النص المفهرس
صفحات 581-600
١٦ - كتاب الجنائز (١٤) باب (٥٤٦) حدیث وَأَشْقِبْنِي خَيْراً مِنْهَا، إِلاَّ فَعَلَ اللَّهُ ذُلِكَ بِ)». قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا تُوُقِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ ذُلِكَ. ثُمَّ قُلْتُ: وَمَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ (وأعقبني) بسكون العين وكسر القاف (خيراً منها) يعني اجعل الخير عوضاً من تلك المصيبة، ولفظ رواية لمسلم: واخلف لي خيراً منها (إلا فعل الله ذلك به) ولفظ مسلم: ((إلا أخلف الله له خيراً)). وظاهر الأحاديث أنها خصيصة لهذه الأمة، فللطبراني وابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - رفعه: ((أعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم أن يقولوا عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون))، ولابن جرير والبيهقي عن سعيد بن جبير: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعط الأنبياء مثله، إنا لله وإنا إليه راجعون، ولو أعطيه الأنبياء لأعطيه يعقوب، إذ قال: يا أسفا على يوسف، قاله الزرقاني(١). (قالت أم سلمة: فلما توفي أبو سلمة) تعني زوجها وهو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال القرشي المخزومي، أخو النبي ◌ُّر من رضاع ثويبة، وابن عمته برّة بنت عبد المطلب، كان من السابقين الأولين، أسلم بعد عشرة أنفس وشهد بدراً، وتوفي في جمادى الآخرة سنة أربع لانتفاض جرحه الذي جرح بأحد، قاله القاري(٢) وغيره. واختلف في وفاته أهل التاريخ على أقوال (قلت ذلك) الكلام المذكور من الاسترجاع وغيره. (ثم قلت) في نفسي أو باللسان تعجباً (ومَنْ خَيرَ من أبي سلمة؟) ولفظ رواية مسلم: ((أيُّ المسلمين خيرٌ من أبي سلمة أولُ بيت هاجر إلى رسول الله وَّةٍ)). قال الأبي(٣): تعجبت لاعتقادها أنه لا أخير من أبي سلمة (١) (٧٩/٢). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٤/٥). (٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٦٤/٣). ٥٨١ ١٦ - كتاب الجنائز (١٤) باب (٥٤٧) حديث فَأَعْقَبَهَا اللَّهُ رَسُولَهُ وَّةِ، فَتَزَوَّجَها. أخرجه مسلم في: ١١ - كتاب الجنائز، ٢ - باب ما يقال عند المصيبة، حديث ٤. ٤٣/٥٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمَ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: هَلَكَتِ امْرَأَةٌ لِي، فَأَتَانِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبِ الْقُرَظِيُّ، ولم تطمع أن يتزوجها رسول الله م فهو خارج من هذا العموم، وتعني بقولها: من خير من أبي سلمة، بالنسبة إليها، فلا يكون خيراً من أبي بكر - رضي الله عنه - لأن الأخير في ذاته قد لا يكون خيراً لها . ويحتمل أن تعني أنه خير مطلقاً والإجماع على أفضلية أبي بكر - رضي الله عنه -، إنما هو على من تأخرت وفاته عن رسول الله وَثر، وهل هو أفضل ممن تقدمت وفاته فيه خلاف، فلعلها أخذت بأحد القولين، وقولها: ((أول بيت هاجر)) يدل أنها أرادت أنه أفضل مطلقاً بالنسبة إليها، انتهى. قلت: والأوجه عندي أن الخيرية باعتبار نفسها، ولذا لما خطبها الصديق الأكبر والفاروق الأعظم رَدَّت عليهما، كما حكي ذلك في التاريخ (فأعقبها الله رسوله ◌ّ فتزوجها)، وفي رواية لمسلم: فلما مات أتيت النبي ◌َّ فقلت: إن أبا سلمة قد مات، قال: ((قولي اللّهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبى حسنة))، فقلت، فأعقبني الله من هو خير منه محمداً ◌َّ، اختلف أهل التاريخ في زمان نكاحها على أقوالٍ . ٤٣/٥٤٧ - (مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (أنه قال: هلكت امرأة لي فأتاني محمد بن كعب) بن سليم بن أسد أبو حمزة (القرظي) بضم القاف وفتح الراء المهملة وبالظاء المعجمة نسبة إلى قريظة اسم رجل، هو والنضير أخوان من أولاد هارون النبي عليه السلام، كذا في ((الأنساب)) المدني ثقة، نزل الكوفة ولد سنة ٥٨٢ ١٦ - كتاب الجنائز (١٤) باب (٥٤٧) حديث يُعَزِّينِي بِهَا. فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ فَقِيَهُ عَالِمٌ عَابِدٌ مُجْتَهِدٌ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ، وَكَانَ بِهَا مُعْجَباً وَلَها مُحِبًّا، فَمَاتَتْ. فَوَجَدَ عَلَيْهَا وَجْداً شَدِيداً، وَلَقِيَ عَلَيْهَا أَسَفاً، حَتَّى خَلاَ فِي بَيْتِ، وَغَلَّقَ عَلَى نَفْسِهِ، واحْتَجَبَ مِنَ النَّاسِ. فَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَإِنَّ امْرَأَةً سَمِعَتْ بِهِ، فَجَاءَتْهُ. فَقَالَتْ: إِنَّ لِي إِلَيْهِ حَاجَةً أَسْتَفْتِيهِ فِيهَا، لَيْسَ يُجْزِينِي ٤٠ هـ على الصحيح، ووهم من قال في العهد النبوي، فقد قال البخاري: إن أباه كان ممن لم ينبت من بني قريظة، مات سنة ١٢٠هـ، وقيل: قبلها، كذا في ((التقريب)). (يُعَزَّيني بها. فقال: إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عالم عابد مجتهد) في العبادة (وكانت له امرأة) أي زوجة (وكان بها معجباً) وفي ((المجمع)): أعجبته المرأة أي استحسنها؛ لأن غاية رؤية المتعجب منه تعظيمه واستحسانه (ولها محباً) أي يحبها كثيراً (فماتت فوجد) أي حزن (عليها وجداً) أي حزناً (شديدا ولقي عليها أسفاً) أي حزناً وتلهّفاً شديداً، وأصل الأسف ثوران دم القلب لشهوة الانتقام، فمتى كان ذلك على من دونه انتشر فصار غضباً، ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزناً، ولذلك سئل ابن عباس عن الحزن والغضب، فقال: مخرجهما واحد، واللفظ مختلف، قاله الراغب (حتى خلا في بيت وغلّق) بالتشديد للمبالغة أي قفل (على نفسه الباب) قال الراغب: أغلقت الباب وغلقته على التكثير، وذلك إذا أغلقت أبواباً كثيرة أو أغلقت باباً واحداً مراراً أو أحكمت إغلاق باب (واحتجب من الناس فلم يكن يدخل عليه أحد) لسدِّ الأبواب. (وإن امرأة سمعت به) أي بذلك الفقيه وسمعت حاله (فجاءته فقالت: إن شي إليه حاجة أستفتيه) أي ذاك الفقيه (فيها) أي في تلك الحاجة (ليس يُجزئني) بضم أوله من أجزأ بمعنى أغنى أي ليس يغنيني، وبفتح أوله من جزى نقلهما ٥٨٣ ١٦ - كتاب الجنائز (١٤) باب (٥٤٧) حديث فِيهَا إِلَّ مُشَافَهَتُّهُ، فَذَهَبَ النَّاسُ، وَلَزِمَتْ بَابَهُ، وَقَالَتْ: مَا لِي مِنْهُ بُدُّ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: إِنَّ هُهُنَا امْرَأَةً أَرَادَتْ أَنْ تَسْتَفْتِيَكَ، وَقَالَتْ: إِنْ أَرَدْتُ إِلَّ مُشَافَهَتَهُ. وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ، وَهِيَ لا تُفَارِقُ الْبَابَ. فَقَالَ: اثْذَنُوا لَهَا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: إِنِّي جِئْتُكَ أَسْتَفْتِيكَ فِي أَمْرِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَتْ: إِنِّي اسْتَعَرْتُ مِنْ جَارَةٍ لِي حَلْياً، فَكُنْتُ أَلْبَسُهُ وَأُعِيرُهُ زَمَاناً. ثُمَّ إِنَّهُمْ أَرْسَلُوا إِلَيَّ فِيهِ، أَفَأُؤَدِّيهِ إِلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ. فَقَالَتْ: إِنَّهُ قَدْ مَكَثَ عِنْدِي زَمَاناً. فَقَالَ: الأخفش لغتين بمعنى واحد، فقال: الثلاثي بلا همز لغة الحجاز، والرباعي المهموز لغة تميم (فيها) أي في تلك الحاجة (إلا مشافهته) أي خطابه بالشفاه بلا واسطة. (فذهب الناس ولزمت) تلك المرأة (بابه) أي باب ذلك الفقيه (وقالت: ما لي منه بد) قال أهل اللغة: معنى قولهم: لا بد من كذا، أي لا انفكاك ولا فراق منه ولا مندوحة عنه أي هو لازم جزماً، قال الجوهري، ويقال: البد العوض، كذا في (تهذيب اللغات)) للنووي (فقال له) أي للفقيه (قائل: إن ههنا امرأة أرادت أن تستفتيك) في حاجة لها (وقالت: إن) نافية أي ما (أردت إلا مشافهته، وقد ذهب الناس، وهي لا تفارق الباب. فقال: ائذنوا لها، فدخلت عليه فقالت: إني جئتك أستفتيك في أمر قال) الفقيه: (وما) الأمر (هو؟ قالت: إني استعرت من جارة لي حلياً) بفتح فسكون، قال المجد: الحلي بالفتح: ما يزيّن به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة، جمعه حُلِيٍّ كلُلِيٍّ، أو هو جمع، والواحد حلية كظبية (فكنت ألبسه) بفتح الباء (وأعيره) الناس (زماناً) أي حقبة من الدهر. (ثم إنهم) أي أصحاب الحلي (أرسلوا) أي قاصداً (إليّ) بشدّ الياء (فيه) أي في طلب الحلي (أفأؤديه) بهمزة الاستفهام (إليهم؟ فقال: نعم والله) أكد فتواه بالقسم لما يظهر من المستفتي آثار الظلم إذ يسأل منع صاحب الحلي حقه (فقالت: إنه) أي الحلي (قد مكث عندي زماناً) فهل أؤدي بعد ذلك أيضاً؟ (فقال) ٥٨٤ ١٦ - كتاب الجنائز (١٤) باب (٥٤٧) حديث ذُلِكِ أَحَقُّ لِرَدِّكِ إِيَّاهُ إِلَيْهِمْ، حِينَ أَعَارُوكِيهِ زَمَاناً، فَقَالَتْ: أَيْ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَفَتَأْسَفُّ عَلَى مَا أَعَارَكَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْكَ وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ؟ فَأَبْصَرَ مَا كَانَ فِيهِ، وَنَفَعَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهَا . الفقيه: (ذلك) بكسر الكاف (أحق لردك إياه) أي الحلي (إليهم) أي إلى ملاك الحلي (حين أعاروكيه) بإشباع كسرة الكاف ياء، كما قالوا في حديث امرأة ربطت الهرة فقال: ((لا أنت أطعمتيها ولا سقيتيها ولا أنت أرسلتيها))، الحديث، وقال الرضي وبعض العرب: يلحق بكاف المذكر إذا اتصلت بهاء الضمير ألف وبكاف المؤنث ياءٌ. (زماناً قال: فقالت) المرأة (أي) بفتح فسكون نداء للقريب (يرحمك الله أفتأسف على ما أعارك الله) عز وجل (ثم أخذه منك وهو أحق به منك) لأنه تعالى مالكه وقد أودعك إياه، وقال لبيد: وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بُدَّ يوماً أن تُرَدَّ الودائعُ (فأبصر) الفقيه (ما كان فيه) من الوجد والأسف (ونفعه الله) عز وجل (بقولها) قال الباجي(١): المتن كله ظاهر المعنى، وفيه وعظ العالم وتذكيره وإن كان الواعظ أو المذكِّر دونه في الفضل والعلم، فيجب أن لا يأنف الفاضل من وعظ من هو دونه إذا أصاب وجه الحق ووفق للصواب، فقد يخطئ الفاضل في أمر يوفق فيه المفضول، انتهى. وفي ((الاستذكار)) (٢): هذا خبر حسن عجيب في التعازي، وليس في كل ((الموطآت)) وما ذكرته من العارية للحلي على جهة ضرب المثل لا يدخل في مذموم الكذب بل ذلك من الأمر المحمود عليه صاحبه، وقد قال لي: ((ليس بالكاذب من قال خيراً أو نمى خيراً أو أصلح بين اثنين))، انتهى. وقد ضربت المثل بالعارية أم سليم لزوجها أبي طلحة وعلم بذلك النبي ◌ّليّ فأقره، ودعا لهما بالبركة في ليلتهما، وقصتها مشهورة في كتب الحديث من ((الصحيحين)) وغيرهما . (١) ((المنتقى)) (٢٩/٢)، و((شرح الزرقاني)) (٨١/٢). (٢) (٢٤٠/٨). ٥٨٥ ! ١٦ - كتاب الجنائز (١٥) باب (٥٤٨) حدیث (١٥) باب ما جاء في الاختفاء ٤٤/٥٤٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ أَمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ : (١٥) ما جاء في الاختفاء وهو النبش قال الباجي: الاختفاء فعل النّاش ومعناه الإظهار، يقال: خفيت الشيء إذا أخرجته مما يسترُ وأظهرته وخفيته إذا سترته، انتهى. وقال ابن عبد البر(١): خفيت الشيء إذا أظهرته وأخفيته سترته، وقيل: خفيت بمعنى سترت وأظهرت. وفي (المجمع)): المختفي النّاش عند أهل الحجاز من الاختفاء الاستخراج أو من الاستتار لأنه يسرق خفية، انتهى. ٤٤/٥٤٨ - (مالك، عن أبي الرجال) بكسر الراء المهملة وخفة الجيم يقال: هذا لقب له واشتهر به، لأنه كان له عشرة أولاد رجال، وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن (محمد بن عبد الرحمن) بن حارثة بن النعمان، ويقال: ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة الأنصاري النجاري، وكان جده حارثة من أهل بدر، ثقة، كثير الحديث من رواة ((الصحيحين)) والنسائي وابن ماجه، ذكر في ((الخلاصة))، أن له في مسلم فرد حديث، وفي ((التقريب)): ثقة من السابعة، (عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة (أنه سمعها تقول:) مرسل في ((الموطأ))، قال ابن عبد البر (٢): وأسنده يحيى بن صالح وعبد الله بن عبد الوهاب كلاهما عن مالك، عن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة(٣) - رضي الله عنها - (١) ((الاستذكار)) (٣٤٣/٨)، و((التمهيد)» (١٣٨/١٣). (٢) انظر: ((التمهيد)) (١٣٩/١٣). - -- (٣) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٨/ ٢٧٠)، و((معرفة السنن والآثار)) (٧١٧٨/١٢) وقال: الصحيح مرسل . ٥٨٦ -------- -- ١٦ - كتاب الجنائز (١٥) باب (٥٤٩) حدیث وَ الْمُخْتَفِيَ وَالْمُخْتَفِيَةَ، يَعْنِي نَبَّاشَ الْقُبُورِ. لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ٤٥/٥٤٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ نَّ كَانَتْ تَقُولُ: كَسْرُ عَظْمِ الْمُسْلِمِ مَيْناً، کَکَسْرِهِ وَهُو حَيٍّ . (لعن رسول الله (9) قال الباجي: اللعن: الإبعاد في أصل كلام العرب، وهو مستعمل في الإبعاد من الخير، فلعن رسول الله وَّر المختفي، إنما هو الدعاء عليه بالإبعاد من رحمة الله، انتهى. (المختفي والمختفية) بالخاء المعجمة فيهما اسم فاعل من الاختفاء، وقال بعضهم: يروى المختفي بخاء معجمة وحاء مهملة، والاحتفاء بالمهملة: اقتلاع الشيء، وكل من يقتلع شيئاً فهو محتفٍ، والذي عليه الناس بالخاء المعجمة، قاله الزرقاني. وقال المجد: احتفى البقل: اقتلعه من الأرض لغةٌ في الهمز. (يعني نبّاش القبور) قال ابن عبد البر: هذا التفسير من قول مالك، ولا أعلم أحداً يخالفه في ذلك، انتهى. كذا في (التنوير))(١) . ٤٥/٥٤٩ - (مالك، أنه بلغه) قال ابن عبد البر: كذا لأكثر الرواة ولبعضهم مالك عن أبي الرجال، عن عائشة موقوفاً، ولا أعلم أحداً رفعه عن مالك، انتهى. قلت: وقد ورد مرفوعاً عن عائشة - رضي الله عنها - بعدة طرق كما سيأتي (أن عائشة) - رضي الله عنها - وفي المصرية: عن عائشة - رضي الله عنها _ (زوج النبي 8 8 كانت تقول: كسر عظم المسلم ميتاً ككسره) أي العظم (وهو حي) قال الباجي: تريد أن له من الحرمة في حال موته مثل ما له منها حال حياته، وأن كسر عظامه في حال موته يحرم كما يحرم كسرها حال حياته. وقد أخرج أحمد وأبو داود(٢) وابن ماجه عن عائشة: أن النبي ◌َّر قال: ((كسر عظم الميت ككسره عظم الحي)) حسنه ابن القطان. وقال ابن دقيق العيد: إنه (١) ((تنوير الحوالك)) (١/ ٢٣٧). (٢) أخرجه أبو داود (٣٢٠٧) وابن ماجه (١٦١٦). ٥٨٧ ١٦ - كتاب الجنائز (١٥) باب (٥٤٩) حديث تَعْنِي، فِي الإِثْمِ. على شرط مسلم. ورواه القضاعي من وجه آخر عنها، وزاد ((في الإثم))، وأخرجه ابن ماجه(١) أيضاً من حديث أم سلمة، قاله الزرقاني. (قال مالك) - رضي الله عنه -: (تعني) عائشة - رضي الله عنها - بقولها ككسر التشابه (في الإثم) وقد رواه القضاعي كما تقدم، وكذا في ابن ماجه من حديث أم سلمة - رضي الله عنها - مرفوعاً بلفظ: كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم، ثم قال الباجي: يريد مالك - رضي الله عنه - أنهما لا يتساويان في القصاص وغيره، وإنما يتساويان في الإثم. وقال الزرقاني: في الاتفاق على حرمة فعل ذلك به في الحياة والموت لا في القصاص والدية فمرفوعان عن كاسر عظم الميت إجماعاً، انتهى. وكذا قال الطحاوي في «مشكله))(٢) . وحاصله: أن عظم الميت له حرمة مثل حرمة عظم الحي، لكن لاحياة فيه، فكان كاسره في انتهاك الحرمة ككاسر عظم الحي، ويعدم القصاص والأرش لانعدام المعنى الذي يوجبه من الحياة، انتهى. قال الطيبي(٣): إشارة إلى أنه لا يُهان ميتاً كما لا يُهان حياً، قال ابن الملك: وإلى أن الميت يتألّم، قال ابن حجر: ومن لازمه أنه يستلذُّ بما يستلذُّ به الحي، انتهى. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته، قاله القاري (1). ---- (١) (سنن ابن ماجه)) في الجنائز (١٦١٧). (٢) (٣١٠/٣). (٣) انظر: ((الكاشف)) للطيبي (٣٨٧/٣). (٤) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٧٩/٣). ٥٨٨ ---- - ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٠) حديث (١٦) باب جامع الجنائز ٤٦/٥٥٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ه، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا، وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ، يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى)). أخرجه البخاريّ في: ٦٤ - كتاب المغازي، ٨٣ - باب مرض النبي وَل ووفاته . ومسلم في: ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ١٣ - باب في فضل عائشة - رضي الله تعالى عنها -، حديث ٨٥. (١٦) - جامع الجنائز ٤٦/٥٥٠ - (مالك، عن هشام بن عروة عن عباد) بشد الموحدة (ابن عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي كان قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج، ثقة من الثالثة من رواة الستة، كذا في ((التقريب)). (أن عائشة زوج الر أخبرته أنها سمعت رسول الله وَ ل قبل أن يموت وهو) وَيلة (مستند إلى النبي صدرها) أي عائشة - رضي الله عنها - (وأصعت) بإسكان الصّاد المهملة وفتح الغين المعجمة أي أمالت عائشة سمعها (إليه) وَ﴾ (يقول) وفي رواية: وهو يقول: (اللّهم اغفر لي وارحمني) فيه ندب الدعاء بهما ولا سيما عند الموت، وإذا دعا بذلك النبي وَلّ فأين غيره منه، وقد أمر به النبي ◌َّ في سورة النصر. (وألحقني) بهمزة القطع (بالرفيق الأعلى) وفي رواية للبخاري: فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده. واختلفوا في معنى الحديث، فقال الجوهري: الرفيق الأعلى: الجنة، ويؤيده ما وقع عند ابن إسحاق الرفيق الأعلى: الجنة، وقال ابن عبد البر: هو أعلى الجنة، وقيل: الرفيق: اسم جنس يشمل الواحد وما فوقه، والمراد به من ذكر في الآية من النبيين ٥٨٩ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٠) حدیث وَحَسُنَ أَوْلَئِكَ رَفِيقَا﴾ والصّديقين والشهداء والصالحين، وقد ختمت بقوله: ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد، نبّه عليه السهيلي. قال الحافظ(١): وهو المعتمد، وعليه اقتصر أكثر الشراح، ومعنى كونهم رفيقاً تعاونهم على طاعة الله وارتفاق بعضهم ببعض، وقال الخطابي: الرفيق الأعلى: هو الصاحب المرافق، وهو ههنا بمعنى الرفقاء يعني الملائكة. قال الحافظ (٢): وفي رواية أبي موسى عند النسائي وصححه ابن حبان، فقال: أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وظاهره أن الرفيق المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين، وقال الكرماني : الظاهر أنه معهود (٣) من قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي أدخلني في جملة أهل الجنة من النبيين والصّديقين والشهداء والصَّالحين. وزعم بعض المغاربة: أنه يحتمل أن يراد بالرفيق الأعلى: الله عز وجل لأنه من أسمائه، كما أخرج أبو داود ومسلم من حديث عبد الله بن مغفل رفعه: إن الله رفيق يحب الرفق، والرفيق يحتمل أن يكون صفة ذات كالحكيم أو صفة فعل. وغلّط الأزهري قائل ذلك ولا وجه لتغليطه من الجهة التي غلّطه بها، وهو قوله: مع الرفيق أو في الرفيق، لأن تأويله على ما يليق بالله سائغ، وقيل: يحتمل أن يراد به حضرة القدس، وقيل: أراد رفق الرفيق، وقيل: أراد مرتفق الجنة . (١) ((فتح الباري)) (١٣٧/٨). (٢) ((فتح الباري)) (١٣٨/٨). (٣) قال ابن عبد البر: وأما قوله: وألحقني بالرفيق الأعلى، فمأخوذ عندهم من قول الله عز وجل: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، ((الاستذكار)) (٣٤٦/٨). ٥٩٠ .. -- - ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٠) حدیث وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَائِشَةً قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ل﴾: ((مَا مِنْ نَبِيِّ يَمُوتُ حَتَّى يُخَيَّرَ))، وقال الباجي: يحتمل أن يريد به الرفيق الذي يرتفق به، يريد بالرفيق الأعلى رفيق الرفيق، وروى ابن سحنون عن ابن نافع: أنه يريد بالرفيق الأعلى أعلى مرتفقها. وقال الداودي: هو اسم لكل ما سما، وقال: الأعلى لأن الجنة فوق ذلك. قال الباجي(١): لا نعلم أحداً من أهل اللغة ذكره، وأراه وهماً، وفي ((التلويح)): المفسرون ينكرون قوله، ويقولون: إنه صحّف الرقيع بالقاف وهو من أسماء السماء، ورُدَّ على هذا بما روي في الأحاديث الكثيرة من لفظ الرفيق بالفاء، كذا في شرحي البخاري ((الفتح)) و ((العيني)) وغيرهما بتغير. ثم ظاهر الحديث أن هذا آخر كلامه وَّل﴾، وإليه مال البخاري إذ بوَّب على الحديث (باب آخر ما تكلم به النبي (وَلّ))(٢). وروى الحاكم عن أنس آخر ما تكلم به جلال ربي الرفيع قد بلغت ثم قُضي، وجُمِعَ بأن هذا آخر على الإطلاق بعدما كرر: اللّهم الرفيق الأعلى قبل جلال، أي اختار جلال ربي الرفيع قد بَلَّغتُ ما أُوحِيَ إليَّ، قاله الزرقاني (٣). وهو الوجه عندي، فإنه وَلَّ خُيِّر أولاً، فلما اختار الرفيق الأعلى كُشِفَ له من جلاله تعالى ما يليق بشأنه ◌َ لّ، فلما رآه قال: جلال ربي الرفيع، وأما قوله: قد بَلَغْتُ، فالوجه عندي أنه بمعنى وصلتُ أي إلى مراتب العليا ومقاصد القصوى فهو بمعنى قولهم: فزتُ ورب الكعبة. (مالك، أنه بلغه أن عائشة) - رضي الله عنها - (زوج النبي ◌َّ قالت) أخرجه الشيخان وغيرهما من طرق عن عروة عن عائشة قالت: (قال رسول الله *: ما من نبي) فالرسول بالأولى (يموت حتى يخيّر) بضم أوله بناء (١) ((المنتقى)) (٣٠/٢). (٢) رقم الباب ٨٤ كتاب المغازي. (٣) (شرح الزرقاني)) (٨٣/٢). ٥٩١ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٠) حدیث قَالَتْ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى)) فَعَرَفْتُ أَنَّهُ ذَاهِبٌ. وصله البخاريّ في: ٦٤ - كتاب المغازي، ٨٣ - باب مرض النبي 醬 ووفاته . ومسلم في: ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة، ١٣ - باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها، حديث ٨٧. للمفعول أي يُخَيَّرُ بين الدنيا والآخرة، وقيل: بين منازل الآخرة، والأوجه الأول كما سيأتي (قالت) عائشة - رضي الله عنها - (فسمعته) وَ لّ (وهو يقول) في مرضه الذي توفي فيه وقد أخذته بحّة شديدة (اللّهم الرفيق الأعلى) بالنصب أي أختار واخترت أو بالرفع كما في ((المجمع)) أي مختاري (فعرفت أنه ذاهب) إلى الآخرة، ولا يختارنا . - ----- .----- قال الباجي: يحتمل أن يكون أراد به أن يُخَيَّرَ بين المقام في الدنيا وبين الانتقال إلى ما أَعدَّ الله له، وقد بينت ذلك عائشة بقولها: فعلمت أنه ذاهب. ويحتمل أن يريد به التخيير في منازل الآخرة فاختار ◌َ ◌ّ الرفيق الأعلى، وقولها: فعرفت أنه ذاهب يريد أنها علمت أن ذلك إنما كان جواب التخيير الذي خير، فكان ذلك انقضاء عمره، انتهى. قلت: والوجه الأول لما في ((الصحيحين)) (١) عن عائشة كان وحصل وهو صحيح يقول: ((إنه لم يُقْبَضْ نبي قط حتى يرى مقعده ثم يحيا أو يُخَيَّر))، فلما حضره القبض غُشِيَ عليه، فلما أفاق شَخَص بصره نحو سقف البيت فقال: ((اللّهم في الرفيق الأعلى))، فقلت: إذن لا يختارنا. وعرفت أنه حديثه الذي کان یحدثنا وهو صحيح. وعند أحمد عن أبي مويهبة قال: قال لي رسول الله وَلّ: ((إني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد ثم الجنة، فخُيِّرْتُ بين ذلك وبين لقاء ربي (١) أخرجه البخاري (٤٤٣٧)، ((فتح الباري)) (١٣٦/٨). ٥٩٢ - - ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥١) حديث ٤٧/٥٥١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ: ((إِنَّ أَحَدَكُمُّ إِذَا مَاتَ، عُرِضَ عَلَيْهِ والجنة، فاخترت لقاء ربي والجنة))، ولعبد الرزاق من مرسل طاووس رفعه: ((خُيِّرْتُ بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل)). ٤٧/٥٥١ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (قال: إن رسول الله * قال: إن أحدكم إذا مات عرض عليه) قال الباجي(١): العرض لا يكون إلاَّ على حي، ولا يصح على ميّت، لأنه يحتاج أن يعلم ما يعرض عليه، ويفهم ما يخاطب به، وذلك لا يصح من الميت. وقد تقدم من حديث أنس - رضي الله عنه - عن النبي صلى: ((إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وأنه ليسمع قرع نعالهم فأتاه ملكان يُقعدانه)) الحديث. وهذا يدل على إحياء الميت ومخاطبته، انتهى. وفي ((زهر الربى)) (٢): قيل: هذا العرض على الروح وحده، ويجوز أن يكون مع جزء من البدن، ويجوز أن يكون عليه مع جميع الجسد، فترد إليه الروح كما ترد عند المساءلة حين يقعده الملكان. وقال الشيخ ابن القيم: عرض المقعد لا يدل على أن الأرواح في القبر ولا على فنائه، بل على أن لها اتصالاً به يصح أن يعرض عليها مقعدها، فإن للروح شأناً آخر فيكون في الرفيق الأعلى، وهي متصلة بالبدن. وهذا جبرئيل رآه النبي ◌َلرسوله ستمائة جناح، منها جناحان سد الأفق، وكان يدنو من النبي وَل حتى يضع ركبتيه على ركبتيه ويديه على فخذيه وقلوب المخلصين تتّسع للإيمان بأنه من الممكن أنه كان هذا الدنو وهو في مستقره من السماوات. (١) ((المنتقى)) (٣٠/٢). (٢) (١٠٧/٤) باب وضع الجريدة على القبر. ٥٩٣ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥١) حديث مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. وفي الحديث في رؤية جبرئيل: ((فرفعت رأسي فإذا جبرئيل صافّاً قدميه بين السماء والأرض يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل فجعلت لا أصرف بصري إلى ناحية إلا رأيته كذلك))، وإنما يأتي الغلط ههنا من قياس الغائب على الشاهد، فيعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام التي إذا شغلت مكاناً لم يمكن أن يكون في غيره، وهذا غلط محض، وقد رأى النبي ◌ّ﴾ في ليلة الإسراء موسى قائماً يصلي في قبره، ويَرُدُّ على من يُسَلِّمُ عليه، وهو في الرفيق الأعلى، ولا تنافي بين الأمرين، فإن شأن الروح غير شأن الأبدان. فثبت أنه لا منافاة بين كون الروح في أعلى عليين أو الجنة أو السماء وأن لها بالبدن اتصالاً بحيث تدرك وتسمع وتصلي وتقرأ، وإنما يستغرب هذا لكون الشاهد الدنيوي ليس فيه ما يشاهد به هذا. وأمور البرزخ والآخرة على نمط غير المألوف في الدنيا إلى أن قال: وللروح من سُرعة الحركة والانتقال الذي كلمح البصر ما يقتضي عروجها من القبر إلى السماء في أدنى لحظة، وشاهد ذلك روح النائم، فقد ثبت أن روح النائم تصعد حتى تخترق السبع الطباق، وتسجد لله بين يدي العرش، ثم ترد إلى جسده في أيسر الزمان، انتهى . (مقعده) أي أظهر له مكانه الخاص من الجنة أو النار، وهو لا ينافي عرض مقعد آخر فرضيا كما ورد في حديث أنس مرفوعاً: ((إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان))، الحديث. وفيه: ((فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، وقد أبدلك الله به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً)) (بالغداة والعشي) أي في الغداة وفي العشي والمراد وقتهما وإلا فالموتى لا صباح عندهم ولا مساء. قال الباجي(١): يحتمل أن يريد بذلك كل غداة وكل عشي، وذلك لا (١) ((المنتقى)) (٣١/٢). ٥٩٤ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥١) حديث إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ . يكون إلا بأن يكون الإحياء لجزء منه، فإنا نشاهد الميت ميتاً بالغداة والعشي، وذلك يمنع إحياء جميعه وإعادة جسمه، ولا يمنع أن تعاد الحياة في جزء أو أجزاء منه وتصح مخاطبته والعرض عليه، ويحتمل أن يريد بالغداة والعشي غداة واحدة يكون العرض فيها، قال الحافظ (١): وهو الموافق لأحاديث سياق المساءلة وعرض المقعدين على كل أحد، وقال القاري (٢): بالغداة والعشي أي طرفي النهار، أو المراد بهما الدوام. وقال القرطبي: يجوز أن [يكون] هذا العرض على الروح فقط، ويجوز أن يكون عليه مع جزء البدن. وقال أيضاً: هذا في حق المؤمن والكافر واضح. وأما المؤمن المخلط فمحتمل في حقه أيضاً؛ لأنه يدخل الجنة في الجملة ثم هو مخصوص بغير الشهداء. ويحتمل أن يقال: فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها، فإن فيه قدراً زائداً على ما هي فيه الآن، قاله الزرقاني(٣). قلت: وحكى السيوطي في ((الزهر)) (٤)، قال القرطبي: قيل: هذا مخصوص بالمؤمن الكامل الإيمان، ومن أراد الله إنجاءه من النار، وأما من كان من الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فله مقعدان يراهما جميعاً، كما يرى عمله شخصين في وقتين أو في وقت واحد قبيحاً وحسناً، ويحتمل أن يراد بأهل الجنة كل من يدخلها كيفما كان، انتهى. (إن كان) الميت (من أهل الجنة، فمن أهل الجنة) اتّحد فيه الشرط والجزاء (١) ((فتح الباري)) (٢٤٣/٣). (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٠/١). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٨٣/٢). (٤) ((الزهر الربى)) (١٠٧/٢). ٥٩٥ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥١) حديث وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ. يُقَالُ لَهُ: هَذَا مَفْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ إِلَى يَوَمِ الْقِيَامَةَ)). أخرجه البخاريّ في: ٢٣ - كتاب الجنائز، ٩٠ - باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ. ومسلم في: ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ١٧ - باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، حديث ٦٥. لفظاً فلا بد من تقدير، قال التوربشتي: التقدير فمقعد من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه، وقال الطيبي: الشرط والجزاء إذا اتحدا لفظاً دل على الفخامة. فالمعنى من كان من أهل الجنة فيبشر بما لا يكتنه كنهه ويفوز بما لا يقدر قدره. ۔ (وإن كان) الميت (من أهل النار فمن أهل النار) أي فالمعروض عليه مقعد، من مقاعد أهل النار (يقال له) أي لكل واحد منهما (هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة) كذا في رواية يحيى بلفظ: إلى، واختلفت نسخ البخاري فيها، قال الحافظ (١): في رواية مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك: حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة، وحكى ابن عبد البر الاختلاف فيه بين أصحاب مالك، وأن الأكثر رووه كرواية البخاري وأن ابن القاسم رواه كرواية مسلم، قال التوربشتي: معنى قوله: إلى يوم القيامة: أي هذا مستقرك إلى يوم القيامة، ويجوز أن يكون التقدير حتى يبعثك الله إلى محشر يوم القيامة، انتهى. وقال السيد جمال الدين(٢): الضمير في إليه إما أن يرجع إلى المقعد، فالمعنى هذا مقعدك تستقرّ فيه حتى تبعث إلى مثله في الجنة أو النار، كقوله تعالى: ﴿قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ﴾ أي مثل الذي، ويجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى الله تعالى أي إلى لقائه، ويجوز أن يكون راجعاً إلى المقعد (١) ((فتح الباري)) (٢٤٣/٣). (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠١/١). ٥٩٦ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٢) حديث ٤٨/٥٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّ﴾ قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الأَرْضُ، إِلَا عَجْبَ الذَّنَبِ، المعروض أو إلى المقعد الذي هو القبر، ((وإلى)) بمعنى من، أي المعروض عليه مقعدك بعد، ولا تدخله الآن حتى يبعثك الله إليه أو القبر مقعدك حتى يبعثك الله منه إلى مقعدك الآخر المعروض عليك. وقال الطيبي: الضمير يرجع إلى يوم الحشر أي هذا الآن مقعدك إلى يوم الحشر، فترى عند ذلك كرامةً أو هواناً تنسى عنده هذا المقعد. وفي ((الأزهار)): المراد بالقيامة ههنا النفخة الأولى لا الأخرى؛ لأن ما بين النفختين لا يعذب أحدٌ من الكفار والمسلمين، وقال القاري: لا حاجة إلى هذا التأويل، فإن قوله: هذا مقعدك مطلق متناول للعذاب وغيره. ٤٨/٥٥٢ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله ﴾ قال: كل ابن آدم تأكله الأرض) يحتمل أن يريد به يفنى أي تعدم أجزاؤه بالكلية، ويحتمل أن يراد به يستحيل، فتزول صورته المعهودة فيصير على صفة جسم التراب، ثم يعاد إذا رُكِّبَتْ، قال إمام الحرمين: لم يدل قاطعٌ سمعيٍّ على تعيين أحدهما، ولا بعد أن تصير أجسام العباد بصفة أجسام التراب، ثم تعاد بتركيبها إلى المعهود. (إلا عجب الذنب) بفتح العين المهملة وسكون الجيم بعدها موحدة، ويقال له: عجم بالميم أيضاً عوض الباء، هو عظم لطيف في أصل الصلب، وهو رأس العُضْعُصْ، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع، وفي حديث أبي سعيد الخدري عند ابن أبي الدنيا وأبي داود والحاكم مرفوعاً: ((إنه مثل حبة خردل))، قال ابن عقيل: للَّه في هذا سرٌّ، لا يعلمه إلا الله؛ لأن من يظهر الوجود من العدم لا يحتاج إلى شيء يبني عليه. ٥٩٧ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٢) حديث ويحتمل أن يكون ذلك جعل علامة للملائكة على إحياء كل إنسان بجوهره، وهذا كله على قول الجمهور، إذ قالوا: إن عجب الذنب لا يأكله التراب، وخالف في ذلك المزني، فقال: إلا ههنا بمعنى الواو أي وعجب الذنب أيضاً . ويردُّه ما ورد من التصريح في الروايات بأن الأرض لا تأكله، فقد روي في حديث همام عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً فيه يُرَكَّبُ يوم القيامة، قالوا: أي عظم هو؟ قال: عجب الذنب))، وفي رواية لمسلم: ((ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً)) (١)، الحديث. وفي ((البذل))(٢): قال الطيبي: المراد طول بقائه تحت التراب؛ لأنه لا يفنى أصلاً، وجاء في حديث آخر: ((أنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى)). قال القاري(٣): التحقيق أنه يبلى آخراً كما شهد به الحديث لكن لا بالكلية كما يدل عليه حديث الباب، ولا عبرة بالمحسوس على أن الجزء القليل منه المخلوط بالتراب غير قابل، لأن يتميز بالحس كما لا يخفى، انتهى. قلت: سيما إذ يكون مثل حبة خردل كما تقدم. ويظهر من كلام الطحاوي في ((مشكله))(٤): أنه لا يبعد أن يخفى عنا إذ ذاك لكنه عَزّ اسمه يُظْهِرُه في الوقت الذي يشاء إظهاره فيه، وإن غاب ذلك عن أعيننا فإنه غير غائب عنه، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَبْنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ -- (١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٥٣/٨). (٢) ((بذل المجهود)) (١٨/ ٢٧٣). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٤٢/٩). (٤) انظر هامش: ((بذل المجهود)) (٢٧٣/١٨). .--- ٥٩٨ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٢) حديث مِنْهُ خُلِقَ، وَفِهِ يُرَكَّبُ)). أخرجه مسلم في: ٥٢ - كتاب الفتن، ٢٧ - باب ما بين النفختين، حديث ١٤٢. مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ﴾(١) الآية (منه خلق) أي ابتدأ خلقه، ولا يعارضه حديث سلمان: ((أن أول ماخُلِقٍ من آدم رأسه)) لأنه يجمع بينهما بأن هذا في حق آدم وذاك في حق بنيه، أو المراد بقول سلمان: نفخ الروح في آدم لا خلق جسده، كذا في ((الفتح))(٢). (وفيه يركّب) وفي المصرية: ((منه يُرَكَّبُ))، أي خلقه عند قيام الساعة، وأخرج ابن ماجه بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ليس شيء من الإنسان إلا يبلى إلا عظم وحده وهو عجب الذنب، ومنه يُرَكَّبُ الخلق يوم القيامة)). قال الباجي: عجب الذنب لا تأكله الأرض من أحد من الناس وإن أكلت سائر جسده؛ لأنه أول ما خلق من الإنسان، وهذا الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه، انتهى. قال العلماء: هذا عام يخص منه الأنبياء لأن الأرض لا تأكل أجسادهم، وألحق ابن عبد البر(٣) بهم الشهداء، والقرطبي المؤذن المحتسب، قال عياض: فتأويل الخبر أي كل ابن آدم مما يأكله التراب وإن كان التراب لا يأكل أجساداً كثيرة كالأنبياء، كذا في ((الفتح)، زاد غيره: الصديقين، والعلماء العاملين، وحامل القرآن العامل به، والمرابط، والميت بالطاعون صابراً محتسباً، والمكثر من ذكر الله، والمحبين للَّه، فتلك عشرة كاملة، قاله الزرقاني. (١) سورة لقمان: الآية ١٦. (٢) (فتح الباري)) (٥٥٣/٨). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٣٥٥/٨). ٥٩٩ ١٦ - كتاب الجنائز (١٦) باب (٥٥٣) حدیث ٤٩/٥٥٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ الأَنْصَارِيِّ؛ قلت: وما أفاده من أن الأنبياء لا تأكل الأرض أجسادهم أمر لا مرية فيه، وقد ورد هذا المعنى في عدة روايات، منها حديث أوس بن أوس في فضل الجمعة مرفوعاً، وفيه قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت، قال: يقولون: بليتَ، قال: ((إن الله حَرَّمَ على الأرض أجساد الأنبياء))، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي والبيهقي وابن حبان والحاكم وصححه على شرط البخاري وابن خزيمة، كذا في ((المرقاة)) (١). وعن أبي الدرداء مرفوعاً: ((أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنه مشهود))، الحديث. وفيه قلت: وبعد الموت، قال: ((إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فنبي الله حيٌّ يرزق))، رواه ابن ماجه بإسناد جيد، وله طرق كثيرة بألفاظ مختلفة. ٤٩/٥٥٣ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك) بن أبي كعب بن القين (الأنصاري) أبو الخطاب المدني من رواة الستة وكبار التابعين، يقال: ولد في عهد النبي وَلّ. مات في خلافة سليمان، كذا في ((التقريب)). وفي ((تهذيب الحافظ)): قال الهيثم بن عدي: مات في خلافة سليمان بن عبد الملك، وما قال الواقدي: مات في خلافة هشام إنما قال ذلك في عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، وأما هذا فقال ابن سعد: كان ثقة، توفي في خلافة سليمان، وكذا ذكر خليفة ويعقوب بن سفيان وغير واحد، وذكره العسكري فيمن ولد في عهد النبي ول#مل ولم يرو عنه شيئاً، وقال أحمد بن صالح: لم يسمع الزهري من عبد الرحمن بن كعب شيئاً، إنما روى عن (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٦/٣). ٦٠٠