفسه (من رسول الله الأسود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان النبي ◌َّ يقبّل ويباشر وهو صائم وكان أملککم لإربه . واختلف شُراح الحديث في هذا اللفظ بموضوعين: الأول: في ضبطه، : قال الزرقاني: بكسر الهمزة وسكون الراء رواه الأكثر، كما قال الخطابي وعياض، قال النووي: هو الأشهر، وروي بفتح الهمزة والراء، وقدمه الحافظ أي ذكره مقدماً وذكر القول الآخر بعد ذلك بلفظ يروى. وقال: الأول أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري، وهما بمعنى الوطر والحاجة، أي أغلب لهواه وحاجته، ويطلق أيضاً بفتح الهمزة والراء على العضو المخصوص، قاله عياض. قال التوربشتي: لكن حمله في الحديث على العضو غير سديد لا يُعَبِّرُ به إلا جاهل بوجوه حسن الخطاب، مائل عن سنن الأدب ونهج الصواب، وردّه الطيبي(١) بأنها ذكرت أنواع الشهوة مرتقية من الأدنى إلى الأعلى، فبدأت بمقدمتها التي هي القبلة، ثم ثنت بالمباشرة وأرادت أن تُعَبِّرَ بالمجامعة فكَنَّتْ عنها بالإرب، وأي (٢) عبارة أحسن منها، انتهى. قلت: والقول الثالث في تفسيره: أن المراد منه نفسه كما تقدم. والاختلاف الثاني في معناه ومقصودها - رضي الله عنها - بهذا اللفظ قال (١) انظر: ((شرح الطيبي)) (١٥٩١/٥). (٢) هكذا في ((شرح الطيبي)) وما في ((المرقاة)) (٢٦٠/٤): ((إلى)) فهو تحريف. ٩٦ ---- .--- ١٧ - كتاب الصيام (٦) باب (٥٧٨) حدیث في ((المجمع)): تريد - رضي الله عنها - أنه يأمن مع هذه المباشرة الوقوع في الفرج فهي علة في عدم إلحاق الغير به، ومن يجيزها له يجعل قولها علة في إلحاقه به، فإنه إذا كان أملك الناس لإربه يباشرها فكيف لا تباح لغيره، انتهى. قلت: ويؤيد هذا المعنى الثاني ما ورد عنها - رضي الله عنها - من إباحة القبلة للناس، فقد أخرج البخاري في ((صحيحه)) تعليقاً: قالت عائشة: يحرم عليه فرجها، قال العيني: وصله الطحاوي بسنده عن حكيم بن عقال أنه قال: سألت عائشة ما يحرم عليّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها، قال الحافظ: إسناده إلى حكيم صحيح. قال العيني: وبنحوه أخرج ابن حزم في ((المحلى)) من طريق معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن مسروق قال: سألت عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - ما يحل للرجل من امرأته صائماً؟ فقالت: كل شيء إلا الجماع، انتهى. قال الحافظ(١): أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، قلت: ويؤيده أيضاً ما تقدم في الباب السابق أنها - رضي الله عنها - قالت لابن أخيها: ما منعك أن تدنو من أهلك فتقبّلها وتلاعبها؟ قال: أقبّلها وأنا صائم؟ قالت: نعم، ويؤيد المعنى الثاني ما في رواية مسلم بلفظ: ولكنه كان أملككم، بلفظ الاستدراك، ويؤيده أيضاً ما ذكره الحافظ من رواية حماد عند النسائي، قال الأسود: قلت لعائشة: يباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول الله 18 يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه، وظاهر هذا أنها اعتقدت الخصوصية بذلك، قاله القرطبي، وفي كتاب الصيام ليوسف القاضي من طريق حماد بن سلمة عن حماد بلفظ: سألت عائشة عن المباشرة للصائم فكرهتها . (١) ((فتح الباري)) (١٤٩/٤). ٩٧ ١٧ - كتاب الصيام (٦) باب (٥٧٩) حديث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةُ: قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمْ أَرَ الْقُبْلَةَ لِلصَّائِمِ تَدْعُو إِلَى خَيْرِ. ١٩/٥٧٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ الْقُّبْلَةِ لِلصَّائِمِ؟ فَأَرْخَصَ فِيهَا لِلشَّيْخِ، وكَرِهَهَا لِلشَّابِّ. وهذا المعنى الثاني أراد المصنف إذ ذكر الحديث في باب التشديد، فيكون المعنى عنده أنه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلة والمباشرة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثله وَ لّ لأنه يملك نفسه ويأمن الوقوع في ما بعد القبلة، فأنتم لا تأمنون ذلك فطريقكم الانكفاف. ومال ابن قتيبة في ((تأويل الحديث))(١) إلى هذا المعنى الثاني، بل قال بكونها مفطراً للصائم، ولفظه: قال أبو محمد: نحن نقول: إن القبلة للصائم تفسد الصوم؛ لأنها تبعث الشهوة وتستدعي المذي، وكذلك نقول في المباشرة، فأما رسول الله وَل فإنه معصوم وتقبيله في الصوم أهله كتقبيل الوالد ولده، ويدلّك على ذلك قول عائشة وأيكم يملك إربه، انتهى. (قال يحيى: قال مالك: قال هشام بن عروة: قال عروة بن الزبير: لم أر القبلة للصائم تدعو إلى خير) يريد أنها من دواعي الجماع والإنزال وهذا مما يفسد الصوم، وليس في قصدها إلا التغرير بصومه، وهذا لمن لا يملك نفسه، وأما من ملك نفسه فلا حرج عليه، قاله الباجي (٢). ١٩/٥٧٩ - (مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن عبد الله بن عباس سئل) ببناء المجهول (عن القبلة للصائم؟، فأرخص فيها للشيخ) لأن الغالب فيه ملكه لنفسه لانكسار شهوته (وكرهها للشاب) لأن الغالب فيه غلبة (١) (ص ١٦٤). (٢) ((المنتقى)) (٤٥/٢). ٩٨ --- ----- ١٧ - كتاب الصيام (٦) باب (٥٧٩) حديث شهوته على نفسه، وقد ورد هذا المعنى مرفوعاً وموقوفاً عن غير ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضاً. قال الحافظ (١): فرق آخرون بين الشيخ والشاب، فكرهها للشاب وأباحها للشيخ وهو مشهور عن ابن عباس، أخرجه مالك وسعيد بن منصور وغيرهما، وجاء فيه حديثان مرفوعان فيهما ضعف، أخرج أحدهما أبو داود من حديث أبي هريرة، والآخر أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، انتهى. قال العيني(٢): أخرجه أحمد والطبراني في ((الكبير)) عنه أي ابن عمرو قال: كنا عند النبي ◌َّل﴿ل فجاء شابٌّ، فقال: يا رسول الله أُقبّل وأنا صائم؟ قال: ((لا))، قال: فجاء شيخ فقال: أقبّل وأنا صائم؟ قال: ((نعم))، قال: فنظر بعضنا إلى بعض، فقال رسول الله وَلجر: «قد علمت لِمَ نظر بعضكم إلى بعض، إن الشيخ يملك نفسه))، وفي إسناده ابن لهيعة مختلف في الاحتجاج به، انتھی . وقال الشوكاني(٣): أخرجه البيهقي عن عائشة مرفوعاً. وقال الزرقاني(٤): روى البيهقي بإسناد صحيح عن عائشة - رضي الله عنها -: أنه وَّ رخص في القبلة للشيخ وهو صائم، ونهى عنها الشاب، وكذا قال صاحب ((روضة المحتاجين))، رواه البيهقي بإسناد صحيح، ولا فرق بين التفريق بالشاب والشيخ، والتفريق بمن يملك نفسه ولا يملك؛ لأن التعبير بالشيخ والشاب جرى على الغالب من أحوال الشيوخ في انكسار شهوتهم (١) انظر ((فتح الباري)) (١٥٠/٤). (٢) ((عمدة القاري)) (٨٨/٨). (٣) ((نيل الأوطار)) (٢٥٠/٤) رقم الحديث (١٦٥٩). (٤) (١٦٦/٢). ٩٩ ١٧ - كتاب الصيام (٧) باب (٥٨٠) حدیث ٢٠/٥٨٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِم. (٧) باب ما جاء في الصيام في السفر وأحوال الشباب في قوتهم، فلو انعكس الأمر انعكس الحكم كما هو معلوم، وصرح بذلك صاحب ((روضة المحتاجين))، فقال: هذا الحديث جرى على الغالب فلو انعكس الأمر بأن لم يملك الشيخ إربه، وملكه الشاب انعكس الحكم، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، انتهى. على أن الفرق بين الشيخ والشاب مروي مرفوعاً، والفرق بين من يملك نفسه وغيره مستنبط عائشة - رضي الله عنها -. ٢٠/٥٨٠ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان ينهى عن القبلة والمباشرة) هو التقاء البشرتين سواء أولج أو لم يولج (للصائم) وذلك يحتمل أن يكون لأنه يرى كراهتهما للصائم أو ينهى سداً للذريعة. (٧) ما جاء في الصيام في السفر اختلفت روايات الحديث في هذا الباب أيضاً، ولذا اختلف الفقهاء(١) فى ذلك على أقوال: الأول: التخيير. وروي عن ابن عباس وأنس وأبي سعيد وسعيد بن المسيب وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والنخعي ومجاهد والليث والأوزاعي. الثاني: أن الإفطار أفضل، وروي عن عمر بن عبد العزيز والشعبي وقتادة ومحمد بن علي والشافعي وأحمد وإسحاق، ولا يذهب عليك أن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - حكى عنه ابن العربي الفطر أفضل في السفر. (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٣/١١/٦). ١٠٠