النص المفهرس
صفحات 521-540
١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٧) حديث ٠٠٠ قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ليس على من مرّت به جنازة أن يقوم لها ولمن تبعها أن يجلس وإن لم توضع، وأراد بالآخرين: عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود ونافعاً وابن جبير وأبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأبا يوسف ومحمداً، وهو قول عطاء بن أبي رباح ومجاهد وأبي إسحاق، ويروى ذلك عن علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وابن عباس، وأبي هريرة، قاله الحازمي. وقال عياض: ومنهم من ذهب إلى التوسعة والتخيير، وليس بشيء، وهو قول أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون من المالكية، انتهى كلام العيني. وقال أيضاً: اختلفوا في الأمر المذكور في الحديث فقيل: للوجوب والقيام لها واجب، وقيل: للندب. وإليه ذهب ابن حزم، وقيل: كان واجباً ثم نسخ. وقال الشوكاني(١): مذهب أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون: أن القيام للجنازة لم ينسخ القعود منه ◌ّ كما في حديث علي - رضي الله عنه - لبيان الجواز، فمن جلس فهو في سعة، ومن قام فله أجر، وكذا قال ابن حزم: إن قعوده و ل بعد أمره بالقيام يدل على أن الأمر للندب، ولا يجوز أن يكون نسخاً . قال النووي(٢): والمختار أنه مستحب، وبه قال المتولي وصاحب ((المهذب)) من الشافعية، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: إن القيام منسوخ الحديث علي - رضي الله عنه -، قال الشافعي: إما أن يكون القيام منسوخاً أو يكون لعلة وأيهما كان فقد ثبت أنه وُّ تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره، والقعود أحبُّ إليّ، انتهى. (١) ((نيل الأوطار)) (٢٣/٣). (٢) انظر: ((شرح النووي على مسلم)) (٣٨/٧). ٥٢١ ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٧) حديث فعُلِم مما سبق أن الأئمة الثلاثة متفقة على ترك القيام، وهو مصرح في فروعهم غير الشافعية، ففي فروعهم اختلاف، لكن تقدم التصريح عن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - بنسخ القيام في ((حاشية شرح الإقناع))، والراجح عند الشافعية ندب القيام للجنازة ((كذا في الأصل والصواب ترك القيام»، وبه قال مالك وأحمد، وإن كان المختار عند النووي تبعاً لجمع من السلف من حيث الدليل الندب، لكن صحح في ((المجموع)) عدمه حيث قال: القيام إذا مرت، والقيام إذا تبعها منسوخان على المذهب، فلا يؤمر أحد بالقيام لها الآن سواء مرت به أم تبعها إلى القبر، وجرى في ((الروضة)) على كراهة القيام لها، انتهى. وفي ((الشرح الكبير)) للمالكية: كره لجالس مرت به جنازة أو مُشيِّع سبقها للمقبرة وجلس قيامٌ لها، وكذا استمرار من معها قائماً حتى توضع. وفي ((الدر المختار)) (١) من فروع الحنفية: ولا يقوم من في المصلى لها إذا رآها قبل وضعها ولا من مرت عليه وهو المختار، وما ورد فيه منسوخ، انتهى. . -- وتقدم أن الإمام أحمد - رضي الله عنه - قال: بالقيام لكن فروعه مصرحة بترك القيام كالجمهور. ففي ((نيل المآرب)): يكره القيام لها إذا جاءت أو مرت به وهو جالس، انتھی. وهكذا في ((الروض المربع))، فعلى ذلك الأئمة الأربعة متفقة في ترك القيام لها، وما ورد في ذلك منسوخ أو معلل كما تقدم عن الإمام الشافعي - رضي الله عنه -. قال العيني: وتمسكوا في ذلك بأحاديث: منها: ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن علي - رضي الله عنه -: أن رسول الله وَلو كان يقوم في الجنازة ثم جلس بعد، وعند ابن حبان: كان يأمرنا بالقيام في الجنائز ثم جلس بعد - --------- (١) (٨٣٤/١). ٥٢٢ ..--------- -- -----. ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٧) حديث ذلك وأمر بالجلوس، وقال الحازمي بسنده عن أبي معمر قال: مرت بنا جنازة، فقمت، فقال علي - رضي الله عنه -: من أفتاك هذا؟ قلت: أبو موسى الأشعري، فقال علي - رضي الله عنه -: ما فعله رسول الله وَلَه إلا مرة، فلما نسخ ذلك ونهي عنه انتهى، اهـ. وقال الحازمي(١) عن عبد الله بن سخبرة: إنّا لجلوسٌ مع علي - رضي الله عنه - ننتظر جنازة إذ مرت بنا أخرى فقمنا، فقال علي - رضي الله عنه -: ما يُقِيمُكُم؟ فقلنا: هذا ما أفتانا به أصحاب محمد بَّ، قال: وما ذلك؟ قلت: زعم أبو موسى أن رسول الله وَالله قال: ((إذا مرت بكم جنازة إن كان مسلماً أو يهودياً أو نصرانياً فقوموا لها، فإنه ليس تقوم لها ولكن تقوم لمن معها من الملائكة»، فقال علي - رضي الله عنه -: ما فعلها رسول الله وَل قط غير مرة برجل من اليهود وكانوا من أهل كتاب وكان يتشبه بهم، فإذا نهي عنه انتهى، فما عاد لها بعد. قال الشافعي: فقد جاء عن النبي ◌ُّل تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمر رسول الله وَ ل هو الاستحباب، وإن كان مباحاً لا بأس بالقيام والقعود، فالقعود أولى لأنه الآخر من فعله مَّر، انتهى. قلت: وقد أخرج النسائي بعدة طرق عن ابن سيرين قال: مر بجنازة على الحسن بن علي وابن عباس فقام الحسن ولم يقم ابن عباس، فقال الحسن لابن عباس: أما قام لها رسول الله ◌َّ؟ قال ابن عباس: قام لها ثم قعد. قال الشوكاني(٢): رواه أحمد والنسائي، ورجال إسناده ثقات. وفي الباب عن عبادة بن الصامت عند أبي داود والترمذي وابن ماجه والبزار: أن يهودياً قال لما كان النبي لم يقوم للجنازة: هكذا نفعل. فقال النبي وَل﴾: (١) ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ)) (ص ٢٣٠). (٢) ((نيل الأوطار)) (٩٤/٤/٢). ٥٢٣ ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٧) حديث (اجلسوا وخالفوهم))، وفي إسناده بشر بن رافع وليس بالقوي كما قال الترمذي. وقال البزار: تفرد به بشر وهو ليِّنٌ. قال الترمذي: حديث عبادة غريب، وقال أبو بكر الهمداني: لو صح لكان صريحاً في النسخ غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت فلا يقاومه هذا الإسناد، انتهى. قلت: لكن ضعفه منجبرٌ بالروايات المتقدمة، وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كنا مع علي - رضي الله عنه - مر علينا بجنازة، فقام رجل فقال علي: ما هذا؟ كان هذا من صنع اليهود. وعن أبي إسحاق قال: كان أصحاب علي وأصحاب عبد الله لم يقوموا للجنائز إذا مرت بهم، وعن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله تمر بهم الجنائز فلا يقوم منهم أحد، وعن إبراهيم قال: لم يكونوا يقومون للجنائز إذا مرت بهم، وعن ليث قال: كان عطاء ومجاهد يريان الجنازة لا يقومان إليها . --- وأما الثاني فقال الشوكاني(١) تحت حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((فمن اتّبعها فلا يجلس حتى توضع فيه)): النهي عن جلوس الماشي مع الجنازة قبل أن توضع على الأرض، فقال الأوزاعي وإسحاق وأحمد ومحمد بن الحسن: إنه مستحب، حكى ذلك عنهم النووي والحافظ في ((الفتح))(٢)، ونقله ابن المنذر عن أكثر الصحابة والتابعين قالوا: والنسخ إنما هو في قيام من مرّت به لا في قيام من شَيَّعها . وحكي في ((الفتح)) عن الشعبي والنخعي: أنه يكره القعود قبل أن توضع، قال: وقال بعض السلف: يجب القيام. واحتج له برواية النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة أنهما قالا: ما رأينا رسول الله وَّلر شهد جنازة قط فجلس حتى (١) ((نيل الأوطار)) (٩١/٤/٢). (٢) ((فتح الباري)) (١٧٩/٣). ٥٢٤ --- ----------- -- ٠٠ ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٧) حديث توضع، انتهى. كذا قال الحافظ في (الفتح)). وروى البيهقي من طريق أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما: أن القائم مثل الحامل يعني في الأجر، انتهى. وفي ((حاشية شرح الإقناع)) (١) بعد ذكر الاختلاف في القيام للجنازة إذا مرت: صحّح في ((المجموع)) عدمه حيث قال: القيام لها إذا مرت، والقيام إذا تبعها منسوخان على المذهب، فلا يؤمر أحد بالقيام لها الآن سواء مرت به أم تبعها إلى القبر، وجرى في ((الروضة)) على كراهة القيام لها، وقال بعضهم: هذا كله في القاعد إذا مرت به، أما مُشَيِّعُها فيستحب له أن لا يقعد حتى توضع لخبر مسلم. عن أبي سعيد: إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع، أي إذا مَشَيتم معها مُشيِّعين لها فلا تجلسوا ندباً حتى توضع بالأرض، كما في رواية لأبي داود عن أبي هريرة، وتبعه الثوري ورجحه البخاري، وذلك لأن الميت كالمتبوع فلا يجلس التابع قبله. ولأن المعقول من ندب الشارع حضور دفنه إكرام الميت وفي قعوده قبل دفنه ازدراء به، انتهى. وهكذا قالت الحنابلة كما في ((الروض المربع))(٢) إذ قال: ويكره جلوس تابعها حتى توضع بالأرض للدفن إلا لمن بعد لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من تبع جنازة فلا يجلس حتى توضع)) متفق عليه. نعم هو جائز عند المالكية قال في ((الشرح الكبير))(٣): وجاز جلوس للمشيعين مُشاة أو ركباناً قبل وضعها من أعناق الرجال بالأرض، انتهى. قلت: ويكره الجلوس قبل الوضع عند الحنفية كما صرح بها في (١) (٢/ ٢٩٢). (٢) (٣٤٩/١). (٣) (٤٢١/١). ٥٢٥ ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٧) حديث فروعهم، ففي ((الكبيري)): وإذا انتهت الجنازة إلى القبر يكره الجلوس قبل أن توضع عن الأعناق؛ لأن القصد من حضور دفن الميت إكرامه، وفي جلوسهم قبل وضعه ازدراؤه، ولأنه قد تقع الحاجة إلى التعاون والقيام أمكن فيه، وإذا وضعت عن الأعناق يجلسون، ويكره القيام وهو مقيد بعدم الحاجة والضرورة على ما لا يخفى، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (١): كره لمتبعها جلوس قبل وضعها، قال ابن عابدين للنهي عن ذلك، انتهى. وبوّب البخاري في (صحيحه)) ((باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال)). قال الحافظ(٢): كأنه أشار بهذا إلى ترجيح رواية من روى في حديث الباب يعني حديث أبي سعيد: ((فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع بالأرض)) على رواية من روى: ((حتى توضع في اللحد))، وفيه اختلاف على سهيل بن أبي صالح عن أبيه، قال أبو داود: ورواه أبو معاوية عن سهيل فقال: ((حتى توضع في اللحد))، وخالفه الثوري وهو أحفظ، فقال: ((في الأرض))، ورواه جرير عن سهيل فقال: ((حتى توضع)) حسب، وزاد: قال سهيل: ورأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال، أخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) بهذه الزيادة، وهو في مسلم بدونها، وفي ((المحيط)) للحنفية: الأفضل أن لا يقعد حتى يُهَال عليها التراب، وحجتهم رواية أبي معاوية، ورجح الأول عند البخاري بفعل أبي صالح؛ لأنه راوي الخبر وهو أعرف بالمراد منه، ورواية أبي معاوية مرجوحة كما قال أبو داود، انتهى. قال ابن عابدين: يكره القيام بعد وضعها عن الأعناق كما في ((الخانية)) و ((العناية)). وفي ((المحيط)) خلافه حيث قال: والأفضل أن لا يجلسوا حتى يُسَوُّوا عليه التراب. قال في ((البحر)): والأول أولى لما في (البدائع)): لا بأس (١) (١٦٠/٣). (٢) ((فتح الباري)) (١٧٨/٣). ٥٢٦ ..- m -.. - .. ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٧) حديث بالجلوس بعد الوضع لما روي عن عبادة بن الصامت(١): أنه ◌َ * كان لا يجلس حتى يوضع الميت في اللحد، فكان قائماً مع أصحابه على رأس قبر، فقال يهودي: هكذا نصنع بموتانا، فجلس وهل﴿ وقال لأصحابه: خالفوهم، أي في القيام فلِذَا كره، ومقتضاه أنها كراهة تحريم، وهو مقيد بعدم الحاجة والضرورة، انتهى. وأخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٢) بسنده عن الزهري قال: كان المسور بن مخرمة إذا شهد جنازة لم يجلس حتى توضع. وعن أبي هريرة: أنه - رضي الله عنه - لم يكن يقعد حتى يوضع السرير، وعن أبي سعيد يرفعه: إذا كنتم في جنازة فلا تجلسوا حتى يوضع السرير. وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان إذا صحب جنازة لم يجلس حتى توضع، وعن إبراهيم قال: إذا وضع فاجلس، وعن طلحة بن يحيى قال: رأيت عروة بن الزبير في جنازة فاتكأ على حائط فجعل يقول: وضعت الجنازة؟ فلم يجلس حتى وضعت، وعن إبراهيم والشعبي قالا: كانوا يكرهون أن يجلسوا حتى توضع الجنازة عن مناكب الرجال. وعن أبي حازم قال: مشيت مع الحسن بن علي وأبي هريرة وابن الزبير، فلما انتهوا إلى القبر قاموا يتحدثون حتى وضعت الجنازة، فلما وضعت جلسوا، وعن محمد: أنه كان لا يجلس حتى توضع، وعن البراء قال: خرجنا مع رسول الله ◌ّ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولم يلحد، قال: فجلس رسول الله وَ ل# وجلسنا حوله كأنما على رؤوسنا الطير. (١) أخرجه الترمذي ح (١٠٢٠) وأبو داود (٣١٧٦). (٢) (١٩١/٣) باب في الرجل يكون مع الجنازة من قال: لا يجلس حتى توضع. ٥٢٧ ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٨) حديث ٣٤/٥٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَتَوَسَّدُ الْقُبُورَ، وَيَضْطَجِعَ عَلَيْهَا . وفي ((البدائع)) (١): يكره لمتبعي الجنازة أن يقعدوا قبل وضع الجنازة لأنهم أتباع الجنازة، والتَبعُ لا يقعد قبل قعود الأصل، ولأنهم إنما حضروا تعظيماً للميت، وليس من التعظيم الجلوس قبل الوضع، فأما بعد الوضع فلا بأس بذلك لرواية عبادة المذكورة. ٣٤/٥٣٨ - (مالك، أنه بلغه أن علي بن أبي طالب) قال الزرقاني: بلاغه صحيح، وقد أخرجه الطحاوي برجال ثقات عن علي - رضي الله عنه -، انتهى. قلت: أخرجه الطحاوي عن علي بن عبد الرحمن ثنا عبد الله بن صالح ثني بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن بكير: أن يحيى بن أبي محمد حدثه أن مولى لآل علي - رضي الله عنه - حدثه: أن علي بن أبي طالب كان يجلس على القبور، وقال المولى: كنت أبسط له في المقبرة فيتوسد قبراً ثم يضطجع (كان يتوسد القبور) أي يجعلها وسادة (ويضطجع عليها). قال الباجي: وهذا أكثر من الجلوس، واختلفت الروايات والآثار في الجلوس على القبر، وأثر علي - رضي الله عنه - المذكور صريح في الجواز، وأخرج البخاري في ((صحيحه))(٢) تعليقاً: قال عثمان بن حكيم: أخذ بيدي خارجة، فأجلسني على قبر، وأخبرني عن عمه يزيد بن ثابت قال: إنما كره ذلك لمن أحدث عليه، قال الحافظ: وصله مسدد في ((مسنده الكبير))، وبيّن فيه سبب إخبار خارجة لحكيم(٣) بذلك. ولفظه: حدثنا عيسى بن يونس، ثنا عثمان بن حكيم، ثنا عبد الله بن : (١) (بدائع الصنائع)) (٤٦/٢). (٢) ((باب الجريد على القبر كتاب الجنائز)) (٩٨/٢). (٣) كذا في ((فتح الباري)) (٢٢٤/٣)، والصواب: بعثمان بن حكيم. (ش)). .-... ٥٢٨ .--- ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٨) حديث سرجس وأبو سلمة بن عبد الرحمن أنهما سمع أبا هريرة يقول: لأن أجلس على جمرة، فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إليّ، أحبّ إليَّ من أن أجلس على قبر. قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر فذكرت له ذلك فأخذ بيدي، الحديث، وهذا إسناد صحيح، انتهى. وفي ((البخاري)) أيضاً قال نافع: كان ابن عمر يجلس على القبور، قال الحافظ(١): وصله الطحاوي من طريق بكير بن عبد الله الأشج أن نافعاً حدثه بذلك، ولا يعارض هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه. قال: ((لأن أطأ على رضف أحبّ إليّ من أن أطأ على قبر))، انتهى. ويخالف ما تقدم ما أخرجه أحمد عن عمرو بن حزم الأنصاري مرفوعاً : (لا تقعدوا على القبور))، وفي رواية قال: رآني رسول الله بَلّ متكئاً على قبر، فقال: ((لا تؤذ صاحب هذا القبر))، وما أخرجه مسلم عن أبي مرثد الغنوي: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها))، وما أخرجه جماعة إلا البخاري والترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لأن يقعد أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر))، وما أخرجه مسلم وأحمد والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه عن جابر: ((نهى النبي ◌ُّر أن يجصص القبور وأن يقعد عليه))، وفي هذا المعنى آثار كثيرة عن الصحابة والتابعين ذكرها ابن أبي شيبة وغيره ما احتجنا إلى إيرادها اكتفاء بذكر الروايات المرفوعة في ذلك. قال الطحاوي(٢): ذهب قوم إلى هذه الآثار وقلّدوها وكرهوا من أجلها الجلوس على القبور، وأراد بالقوم الحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن (١) ((فتح الباري)) (٢٢٤/٣). (٢) ((شرح معاني الآثار)) (٢٩٦/١). ٥٢٩ ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٨) حديث جُبير ومكحولاً وأحمد وإسحاق وأبا سليمان، ويروى ذلك أيضاً عن عبد الله وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي هريرة وجابر وإليه ذهب الظاهرية. وقال ابن حزم في ((المحلّى)): ولا يحل لأحد أن يجلس على قبر، وهو قول أبي هريرة وجماعة من السلف. ثم قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لم ينه عن ذلك الكراهة الجلوس على القبر ولكنه أريد به الجلوس للغائط أو البول، وذلك جائز في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط، وجلس فلان للبول، وأراد بالآخرين أبا حنيفة ومالكاً وعبد الله بن وهب وأبا يوسف ومحمدًا وقالوا: ما روي عن النهي محمول على ما ذكرنا ويحكى ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر، انتهى. ومسالك الأئمة في ذلك كما في فروعهم ما في ((نيل المآرب)» للحنابلة: ويكره تقبيله والطواف به والاتكاء إليه والمبيت عنده والجلوس عليه والوطء علیه، انتهى. وفي ((التحفة)) لابن حجر من فروع الشافعية: ولا يجلس على القبر الذي لمسلم ولو مهدراً فيما يظهر، ولا يستند إليه ولا يتكأ عليه، وظاهر أن المراد به محاذي الميت لا ما اعتيد التحويط عليه، فإنه قد يكون غير محاذٍ له لا سيما في اللحد، ويحتمل إلحاق ما قرب منه جداً به؛ لأنه يطلق عليه عرفاً أنه محاذٍ له، ولا يوطأ احتراماً له إلا لضرورة كأن لم يصل لقبر ميته، وكذا ما يريد زيارته ولو غير قريب، والنهي في هذه كلها للكراهة. وقال كثيرون: للحرمة واختير لخبر مُسلم المصرح بالوعيد عليه، لكن أوّلوه بأن المراد القعود عليه لقضاء الحاجة، انتهى. وفي ((الشرح الكبير))(١) للمالكية: والقبر لغير السقط حبسٌ لا يمشي عليه (١) (٤٢٨/١). ٥٣٠ ------ - ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٨) حديث أي يكره حيث كان مُسَنَّماً، والطريق دونه وإلّا جاز، ولو بنعلٍ، وكذا الجلوس عليه، قال الدسوقي: وإلا جاز أي وإلا بأن كان مسطحاً أو كان مسئَّماً، وكان في الطريق أو ظن فناءه وعدم بقاء شيء منه في القبر جاز المشي عليه، وأولى لو كان مسّحاً في الطريق. قوله: وكذا الجلوس عليه أي يجوز مطلقاً كما هو ظاهر ح. ((علامة السيد محمد الحطاب)) لأنه أخف من المشي خلافاً لما في عبق ((أي الشيخ عبد الباقي الزرقاني)) من أن الجلوس كالمشي يكره إن كان القبر مسنماً والطريق دونه وظن بقاء شيء من الميت فيه، فإن انتفى قيد من هذه القيود الثلاثة جاز. وأما ما ورد من حرمة الجلوس على القبر، فهو محمول على الجلوس لقضاء الحاجة، انتهى. واختلف أهل النقل في بيان مسلك الحنفية فهو يحتاج إلى شيء من التفصيل، قال النووي في ((شرح المهذب)): إن مذهب أبي حنيفة كالجمهور، قال الحافظ: وليس كذلك بل مذهب أبي حنيفة وأصحابه كقول مالك كما نقله عنهم الطحاوي، انتهى. قال العيني في ((شرح البخاري)) (١): وتحقيق الكلام في ذلك ما قاله الطحاوي: باب الجلوس على القبور ثم ذكر القائلين بكراهة الجلوس ومستدلاتهم ثم قال: قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لم ينه عن ذلك لكراهة الجلوس على القبر، ولكنه أريد به الجلوس للغائط أو البول، وذلك جائز في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط، وجلس فلان للبول. ثم ذكر في حجتهم حديث أبي أمامة أن زيد بن ثابت قال: هلم يا ابن أخي أخبرك ((إنما نهى النبي ◌ّ عن الجلوس على القبور لحدث غائط أو (١) انظر: ((عمدة القاري)) (١٨٤/٨/٤). ٥٣١ ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٨) حديث بول))، ورجاله ثقات، ثم قال: فبين زيد في هذا الجلوس المنهي عنه في الآثار الأول، ثم روى عن أبي هريرة. وأجاب مما أورد عليه الحافظ ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله -، فعلى هذا ما ذكره أصحابنا في كتبهم من أن وطء القبور حرام وكذا النوم عليها ليس كما ينبغي، فإن الطحاوي هو أعلم الناس بمذاهب العلماء ولا سيما بمذهب أبي حنيفة، انتهى كلام العيني بتغير. وقال ابن عابدين(١): قال في ((الفتح)): يكره الجلوس إلى القبر ووطؤه، وحينئذ فما يصنعه من دفنت حول أقاربه خلق من وطء تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه مكروه، ويكره النوم عند القبر، وقضاء الحاجة، بل أولى، وكل ما لم يعهد من السنة، والمعهود منها ليس إلا زيارتها والدعاء عندها قائماً. وفي ((خزانة الفتاوى)) عن أبي حنيفة: لا يوطأ القبر إلا لضرورة، ويزار من بعيد ولا يقعد وإن فعل يكره، وذكر في ((الحلية)) عن الإمام الطحاوي: أنه حمل ما ورد من النهي على الجلوس لقضاء الحاجة وأنه لا يكره الجلوس لغيره جمعاً بين الآثار، وأنه قال: إن ذلك قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد . ثم نازعه بما صرح في ((النوادر)) و((التحفة)) و((البدائع)) و ((المحيط)) وغيره من أن أبا حنيفة كره وطء القبر والقعود أو النوم أو قضاء الحاجة عليه، وبأنه ثبت النهي عن وطئه والمشي عليه. وذكر العيني(٢) كلام الطحاوي المارّ ثم قال: فعلى هذا ما ذكره أصحابنا في كتبهم من أن وطء القبور حرام، وكذا النوم عليها، ليس كما ينبغي، فإن (١) ((رد المحتار)) (١٨٣/٣). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٥٤/٦). ٥٣٢ ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٨) حديث قَالَ مَالِكٌّ: وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنِ الْقَعُودِ عَلَى الْقُبُورَ، فِيمَا نُرَى، لِلْمَذَاهِبِ. الطحاوي أعلم الناس بمذاهب العلماء، ولا سيما بمذهب أبي حنيفة، قال ابن عابدين: لكن قد علمت أن الواقع في كلامهم التعبير بالكراهة لا بلفظ الحرمة، وحينئذ فقد يوفق بأن ما عزاه الإمام الطحاوي إلى أئمتنا الثلاثة من حمل النهي على الجلوس لقضاء الحاجة يراد به نهي التحريم، وما ذكره غيره من كراهة الوطء والقعود يراد به كراهة التنزيه، وغاية ما فيه إطلاق الكراهة على ما يشمل المعنيين، وهذا كثير في كلامهم، انتهى ملخصاً . (قال مالك: وإنما نهي) ببناء المجهول (عن القعود على القبور) في الروايات المتقدمة وغيرها (فيما نرى) بضم النون أي نظن، قاله الزرقاني. قلت: ويحتمل الفتح أي نعلم زاد في رواية ابن وضاح: والله أعلم (للمذاهب) بالميم في أكثر النسخ جمع مذهب غلبت على المواضع التي يذهب إليها لأجل الحدث، وفي بعض النسخ بدون الميم على زنة الفاعل أي الذي يذهب إلى قضاء الحاجة. قال الباجي(١): معنى ذلك: أن علي بن أبي طالب كان يتوسد على القبور ويضطجع عليها، وهذا أكثر من الجلوس الذي تضمنه ظاهر الحديث الذي تعلق به ابن مسعود وعطاء في منع الجلوس على القبور، فتأول مالك - رضي الله عنه - النهي عن الجلوس على القبور إلى الجلوس عليها لقضاء الحاجة، وقد قال مثل قول مالك بن أنس، زيد بن ثابت وهو الأظهر، انتهى. قلت: وتقدم أن الإمام الطحاوي أيضاً قال كقول مالك - رضي الله عنه -، قال النووي: المراد بالجلوس القعود عند الجمهور، وقال مالك: المراد بالقعود الحدث وهو تأويل ضعيف أو باطل، انتهى. قال الحافظ: وهو (١) ((المنتقى)) (٢٤/٢). ٥٣٣ ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٩) حدیث ٣٥/٥٣٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ يوهم انفراد مالك بذلك، وكذا أوهمه كلام ابن الجوزي حيث قال: جمهور الفقهاء على الكراهة خلافاً لمالك، واحتج الطحاوي بأثر ابن عمر أخرجه البخاري بأنه كان يجلس على القبور، وعن علي نحوه، وعن زيد بن ثابت مرفوعاً: ((إنما نهى النبي ◌َّر عن الجلوس على القبور لحدث غائط أو بول)) ورجال إسناده ثقات، ويؤيد قول الجمهور ما أخرجه أحمد من حديث عمرو بن حزم الأنصاري مرفوعاً: ((لا تقعدوا على القبور))، وفي رواية له عنه قال: رآني رسول الله وَ﴾ وأنا متكئ على قبر فقال: ((لا تؤذ صاحب القبر)) إسناده صحيح، ورد ابن حزم التأويل المتقدم بأن لفظ حديث أبي هريرة عند مسلم: لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، قال: وما عهدنا أحداً يقعد على ثيابه للغائط، فدل على أن المراد القعود على حقيقته، وقال ابن بطال: التأويل المذكور بعيد؛ لأن الحدث على القبر أقبح من أن يكره، وإنما يكره الجلوس المتعارف، كذا في ((الفتح)) (١). قلت: ولا بعد في ذلك إذ ثبت بالرواية المرفوعة وقد علمت أنه لا يخالف الحنفية شيء مما ورد إذا قالوا بحرمة الحدث على القبر وكراهة الجلوس جمعاً بين الروايات، فإن الحدث مما اتفق عليه الروايات والأقوال، فهو يناسب الحرمة والجلوس مما اختلف فيه الآثار، فاكتسب خِفَّةً في الحكم، فناسب الكراهة التنزيهية، والله تعالى أعلم. ٣٥/٥٣٩ - (مالك، عن أبي بكر) ذكره المقدسي في ((رجال الجمع)) فيمن يكنى بأبي بكر ولم يوقف على اسمه. (ابن عثمان بن سهل بن حنيف) الأنصاري الأوسي المدني ثقة من رواة ((الصحيحين)) والنسائي (أنه سمع) عمه (١) (فتح الباري)) (٢٢٤/٣ - ٢٢٥). ٥٣٤ ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٩) حديث أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يَقُولُ: كُنَّا نَشْهَدُ الْجَنَائِزَ، فَمَا يَجْلِسُ أَخِرُ النَّاسِ حَتَّى يُؤْذَنُوا . (أبا أمامة) اختلف في اسمه فقيل: أسعد وهو المشهور، وقيل: سعد، وقيل: قتيبة، مشهور بكنيته (ابن سهل بن حنيف) صحابي من حيث الرؤية لا الرواية كما تقدم في محله (يقول: كنا نشهد الجنائز فما يجلس آخر الناس) أي آخر من مع الجنازة من المشيعين (حتى يؤذنوا). قال الباجي(١): قوله: فما يجلس آخر الناس حتى يؤذنوا، يدل على أن الإسراع بالجنازة مشروع وقد تقدم، وقوله: حتى يؤذنوا، يريد: يؤذنوا بالصلاة عليها، وقال الداودي: حتى يؤذن لهم بالانصراف بعد الصلاة، وإنما كان ذلك في صدر الإسلام لأنهم كانوا لا يبنون القبور، وإنما كان إدلاؤه وردُّ التراب، وهذا لا يلبث الناس فيه، وما ذكره ليس بصحيح لأنه قال: فلا يجلس آخر الناس، ولا يقال: آخر الناس فيمن صلى على الميت، وانتظر أن يؤذن لهم لأنهم كلهم سواء، وإنما يقال ذلك فيمن يأتي بين يدي الجنازة، فيصل أولهم قبل أن يصل آخرهم، فربما لم يجلس أوّلهم حتى يدرك آخرهم، فتوضع الجنازة ويؤذنوا بالصلاة عليها، انتهى. قلت: يصح ما قال الداودي: إذا صلوا قبل الذهاب إلى المقابر، فحينئذ لا غبار في معنى قوله: فما يجلس آخر الناس حتى يؤذنوا بالانصراف، وقال ابن عبد البر: رواه ابن المبارك عن أبي بكر شيخ مالك بلفظ: فما ينصرف الناس حتى يُؤْذَنُوا، قال: واختلف في ذلك فروي عن عمر وعلي وأبي هريرة والمسور والنخعي: أنهم كانوا لا ينصرفون حتى يُؤذن لهم أو يستأذنوا، وكان ابن مسعود وزيد بن ثابت ينصرفون إذا ووريت بلا إذن وهو قول مالك والشافعي وأكثر العلماء وهو الصواب لحديث: ((ومن قعد حتى تدفن فله قيراطان))، كذا في الزرقاني(٢). (١) ((المنتقى)) (٢٤/٢). (٢) (٧١/٢). ٥٣٥ ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٩) حديث قال الباجي(١): والدليل على ما نقوله: إن أهل الجنازة لو شاؤوا أن يمسكوهم لم يكن لهم ذلك، فلم يعتبر بإذنهم في انصراف الناس؛ لأن كل من ليس له الإمساك، فإنه لا اعتبار بإذنه كسائر الناس، ولا بأس بالانصراف عنها قبل أن يكمل دفنها إذا بقي معها من يلي ذلك منها، قاله ابن القاسم، وينصرف لعلة ولغير علة، انتهى. وأخرج البخاري في ((صحيحه))(٢) تعليقاً: قال زيد بن ثابت: إذا صليت فقد قضيت الذي عليك، وقال حميد بن هلال: ما علمنا على الجنازة إذناً، ولكن من صلى ثم رجع فله قيراط، قال الحافظ(٣): وكأن البخاري أراد الرد على ما أخرجه عبد الرزاق بسنده عن أبي هريرة قال: أميران وليس بأميرين الرجل يكون مع الجنازة يصلي عليها، فليس له أن يرجع حتى يستأذن وليها، الحديث، وهذا منقطع، وروى عبد الرزاق مثله من قول إبراهيم. أخرجه ابن أبي شيبة عن المسور من فعله أيضاً، وقد ورد مثله مرفوعاً من حديث جابر أخرجه البزار بإسناد فيه مقال، وأخرجه العقيلي في ((الضعفاء)) من حديث أبي هريرة مرفوعاً بإسناد ضعيف، وروى أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً: من تبع جنازةً فحمل من علوها وحنى في قبرها وقعد حتى يؤذن له رجع بقيراطين، وإسناده ضعيف، والذي عليه معظم أئمة الفتوى قول حميد بن هلال، وحكي عن مالك: أنه لا ينصرف حتى يستأذن، انتهى. i وقال شيخنا الدهلوي في ((تراجم البخاري)) (٤): معنى قول حميد بن هلال أنه ما علمنا للإذن الذي تعارفه الناس وهو أنهم لا يرجعون، إلا بعد حصول (١) ((المنتقى)) (٢٤/٢). (٢) باب فضل اتباع الجنائز (٥٧). (٣) (١٩٣/٣). (٤) انظر: ((الأبواب والتراجم للبخاري)) لشيخنا الكاندهلوي (٨٧/٣) ط. الهند .. ٥٣٦ ---- --- ١٦ - كتاب الجنائز (١١) باب (٥٣٩) حديث إذن من بعض أولياء الميت أصلاً، بل هو أمر لا أصل له من النبي صَىاللّه وسلم والصحابة، انتهى. وقال والدي المرحوم - نور الله مرقده - عن تقرير شيخه - قدس سره - قوله: ما علمنا على الجنازة إذناً لكنه أحب لما فيه من إطابة قلب الولي، انتهى. قلت: وما حكي عن الإمام مالك أنه لا ينصرف حتى يستأذن هو المصرح في فروعهم كـ ((الشرح الكبير))(١) وغيره، قال الدسوقي: حاصل الفقه: أن الانصراف قبل الصلاة مكروه مطلقاً سواء حصل طول في تجهيزها أو لا ، كان الانصراف لحاجة أو لغير حاجة كان الانصراف بإذن من أهلها أم لا ، وأما بعد الصلاة وقبل الدفن، فيكره إن كان بغير إذن من أهلها، والحال أنهم لم يطولوا فإن كان بإذن من أهلها، فلا كراهة طوّلوا أو لا، وإن طولوا فلا كراهة كان بإذن أهلها أم لا، انتهى. وفي ((الكبيري))(٢) من فروع الحنفية: ولا ينبغي أن يرجع من جنازة حتى يصلي عليها، وبعدما صلى لا يرجع إلا بإذن الأولياء، هذا ذكروه في عامة كتب الفتاوى وغيرها، وفي ((المحيط)): قيل: الرفق أن يسعه الرجوع بغير إذنهم، أقول: هذا هو الموافق للأحاديث، وعليه الجمهور، ولا أعلم لهم في المنع مأخذاً، إلا إن حصل الوحشة لأهل الميت بسبب الرجوع، فينبغي أن يراعى ذلك وإلا ففي ((الصحيحين)): ((من اتبع جنازة مسلم حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن اتبعها حتى تدفن فله قيراطان))، وإذا منع الرجوع بغير إذنهم فربما يكون له ضرورة يتعسّر عليه شهود الدفن بسببها، فيترك الصلاة عليها أيضاً فيحرم من أجرها، وهذا مما لا يعقل، انتهى. (١) (١/ ٤٢٣). (٢) (ص ٥٩٣). ٥٣٧ ١٦ - كتاب الجنائز (١٢) باب (٥٤٠) حدیث (١٢) باب النهي عن البكاء على الميت ٣٦/٥٤٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكِ، عَنْ عَتِيك بْنِ الحَارِثِ، وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ، أَبُو أُمِّه؛ أَنَّه أَخْبَرَهُ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَتِيكِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ جَاءَ يَعُودُ - (١٢) النهي عن البكاء على الميت البكاء بالمد مد الصوت وبالقصر الدموع وخروجها، كذا في ((المجمع)) وغيره، وستأتي مسالك الأئمة في البكاء على الميت في آخر الباب. ٣٦/٥٤٠ - (مالك، عن عبد الله بن عبد الله) بتكرار لفظ عبد الله وفتح العين فيهما (ابن جابر) ويقال: جبر (ابن عتيك) بفتح العين المهملة وكسر المثناة الفوقية الأنصاري (عن عتيك(١) بن الحارث بن عتيك) الأنصاري المدني (وهو) أي عتيك (جد) الراوي عنه (عبد الله بن عبد الله بن جابر أبو أمه) بدل من الجد، قال الحافظ في (تهذيبه)): روى عن عمه جابر بن عتيك حديث: جاء رسول الله وَل يعود عبد الله بن ثابت، الحديث. وعنه ابن بنته عبد الله بن عبد الله، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال في ((تقريبه)): مقبول من الرابعة، قلت: من رُواة أبي داود والنسائي أخرجا له هذا الحديث. (أنه) أي عتيك (أخبره) أي عبد الله (أن جابر بن عتيك) قال الحافظ في ((التقريب)): جابر بن عتيك بن قيس الأنصاري، صحابي جليل، اختلف في شهوده بدراً، مات سنة ٦١هـ، وهو ابن ٩١ سنة. وذكر الاختلاف في اسمه ونسبه في ((الإصابة)) وقال: فيه اختلاف كثير، ورواية مالك هي المعتمدة (أخبره) أي عتيكاً (أن رسول الله وَّ﴾) قال النووي: هذا حديث صحيح وإن لم يخرجه الشيخان، قاله القاري (جاء يعود) من العيادة وهي الزيارة، ولا يقال (١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (١٠٥/٧) و((تقريب التهذيب)) (٦/٢). ٥٣٨ أ ١٦ - كتاب الجنائز (١٢) باب (٥٤٠) حدیث عَبْدَ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ. فَصَاحَ بِهِ، فَلَمْ يُحِبْهُ. فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ عَ لَهِ، وَقَالَ: ((غُلِيْنَا ذلك إلا لزيارة المريض، قاله العيني(١). وفيه مواصلة النبي # أصحابه وعيادته مرضاهم، قال العيني: عيادة المريض سُنَّة، وقيل: واجبة، وقد روي في ذلك عن جماعة من الصحابة، ثم ذكر أسماءهم أكثر من ثلاثين صحابياً. وحكى رواياتهم فارجع إليه، وسيأتي باب العيادة في الجزء الخامس عشر من هذا الشرح إن شاء الله. (عبد الله بن ثابت) بن قيس الأنصاري الأوسي، ويقال: إنه ظفري أبو الربيع مات في عهده وَّر. وقال الواقدي وابن الكلبي: هو عبد الله بن عبد الله بن ثابت، له ولأبيه صحبة، وقال ابن الكلبي: دفنه النبي وّل في قميصه، وعاش الأب إلى خلافة عمر - رضي الله عنه - وكانا جميعاً قد شهدا أحداً، وكذا قال الطبري وآخرون، وقال بعضهم: إنه أخو خزيمة بن ثابت، كذا في ((الإصابة)) (فوجده) أي عبد الله (قد غلب عليه) أي غلبه الألم حتى منعه إجابة النبي وَل، قاله الزرقاني تبعاً للباجي، وفي ((البذل))(٢): أي غُشِيَ عليه. (فصاح به) أي ناداه (فلم يجبه) قال الشيخ في ((المصفى)): أي بسبب الغشي (فاسترجع رسول الله ◌َلله) لما أصيب فيه أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقد أثنى الله تعالى على من قال مثل هذا عند المصيبة، فقال: ﴿وَشْرِ الْصَدِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ﴾(٣) الآية، وكان ◌َّ مشفقاً على أصحابه، محباً لهم، فإذا أصيب واحد منهم استرجع. (وقال: غُلِبنا) ببناء المجهول أي صرنا مغلوبين لأمر الله تعالى وقضائه (١) ((عمدة القاري)) (١٤ /٦٤٤) باب وجوب عيادة المريض. (٢) ((بذل المجهود)) (٧١/١٤). (٣) سورة البقرة، الآيتان: ١٥٥ - ١٥٦. ٥٣٩ ١٦ - كتاب الجنائز (١٢) باب (٥٤٠) حديث عَلَيْكَ، يَا أَبَا الرَّبِيع)). فَصَاحَ النِّسْوَةُ، وَبَكَيْنَ، فَجَعَلَ جَابِرٌ يُسَكِّتُهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((دَعْهُنَّ، فَإِذَا وَجَبَ، فلا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوُجُوبُ؟ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ))، وقدره بموتك، كذا في ((البذل)). قال الباجي(١): يحتمل أنه أراد التصريح بمعنى استرجاعه وتأسفه (عليك يا أبا الربيع) كنية لعبد الله بن ثابت - رضي الله عنه _ (فصاح النسوة وبكين) لما رأين من حاله وتيقن موته، ولعله حرَّكَهُنَّ لذلك ما سمعن من استرجاعه وَ ل18، وفيه إباحة البكاء بالصياح. (فجعل جابر بن عتيك يسكتهن) لما عرف من نهي النبي وَلّ عن النياحة ولم يكن صياحهن، والله أعلم من ذلك (فقال رسول الله ◌َ لا) لجابر (دعهن) يبكين، وذلك - والله أعلم - لما أن بكاءهن لم يكن في حد النهي بكلام قبيح أو نياحة (فإذا وجب) أي مات (فلا تبكينّ باكيةٌ) لئلا يتشبه بالنياحة المعروفة، وإلا فمجرد البكاء بعد الموت مباح، ثبت جوازه بالروايات، بكى وَّل على ابنه إبراهيم - رضي الله عنه -، وعلى ابنة زينب ابنته، وقال: هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده، ومر بجنازة يبكى عليها، فانتهرهنّ عمر، فقال: دعهن فإن النفس مصابة، والعين دامعة والعهد قريب، قاله أبو عمر (٢). وكره الشافعية البكاء بعد الموت لهذا الحديث، قال النووي في ((شرح الأذكار)): قد نص الشافعي - رضي الله عنه - والأصحاب على أنه يكره البكاء بعد الموت كراهة تنزيه، ولا يحرم، وتأولوا حديث: ((فلا تبكين باكيةٌ)) على الكراهة، انتهى. وسيأتي البسط في مسلكهم في آخر الباب. (فقالوا: يا رسول الله) وَ سليل (وما الوجوب) الذي أردت بقولك: فإذا وجب (قال: إذا مات) قال الخطابي: أصل الوجوب: السقوط، قال تعالى: ﴿فَإِذَا (١) ((المنتقى)) (٢٥/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٧١/٢). ٥٤٠ --