النص المفهرس

صفحات 1-20

أفْ حَن المَالِك
إِلى
موظا مالكن
الجُرْءُ الخَامِس
تَأْلِيفُ
الإِمام المُحدِّثُ
محمد زكريا الكاْ هِدوي مدي
المتوفى سنة ١٤٣ هـ
اعتَنَى بِهِ وَعَلَّقَعَلَيْهِ
الأستاذ الدكتور في الذين الندونيّ
دار القلم
دمشق

んじん.C
し
:

أَوْ سَحُ السَالِك
إلى
موظا ماكن

الطَّبْعَةُ الأَوْلِى
مُحَقّقَةٌ وَمُنَفّحَةٌ
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
حُقُوقُ الطَّبْعِ مَحَفُوظَةٌ لِلْمُحَقِّقِ
-- ---------
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه يوبي (الهند).
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
For Research & Islamic Studies.
MOZAFFAR PUR, AZAMGARH, U.P. (INDIA).
Tel: 0091 54622 70104
0091 54622 70317
Fax: 0091 54622 70786
--------

١٧ - كتاب الصيام
بسم الله الرحمن الرحيم
(١٧) كتاب الصيام
بسم الله الرحمن الرحيم، نحمده ونصلي على رسوله الكريم
(١٧) كتاب الصيام
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أوّلاً: أن النسخ اختلفت في ذكر الكتاب بعد كتاب الجنائز، ففي جميع
النسخ المصرية وشرح الزرقاني والسيوطي ذكر بعده كتاب الزكاة، وفي جميع النسخ
الهندية والمصرية التي على هامش الباجي، وكذا في ((شرح الباجي)) ذكر ههنا كتاب
الصيام، وعلى هذا الصنع اعتمدنا اتّباعاً للنسخ الهندية التي كأنها روايتنا، ولأن
أكثر كتب المالكية على هذا الترتيب، سيما ((المدونة)) التي هي العمدة في مذهبهم.
ومناسبته بالصَّلاة ظاهرة إذ هما من الطاعات البدنية، ولأن وجود الصوم
مقدَّم على وجود الزكاة لأنه افترض قبلها على الصحيح، فحيث كان وجوده
مقدماً على وجودها ناسب أن يكون ذكره أيضاً كذلك ليطابق الذكر الوجود،
على أنه قد جاء في بعض الروايات هكذا، فقد روى الترمذي(١) وصحّحه
الحاكم وابن حبان عن أبي أمامة يقول: سمعت رسول الله صَلّل في حجة الوداع
يقول: ((اتقوا الله وصلّوا خمسكم وصوموا شهركم وأدُّوا زكاة أموالكم))،
الحديث. وأخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء كذا في ((شرح الإحياء)).
وثانياً: أن جميع النسخ الموجودة من المصرية والهندية متظافرة على
تأخير التسمية من الكتاب وعليها بناء الشروح الثلاثة. قال الزرقاني (٢): ابتدأ
بها ((أي التسمية)) تبركاً وتفنناً، فأخّرها عن ترجمة كتاب الصيام. وقدّمها في
(١) أخرجه الترمذي (٦١٦) في آخر أبواب الصلاة ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (٩/١).
(٢) (١٥٣/٢).

١٧ - كتاب الصيام
الزكاة، وكفى بالتفنن نكتة، وفي نسخ تقديمها على الترجمة، انتهى.
وثالثاً: أن الصوم لغة الإمساك عن أي شيء، كان قولاً كقوله: ﴿إِنّ
نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾(١) أو فعلاً كقول النابغة الذبياني:
تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجَمَا
خَيْلٌ صِيَامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ
أي قائمة على غير علف، قاله الجوهري. وقال ابن فارس: ممسكة
عن السير، وفي ((المحيط)) وغيره: ممسكة عن الاعتلاف، قاله العيني(٢). قال
المجد: صام صوماً وصياماً واصطام: أمسك عن الطعام والشراب والكلام
والنكاح، وهو صائم وصومان وصوم، والجمع صوَّام وصُيَّام وصُوَّم وَصُيَّم
وصِيَّم وصِيام وصُيامى، وقال الراغب: هو في الأصل الإمساك عن الفعل
مطعماً كان أو كلاماً أو مشياً، انتهى.
فعلم من ذلك أن لفظ الصيام مشترك بين المصدر والجمع، وعلى الثاني
جمع للصائم، كما حكاه عامة أهل اللغة والتفسير، ويوهم كلام الفقهاء إلى أنه
جمع للصوم أيضاً كما بسطه ابن عابدين، والمراد في الترجمة المعنى
المصدري، ويحتمل جمع الصوم أيضاً لو صحّ، لا جمع الصائم فإنه لا يلائم
نسق التراجم من الصلاة والزكاة.
ورابعاً: أن الصَّوم في الشرع إمساك المكلف بالنية من الخيط الأبيض إلى
الخيط الأسود عن تناول الأطيبين والاستمناء والاستقاء، قاله الراغب. قال
الطيبي: فهو وصف سلبي، وإطلاق العمل عليه تجوز، انتهى.
وفي ((الشرح الكبير)) (٣): وشرعاً: إمساك عن شهوتي البطن والفرج في
جميع النهار بنيّة. قال الدسوقي: يبطل طرد هذا التعريف بما إذا جومعت
(١) سورة مريم: الآية ٢٦.
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٥٣/٥).
(٣) (٥٠٩/١).
------
-----
-----------
------

١٧ - كتاب الصيام
٠٠٠٠٠٠٠٠
٠٠٠٠
٠٠٠
ء
٠ ٠ ٠ ٥
نائمة، أو قاء متعمداً، فالتعريف يقتضي صحة صومه الإمساك كل عن شهوتي
البطن والفرج وليس كذلك، انتهى. وبنحوه عرّفه في ((الأنوار)) من مسالك
المالكية. وفي ((الدر المختار) من فروع الحنفية: هو إمساك عن المفطرات
حقيقة أو حكماً ((كمن أكل ناسياً فإنه ممسك حكماً)) في وقت مخصوص وهو
اليوم من شخص مخصوص ((كمسلم طاهر عن حيض ونفاس)) مع النية.
وقال القاري(١): هو إمساك عن الجماع، وعن إدخال شيء بطناً له حكم
الباطن من الفجر إلى الغروب عن نية، كذا عرّفه ابن الهمام، انتهى. وسيأتي
الخلاف في وقت الصّوم في البحث العاشر.
وخامساً: أن حكم الصوم كثيرة كسائر الأحكام الشرعية لا يبلغ إلى
انتهائها الإدراك الإنساني لقصور ارتقائه.
قال الزرقاني (٢): شرع الصيام لفوائد: أعظمها كسر النفس وقهر
الشيطان، فالشبع نهر في النفس يرده الشيطان والجوع نهرٌ في الروح ترده
الملائكة. ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على ما منع منه
كثيراً من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك في
وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكّر به من منع ذلك على الإطلاق،
فيوجب ذلك شكر نعم الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج
ومواساته بما یمکن من ذلك، انتهى.
قال الغزالي(٣): هو قهر لعدو الله عز وجل، فإن وسيلة الشيطان - لعنه الله
- الشهوات وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب، ولذلك قال ◌َله: ((إن
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٢٩/٤).
(٢) (١٥٢/٢).
(٣) ((إحياء علوم الدين)) (٢١٢/١).
٧

١٧ - كتاب الصيام
الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيّقوا مجاريه بالجوع))، وقال وَل
لعائشة: ((داومي قرع باب الجنَّة))، قالت: بماذا؟ قال ◌َّ: ((بالجوع)). قلت:
وتكلم على الحديثين بقواعد المحدثين، والغرض من ذكرهما ما قالوا في حكم
الصوم. وبسط الكلام على حكمة الصوم وتخصيص الشهر شيخ مشايخنا
الدهلوي - نور الله مرقده - في ((حجّة الله البالغة)) (١) - فارجع إليه لو شئت.
وقال القاري: شرعه سبحانه لفوائد أعظمها كونه موجباً لشيئين: أحدهما
ناشىءٌ عن الآخر سكون النفس الأمّارة وكسر شهوتها في الفضول المتعلقة
بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج، فإن به تضعف حركتها في
محسوساتها، ولذا قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت
جاعت كلها، والناشئ عن هذا صفاء القلب عن الكدر، فإن الموجب لكدوراته
فضول اللسان والعين إلى آخر ما قاله.
وسادساً: ما قالوا: إن بدء الصوم من زمن آدم على نبينا وعليه الصلاة
والسلام، فقد ذكر بعض الصوفية أن آدم عليه السلام لما تاب من أكل الشجرة
تأخر قبول توبته لما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يوماً، فلما صفا
جسده منها تيب عليه ففرض على ذريته صيام ثلاثين يوماً. قال الحافظ في
((الفتح)) (٢): وهذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يقبل قوله في ذلك،
وهيهات وجدان ذلك، انتهى.
وفي القرآن المجيد: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾(٣). قال صاحب ((الجمل)): عبارة الخطيب أي من الأنبياء والأمم من
(١) انظر: (٣٦/٢) وراجع إلى كتاب ((زاد المعاد)) (١٥٢/١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠٣/٤).
(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٣.
-------
٨
- --
---

١٧ - كتاب الصيام
لدن آدم إلى عهدكم، قال علي - رضي الله عنه -: أولهم آدم، يعني أن الصوم
عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله تعالى أمته من افتراضها عليهم لم يفرضها
عليكم وحدكم، قال الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن
قَبْلِكُمْ﴾ في هذا التشبيه قولان: أحدهما عائد إلى أصل إيجاب الصوم يعني
هذه العبادة كانت مكتوبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، وفائدة
هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة والمشي الشاق إذا عم سهل تحمله، والقول
الثاني: إنه عائد إلى وقت الصوم وقدره وهذا ضعيف، انتهى.
قال العيني(١): قيل: كان الصوم على آدم عليه السلام أيام البيض،
وصوم عاشوراء على قوم موسى عليه السلام، وكان على كل أمة صوم، انتهى.
وهكذا في تفسير (روح البيان)) وسيأتي في البحث الآتي أن رمضان فرض على
النصارى فزادوا من عند أنفسهم على ما فرض، وأخرج ابن أبي حاتم عن
الضحاك قال: كان الصوم الأول صامه نوح فمن دونه حتى صامه النبي وَل
وأصحابه، وكان صومهم من شهر ثلاثة أيام إلى العشاء، وهكذا صامه،
وأخرج عن ابن عمر مرفوعاً: صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم، وأخرج
عن الحسن: كتب الصيام على كل أمة خلت كما كتب علينا شهراً، وقال
عزَّ اسمه في قصّة مريم: ﴿إِنِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾(٢) الآية. وهذا دليل على أن
صوم النذر أيضاً من الشرائع قبلنا، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد: كان
من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم من الطعام إلا من
ذكر الله. قلت: وقد ورد في الروايات: أن صوم يوم وفطر يوم كان من صيام
داود عليه الصلاة والسلام.
وسابعاً: هل كان صوم رمضان شرعاً من قبلنا؟ فقال جماعة: إن الله تعالى
(١) ((عمدة القاري)) (٢٥٤/١٠/٥).
(٢) سورة مريم: الآية ٢٦.
٩

١٧ - كتاب الصيام
فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر
وصامت يوماً من السنة، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضاً
لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله وَ﴾، أما النصارى فإنهم
صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحوّلوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا
عند التحويل: نزيد فيه فزادوا عشراً، ثم بعد زمان اشتكى مَلِكُهم فنذر سبعاً
فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمه خمسين
يوماً، وهذا معنى قوله: ﴿أَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ﴾(١) الآية، كذا في ((التفسير
الكبير))، وقيل: في زيادة النصارى أقوال أخر ذكرها أهل التفسير، وأخرج
الآثار في ذلك السيوطي في ((الدر)) وفي ((تفسير القرطبي)) عن قتادة: كتب الله
تعالى على قوم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام صيام رمضان فغيروا،
قاله العيني(٢). وتقدم في البحث الماضي بعض الآثار المتعلقة لذلك.
قال البجيرمي(٣): إن كان التشبيه في قوله تعالى: كما كتب في صوم
رمضان كان من الشرائع القديمة، لأنه قيل: ما من أمة إلا وقد فرض عليها
شهر رمضان إلا أنهم ضلوا عنه، وإن كان التشبيه في مطلق الصوم كان صوم
رمضان من خصوصيات هذه الأمة، انتهى. ومال صاحب ((المدارك)) إلى أن
التشبيه باعتبار أن كل أحد له صوم أيام.
----
وثامناً: أن فريضة رمضان نزلت علينا في السنة الثانية من الهجرة في
شعبان. قال صاحب ((الخميس))(٤) وفي ((معالم التنزيل)): يقال: أنزل فرض
رمضان قبل رمضان بشهر وأيام على ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: نزل
(١) سورة التوبة: الآية ٣١.
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٨٠/٨).
(٣) (شرح الإقناع)) (٣٧١/٢).
(٤) (تاريخ الخميس)) (١٦٨/١).
١٠

١٧ - كتاب الصيام
فرض شهر رمضان بعدما صرفت القبلة إلى الكعبة في شعبان بشهر على رأس
ثمانية عشر شهراً من الهجرة، انتهى.
وكذا حكاه القاري(١) عن الشُمُنِّي، وفي ((المجمع)) وفيها: ((أي السنة
الثانية)) حولت القبلة إلى الكعبة للنصف من شعبان، وقيل: للنصف من رجب،
وفي شعبانها نزلت فريضة رمضان وصدقة الفطر، انتهى. وفي ((الدر المختار)):
فرض بعد صرف القبلة إلى الكعبة لعشر في شعبان بعد الهجرة بسنة ونصف،
انتهى. وهكذا قال غيرهم، وفي تفسير (روح البيان)): أن افتراض الصيام بعد
خمس عشرة سنة من النبوة بعد الهجرة بثلاث سنين، انتهى.
وعن ابن عباس: بعث الله نبيه بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق زاد
الصلاة، فلما صدق زاد الزكاة، فلما صدق زاد الصيام، فلما صدق زاد
الحج، انتهى.
وتاسعاً: اختلف السلف هل فرض على الناس شيء من الصيام قبل نزول
رمضان أم لا؟ قال الحافظ (٢): قال الجمهور - وهو المشهور عند الشافعية -:
إنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية أول
ما فرض صيام عاشوراء فلما نزل رمضان نسخ، انتهى. قُلت: وسيأتي الكلام
في هذا البحث في باب عاشوراء، وقال القاري: قيل: لم يفرض قبله صوم،
وقيل: كان ثم نسخ فقيل: عاشوراء، وقيل: الأيام البيض، انتهى.
وقال العيني(٣): اختلفوا في أي صوم وجب في الإسلام أولاً؟ فقيل:
صوم عاشوراء، وقيل: ثلاثة أيام من كل شهر، لأنه 18م لما قدم المدينة جعل
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٢٩/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠٣/٤).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤/٨).
١١

١٧ - كتاب الصيام
يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، رواه البيهقي، انتهى. وقال الباجي: أول
ما فرض من الصيام صوم يوم عاشوراء، فلما فرض رمضان نسخ وجوبه،
انتهى. وفي (روح المعاني)): أما ما وجب صومه قبل وجوبه أي رمضان وهو
صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهي أيام البيض على ما روي عن عطاء، ونسب
إلى ابن عباس، أو ثلاثة من كل شهر وعاشوراء على ما روي عن قتادة،
انتھی .
وعاشراً: أن وقت الصوم النهار الشرعي من طلوع الفجر الثاني إلى
الغروب، قال ابن رشد (١): أما التي تتعلق بزمان الإمساك فإنهم اتفقوا على أن
آخره غيبوبة الشمس لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنِّقُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِّ﴾(٢)، واختلفوا في
أوله، فقال الجمهور: هو طلوع الفجر الثاني المستطير الأبيض لثبوت ذلك عن
رسول الله ◌َّ، ولظاهر قوله تعالى: ﴿حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾(٣) الآية.
وشذّت فرقة فقالوا: هو الفجر الأحمر الذي يكون بعد الأبيض وهو نظير
الشفق الأحمر، وهو مروي عن حذيفة وابن مسعود، انتهى.
وحكى الرازي في ((تفسيره)) عن الأعمش أنه يقول: أول وقته إذا طلعت
الشمس، وكان يبيح الأكل والشرب بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس،
ويحتجّ بأن انتهاء اليوم من وقت الغروب فكذا ابتداؤه يجب أن يكون من عند
الطلوع، قال: وهذا باطل بالنص، وحكي عن الأعمش: أنه دخل عليه
أبو حنيفة يعوده فقال له الأعمش: إنك لثقيل عليّ وأنت في بيتك، فكيف إذا
زرتني؟ فسكت عنه أبو حنيفة، فلما خرج من عنده قيل له: لم سكت عنه؟
فقال: وماذا أقول في رجل ما صام وما صلَّى في دهره، عنى به أنه كان يأكل
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٨٨/١).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
١٢

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(١) باب ما جاء في رؤية الهلال للصوم والفطر في رمضان
بعد طلوع الفجر الثاني فلا صوم له، وكان لا يغتسل من الإنزال فلا صلاة له،
انتھی .
وقال الموفق في ((المغني))(١): الصوم المشروع هو الإمساك عن
المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وروي ذلك عن عمر
وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال عطاء وعوام أهل العلم، وروي عن علي
- رضي الله عنه -: أنه لما صلى الفجر قال: الآن حين تبين الخيط الأبيض من
الخيط الأسود، وعن ابن مسعود نحوه.
وقال مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم، إنما كانوا يعدون الفجر
الذي يملأ البيوت والطرق، وهذا قول الأعمش، ولنا قول الله تعالى: ﴿حَّ
يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ اُلْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِّ﴾(٢) يعني بياض النهار من سواد
الليل، وهذا يحصل بطلوع الفجر.
قال ابن عبد البر في قول النبي وَل#: ((إن بلالاً ينادي بليل، فكلوا
واشربوا، حتى ينادي ابن أم مكتوم)) دليل على أن الخيط الأبيض هو الصباح،
وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، وهذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش
وحده، فشذّ ولم يعرج أحد على قوله، انتهى ((فتلك عشرة كاملة)).
(١) ما جاء في رؤية الهلال للصوم والفطر في رمضان
(ما جاء) من الروايات والآثار (في رؤية الهلال) اختلف في معنى الهلال
كما سيجيء (للصيام) كذا في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية كلها للصوم.
قال الباجي (٣): الفطر لا يكون في رمضان، وإنما يكون رؤية الهلال في
(١) (٣٢٥/٤).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٧.
(٣) ((المنتقى)) (٣٥/٢).
١٣

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
--- --
----
زمان رمضان للفطر، والصوم في رمضان. ورؤية الهلال في الأغلب في غيره،
انتهى. وظاهره أن العلامة الباجي قصر الظرف على الجزء الثاني فقط،
والأوجه عندي أنه يتعلق بكلا الجزئين، أي ما جاء في رؤية الهلال في حق
رمضان باعتبار الصيام له وباعتبار الفطر عنه، وذلك لأن المصنف ذكر فيه ما
يتعلق بالهلالين معاً ولم يذكر فيه ما يتعلق بالأهلّة الأخر سواهما.
قال الزرقاني(١): الأكثر أن الهلال القمر في حالة خاصّة، قال الأزهري:
يسمى القمر لليلتين من أول الشهر هلالاً، وفي ليلة ست وسبع وعشرين أيضاً
هلالاً، وما بين ذلك يسمى قمراً. وقال الجوهري: الهلال لثلاث ليال من أول
الشهر ثم هو قمر بعد ذلك، وقيل: الهلال هو الشهر بعينه، انتهى. وقال
الراغب: الهلال القمر في أول ليلة والثانية، ثم يقال له: القمر. ولا يقال له:
هلال، انتهى. ثم قال الزرقاني: تعبير الإمام برمضان إيماء إلى جواز ذكره
بدون شهر .
قلت: وتوضيح ذلك أنهم اختلفوا هل يجوز أن يقال: رمضان بدون
إضافة لفظ الشهر إليه على ثلاثة أقوال:
الأول: لا يجوز، وكان عطاء ومجاهد يكرهان أن يقولا: رمضان، وإنما
كانا يقولان كما قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ لأنا لا ندري لعل رمضان اسم
من أسماء الله تعالى، وحكاه البيهقي عن الحسن أيضاً قال: والطريق إليه وإلى
مجاهد ضعيفة، وهو قول أصحاب مالك، قاله العيني.
قال الزرقاني: منعه أصحاب مالك لحديث: ((لا تقولوا رمضان فإن
رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولكن قولوا: شهر رمضان))، أخرجه
ابن عدي وضعّفه، انتهى. وقال أبو حاتم: هذا خطأ. وإنما هو قول أبي هريرة
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ١٥٣).
.....
١٤
،
-----
--- -

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
+
٠
- رضي الله عنه - وفيه أبو معشر نجيح المدني، كذا في العيني(١). وحكي عن
بعض الحنفية أيضاً كما سيأتي في القول الثالث في كلام ابن عابدين.
والثاني: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة وإلا فيكره، قال
صاحب ((التوضيح)): هو قول أكثر أصحابنا، قالوا: يقال: قمنا رمضان
ورمضان أفضل الشهر، ويكره أن يقال: جاء رمضان ودخل رمضان وحضر.
كذا في العيني. قال الزرقاني: وفرّق ابن الباقلاني من المالكية فقال: إن دلّت
قرينةٌ على صرفه إلى الشهر جاز وإلا امتنع، وبالفرق قال كثير من الشافعية.
قال الباجي(٢): رأيت القاضي أبا الطيب الطبري قال: يقال: صمتُ
رمضان لأن المعنى معروف، فإذا وصف بالمجيء لا يقال: جاء رمضان
للإشكال فيه، وإليه مال الموفق(٣)، إذ قال: روي عن النبي ◌َّلقول أنه قال: ((إذا
جاء رمضان فتحت أبواب الجنة))، متفق عليه. وروي عن أبي هريرة عن
النبي وسلم أنه قال: ((لا تقولوا: جاء رمضان، فإن رمضان اسم من
أسماء الله تعالى)) (٤)، فيتعين حمل هذا على أنه لا يقال ذلك غير مقترن بما
يدل على إرادة الشهر لئلا يخالف الأحاديث الصحيحة، والمستحب مع ذلك
أن يقول: شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ﴾(٥) الآية.
والثالث: جواز الإطلاق مطلقاً، قال النووي: المذهبان الأول والثاني
فاسدان لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع ولم يثبت فيه نهي، ولا يصح
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٦٥/١٠/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٣٥/٢).
(٣) ((المغني)) (٣٢٤/٤).
(٤) أخرجه البيهقي في: باب ما روي في كراهية قول القائل جاء رمضان وذهب رمضان،
((السنن الكبرى)) (٢٠١/٤).
(٥) سورة البقرة: الآية ١٨٥.
١٥

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
-----------
قولهم: إنه اسم من أسماء الله تعالى، لأنه جاء فيه أثر ضعيف،
وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم
الكراهة، والصواب ما ذهب إليه المحققون أن لا كراهة في إطلاق رمضان
بقرينة وبلا قرينة.
قال الباجي: هو الصواب، فقد جاء ذلك في أحاديث صحيحة كقوله مَله :
((إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء))، الحديث، وكذا قال عياض: إنه
الصحيح، وبوّب البخاري في ((صحيحه)) (١) ((هل يقال: رمضان أو شهر
رمضان؟ ومن رأى كله واسعاً))، وأتى على ذلك بدلائل، وترجم النسائي في
(سننه)) فقال: ((باب الرخصة في أن يقال لشهر رمضان: رمضان)):، انتهى.
وذكر فيه حديثين بدون لفظ الشهر.
وفي ((الدر المختار)): الأصح أنه لا يكره قول رمضان، قال ابن عابدين:
قال بعضهم: الصحيح ما رواه محمد عن مجاهد ولم يحك خلافه أنه كره أن
يقال: جاء رمضان وذهب رمضان لأنه اسم من أسمائه تعالى، وعامة
المشايخ: أنه لا يكره لمجيئه في الأحاديث الصحيحة كقوله وقال: ((من صام
رمضان إيماناً واحتساباً))، ((وعمرة في رمضان تعدل حجة))، ولم يثبت في
المشاهير كونه من أسمائه تعالى، ولئن ثبت فهو من الأسماء المشتركة
کالحکیم، انتھی.
ثم اختلف أهل الفن في اشتقاق رمضان، قال الزمخشري: هو مصدر
رمض إذا احترق من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر وجعل علماً، ومنع الصرف
للتعريف والألف والنون، وسمّوه بذلك لارتماضهم فيه من حرِّ الجوع ومقاساة
شدته كما سموه ناتقاً؛ لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم إضجاراً بشدته عليهم.
(١) ((صحيح البخاري))، كتاب الصوم، باب (٥)، و((فتح الباري)) (١١٢/٤).
..----
١٦
----

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦١) حديث
١/٥٦١ - حدّثني يَحْيَىُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَلِ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ:
((لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ.
وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت
فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر.
قال العيني(١): كانوا يقولون للمحرم: المؤتمر، ولصفر: ناجر، ولربيع
الأول: خوان، ولربيع الآخر: وبضان، ولجمادى الأولى: ربى، ولجمادى
الأخرى: حنين، ولرجب: الأصم، ولشعبان: عاذل، ولرمضان: ناتق،
ولشوال: وعل، ولذي القعدة: ورنة، ولذي الحجة: برك.
وفي ((الغريبين)): هو مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حَرَّ جوفه من
شدة العطش. وفي ((المغيث)): اشتقاقه من رمضت النصل أرمضه رمضاً إذا
جعلته بين حجرين ودققته ليرق، سمي به؛ لأنه شهر مشقة ليذكر صائموه
ما يقاسي أهل النار فيها، وقيل: من رمضت في المكان يعني احتبست، لأن
الصائم يحتبس عما نهي عنه، وفعلان لا يكاد يوجد من باب فعل، وهو من
باب فعل بالفتح كثير. وقال ابن خالويه: العرب تقول: جاء فلان يغدو رمضاً
وترميضاً ورمضاناً إذا كان قلقاً فزعاً. وفي ((المحكم)): جمعه رمضانات
وأرمضة وغير ذلك.
قال القاري: ورمضان إن صح أنه من أسماء الله تعالى فهو غير مشتق أو
راجع إلى معنى الغافر أي يمحو الذنوب ويمحقها، انتهى. وتقدم قريباً ما قال
ابن عابدين: في كونه من أسمائه تعالی.
١/٥٦١ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (أن
رسول الله ( ذكر رمضان فقال: لا تصوموا) أي في يوم الثلاثين من شعبان عن
رمضان كما يدل عليه السياق (حتى تروا الهلال) أي هلال رمضان وهذا إذا لم
(١) ((عمدة القاري)) (٢٠/٨).
١٧

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦١) حديث
يكمل شعبان ثلاثين، وإن كمل شعبان ثلاثين يوماً، فيجب الصوم بدون الرؤية
أيضاً .
وفي ((نيل المآرب)) (١): يستحب لمن رأى الهلال أن يقول ما روي عن
ابن عمر - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله وَّ إذا رأى الهلال قال: ((الله
أكبر الله أكبر الله أكبر اللهم أَهِلَّهُ علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام
والتوفيق لما تحب وترضى ربي وربك الله)) رواه الأثرم والدارمي، انتهى.
ثم في الحديث المذكور عدة أبحاث:
الأول: أن ليس المراد رؤية جميع الناس بل بعضهم كما سيجيء قريباً.
والثاني: ما قال الحافظ (٢): ظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت
ليلاً أو نهاراً، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فرق بين
ما قبل الزوال أو بعده، وخالف الشيعة الإجماع فأوجبوه مطلقاً، انتهى. قلت:
وسيأتي بيان من فرّق قبل الزوال وبعده.
والثالث: إن عدم الصوم مغياً بتحقق الرؤية فلو ثبت لليلة ماضية يجب
الصوم متى ثبت.
قال الموفق(٣): إذا أصبح مفطراً يعتقد أنه من شعبان فقامت البينة بالرؤية
لزمه الإمساك والقضاء في قول عامة الفقهاء. إلا ما روي عن عطاء أنه قال:
يأكل بقية يومه. قال ابن عبد البر: لا نعلم أحداً قاله غير عطاء. وذكر
أبو الخطاب ذلك رواية عن أحمد، ولا أعلم أحداً ذكرها غيره. وأظن هذا
غلطاً، فإن أحمد نص على إيجاب الكفارة على من وطئ ثم كفر ثم عاد فوطئ
(١) انظر: ((المغني)) (٣٢٨/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١٢١/٤).
(٣) ((المغني)) (١٣٣/٣).
١٨
---
------
----
----
------ --
----
--
-------
-

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦١) حديث
في يومه لأن حرمة اليوم لم تذهب، فإذا أوجب الكفارة على غير الصائم لحرمة
اليوم فكيف يبيح الأكل، ولا يصح قياس هذا على المسافر إذا قدم وهو مفطر
وأشباهه لأن المسافر كان له الفطر ظاهراً وباطناً، وهذا لم يكن له الفطر في
الباطن مباحاً، فأشبه من أكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، انتهى.
واختلف فقهاء الحنفية في وجوب الإمساك وندبه كما بسط في الفروع
ورجحوا الوجوب.
والرابع: ما قاله الحافظ: إن الحديث ظاهر في النهي عن ابتداء صوم
رمضان فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها. ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة
كفى ذلك لمن تمسك به، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف
شبهة وهو قوله: ((فإن غُمّ عليكم فاقدروا له))، فاحتمل المراد التفرقة بين حكم
الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقاً بالصحو، وأما الغيم فله حكم
آخر، ويحتمل أن لا تفرقة، ويكون الثاني مؤكداً للأول، وإلى الأول ذهب أكثر
الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور، فقالوا: المراد بقوله: فاقدروا له أي
انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام الثلاثين، ويرجح هذا التأويل الروايات
الأخر المصرحة بالمراد من قوله: فأكملوا العدة ثلاثين، انتهى.
قلت: اختلفت أقوال نقلة المذاهب في بيان مسالك الأئمة في الصوم
يوم الغيم، والعمدة في مسالكهم ما في فروعهم، وسيأتي البسط في محله.
والغرض ههنا بيان أن النهي عن الصوم عند الجمهور مطلق يعُمُّ الغيم وغيره
وعند الحنابلة: يقيد بحالة الصحو.
قال الموفق: والنهي عن صوم الشك محمول على حال الصحو، انتهى.
وقال في (الروض المربع)) (١): يجب صوم رمضان برؤية هلاله، فإن لم ير
(١) (٤١٠/١).
١٩

١٧ - كتاب الصيام
(١) باب
(٥٦١) حديث
وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ .
تروه .
الهلال مع صحو ليلة الثلاثين من شعبان أصبحوا مفطرين، وكره الصوم لأنه
يوم الشك المنهي عنه، وإن حال دونه أي دون هلال رمضان بأن كان في
المطلع ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر أي غبرة وكذا دخان فظاهر المذهب
يجب صومه حكماً ظنياً احتياطاً بنية رمضان.
قال في ((الإنصاف)): هو المذهب عند الأصحاب ونصروه وصنفوا فيه
التصانيف وردّوا حجج المخالف، قالوا: ونصوص أحمد تدل عليه وهو قول
عمر وابنه وعمرو بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة، انتهى.
وهكذا في ((المغني)»(١) وغيره، كما سيأتي في محله.
وحاصله: أن مصداق يوم الشك في المشهور عن الإمام أحمد هو يوم
الثلاثين إذا كانت السماء مصحية، وهو المنهي عنه في الصوم، وأما إذا كانت
السماء مغيمة فهذا ليس يوم الشك، بل يجب صومه في المشهور عنه.
الخامس: أوجب في الحديث مراعاة الهلال فمنهم من يراعي الأهلّة
كلها، ومنهم من قال وهو الأكثر: يحصى هلال شعبان خاصّة، وسيأتي في
الحديث الآتي. (ولا تفطروا) من الصوم (حتى تروه) أي الهلال.
وفيه أيضاً ثلاثة أبحاث؛ الأول: ليس المراد رؤية جميع الناس حتى
يحتاج كل فرد إلى رؤيته، بل المعتبر رؤية بعضهم وهو العدد الذي يتحقق
الرؤية بهم ويثبت، وهو مختلف بين الأئمة جداً. والاختلاف في فروعه كثير،
والجملة فيه ما قاله القاري(٢): حتى تروا الهلال أي: حتى يثبت عندكم رؤية
هلال رمضان بشهادة عدلين أو أكثر، ويثبت بعدل واحد عند أبي حنيفة أيضاً
إذا كان في السماء غيمٌ، وعند الشافعي أيضاً في أصحِّ قوليه، وعند أحمد
(١) (٣٣٠/٤).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٤١/٤).
٢٠
---------
-- -