النص المفهرس

صفحات 561-580

١٦ - كتاب الجنائز
(١٢) باب
(٥٤١) حديث
واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحق بمجرد صدور الوصية،
والحديث دالٌّ على أنه إنما يقع عند وقوع الامتثال، والجواب: أنه ليس في
السياق حصر فلا يلزم من وقوعه عند الامتثال أن لا يقع إذا لم يمتثلوا،
انتھی .
قال العيني(١): الحاصل: أن العلماء ذكروا فيه ثمانية أقوال، أصحها
تأويل الجمهور على أنه محمول على من أوصى به. قلت: وبه قالت الحنفية
كما في ((الدر المختار)): إنما يعذب الميت ببكاء أهله إذا أوصى بذلك، وكذا
عند الشافعية كما صرح به في ((شرح الإقناع)).
قال الحافظ: ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات، فينزل على اختلاف
الأشخاص بأن يقال مثلاً: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو
بالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنعه، ومن كان ظالماً فندب بأفعاله الجائرة عذب
بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها، فإن كان
راضياً بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راضٍ عذب بالتوبيخ كيف أهمل
النهي، ومن سَلِمَ من ذلك كله واحتاط، فنهى أهله عن المعصية، ثم خالفوه
وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على
معصية ربهم، والله تعالى أعلم بالصواب، انتهى.
ومسالك الأئمة في البكاء على الميت كما في ((نيل المآرب)) من فروع
الحنابلة: ولا بأس بالبكاء على الميت قبل الموت وبعده لكثرة الأخبار بذلك،
ويحرم الندب وهو البكاء مع تعداد محاسن الميت بلفظ النداء مع زيادة الألف
والهاء كواسَيِّداه واخليلاه. وتحرم النياحة وهي رفع الصَّوت بذلك برِنَّةٍ، ويحرم
النحيب والتعداد وإظهار الجزع، لأن ذلك يشبه التظلم من الظالم، وهو عدل
من الله، ويعرف الميت زائره ويتأذى بالمنكر عنده، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (١٠٩/٦).
٥٦١

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(١٣) باب الحسبة في المصيبة
وفي ((شرح الإقناع))(١) و((حاشيته)) من فروع الشافعية: ولا بأس بالبكاء
على الميت ولو بالصوت إذا كان من غير نوح ولا شق جيب ونحوه قبل الموت
وبعده، لكن الأولى عدمه بحضرة المحتضر، والبكاء عليه بعد الموت خلاف
الأولى، والنوح حرام كشقِّ جيب، ويحرم أيضاً الجزع بضرب صدر ونحوه
كضرب خد وتغيير زي، والضابط كل فعل يتضمن إظهار جزع ينافي الانقياد
والاستسلام، ولا يعذب الميت بشيء من ذلك ما لم يوص، انتهى بتغير.
وفي ((الشرح الكبير)) للمالكية و ((حاشيته)) للدسوقي: جاز البكاء بلا رفع
صوت وبلا قولٍ قبيح، وحُرِّم معهما أو مع أحدهما يعني يجوز البكاء عند
الموت وبعده بقيدين، أما معهما أو مع أحدهما فحرام، ومحل الجواز إن لم
يجتمعوا له وإلا كره.
--
وفي ((الكبيرى)) من فروع الحنفية: لابأس بالبكاء بإرسال الدموع في
الجنازة وفي المنزل.
(١٣) الحسبة في المصيبة
قال أبو عمر (٢): الحسبة: الصبر والتسليم، وفي ((المجمع))(٣): الحسبة:
اسم من الاحتساب، وهو في الأعمال الصالحات، وعند المكروهات: البدار
إلى طلب الأجر بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر طلباً للثواب، وقال
المجد: الحسبة بالكسر: الأجر، واسم من الاحتساب، واحتسب فلان ابناً أو
بنتاً إذا مات كبيراً، فإن مات صغيراً، قيل: افترطه، واحتسب هكذا أجراً
عند الله اعتدّه ينوي به وجه الله تعالى، وقد وردت في فضل من مات له ولد
(١) (٣٠٣/٢).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٢٤/٨).
(٣) انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) (٥٠٨/١).
٥٦٢
---------

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٢) حدیث
٣٨/٥٤٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((لاَ
يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ،
فاحتسب روايات كثيرة، ذكرها العيني في ((شرح البخاري)) (١) عن تسعة وثلاثين
صحابياً .
٣٨/٥٤٢ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب، عن
أبي هريرة) وبهذا السند أخرجه الشيخان وغيرهما (أن رسول الله وَ ل قال:
لا يموت لأحد) ذكر أو أنثى (من المسلمين) قيد به ليخرج الكافر.
قال الحافظ (٢): لكن هل يحصل ذلك لمن مات له أولاد في الكفر ثم
أسلم، فيه نظر. ويدل على عدم ذلك حديث أبي ثعلبة قال: قلت: يا رسول الله
مات لي ولدان، قال: ((من مات له ولدان في الإسلام أدخله الله الجنة))،
أخرجه أحمد والطبراني.
وعن عمرو بن عنبسة مرفوعاً: ((من مات له ثلاثة أولاد في الإسلام))،
الحديث. أخرجه أحمد أيضاً، وأخرج أيضاً عن رجاء الأسلمية قالت: جاءت
امرأة إلى رسول الله وَلّ فقالت: يا رسول الله ادع الله لي في ابن لي بالبركة
فإنه قد توفي له ثلاثة، فقال: ((أمنذ أسلمت؟))، قالت: نعم، فذكر الحديث.
(ثلاثة) هل هو حكم ما عدا الثلاثة، سيأتي في الحديث الآتي (من الولد).
قال الزرقاني(٣): بفتحتين يشمل الذكر والأنثى، الصلبية على الظاهر
الرواية النسائي من حديث أنس: ((ثلاثة من صلبه))، وكذا في حديث عقبة بن
عامر، وفي دخول أولاد الأولاد بحث. والظاهر أن أولاد الأولاد الصلب
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٦/٨/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١١/ ٥٤١).
(٣) (٧٥/٢).
٥٦٣

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٢) حديث
فَتَمَسَّهُ النَّارُ،
----
يدخلون ولا سيما عند فقد الوسائط بينهم وبين الأب، والتقييد بالصلب يدل
على إخراج ولد البنات.
وزاد في ((الصحيح)) من حديث أنس: ((لم يبلغوا الحنث))، وكذا لابن
أبي شيبة من حديث أبي هريرة، وعلَّقه البخاري، وهو بكسر المهملة وسكون
النون ومثلثة على المحفوظ أي الحلم. وحكى ابن قرقول عن الداودي: أنه
ضبطه بفتح المعجمة والموحدة، وفسره بأن المراد لم يبلغوا أن يعملوا
المعاصي(١). قال: ولم يذكره كذلك غيره، والمحفوظ الأول.
قال الخليل: بلغ الغلام الحنث إذا جرى عليه القلم، والحنث: الذنب،
وقال الراغب: عبر بالحنث عن البلوغ لما أن الإنسان يؤاخذ بما يرتكبه.
وخصّ الإثم بالذكر، لأن الصبي قد يثاب، وخصّ الصبي بالذكر لأن الشفقة
عليه أعظم، والحب له أشدُّ، وعلى هذا فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقده
هذا الثواب وإن كان في فقد الولد أجرٌ في الجملة، وبهذا صرح كثير من
العلماء .
وقال الزين بن المنير: بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوى؛ لأنه
إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كَلٌّ على أبويه، فكيف لا يثبت في الكبير
الذي بلغ معه السعي ووصل له منه النفع، ويقوي الأول قوله في حديث أنس
(بفضل رحمته إياهم))، وهل يلتحق بالصغار من بلغ مجنوناً؟ فيه نظر، قاله
الحافظ .
(فتمسَّهُ النار) بالنصب جواباً للنفي. وقال القاري(٢): بالنصب والرفع،
(١) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٣٢٥/٨) ذكر في الحديث: ((لم يبلغوا الحنث)) يعني
لم يبلغوا أن تجري عليهم الأقلام بالسيئات.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٩٠/٤).
٥٦٤
۔۔
------
٠٠۔۔

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٢) حديث
إِلَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» .
أخرجه البخاريّ فى: ٢٣ - كتاب الجنائز، ٦ - باب فضل من مات له ولد
فاحتسبه .
ومسلم في: ٤٥ - كتاب البرّ والصلة والآداب، ٤٧ - باب فضل من يموت له
ولد فيحتسبه، حديث ١٥٠.
قال ابن الملك: أي لا يدخلها، والمعنى ههنا نفي الاجتماع لا اعتبار السببية،
قال الأشرف: إنما ينصب الفاء المضارع إذا كان بين ما قبلها وما بعدها سببية
ولا سببية ههنا إذ لا يجوز أن يكون موت الأولاد ولا عدمه سبباً لولوج أبيهم
النَّار، فيحمل الفاء على معنى واو الجمع، انتهى.
قال الحافظ: وفيه نظر، لأن السببية حاصلة بالنظر إلى الاستثناء، لأن
الاستثناء بعد النفي إثبات، فكان المعنى أن تخفيف الولوج مسبَّبٌ عن موت
الأولاد. (إلا تحلة القسم) بفتح المثناة الفوقية وكسر المهملة وتشديد اللام أي
ما ينحلّ به القسم، وهو اليمين، وهو مصدر حَلّلَ اليمين أي كَفَّرَها، يقال:
حلَّل تحليلاً وتحلة وتحلاً بغير هاء، والثالث شاذٌّ.
قال أهل اللغة: يقال: فعلته تحلة القسم أي قدر ما حللت به يميني، ولم
أبالغ، قال العيني: معنى تحلة القسم ما ينحل به القسم وهو اليمين، وهذا مثل
في القليل المفرط القلة، انتهى.
قال الحافظ(١): اختلف في المراد بهذا القسم فقيل: هو معيَّنٌ، وقيل:
غير معينٍ وقيل: لم يُعْنَ به قسمٌ بعينه، وإنما معناه التقليل لأمر ورودها، وهذا
اللفظ يستعمل في هذا يقال: لا ينام هذا إلا لتحليل الأليّة، وتقول: ما ضربته
إلا تحليلاً إذا لم تبالغ في الضرب، وقيل: الاستثناء بمعنى الواو أي لا تمسّه
النار قليلاً ولا كثيراً ولا تحلة القسم.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٢٣/٣).
٥٦٥

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٢) حدیث
وجَوَّز الفرّاء والأخفش مجيء إلاَّ بمعنى الواو. والجمهور على الأول،
وبه جزم أبو عبيد وغيره، وقالوا: المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾
ويدل عليه ما عند عبد الرزاق عن الزهري في آخر هذا الحديث: إلا تحلة
القسم يعني الورود، وفي ((سنن سعيد بن منصور)) عن سفيان بن عيينة في
آخره: ثم قرأ سفيان: ﴿وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ومن طريق زمعة عن الزهري في
آخره، قيل: وما تحلة القسم؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، وكذا
حكاه عبد الملك بن حبيب عن مالك في تفسير هذا الحديث، وورد بمعنى
ذلك في روايات أخرى ذكرها الحافظ في ((الفتح)).
قال القاري(١): قال بعض الشُرّاح من علمائنا: التحلة بكسر الحاء مصدر
كالتحليل، والمعنى: إلا مقدار ما يُبرئ الله تعالى قسمه فيه بقوله: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ
إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وقيل: إلا زماناً يسيراً، يمكن فيه تحلة القسم، فالاستثناء متصل
كما هو الأصل، ثم جعل ذلك مثلاً لكل شيء يقلّ وقته، والعرب تقول: فعلته
تحلة القسم أي لم أفعل إلا مقدار ما حللت به يميني ولم أبالغ، انتهى.
واختلف (٢) في موضع القسم من الآية، فقيل: هو مقدر، أي والله ﴿وَإِن
قِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾(٣)، وقيل: معطوف على القسم الماضي في قوله تعالى:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْثُرَنَّهُمْ﴾ أي وربك إن منكم، وقيل: مستفاد من قوله تعالى: ﴿حَتْمًا
مَّقْضِيًّا﴾ أي قسماً واجباً. وقال الطيبي: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دلَّ
على القطع والبتِّ من السياق، فإن قوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ تذييل وتقرير
لقوله: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ﴾، فهذا بمنزلة القسم بل أبلغ لمجيء الاستثناء بالنفي
والإثبات.
---
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٩١/٤).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٧٦/٢).
(٣) سورة مريم: الآية ٧١.
٥٦٦

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٢) حديث
واختلف السلف في المراد بالورود فقيل: الدخول رواه عبد الرزاق بسنده
عن ابن عباس، وروى أحمد والنسائي والحاكم من حديث جابر مرفوعاً:
الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها. فتكون على المؤمنين برداً
وسلاماً .
وروى الترمذي وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: يردونها أو يلجونها
ثم يصدرون عنها بأعمالهم، وقيل لشعبة: إن إسرائيل يرفعه؟ قال: صدق،
وعمداً أدعه، ثم رواه الترمذي عن إسرائيل مرفوعاً، وقيل: المراد بالورود
الممر عليها، رواه الطبري وغيره عن أبي هريرة وابن مسعود وغيرهما، وهذان
القولان أصخُّ ما ورد في ذلك.
ولا تنافي بينهما، لأن من عبّر بالدخول تجوّز به عن المرور، لأن المارَّ
عليها فوق الصّراط في معنى من دخلها، ويؤيد صحة هذا التأويل ما رواه
مسلم: ((إن حفصة قالت للنبي ◌ّ لما قال لا ((يدخل أحد شهد الحديبية
النار)): أليس الله يقول: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾؟ فقال: ((أليس الله تعالى يقول:
ثُمَّ ◌ُنَجِىِ الَّذِينَ أَتَّقَواْ﴾ الآية)).
وفي هذا بيان ضعف من قال: الورود مختص بالكفار، ومن قال: الورود
الدنوّ منها، ومن قال: معناه الإشراف عليها، ومن قال: معنى ورودها ما يصيب
المؤمن في الدنيا من الحُمَّى على أن هذا الأخير ليس ببعيد، ولا ينافيه بقية
الأحاديث، والله أعلم.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: أن أولاد المسلمين في الجنة؛
لأنه يبعد أن الله تعالى يغفر للآباء بفضل رحمته للأبناء، ولا يرحم الأبناء
وكونهم في الجنة قول الجمهور، ووقف طائفة قليلة، كذا في ((الفتح))(١).
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٤١/١١)، و((الاستذكار)) (٣٢٤/٨).
٥٦٧

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٣) حديث
٣٩/٥٤٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ السَّلَمِيِّ؛
٣٩/٥٤٣ - (مالك، عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم)
الأنصاري النجّاري الحزمي بسكون الزاي، أبو عبد الملك المدني القاضي
ثقة، وله أحاديث، مات سنة ١٣٢، وله ٧٢ سنة، من رواة الستة (عن أبيه)
أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (عن أبي النضر) هكذا في
جميع النسخ التي بأيدينا من الهندية والمصرية، وكذا في متون الشروح الثلاثة
((الباجي))، و((التنوير))، و((الزرقاني)). والظاهر أنه سهو من النُسَّاخ، والصَّواب
في نسخة ((الموطأ)) هذه ابنُ النضر، قال الزرقاني: كذا رواه يحيى والأكثر غير
مُسَمَّى، وقال ابن بكير والقعنبي: عن أبي النضر بأداة الكنية.
وقال السيوطي في ((التنوير)) حاكياً عن ابن عبد البر(١): اختلف فيه رواة
((الموطأ)) فأكثرهم يقول: عن ابن النضر. وقال ابن بكير والقعنبي: عن أبي
النضر، قال العيني في ((شرح البخاري)): اختلفت الرواة ((للموطأ))، فبعضهم
يقول: عن ابن النضر وهو الأكثر، وبعضهم يقول: عن أبي النضر ولا يعرف
إلا بهذا الحديث، انتهى.
وقال الحافظ في ((الإصابة)): أبو النضر السلمي روى حديثه المعافى عن
مالك فقال في حديثه: عن أبي النضر، والصواب ابن النضر هكذا في
((الموطأ))، وأورده ابن منده هكذا وتبعه أبو نعيم. قلت: وقريب منه ما في
((أسد الغابة))(٢) فعُلِمَ من ذلك أن المعروف في روايات ((الموطأ)) بلفظ: الابن
(السلمي) بفتح السين واللام، قاله السيوطي.
قال ابن عبد البر في ((الاستيعاب))(٣): عبد الله بن النضر السلمي، روى
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٣٠/٨).
(٢) (١١٦/٥).
(٣) (٩٩٨/٣).
١
٥٦٨
---

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٣) حديث
عنه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ((لا يموت لأحد ثلاثة))، الحديث،
وهو مجهول لا يعرف، ولا أعلم له غير هذا الحديث. وما أعلم في ((الموطأ))
رجلاً مجهولاً غير هذا، وقد ذكره في الصَّحابة، وفيه نظر. ومنهم من يقول
فيه: محمد، ومنهم من يقول فيه: أبو النضر، كل ذلك قال فيه أصحاب
مالك، وبعضهم يقول فيه: ابن النضر لا يسميه، وأما ابن وهب فجعل الحديث
لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن عامر الأسلمي، انتهى،
وذكر كلامه الحافظ في ((الإصابة)).
ثم قال: وقال في ((التمهيد))(١): مالك عن محمد بن أبي بكر عن أبي
النضر السلمي فذكر الحديث.
اختلف فيه رواة ((الموطأ))، فقال يحيى بن معين وغيره: عن أبي النضر
غير مسمَّى، وقال بعضهم: عبد الله بن النضر، وبعضهم: محمد بن النضر،
وقال يحيى بن بكير والقعنبي: عن أبي النضر وهو مجهول، وزعم بعضهم: أنه
أنس بن مالك بن النضر أبو النضر، وأنه نسب لجده تارة وكني تارة، قال:
وهذا خطأ، وجهل، فإن أنس بن مالك نجاريٌ ليس بسلمي من بني سلمة،
وكنيته أبو حمزة بإجماع لا أبو النضر، انتهى.
قال الحافظ: ويبعده من الصَّحابة رواية ابن وهب، فإن عبد الله بن عامر
من أتباع التابعين. وفيه مقال. وقال الداني في ((أطراف الموطأ)) بعد أن لخص
كلام أبي عمر: انفرد ابن وهب بهذا، وهذا الرجل مجهول. قال أبو عمر: لا
أعلم في ((الموطأ)) رجلاً مجهولاً غيره، وقال الداني: جاء معنى هذا الحديث
عن أنس فظن بعض الناس أنه المعنى ههنا، وليس كذلك، وذكر كلام
ابن عمر، ثم قال: وأنس وإن كان له ولد اسمه النضر فإنه لم يُكَنَّ به، انتهى.
(١) (٨٧/١٣).
٥٦٩

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٣) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ ◌ّ قَالَ: «لاَ يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ
الْوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ، إِلَّ كَانُوا لَهُ جُنَّةً مِنَ النَّارِ)). فَقَالَتِ امْرَأَةٌ، عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ وَه:
(أن رسول الله وِّل قال: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد) أو
أقلّ من ذلك كما سيأتي (فيحتسبهم) قال القاري: بالرفع لا غير والفاء للتسبيب
بالموت وحرف النفي منصبٌّ على السبب والمسبب معاً. قال الباجي: بيان
لصفة من يؤجر بمصابه في ولده وهو أن يحتسبهم، وأما من لم يحتسبهم، ولم
يرضَ بأمر الله فيه، فإنه غير داخل في هذا الوجه، انتهى.
وفي ((الاستذكار)) (١): ساق مالك - رضي الله عنه - هذا الحديث لقوله:
((فيحتسبهم))، فجعله تفسيراً للحديث قبله، وهكذا شأنه في كثير من ((الموطأ))،
انتھی .
قال الحافظ(٢): وقد عرف من القواعد الشرعية أن الثواب إنما يترتب
على النية فلا بد من قيد الاحتساب، والأحاديث المطلقة محمولة على المقيدة،
قلت: ولذا قيد البخاري في ((صحيحه)) الترجمة بالاحتساب، (إلا كانوا له جنة)
بضم الجيم وشدّ النون أي وقاية (من النار) وفي رواية أبي سعيد عند البخاري:
((كانوا لها حجاباً من النار)).
(فقالت امرأة عند رسول الله وَّة) لم أقف على تعيين السائلة لكثرة من
سأل عن ذلك، وما قال العلامة الزرقاني: إنها أمّ سليم آخذاً من ((الفتح))
للحافظ لم أتحصله، لأن الحافظ ذكره تحت حديث أبي سعيد الخدري(٣)،
ومن كانت سائلة في حديث أبي سعيد لا يلزم أن تكون سائلة في حديث
ابن النضر .
(١) انظر: (٣٣١/٨).
(٢) ((فتح الباري)) (١١٩/٤).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب العلم (١٠٢)، وفي الجنائز (١٢٤٩).
٥٧٠
-
...

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٣) حدیث
قال الحافظ(١) في ((كتاب العلم)) تحت حديث أبي سعيد: هي أمّ سليم،
وقيل غير ذلك، وقال أيضاً في ((الجنائز)): هي أم سليم الأنصارية والدة أنس بن
مالك، كما رواه الطبراني بإسناد جيد عنها قالت: قال رسول الله وَّ ذات يوم
وأنا عنده: ((ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة لم يبلغوا الحلم إلا أدخله الجنة
بفضل رحمته إياهم، فقلت: واثنان؟ قال: واثنان)). وأخرج أحمد الحديث
دون القصَّة، ووقع لأم مبشر الأنصارية أيضاً السؤال عن ذلك كما رواه
الطبراني من حديث جابر، وسألت أم أيمن أيضاً كما في حديث جابر بن سمرة
للطبراني، وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عند الترمذي: أن عائشة
- رضي الله عنها - أيضاً منهن.
وحكى ابن بشكوال: أن أم هانئ أيضاً سألت عن ذلك، قال الحافظ (٢):
يحتمل أن يكون كلاً منهن سأل عن ذلك في ذلك المجلس، وأما تعدد قصة
ففيه بعد، لأنه ◌َّلا لما سئل عن الاثنين بعد ذكر الثلاثة، وأجاب: بأن الاثنين
كذلك، فالظاهر أنه كان أوحي إليه ذلك في الحال، وبذلك جزم ابن بطال
وغيره، وإذا كان كذلك كان الاقتصار بعد ذلك على الثلاثة مستبعداً جداً؛ لأن
مفهومه يخرج الاثنين اللذين ثبت لهما ذلك الحكم بالوحي، نعم وقع في
حديث جابر بن عبد الله أنه ممن سأل عن ذلك، وروى الحاكم وصحّحه
والبزار من حديث بريدة: أن عمر - رضي الله عنه - سأل عن ذلك أيضاً، وهذا
لا بعد في تعدده، لأن خطاب النساء بذلك لا يستلزم علم الرجال به، انتهى.
وقال العيني(٣): الظاهر تعدد القصة واتحاد المجلس فيه بعد ظاهر.
قلت: وهذا هو الظاهر عندي، لأنَّ ما بنى عليه الحافظ اتحاد المجلس منقوض
(١) (فتح الباري)) (١٩٦/١).
(٢) (١٢٣/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٤/٦).
٥٧١

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٣) حديث
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوِ اثْنَانِ؟ قَالَ: «أَوِ اثْنَانِ)).
أخرجه البخاريّ من حديث أبي سعيد الخدري في: ٣ - كتاب العلم، ٣٦ -
باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم؟.
ومسلم في: ٤٥ - كتاب البرّ والصلة والآداب، ٤٧ - باب فضل من يموت له
ولد فيحتسبه، حديث ١٥٢.
بسؤال الرجال، وقد أقرّ أن لا بعد في تعدد سؤالهم. فالظاهر أن أصل الحكم
كان منوطاً بالثلاثة، ودخل في حكمهم الاثنان والواحد، فالنبي ◌َّ أخبر بأصل
الحكم أولاً ثم بمن دخل فيه حكماً، وقال القرطبي: يحتمل أن يفترق الحال
في ذلك بافتراق حال المصاب من زيادة رقّة القلب وشدة الحب ونحو ذلك.
---
(يا رسول الله أو اثنان) ولفظ البخاري من حديث أبي سعيد فقالت امرأة:
واثنان، قال: ((واثنان)). قال الحافظ (١): أي وإذا مات اثنان ما الحكم؟ قال:
والاثنان أي وإذا مات اثنان فالحكم كذلك (قال) رسول الله وَلل (أو اثنان)
الظاهر أنه بوحي أوحي إليه في الحال، وبه جزم ابن بطال وغيره، ولا بعد في
نزول الوحي في أسرع من طرفة عين، ويحتمل أنه كان عالماً بذلك، لكنه
أشفق عليهم أن يتكلوا لأن موت الاثنين غالباً أكثر من موت الثلاثة.
ثم لما سئل عن ذلك لم يكن بدٌّ من الجواب. قال ابن التين تبعاً
لعياض: هذا يدل على أن مفهوم العدد ليس بحجة، لأن الصحابية من أهل
اللسان ولم تعتبره، إذ لو اعتبرته لانتفى الحكم عندها عما عدا الثلاثة، لكنها
جوّزت ذلك فسألته، والظاهر أنها اعتبرت مفهوم العدد إذ لو لم تعتبره لم
تسأل.
والتحقيق أن دلالة مفهوم العدد ليست يقينية، وهي محتملة، ومن ثم وقع
السؤال عن ذلك، قال القرطبي: إنما خصت الثلاثة بالذكر، لأنها أول مراتب
(١). ((فتح الباري)) (١٢٢/٣).
٥٧٢
:

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٣) حديث
الكثرة، فبعِظَم المصيبة يكثر الأجر، فأما إذا زاد عليها فقد يخفّ أمر المصيبة؛
لأنها تصير كالعادة كما قيل:
روعت بالبين حتى ما أراع له
وهذا مصير منه إلى انحصار الأجر المذكور في الثلاثة ثم في الاثنين
بخلاف الأربعة والخمسة وهو جمود شديد، فإن مات له ثلاثة ضرورة لأنهم إن
ماتوا دفعة واحدة فقد مات له ثلاثة وزيادة، ولا خفاء بأن المصيبة بذلك أشدُّ
وإن ماتوا واحداً بعد واحدٍ، فإن الأجر يحصل عند موت الثالث، بمقتضى
وعد الصادق، فيلزم على قول القرطبي أنه إن مات له الرابع أن يرتفع عنه ذلك
الأجر مع تجدد المصيبة، وكفى بهذا فساداً، والحق أن تناول الخبر الأربعة
فما فوقها من باب أولى وأحرى، ويؤيد ذلك أنهم لم يسألوا، كذا في
((الفتح))(١).
ثم هل يدخل في الحكم الواحد أيضاً ظاهر صنيع البخاري نعم، إذ بوَّب
في (صحيحه)): (باب فضل من مات له ولد فاحتسب)). قال الحافظ(٢): عبَّر
بالولد ليتناول الواحد فصاعداً وإن كان حديث الباب قد قيد بثلاثة أو اثنين،
لكن وقع في بعض طرقه ذكر الواحد، ففي حديث جابر بن سمرة مرفوعاً: ((من
دفن ثلاثة فصبر))، الحديث. فقالت أم أيمن: أو اثنين؟ فقال: ((أو اثنين))،
فقالت: وواحد؟ فسكت، ثم قال: ((وواحد))، أخرجه الطبراني في «الأوسط)).
وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((من قدَّم ثلاثة من الولد)»،
الحديث. وفيه قال أبو ذر: قدّمت اثنين، قال: ((اثنين)). قال أُبَيّ بن كعب:
قدّمت واحداً، قال: ((وواحداً)) أخرجه الترمذي(٣)، وقال: غريب، وعنده من
(١) (١٢٢/٣).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١١٩/٣).
(٣) أخرجه الترمذي (١٠٦١).
٥٧٣

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٣) حديث
حديث ابن عباس - رضي الله عنه - رفعه: ((من كان له فرطان من أمتي))،
الحديث. وفيه قالت عائشة - رضي الله عنها -: فمن كان له فرط، قال: ((ومن
کان له فرط)).
وليس في شيء من هذه الطرق ما يصلح للاحتجاج، بل وقع في الحديث
الذي علّقه البخاري، ولم يسأله عن واحد، وروى النسائي وابن حبان عن أنس
عن المرأة التي قالت: واثنان، يا ليتني قلت: وواحد، وروى أحمد من حديث
جابر رفعه: ((من مات له ثلاثة))، الحديث، وفيه قلنا: واثنان، قال: ((واثنان))،
قال محمود قلت لجابر: أراكم لو قلتم: وواحد، لقال: وواحد، قال: وأنا
أظن ذلك، وهذه الأحاديث الثلاثة أصح من تلك.
لكن روى البخاري في ((الرقاق)) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: يقول الله
عز وجل: ((ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم
احتسبه إلا الجنة)) وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه، وهذا أصح ما ورد في
ذلك، انتھی.
قلت: والروايات الثلاث المتقدمة وإن لم تقابل الثلاث الأخرى في
الصحة لكنها جازمة بالواحد فهي قاضية على المظنونة، وقد ورد ذكر الواحد
في غير ما تقدم أيضاً .
ففي ((الدر)) للسيوطي برواية أحمد عن معاذ قال: قال رسول الله وَ له: (ما
من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة))، الحديث. وفيه قالوا: أَو واحد، وفيه أيضاً
برواية أحمد وابن قانع وابن منده عن حوشب مرفوعاً: ((من مات له ولد فصبر
واحتسب قيل له: ادخل الجنة بفضل ما أخذنا منك))، وبرواية النسائي
وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه البيهقي في ((الشعب)) عن أبي سلمة
مرفوعاً: ((بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان))، الحديث، وفيه ((والولد
الصَّالح يتوفى للمرء فيحتسبه)) وغير ذلك من الروايات.
٥٧٤
---
۔۔
٠٠

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٤) حديث
٤٠/٥٤٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَبِي الْحُبَاب
سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ل﴿ قَالَ: «مَا يَزَالُ
الْمُؤْمِنُ يُصَابُ فِي وَلَدِهِ وحَامَّتِهِ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهِ وَلَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ)) .
٤٠/٥٤٤ - (مالك، أنه بلغه) قال ابن عبد البر(١): هكذا جاء هذا
الحديث في ((الموطأ)) عند عامة رواته، وقد رواه معن بن عيسى عن مالك عن
ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أبي الحباب به (عن أبي الحباب) بضم الحاء
المهملة وموحدتين بينهما ألف (سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله عَل
قال: ما يزال المؤمن يصاب في ولده) بفتح الواو واللام وبضم فسكون أي
أولاده، قاله القاري.
(وحامته) بفتح الحاء المهملة والميم المشددة ففوقية أي قرابته وخاصته
جمع حميم، كذا ضبطه شراح ((الموطأ)) (٢). وفي ((الدر)) للسيوطي برواية
((الموطأ)) والبيهقي في ((الشعب)): ((ما يزال المؤمن يصاب في ولده وحامَّته حتى
يلقى الله)) الحديث. (حتى يلقى الله وليست له خطيئة)
قال الباجي(٣): يحتمل أن يريد أنه يحط لذلك عنه خطاياه حتى لا يبقى
له خطيئة. ويحتمل أن يريد أنه يحصل له على ذلك من الأجر ما يزن جميع
ذنوبه، فيلقى الله تعالى وليس له ذنب يزيد على حسناته، فهو بمنزلة من لا ذنب
له، وإنما هذا لمن صبر واحتسب، وأما من سخط ولم يرض بقدر الله تعالى،
فإنه أقرب إلى أن يأثم لتسخطه، فيكثر بذلك سائر آثامه، وهذا تفسير للحديثين
المتقدمين .
(١) انظر: ((التمهيد)) (١٨٠/٢٤).
(٢) وفي ((الاستذكار)) (٣٣٣/٨): روى حبيب عن مالك قال: حامَّته ابن عمه، وصاحبه من
جلسائه، وقال غيره: حامَّته قرابته ومن يُحزنه موتُه .
(٣) ((المنتقى)) (٢٨/٢).
٥٧٥

١٦ - كتاب الجنائز
(١٣) باب
(٥٤٤) حديث
وقال ابن عبد البر: وفي معناه أحاديث كثيرة كقوله مَ لو: ((لا تزال البلايا
بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله وليست عليه خطيئة))،
انتھی .
قلت: أخرجه في ((المشكاة))(١) عن الترمذي برواية أبي هريرة - رضي الله
عنه - وقال: قال: حديث حسن صحيح، وفيها أيضاً برواية البخاري عن أبي
هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((من يرد الله به خيراً يُصَبْ منه))، وبرواية
الشيخين عن أبي سعيد مرفوعاً قال: ((ما يصيب المسلم من نصب ولا وصبٍ
ولا همٍّ ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من
خطاياه)) .
وبروايتهما أيضاً عن ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((ما من مسلم
يصيبه أذى من مرض فما سواه إلاّ حطّ الله تعالى به سيئاته، كما تَحُظُّ الشجرة
ورقها))، وبرواية مسلم عن جابر قوله {وَل﴿م لأم السائب: ((لا تسُبِّ الْحُمَّى فإنها
تُذهب خطايا بني آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد))، وبرواية البخاري عن
أنس مرفوعاً: «قال الله سبحانه وتقدس، إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، ثم صبر
عوّضته منهما الجنة))، يريد عينيه.
وبرواية الترمذي عن أمية: أنها سألت عائشة - رضي الله عنها - عن
قول الله عز وجل: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ﴾ الآية وعن قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ
سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله وَالر فقال:
(هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحُمَّى والنكبة حتى البضاعة يدعها في يد
قميصه، فيفقدها فيفزع لها حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التِبْرُ
الأحمر من الكير)).
(١) (١/ ٤٩١) باب عيادة المريض إلخ.
٥٧٦
-- -- --

١٦ - كتاب الجنائز
(١٤) باب
(٥٤٥) حدیث
(١٤) باب جامع الحسبة في المصيبة
٤١/٥٤٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْفَاسِمِ بْنِ مُحَسَّدِ بْنِ أبِي بَكْرٍ ؛
وبرواية أحمد وأبي داود عن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده
مرفوعاً: ((إن العبد إذا سبقت له منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو
في ماله أو في ولده، ثم صبره على ذلك حتى يُبَلِّغه المنزلة التي سبقت له
من الله)) وغير ذلك.
(١٤) جامع الحسبة في المصيبة
قال المجد: الحسبة بالكسر: الأجر، واسم من الاحتساب، انتهى.
وقال الراغب: الحسبة فعل ما يحتسب به عند الله تعالى، انتهى. أي الأحاديث
المتفرقة في الأجر والاحتساب عند المصيبة. قال الأبي في ((شرح مسلم))(١):
المصيبة ما أصاب من خير أو شر، لكن اللغة قصرها على الشر، وبه قال
الباجي كما سيأتي في شرح الحديث.
٤١/٥٤٥ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر)
الصديق - رضي الله عنه -، قال ابن عبد البر(٢): هذا الحديث رَوَتْه طائفةٌ عن
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، وقد روي مسنداً من حديث سهل بن سعد
وعائشة والمسور بن مخرمة، انتهى.
وقال الحافظ: روى بقي بن مخلد والبارودي وابن شاهين من طريق
أبي بردة عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن سابط عن أبيه عن النبي وَّل
قال: ((من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب))، وإسناده
حسن، لكن اختلف في علقمة، انتهى.
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٩٣/٣).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٣٢٢/١٩)، و((الاستذكار)) (٣٣٥/٨).
٥٧٧

١٦ - كتاب الجنائز
(١٤) باب
(٥٤٥) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلّ قَالَ: «لِيُعَزِّ الْمُسْلِمِينَ فِي مَصَائِبِهِم، الْمُصِيبَةُ
بي)).
(أن رسول الله وَّ قال: ليُعَزّ) بضم الياء من التعزية وهي الحمل على
الصبر والتسلي والعزاء بالمد الصبر (المسلمين في مصائبهم) جمع مصيبة، وهو
ما أصاب من الشر كما تقدم (المصيبة بي) لأن كل مصيبة دونها، ولا شك
فيه، وذلك إما لأن كل مصاب به عنه عوض، ولا عوض عنه وَّة، أو لأن
بموته انقطع خبر السماء وهو ◌َلّ رحمة للمؤمنين ونهج للدين، وقالت طائفة
من الصحابة: ما نفضنا أيدينا من تراب قبره وم اله حتى أنكرنا قلوبنا، ولأبي
العتاهية :
إذا كان من أهل التُّقى في محمد
لكل أخي شَكْلٍ عزاءٌ وأسوةٌ
وقال غيره:
اصبر لكل مصيبة وتجلَّدٍ
وإذا ذكرت مصيبةً تسلو بها
واعلم بأن المرء غير مُخلَّد
فاذكر مصابك بالنبي محمد
وقال الآخر:
ولو كان في الدنيا بقاء لساكن
وما أحد ينجو من الموت سالماً
لكان رسول الله فيها مخلَّدا
وسهم المنايا قد أصاب محمدا
وقال حسان بن ثابت في قصيدته التي يبكي بها النبي وَالآتى:
وهل عدلت يوماً رزيَّة هالك
فَجُودي عليه بالدموع واعولي
وما فقد الماضون مثل محمد
وقالت صفية بنت عبد المطلب:
لعمرك ما أبكي النبي لفقده
كأنَّ على قلبي بذكر محمد
فدى لرسول اللّه أمي وخالتي
فلو أن رب الناس أبقى نبينا
رزيّة يوم مات فيه محمد
لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد
ولا مثله حتى القيامة يفقد
ولكن لما أخشى من الهرج آتيا
وما خفت من بعد النبي المكاديا
وعمي وآبائي ونفسي وماليا
سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
٥٧٨

١٦ - كتاب الجنائز
(١٤) باب
(٥٤٦) حدیث
٤٢/٥٤٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَمِّ سَلَمَةَ زَوْج النَّبِيِّ وَلَ﴾؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
قَالَ: ((مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَقَالَ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ:
٤٢/٥٤٦ - (مالك، عن ربيعة) الرأي (ابن أبي عبد الرحم، فرّوخ
المدني الفقيه (عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية (زوج النبي وَلؤ) قال
الزرقاني(١): لم يدركها ربيعة، ولذا قال أبو عمر بن عبد البر: هذا حديث
يتصل من وجوهٍ شتى إلا أن بعضهم يجعله لأم سلمة عن النبي بَّر، وبعضهم
يجعله لأم سلمة، عن أبي سلمة عن النبي وَلّ (أن رسول الله مَالَر قال: من
أصابته مصيبة)
قال الباجي(٢): هذا اللفظ موضوع في أصل كلام العرب لكل من ناله
شر أو خير، ولكنه مختص في عرف الاستعمال بالرزايا والمكاره.
قال الزرقاني(٣): أيّ مصيبة كانت لقوله ◌َلر: كل شيء ساء المؤمن فهو
مصيبة، رواه ابن السُنِّي. وفي ((مراسيل أبي داود)): أن مصباح النبي ◌َّ طفي
فاسترجع فقالت عائشة - رضي الله عنها -: إنما هذا مصباح، فقال: ((كل ما ساء
المؤمن فهو مصيبة))، (فقال كما أمر الله) ولفظ مسلم: ((فيقول ما أمره الله به)).
قال الأبي: يحتمل الأمر أنه بوحي في غير القرآن، ويحتمل أن الأمر
مفهوم من الثناء على قائل ذلك؛ لأن المدح على الفعل يستلزم الأمر به، انتهى.
﴿َ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم
والمراد على الظاهر قوله تعالى: ﴿وَبَشْرِ الصَّبِينَ
مُصِيبَةٌ﴾ (٤) الآية، قال الطيبي: فإن قلت: أين الأمر في الآية؟ قلت: لما أمره
(١) (٧٩/٢)، و((التمهيد)) (١٨٦/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٩/٢).
(٣) (٧٩/٢).
(٤) سورة البقرة: الآيتان ١٥٥ - ١٥٦.
٥٧٩

١٦ - كتاب الجنائز
(١٤) باب
(٥٤٦) حديث
إِنَّا اللَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. اللَّهُمَّ أُجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي،
بالبشارة وأطلقها ليعم كل مبشّر به، وأخرجه مخرج الخطاب ليعم كل أحد نبّه
على تفخيم الأمر وتعظيم شأن هذا القول، فنبّه بذلك على كون القول مطلوباً،
وليس الأمر إلا طلب الفعل. وأما التلفظ بذلك مع الجزع فقبيحٌ، وسخطٌ
للقضاء .
وقال القاري: والأقرب أن كل ما مدح الله تعالى في كتابه من خصلة
يتضمن الأمر بها، كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها، وأما قوله: التلفظ
بذلك مع الجزع قبيحٌ، فمردود لأن ذلك من باب خلط العمل الصالح بالعمل
السوء كالاستغفار مع الإصرار، قال تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَطُواْ عَمَلًا
صَلِحًا وَءَاخَرَ سَبِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ (1)﴾، انتهى.
قال الباجي: لم يرو لفظ الأمر بهذا القول، لأنه إنما ورد القرآن بتبشير
من قاله، والثناء عليه، ويحتمل أن يشير إلى غير القرآن فيخبر وَل عن أمر
الباري لنا بذلك، ولذا وصله بقوله: اللّهم أجرني .. إلخ. (إِنا) بدل من قوله:
كما، يعني أن ذاتنا وجميع ما ينسب إلينا (للَّه) تعالى ملكاً وخلقاً (وإنا إليه
راجعون) في الآخرة، (اللَّهم) الظاهر أنه من جملة ما أمره الله به كما تقدم في
كلام الباجي. قال ابن حجر في ((شرح المشكاة)): هو الظاهر (أجرني) بقصر
الهمزة وضم الجيم أو بمد الهمزة وكسر الجيم والراء ساكنة.
وفي ((المجمع)): بسكون الهمزة وضم جيم إن كان ثلاثياً، وإلا فبفتح
همزة ممدودة وكسر جيم، وآجره يؤجره: إذا أصابه وأعطاه الأجر والجزاء،
وكذا أجره يأجره. وقال عياض: الأكثر أنه مقصور لا يمد. وقال الأصمعي:
الأكثر المد، ومعنى آجره: أعطاه أجره.
قال الأبي: فَعَلَى أنه ثلاثي. فالهمزة ساكنة لأنها أصلية دخلت عليها
همزة الوصل، وأما كُل ومُر وخُذ فالثلاثة جارية على خلاف القياس لكثرة
الاستعمال، انتهى. (في مصيبتي) قال القاري: الظاهر أن في بمعنى باء السببية
٥٨٠