النص المفهرس
صفحات 601-620
١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٣) حدیث أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ، كَعْبَ بْنَ مَالِكِ، كَانَ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وسام قَالَ: ((إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، ولم يذكره النسائي في شيوخ الزهري، إنما ذكر ابن أخيه حسب، انتهى. قلت: الظاهر أن الراوي في حديث الباب هو عبد الرحمن بن كعب المذكور؛ وقد روى عنه الزهري في ((الصحيحين)) كما في ((الجمع بين رجال الصحيحين)) وغيره(١)، ويحتمل على البعد أن يكون هو عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب ابن أخي المذكور، فيكون منسوباً إلى جده، وقد روى حديث الباب الإمام أحمد في ((مسنده) عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وعبد الرحمن بن عبد الله بن كعب هذا أيضاً يكنى أبا الخطاب من رواة ((الصحيحين)) وأبي داود والنسائي روى عن أبيه وجده وعنه الزهري. قال الحافظ: وقع في جهاد ((صحيح البخاري)) تصريحه بالسماع من جده، وقال الذهلي في ((العلل)): ما أظنه سمع من جده شيئاً. وقال الدارقطني: روايته عن جده مرسلة، وقال أبو العباس الطرفي: إنما روى عن جده أحرفاً في الحديث ولم يمكنه الحديث فاستثبته من أبيه، قال النسائي: ثقة، وقال خليفة بن خياط: مات في خلافة هشام بن عبد الملك (أنه) أي عبد الرحمن (أخبره) أي الزهري (أن أباه) وهذا يؤيد كونه عبد الرحمن بن كعب وللتأويل مساغ (كعب بن مالك) بن أبي كعب، واسمه عمرو بن القين الأنصاري السلمي بفتح السين واللام، المدني، الشاعر، أحد الثلاثة الذين كانوا ينافحون عن رسول الله وَليل، وأحد الثلاثة الذين خُلِّفُوا، فتاب الله عليهم، وأحد السبعين الذين شهدوا العقبة، مات في خلافة علي - رضي الله -. (كان يحدث أن رسول الله جميلة قال: إنما نسمة المؤمن) بفتح النون والسين (١) قال ابن عبد البر: والقول عندي في ذلك قول مالك ومن تابعه، والله أعلم. ((الاستذكار)) (٣٥٧/٨)، و((التمهيد)) (٥٦/١١ - ٥٧). ٦٠١ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٣) حديث طَيْرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ المهملة أي روحه، وفي ((المجمع)): بفتحتين الروح والنفس وكل دابة فيها روح، وفي كتاب أبي القاسم الجوهري: النسمة: الروح والنفس والبدن، وإنما يعني في هذا الحديث الروح. وفي ((المرقاة))(١) عن النووي: هي تطلق على ذات الإنسان جسماً وروحاً، وعلى الروح مفردة، وهو المراد ههنا لقوله: حتى يرجعه الله في جسده. : ومال الباجي(٢) إلى أنه شيء من محل الروح يبقى فيه الروح قبل البعث، فقال: والذي عندي أنه يحتمل أن يريد به ما يكون فيه الروح من الميت قبل البعث، فأخبر ◌َليّ أن ذلك طير، انتهى. وقريب من ذلك ما حققه شيخ مشايخنا الشاه ولي الله - رحمه الله - في (حجة الله)(٣): أن النسمة برزخ متوسط بين الروح الإلهي والبدن الأرضي وأتى بتحقیق أنيق في ذلك فارجع إلیه إن شئت. (طير) وفي بعض الروايات: طائر، وفي أخرى: كطير خضر، وفي أخرى: في صورة طير بيض، قاله القاري. (يعلق) بالتحتية صفة طير، ورواية الأكثر بفتح اللام، كما قال ابن عبد البر: وروي بضمها، قال: والمعنى واحد وهو الأكل والرعي، وقال السيوطي: بضم اللام أي تأكل العُلقة بضم المهملة هي ما يتبلغ من العيش، وقال البوني: معنى رواية الفتح تأوي والضم ترعى، وقال السهيلي: بفتح اللام يتشبث بها، ويرى مقعده منها، ومن رواه بضم اللام فمعناه يصيب منها العلقة من الطعام، وقال الباجي: إنه يتعلق بها ويقع عليها تكرمة للمؤمن وثواباً له، (في شجرة الجنة) لتأكل من ثمارها (حتى يرجعه الله (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١/٤). (٢) ((المنتقى)) (٣١/٢). (٣) (٣٥/١). ٦٠٢ --------- ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٣) حدیث إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ)) . أخرجه النسائيّ في: ٢١ - كتاب الجنائز، ١١٧ - باب أرواح المؤمنين. وابن ماجه في: ٣٧ - كتاب الزهد، ٣٢ - باب ذكر القبر والبلى. إلى جسده) أي يردُّه إليه (يوم يبعثه) أي يوم القيامة، فإذا نفخ في الصُّور نفخة البعث يرجع كل روح إلى جسده، كما ذكر السيوطي عدة روايات في ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾ . ثم اختلفت ألفاظ الرواية في حديث الباب، فالمذكور إنما نسمة المؤمن طير يعلق، وفي رواية: ((في جوف طير))، وفي أخرى: ((بحواصل طير)). وأيضاً أخرجه النسائي(١) مثل الإمام مالك - رضي الله عنه - بلفظ: نسمة المؤمن، وكذا أخرجه ابن ماجه (٢) وأخرجه الترمذي(٣) بلفظ: أرواح الشهداء في طير خضر، وأخرجه أحمد في ((مسنده)) بكلا اللفظين بلفظ: نسمة المؤمن أو المسلم طير أو طائر، وبلفظ: أرواح الشهداء في طير خضر، واختلف مهرة الحديث في الجمع والترجيح بين هذه الروايات، وقد علمت أن الاختلاف فيها على نوعين: الأول: في أن النسمة طير أو في جوف طير، والثاني: أن التبشير مخصوص بالشهيد أو يعمُّ المؤمنين كلهم. أما الأول: فقال القرطبي في حديث كعب: نسمة المؤمن طائر يدل على أن نفسها تكون طائراً أي على صورته لا أنها تكون فيه، ويكون الطائر ظرفاً لها، وكذا في رواية عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عند ابن ماجه: أرواح الشهداء عند الله كطير خُضْر، وفي لفظ عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: تجول في طير خُضْر، ولفظ ابن عمر: وفي صورة طير بيض، وفي لفظ عن كعب: أرواح الشهداء طير خضر. (١) ((سنن النسائي (١٠٨/٤) ح (٢٠٧٣). (٢) ((سنن ابن ماجه)) (١٤٤٩) (٤٦٦/١). (٣) ((سنن الترمذي)) (١٦٤١) (١٧٦/٤). ٦٠٣ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٣) حديث قال القرطبي: وهذا كله أصح من رواية جوف طير، وقال القابسي: أنكر العلماء رواية في حواصل طير خضر، لأنها حينئذ تكون محصورة مضيقاً عليها، ورُدَّ بأن الرواية ثابتة، والتأويل محتمل، لأنه لا مانع من أن تكون في الأجواف حقيقة، ويوسعها الله لها حتى تكون أوسع من الفضاء، كذا نقله السيوطي في ((شرح الصدور)). قال القاري(١): وعندي أن هذا الإيراد من أصله ساقط، لأن التضييق والانحصار لا يتصور في الروح، وإنما يكون في الجسد، والروح إذا كانت لطيفةً يتبعها الجسد في اللطافة، فتسير بجسدها حيث شاءت، وتتمتّع بما شاءت وتأوي إلى ما شاء الله لها، كما وقع لنبينا ◌َّر في المعراج، ولا تباعد من الأولياء حيث طويت لهم الأرض وحصل لهم أبدان مكتسبة متعددة وجدوها في أماكن مختلفة في آنٍ واحد، والله على كل شيء قدير. وهذا في العالم المبني على الأمر العادي غالباً، فكيف وأمر الروح وأحوال الآخرة كلها مبنيّة على خوارق العادات؟ وإنما رُكِّبَ للأرواح أبدانٌ لطيفةٌ عاريةٌ بدلاً عن أجسادهم الكثيفة مدة البرزخ وسيلة لتمتع الأرواح باللذات الحسية من الأكل والشرب، وليس المراد أن الأرواح في أجواف طير أحياء بأرواح أخر حتى يلزم منه محذور عقلي، وهو كون الروحين في جسد واحد. وقال ابن دحية في ((التنوير)): قال قوم من المتكلمين: هذه رواية منكرة، وقالوا: لا يكون روحان في جسد واحد، وإن ذلك محال، وقولهم جهل بالحقائق واعتراض على السنة الثابتة، فإن معنى الكلام بيِّن، فإن روح الشهيد الذي كان في جوف جسده في الدنيا يجعل في جوف جسد آخر، كأنه صورة طائر فيكون في هذا الجسد الآخر كما كان في الأول، وذلك مدة البرزخ إلى (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣١/٤). ٦٠٤ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٣) حديث أن يبعثه الله يوم القيامة كما خلقه، وإنما الذي يستحيل في العقل قيام حياتين بجوهر واحد فيحيا الجوهر بهما جميعاً. وأما روحان في جسد فليس بمحال إذا لم تتداخل الأجسام، فهذا الجنين في بطن أمه وروحه غير روحها وقد اشتمل عليهما جسد واحد، وهذا أن لو قيل لهم: إن الطائر له روح غير روح الشهيد وهما في جسد واحد، فكيف وإنما قيل في أجواف طير خضر أي في صورة طير كما تقول: رأيت ملكاً في صورة إنسان وهذا غاية البيان، انتهى. كذا في ((المرقاة))(١). وحاصله: أن القرطبي والقابسي ومن معهما أنكروا رواية أجواف الطير. ومال القاري إلى أنه لا اختلاف بين الروايات، فإن مؤدى رواية جوف الطير هو كون النسمة في صورة طير، ومال ابن كثير إلى الجمع بينهما بوجه آخر، فقال في هذا الحديث: إن روح المؤمن تكون على شكل طير في الجنة، وأما أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، كما رواه أحمد عن ابن عباس مرفوعاً: فهي كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فهو بُشْرى لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة أيضاً، وتسرح فيها، وتأكل من ثمارها، كذا في الزرقاني (٢). وأما الاختلاف الثاني: فقال الزرقاني: اختلف في أن هذا الحديث عام في الشهداء وغيرهم إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرةٌ ولا دين، أو خاص بالشهداء دون غيرهم، لأن القرآن والسنة لا يدلان إلا على ذلك، حكاهما ابن عبد البر(٣). وذكر بعض أدلة الثاني، وقال: بحمله على الشهداء يزول ما ظنه (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢/٤). (٢) (٨٥/٢). (٣) انظر: ((التمهيد)) (١١ / ٦٢ - ٦٥). ٦٠٥ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٣) حديث قوم من معارضة هذا الحديث للحديث قبله في عرض المقعد، لأنه إذا كان يسرح في الجنة فهو يراها في جميع أحيانه، وليس كما قالوا: إنما هذا في الشهداء خاصة وما قبله في سائر الناس واختار الأول ابن كثير، انتهى. وتقدم كلام ابن كثير قريباً، وحاصله: أنه مال إلى أن روايات ((المؤمن)) بعمومها تتناول كل مؤمن، ونسمته تكون كالطير، بخلاف نسمة الشهيد، فتكون كالراكب، وإليه مال ابن القيم في ((الروح))، ومال ابن عبد البر إلى حمل المطلق على المقيد، وأن المراد بالمؤمن الشهيد. وقال شيخ مشايخنا الشاه عبد الغني في ((إنجاح الحاجة)): قال في ((المجمع)): يُؤَوَّل بالشهيد لأنهم يرزقون في الجنة، وغيرهم إنما يعرض عليه بالغداة والعشي، وقيل: أراد المؤمنين الداخلين الجنة بغير حساب، فيدخلونها الآن، انتهى. وقال القرطبي: هذا الحديث ونحوه محمول على الشهداء، وأما غيرهم فتارة تكون في السماء، لا في الجنة، وتارة تكون على أفنية القبور، ولا يُعَجَّلُ الأكل والنعيم لأحد إلا للشهيد في سبيل الله بإجماع من الأمة، حكاه القاضي ابن العربي في ((شرح المريدين))(١)، وغير الشهداء إنما يملأ عليه قبره ويفسح له فيه، قال السيوطي: وقد ورد التصريح بالشهيد في بعض طرق حديث الباب، كذا في ((زهر الربى))(٢). ثم ههنا أبحاث دقيقة طويلة الأذيال ناسب لنا أن نشير إليها، كي يسهل على الطالبين تنقيحها وتحقيقها من مظانها لا سيما من كتب العقائد والتفسير، وما منعنا أن نوردها بحذافيرها إلا خوف التطويل. ----- (١) هكذا في بعض النسخ الهندية، والصواب بدله شرح الترمذي كما في النسخ الهندية والمصرية. ش. (٢) (١٠٨/٤ - ١٠٩). ٦٠٦ -- ---- ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٣) حديث ٠ ٠ الأول: ما في ((البذل))(١)، إذ قال: وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا باطل مردود لا يطابق ما جاءت به الشرائع من إثبات الحشر والنشر، وفي بعض (حواشي شرح العقائد)): أن التناسخ عند أهله هو رَدُّ الأرواح إلى الأبدان في هذا العالم لا في الآخرة إذ هم ينكرون الآخرة والجنة والنار، ولذا كُفِّرُوا، انتهى . والثاني: ما في ((الباجي))(٢) ونصه: قال الشيخ أبو محمد: من قول أهل السنة وأئمة الدين في الأرواح: إنها باقية، فأرواح أهل السعادة منعمة إلى يوم الدين، وأرواح أهل الشقاوة معذّبة إلى يوم يبعثون، وقال الله سبحانه وتعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِأَلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقال الله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وهذا قبل قيام الساعة ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَ اُلْعَذَابِ﴾، وقال سبحانه وتعالى في الكفار: ﴿وَالْمَئِكَةُ بَاسِطُوْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ ولم يقل: إنهم يميتون أنفسهم، وقال في قول من قال من الموتى ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ هذا قول الروح، ويحتمل أن يكون هذا شيئاً من محل الروح يبقى فيه الروح، وهو الذي يسمى نسمة، وهو الذي إذا كان من مؤمن يعلق في شجر الجنة، ويرزق إن كان من الشهداء، وهو الذي أشار أبو محمد إلى أنه إذا خرج من الجسد عدمت الحياة من سائر الجسد، وإذا أعيد يوم البعث إلى الجسد أعيدت الحياة إليه. والثالث: ما في الباجي(٢) أيضاً إذ قال بعد الكلام السابق المذكور قريباً: (١) (بذل المجهود)) (٥/١٢). (٢) انظر: ((المنتقى)) (٣١/٢ - ٣٢). ٦٠٧ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٤) حديث ٥٠/٥٥٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِ﴿ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ، تَبَارَكَ وتَعَالَىَ: إِذَا أَحَبَّ عَبْدِي لِقَائِي، وهذا حكم النسمة، وأما الروح والنفس فقد قال الشيخ أبو محمد في ((نوادره)): قيل: إنهما اسمان لشيء واحد، وإليه ذهب غير واحد من أصحابنا، منهم سعيد بن محمد الحدّاد، وبهذا قال القاضي أبو بكر وجميع أصحابه، قال أبو محمد: وذكر أصبغ عن ابن القاسم في ((العتبية)) وغيرها، أنه سمع عبد الرحيم بن خالد يقول: بلغني أن الروح له جسد ويدان ورجلان ورأس وعينان يُسَلُّ من الجسد سَلاً . وفي رواية ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم عن عبد الرحيم: أن النفس هي التي لها جسد مجسد، قال: وهي في الجسد كخلق في جوف خلق يخرج من الجسد حين الوفاة ميتاً، ويبقى الجسد حياً، ونحوه حكى الشيخ أبو إسحاق عن ابن القاسم، وزاد قال: والروح هو كالماء الجاري، قال ابن حبيب: الروح هو النفس الجاري يدخل ويخرج، ولا حياة للنفس إلا به والنفس تألم وتلتذّ، والروح لا يألم ولا يلتذّ. وقد بسط القاضي أبو بكر الكلام في ذلك في ((كتاب الهداية)) بما لا مزيد عليه، والله أعلم وأحكم، انتهى. وغرضنا بذكر هذا الكلام الإشارة إلى هذه المباحث الجليلة الطويلة، وإلا فهذا المختصر لا يتحملها، فإنهم اختلفوا في حقيقة الإنسان وتعلق الروح بذلك إلى نحو ألف قول. ٥٠/٥٥٤ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الله(١) بن هرمز (عن أبي هريرة، أن رسول الله وَل﴾ قال: قال الله تبارك وتعالى) وهذا من الأحاديث القدسية، ويحتمل أن النبي ◌َّ تلقاه عن الله تعالى بلا واسطة أو بواسطة (إذا أحب عبدي لقائي) أي عند حضور أجله كما سيأتي (١) كذا في الأصل والصواب عبد الرحمن بن هرمز. ٦٠٨ : ----- ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٤) حدیث أَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَإِذَا كَرِهَ لِفَائِي، كَرِهْتُ لِقَاءَهُ)» . أخرجه البخاريّ في: ٩٧ - كتاب التوحيد، ٣٥ - باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوْ كَمَ اللَّهِ﴾ . (أحببت لقاءه) . وأنت خبير بأن المودة إذ تكون من الجانبين، تتأكد المحبة، وتصفو الخلة، وتذهب مذلة الأجنبية، وتزول الغيرية أصلاً. وبسط شراح البخاري الكلام على أن الشرط ليس سبباً للجزاء بل الأمر بالعكس، وأوّلوه بالإخبار أي أخبره بأني أحببت لقاءه. (وإذا كره لقائي كرهت لقاءه) زاد في حديث عبادة في ((الصحيحين)): فقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنا لنكره الموت؟ قال ◌َالر: (ليس ذاك))، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحبَّ إليه مما أمامه، فأحبّ لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر بُشِّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه(١). قلت: ومن ذلك قوله ◌َّير: ((اللّهم الرفيق الأعلى)). كما تقدم قريباً، فعلم أن لا محظور في الكراهة الطبعية، فلا إشكال بما ورد من قوله عزّ اسمه: ما ترددت في شيء كترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته . فأمثال هذه الكراهة لهول الموت أو لشدة الأذى، فقد حكى الحافظ عن عمرو بن العاص أنه سئل وهو يموت فقال: كأني أتنفس من خرم إبرة، وكأنّ غصنَ شوكٍ يُجَرُّ بِهِ من قامتي إلى هامتي، وعن كعب: أن عمر - رضي الله عنه - سأله عن الموت فوصفه بنحو هذا، انتهى. قال شيخ مشايخنا الشاه ولي الله في ((حجة الله))(٢): معنى لقاء الله: أن (١) ((شرح الزرقاني)) (٨٥/٢). (٢) (٣٤/٢). ٦٠٩ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٤) حديث ينتقل من الإيمان بالغيب إلى الإيمان عياناً وشهادة، وذلك أن تنقشع عنه الحجب الغليظة البهيمية، فيظهر نور الملكية، فيترشح عليه اليقين من حظيرة القدس فيصير ما وعد على ألسنة التراجمة بمرأى منه ومسمع، والعبد المؤمن الذي لم يزل يسعى في روع بهيميته، وتقوية ملكيته يشتاق إلى هذه الحالة اشتياق كل عنصر إلى حيّزه، وكل ذي حس إلى ما هو لذة ذلك الحس، وإن كان بحسب نظام جسده يتألم ويتنفّر من الموت وأسبابه، والعبد الفاجر الذي لم يزل يسعى في تغليظ البهيمية يشتاق إلى الحياة الدنيا ويميل إليها كذلك، وحب الله وكراهيته وردا على المشاكلة، انتهى. --- فعلم بهذا كله أن الكراهة لعارض على أن لأوليائه تعالى عند اقتراب آجالهم ورحيلهم من دار الفناء، وانتقالهم إلى دار البقاء أحوالاً عجيبة ليس هذا محلها، ذكر شيء منها في ((الرسالة القشيرية))، منها: لما حضر بلالاً - رضي الله عنه - الوفاة قالت امرأته: واحُزناه، فقال: بل واطرباه. غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبه، وقيل: كان سفيان الثوري إذ قال له بعض أصحابه إذا سافر: أتأمر بشغل؟ يقول: إن وجدت الموت فاشتره لي، وقيل: كان مكحول الشامي الغالب عليه الحزن فدخلوا عليه في مرض موته وهو يضحك، فقيل له في ذلك، فقال: ولم لا أضحك وقد دنا فراق ما كنت أحذره وسرعة القدوم على ما كنت أرجوه وآمله، وقيل لذي النون المصري عند موته: ما تشتهي؟ قال: أن أعرفه قبل موتي بلحظة، وقيل لبعضهم وهو في النزع: قل: الله، قال: إلى متى تقولون: قل: الله؟ وأنا محترق بالله. وعن المزيّن الكبير يقول: كنت بمكة ـ حرسها الله تعالى - فوقع بي انزعاج، فخرجت أريد المدينة، فلما وصلت إلى بئر معونة إذا أنا بشاب مطروح، فعدلت إليه وهو ينزع إلى الموت فقلت له: قل: لا إله إلا الله، ففتح عينيه وأنشأ يقول: ٦١٠ ------ - ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٥) حدیث ٥١/٥٥٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ .... الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَلِ قَالَ: ((قَالَ رَجُلٌ وبداء الهوى تموت الكرام أنا إن مت فالهوى حشو قلبي فشهق شهقة ثم مات فغسلته وكفنته وصليت عليه، فلما فرغت من دفنه سكن ما كان بي من إرادة السفر فرجعت إلى مكة - حرسها الله تعالى - وقيل الذي النون المصري عند النزع: أوصنا، فقال: لا تَشغلوني، فإني متعجب من محاسن لطفه، وغير ذلك من أحوال المشايخ - رزقنا الله تعالى التأسي بهم عند الارتحال من دار الغرور إلى دار السرور -، وحكى القاري عن مسروق قال: ما غبطت شيئاً بشيء كمؤمن في لحده أمن من عذاب الله واستراح من الدنيا، وقال أبو الدرداء: أحب الموت اشتياقاً لربي، وأحب المرض تكفيراً لخطيئتي، وأحب الفقر تواضعاً لربي. ٥١/٥٥٥ - (مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَّ قال) قال ابن عبد البر(١): هكذا رفعه أكثر رواة ((الموطأ))، ووقفه القعنبي ومصعب، وذلك لا يضر في رفعه، لأن رواته ثقات حفاظ، قلت: والحديث أخرجه البخاري بعدة طرق(٢) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وحذيفة (قال رجل) وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: ((أن رجلاً كان قبلكم رَغَسه الله مالاً كثيراً)) الحديث. وفي أخرى له: ((ذكر رجلاً فيمن سلف أو فيمن كان قبلكم آتاه الله مالاً وولداً)) الحديث، ويقال: إنه هو آخر رجل خروجاً من النار، كما ذكره الحافظ في ((الفتح))(٣). وحكى أيضاً: أن أبا عوانة أخرج في حديث حذيفة عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أن الرجل المذكور في حديث الباب هو آخر أهل الجنة (١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٦٥/٨). (٢) انظر: ((التمهيد)) (١٨ - ٣٨ - ٣٩). (٣) ((فتح الباري)) (٣١٣/١١). ٦١١ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٥) حديث لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُ، لأَهْلِهِ : دخولاً الجنة، وحكى أيضاً من ((غرائب مالك)) بسند فيه عبد الملك بن الحكم وهو رواه من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً: إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة يقال له: جهينة، وحكى السهيلي أنه جاء أن اسمه هناد. (لم يعمل حسنة قط) وفي رواية البخاري: كان رجل يسرف على نفسه، وفي أخرى له: ممن كان قبلكم يُسيء الظن بعمله، وفي أخرى له قال: فإنه لم يتبرّأ عند الله خيراً، فسرها قتادة لم يَدَّخِر، قال الزرقاني: ليس فيه ما ينفي التوحيد عنه، والعرب تقول مثل هذا في الأكثر من فعله كحديث: ((لا يضع عصاه عن عاتقه))، وفي رواية: لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد، قاله أبو عمر، انتھی . قلت: إن لم يذكر استثناء التوحيد صريحاً فهو بمنزلة الصريح، لكثرة ما يظهر من ألفاظ الرواية من خشية الله عز وجل. قال الباجي(١) قوله: ((لم يعمل حسنة قط)) ظاهر أن العمل ما تعلق بالجوارح وهو حقيقة العمل، وإن جاز أن يطلق على الاعتقاد على سبيل المجاز والاتساع، فأخبر # عن هذا الرجل أنه لم يعمل شيئاً من الحسنات التي تعمل بالجوارح، وليس فيه إخبار عن اعتقاد الكفر، وإنما يحمل هذا الحديث على أنه اعتقد الإيمان ولكنه لم يأت من شرائعه بشيء، فلما حضره الموت خاف تفريطه، فأمر أهله أن يحرقوه، انتهى. وفي آخر حديث البخاري من طريق حذيفة: قال عقبة بن عمرو وأنا سمعته ((أي ◌َّ) يقول ذاك وكان نبّاشاً، قال الحافظ(٢): قوله: وكان نبّاشاً من رواية حذيفة وأبي مسعود - رضي الله عنهما - معاً (لأهله) وفي رواية أبي سعيد (١) ((المنتقى)) (٣٢/٢). (٢) انظر: (٤٩٧/٦)، و(شرح الزرقاني)) (٨٦/٢). ٦١٢ .. . ------------ ---- ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٥) حديث إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ. ثُمَّ أَذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ، وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ. فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عند البخاري، فلما حضر قال لبنيه: أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال، الحديث (إذا مات فأحرقوه) بالأمر من الإحراق في النسخ الهندية، وفي المصرية: فحرّقوه بالأمر من التحريق، وفيه التفات، ومقتضى الكلام إذا مت فحرقوني . (ثم اذروا) قال الحافظ: بهمز قطع وسكون المعجمة من أذرت العين دمعها، وأذريت الرجل عن الفرس، وبالوصل من ذروت الشيء ومنه تذروه الرياح، وفي رواية حذيفة عند البخاري: فذروني، قال الحافظ: بالتخفيف بمعنى الترك والتشديد بمعنى التفريق (نصفه في البر، ونصفه في البحر) وفي رواية حذيفة عند البخاري: ((إذا أنا متُّ فاجمعوا لي حطباً كثيراً وأوقدوا فيه ناراً حتى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت فخذوها فاطحنوها ثم انظروا يوماً راحاً (١) فاذروه في اليم)) الحديث. وفي رواية أبي سعيد عنده أيضاً: ((فإذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحماً فاسحقوني))، أو قال: ((فأسهكوني ثم إذا كان ريح عاصف فاذروني فيها، وأخذ مواثيقهم على ذلك)) الحديث . قال الباجي(٢): وذلك على وجهين: أحدهما: على وجه الفرار مع اعتقاده أنه غير فائتٍ، كما يفرّ الرجل أمام الأسد مع اعتقاده أنه لا يفوته سبقاً، ولكنه يفعل نهاية ما يمكنه فعله، والوجه الثاني: أن يفعل هذا خوفاً من الباري تعالى وتذّلاً، ورجاء أن يكون هذا سبباً إلى رحمته، ولعله كان مشروعاً في ملته، انتهى. (فوالله لئن قدر الله عليه) بخفة دال وشدها من القدر وهو القضاء لا من (١) أي شديد الريح، كذا في ((الفتح)) (٥٢٢/٦). (٢) ((المنتقى)) (٣٢/٢). ٦١٣ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٥) حديث لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً لا يُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ القدرة والاستطاعة (ليعذبنه) بنون التأكيد (عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين) قال الخطابي: قد يستشكل هذا، فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب؛ أنه لم ينكر البعث وإنما جهل، فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله . قال ابن قتيبة: قد يغلظ في بعض الصفات قوم من المسلمين، فلا يكفرون بذلك، ورَدّه ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقاً، وإنما قيل: إن معنى قوله: ((لئن قدر الله عليّ)) أي ضيّق كقوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾، وأما قوله: (لعلي أُضِلُّ الله)) فمعناه لعلي أفوّته يقال: ضل الشيء، إذا فات وذهب، كقوله: ((لا يضل ربي ولا ينسى))، ولعل الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر فقال: أنت عبدي وأنا ربك، أو يكون قوله: لئن قدر عليّ، بتشديد الدال أي قدر عليّ أن يعذبني ليعذبني، أو على أنه كان مثبتاً للصانع وكان في زمن الفترة فلم تبلغه شرائط الإيمان. وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله، وأبعد الأقوال قول من قال: إنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر، كذا في ((الفتح))(١). وقال أيضاً: قال ابن أبي جمرة: كان الرجل مؤمناً لأنه قد أيقن بالحساب وأن السيئات يعاقب عليها، وأما ما أوصى به فلعله كان جائزاً في شرعهم ذلك لتصحيح التوبة، فقد ثبت في شرع بني إسرائيل قتلهم أنفسهم . قال الباجي(٢): لا يصح أن يريد بأمره أنه رجا أن يعجز الله بذلك (١) (٥٢٣/٦). (٢) ((المنتقى)) (٢/ ٣٢). ٦١٤ ---- ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٥) حديث فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ، فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ. فَأَمَرَ اللَّه الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ . وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هُذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ، يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ. واعتقد بأن الباري لا يقدر على إعادته مع هذا الفعل، لأن من اعتقد ذلك كفر والكافر لا يغفر الله له. قلت: والأوجه عندي أنه حسب أن الله عز وجل لو وجده في حاله لعذبه شديداً، لكنه إذا وجده محترقاً مفترقاً لعله رحمه، لتحمله تلك المشاق والشدائد كما هو دأب الموالي الكرماء، فإنهم إذا وجد أحدهم عبده المُسيء في مرض أو شدة رحم عليه، وإن كان قبل ذلك غضبان عليه، ثم رأيت أن الطحاوي ذكر نحوه في ((مشكله)(١)، وكذا النووي في ((شرح مسلم)) (٢). (فلما مات الرجل) الموصي (فعلوا) أي بنوه وأهله (ما أمرهم به) من التحريق وغيره (فأمر الله) عز وجل (البر فجمع ما فيه وأمر) الله (البحر فجمع ما فيه) ولفظ البخاري: فأمر الله تعالى الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم، وفي أخرى له، فقال الله: كن فإذا رجل قائم، قال الحافظ (٣): وفي حديث سلمان الفارسي عند أبي عوانة في ((صحيحه)): فقال الله له: كن فكان كأسرع من طرفة العين، وهذا جميعه كما قال ابن عقيل إخبار عما سيقع له يوم القيامة، وليس كما قال بعضهم: إنه خاطب روحه، فإن ذلك لا يناسب قوله: فجمعه الله لأن التحريق والتفريق إنما وقع على الجسد، وهو الذي يجمع ويعاد عند البعث. (ثم قال) الله عز وجل (لم فعلت هذا؟ فقال: من خشيتك يا رب) وفي رواية البخاري عن أبي هريرة: يا رب خشيتك حملتني (وأنت أعلم) أن ذلك (١) انظر: ((مشكل الآثار)) (٣٨/٢). (٢) ((شرح النووي)) (٥٩٨/٤) رقم الحديث (٦٨٤٦) كتاب التوبة. (٣) ((فتح الباري)) (٦/ ٥٢٣). ٦١٥ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٥) حدیث قَالَ: فَغَفَرَ لَهُ)) . أخرجه البخاريّ في: ٩٧ - كتاب التوحيد، ٣٥ - باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيِدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوْ كَلَمَ اللَّهِ﴾ . ومسلم في: ٤٩ - كتاب التوبة، ٤ - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، حديث ٢٤. لم يكن إلا من خشيتك، قال ابن عبد البر: وذلك دليل على إيمانه، إذ الخشية لا تكون إلا لمؤمن بل لعالم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾ ويستحيل أن يخافه من لا يؤمن به، وقد روى ابن عبد البر(١) الحديث بلفظ: لم يعمل خيراً قط إلا التوحيد، قلت: وقد تقدم أن هذا الاستثناء ظاهر بألفاظ الرواية، فإن الخوف منه تعالى هو من المقامات العالية، وهو من لوازم الإيمان، قال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ﴾ ووصف تعالى ملائكته بقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾، والأنبياء بقوله: ﴿الَّذِينَ يُلِّفُونَ رِسَلَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ﴾، وورد في الحديث: ((أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية)) وكلما كان العبد أقرب إلى ربه كان أشدّ له خشية ممن دونه، ولما كان فعله هذا مخافة الله عز وجل فلا بد من القول بإيمانه. (قال: فغفر له) وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: فما تلافاه أن رحمه، وفي أخرى له: فتلقاه رحمة. قال ابن التين: ذهب المعتزلة إلى أن هذا الرجل إنما غفر له لتوبته التي تابها؛ لأن قبولها واجب عقلاً عندهم، والأشعري قطع بها سمعاً، وغيره جوّز القبول كسائر الطاعات، وذكر شيئاً من الكلام على حكم قبول التوبة العلامة الزرقاني (٢)، ليس هذا محله والبسط في كتب التفسير والكلام. (١) انظر: ((الاستذكار). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٨٦/٢). ٦١٦ ..- ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حدیث ٥٢/٥٥٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، قال الحافظ: قالت المعتزلة: غفر له لأنه تاب عند موته وندم على فعله، وقالت المرجئة: غفر له بأصل توحيده الذي لا تضر معه معصية، وتعقب الأول بأنه لم يرد المظلمة فالمغفرة حينئذ بفضل الله لا بالتوبة، لأنه لا تتم إلا بأخذ المظلوم حقه من الظالم، وقد ثبت أنه كان نبّاشاً، وتعقب الثاني بأنه وقع في حديث أبي بكر الصديق المشار إليه أولاً؛ أنه عذب فعلى هذا فتحمل الرحمة والمغفرة على إرادة ترك الخلود في النار، وبهذا يرد على الطائفتين معاً على المرجئة في أصل دخول النار، وعلى المعتزلة في دعوى الخلود فيها، وفيه أيضاً رد على من زعم من المعتزلة أنه بذلك الكلام تاب، فوجب على الله قبول توبته، انتهى. وفي ((زهر الربى))(١): قال ابن الجوزي: إن قيل: هذا الذي ما عمل خيراً قط كافرٌ فكيف يغفر له؟ فالجواب: قال ابن عقيل: هذا رجل لم يبلغه الدعوة، انتهى. والأوجه عندي أن مغفرته لكمال خشيته منه تعالى عزّ اسمه، فإن الخشية لما كان على منتهى مراتبه وإن حصل عند الموت صار سبباً لغفران جميع سيئاته ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٍ﴾(٢) وهو لازم الإيمان كما تقدم. ٥٢/٥٥٦ - (مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ( 8 قال: كل مولود) أي من بني آدم، لما روي عن أبي هريرة بلفظ: كل بني آدم، وقال القاري: أي من الثقلين (يولد على الفطرة) يشمل (١) (١٠٩/٤). (٢) سورة النساء: الآية ١١٦. ٦١٧ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حديث جميع المولودين، وحكى ابن عبد البر(١) عن قوم: أنه لا يقتضي العموم، وأن المراد كل من يولد على الفطرة، وله أبوان غير مسلمين نقلاه إلى دينهما، فالتقدير: كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهوديان مثلاً فإنهما يهوِّدانه، ويردّ هذا القول الروايات الصحيحة الواردة بلفظ أصرح في المقصود، فلفظ البخاري: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة))، ولمسلم: ((ما من مولود إلا وهو على الملة))، وله بطريق آخر: ((ليس من مولود إلا على هذه الفطرة حتى يعرب عنه لسانه)). واختلف المشايخ في المراد من الفطرة، قال الراغب: أصل الفطر الشق طولاً، يقال: فطر فلان كذا فطراً وأفطر هو فطوراً، وفطر الله الخلق هو إيجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال، فقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَهَا﴾ إشارة منه تعالى إلى ما فطر أي أبدع وركز في الناس من معرفته تعالى، وفطرة الله هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإيمان، وهو المشار إليه بقوله: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، انتهى. قلت: وهذا أرجح الأقوال عندي في ذلك وهو مختار والدي المرحوم - نوّر الله مرقده - إذ قرر به عند تدريس ((المشكاة))، وجملة الأقوال في بيان الفطرة التي ظفرت عليها في كلام شُرّاح الحديث سيما العلامة العيني ترجع إلى قولين: أحدهما: ما تقدم من حكاية ابن عبد البر(٢) عن قوم: أنه ليس على العموم، وحكاه العيني(٣) عن طائفة قال: واحتجوا بحديث أبيّ بن كعب مرفوعاً: الغلام الذي قتله - الخضر عليه السلام - طبعه الله تعالى يوم طبعه كافراً، وبما رواه سعيد بن منصور بسنده عن أبي سعيد مرفوعاً: ألا إن بني آدم خُلِقُوا طبقاتٍ، فمنهم من يولد مؤمناً ويحيى مؤمناً ويموت مؤمناً، الحديث. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٧٢/٨). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٧٢/٨). (٣) ((عمدة القاري)) (١٧٨/٨/٤). ٦١٨ ------ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حديث وفيه: ومنهم من يولد كافراً ويحيى كافراً ويموت مؤمناً، قالوا: ففي هذا وفي غلام الخضر ما يدل على أن قوله: كل مولود، ليس على العموم، وأورد عليهم قوله محمّ: ((كل بني آدم يولد على الفطرة))، وأجابوا بأنه غير صحيح، ولو صح لما كان فيه حجة أيضاً لجواز الخصوص. وثانيهما: قول الجمهور: إنه على العموم، واحتجّوا بما تقدم من روايات العموم الصحيحة كما تقدم، وأجابوا عن حديث سعيد بن منصور بوجهين: الأول: في سنده ابن جدعان، والثاني: أنه لا يعارض العموم، لأن الأقسام الأربعة راجعة إلى علم الله تعالى، فإنه قد يولد الولد بين مؤمنين، والعياذ بالله، يكون قد سبق في علمه تعالى غير ذلك، وكذلك من ولد بين كافرين، وإلى هذا يرجع غلام خضر عليه السلام. ثم اختلف هؤلاء في معنى الفطرة على أقوال: الأول: ما ذكر أبو عبيد عن محمد بن الحسن: أنه قبل أن يؤمر الناس بالجهاد وقبل أن تنزل الفرائض، قال أبو عبيد: كأنه عنى أنه لو كان يولد على الإسلام فمات قبل أن يهوّده أبواه مثلاً لم يرثاه، والواقع في الحكم أنهما يرثاه، فدل على تغير الحكم، وتعقبه ابن عبد البر وغيره، وسبب الاشتباه أنه حمله على أحكام الدنيا، فلذلك ادّعى فيه النسخ، والحق أنه إخبار منه وَّر، كذا في ((الفتح))(١)، وبسط شيئاً منه العيني، وجعله قولين، وعزا القول بقبل نزول الجهاد إلى الإمام محمد - رحمه الله -، وعزا القول بقبل نزول الفرائض إلى قوم. قلت: ويمكن أن يُوَجَّه قول محمد - رحمه الله - بأن مراده بما قبل الجهاد ما قبل حكم ((هم من آبائهم)) لما قد أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والحاكم، وصحّحه ابن مردويه عن الأسود بن سريع - رضي الله (١) ((فتح الباري)) (٢٤٨/٣). ٦١٩ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٦) حدیث عنه -: أن رسول الله وَ له بعث سرية إلى خيبر، فقاتلوا المشركين، فانتهى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاؤوا قال النبي وَّ: ((ما حملكم على قتل الذُّريَّة؟))، قالوا: يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين، قال: ((وهل خياركم أولاد المشركين، والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها)»، كذا في ((الدر)). الثاني: أن المراد بها الخلقة التي يخلق عليها المولود من المعرفة بربه، وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان، وإنما يولد على السَّلامة في الأغلب خلقةً وطبعاً وبنيةً، ليس فيها إيمان ولا كفر، واحتجوا بقوله في الحديث: ((كما تُنتج البهيمة))، فالأطفال حين الولادة كالبهائم السليمة، قال العيني(١): قال أبو عمر: هذا القول أصحّ ما قيل فيه، وقال الحافظ: ورجحه ابن عبد البر، وقال: إنه يطابق التمثيل، وتُعُقِّب بأنه لو كان كذلك لم يقتصر في أحوال التبديل على ملل الكفر دون ملة الإسلام، ولم يكن لاستشهاد أبي هريرة بالآية معنىً. الثالث: ما قاله الحافظ: أشهر الأقوال أن المراد بالفطرة الإسلام، قال ابن عبد البر: هو المعروف عند عامة السّلف، وأجمع(٢) أهل العلم بالتأويل أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهًا﴾ الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة في آخر الحديث: ((اقرؤوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى﴾)) الآية، ورجحه بعض المتأخرين بأن فطرة الله إضافة مدح، وقد أمر نبيه بلزومها، فعلم أنها الإسلام، وجزم البخاري في تفسير الروم بأن الفطرة الإسلام، وقد قال أحمد - رضي الله عنه -: من مات أبواه وهما كافران حكم بإسلامه، واستدل بحديث الباب، كذا في ((الفتح)). (١) ((عمدة القاري)) (٢٤٦/٦). (٢) وحكى الأبي في ((الإكمال))، (٩١/٧) عن القاضي عياض أنه حكى في تفسيره أقوالاً. ٦٢٠ ...-----