النص المفهرس

صفحات 501-520

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣١) حديث
علة القول بعدم الصلاة عليه، فقال: لأن الصلاة شفاعة وهو شفيع فلا يكون
مشفوعاً له، وقيل: لأنه شهيد، وقيل: لعدم الإمام لأن البيعة لم تتم لأبي بكر،
وما قيل: تمت له قبل الدفن باطل، لأن فاطمة - رضي الله عنها - ومن لاذ بها
لم يوافقوا إذ ذاك، انتهى. قلت: تمت للصديق الأكبر - رضي الله عنه - البيعة
إذ ذاك أم لا؟ ليس هذا محل بحثه.
قال ابن عبد البر: وصلاة الناس عليه أفراداً مجمع عليه عند أهل السير،
وجماعة أهل النقل لا يختلفون فيه، وتعقبه ابن دحية بأن ابن القصار حكى
الخلاف فيه هل صلوا عليه الصلاة المعهودة أو دعوا فقط؟ وهل صلوا فُرادى
أو جماعة؟ واختلفوا في من أَمَّ بهم، فقيل: أبو بكر - رضي الله عنه -، قال
الحافظ: لا يصحُّ، قال ابن دحية: هو باطل لضعف رواته وانقطاعه، قال:
والصحيح أن المسلمين صلوا عليه أفراداً ولا يؤمُّهم أحد، وبه جزم الشافعي،
كذا في ((النيل)).
وقال الباجي(١): قد اختلف في الصلاة عليه فقال بعض الناس: لم يصل
عليه، وإنما كان يأتي الرجل والرجال فيدعون ويترحمون ولهذا وجه؛ لأنه
أفضل من كل شهيد، وقد تقدم من قولنا: إن الشهيد يغنيه فضله عن الصلاة
فلأن يُغني النبي ◌َّله فضله عن ذلك أولى، وإنما فارق الشهيد في الغسل؛ لأن
على الشهيد من الدم ما هو طيب له في الآخرة وعنوان لشهادته، وليس على
النبي ◌َّ# ما يكره إزالته عنه فافترقا .
وقيل: إن الناس صلوا عليه أفذاذاً لا يؤمهم أحد، ولهذا أيضاً وجهٌ،
وذلك لئلا تفوت الصلاة عليه أحداً من أصحابه، ويحتمل أن يكون ذلك لئلا
يفوز بالإمامة والخلافة من صلى عليه من غير اتفاق من المسلمين، ولم يكن
تقرر بعد أن الخلافة لا تكون في غير قريش، ولذلك ادعاها الأنصار، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢١/٢).
٥٠١

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣١) حديث
قلت: ويؤيد الأول ما روي أن الناس تدخل رِسلاً فرسلاً، فيصلون صفاً
صفاً ليس لهم إمام يكبرون، وعلي - رضي الله عنه - قائمٌ بحيال رسول الله وَ له
يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللَّهم إنا نشهد أن قد بلغ
ما أنزل الله ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتى أعز الله دينه وتمت كلمته،
اللهم فاجعلنا ممن يتبع ما أنزل إليه، وثبِّتنا بعده واجمع بيننا وبينه، فيقول
الناس: آمين، حتى صلى عليه الرجال ثم النساء ثم الصبيان.
--
قال الزرقاني: ظاهر هذا أن المراد بالصلاة عليه ما ذهب إليه جماعة أن
من خصائصه أنه لم يصلَّ عليه أصلاً، وإنما كان الناس يدخلون فيدعون
ويصلون. وقال عياض: الصحيح الذي عليه الجمهور أن الصلاة على النبي وقَال
كانت صلاة حقيقية لا مجرد الدعاء فقط(١)، انتهى. وتقدم ما قال ابن عبد البر:
إن الصلاة عليه مجمع عليه عند أهل السير، قال الزرقاني: لا خلاف أنه لم
یؤمهم علیه أحد.
وفي ((التنوير))(٢): قال ابن كثير: هو أمر مجمع عليه لا خلاف فيه،
واختلف في تعليله فقيل: من باب التعبد الذي يعسر تعقل معناه، قيل: ليباشر
كل واحد الصلاة عليه منه إليه، وقال السهيلي: إن الله أخبر أنه وملائكته
يصلون عليه وأمر كل واحد من المؤمنين أن يصلي عليه فوجب على كل أحد
أن يباشر الصلاة عليه منه إليه، والصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل. قال:
وأيضاً فإن الملائكة لنا أئمة، انتهى. وقال الشافعي في ((الأم)): ذلك لعظم أمر
رسول الله وَّ* وتنافسهم فيمن يتولى الصلاة، وتقدم ما روي عن علي - رضي الله
عنه -: أنه ◌َّ إمامكم حياً وميتاً.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٦٦/٢).
(٢) (ص٢٣٨).
٥٠٢
1

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣١) حديث
فَقَالَ نَاسٌ: يُذْفَنُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ. وَقَالَ آخَرُونَ: يُدْفَنُّ بِالْبَقِيعِ. فَجَاءَ
أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: «مَا دُفِنَ نَبِيُّ
فَمَّ إِلَّا فِي مَكَانِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ))
قال الزرقاني: وقيل: لعدم اتفاقهم على خليفة، وقيل: لوصيته بذلك،
روى البزار والحاكم (١) بسند فيه مجهول أنه ◌ّليل لما جمع أهله في بيت عائشة
قالوا: فمن يصلي عليك؟ قال: إذا غسلتموني وَكَفَّنْتُموني فضعوني على
سريري، ثم اخرجوا عني، فإن أول من يصلي عليَّ جبرئيل ثم ميكائيل ثم
إسرافيل ثم ملك الموت مع جنوده من الملائكة بأجمعهم، ثم ادخلوا عليّ
فوجاً بعد فوج، فصلوا عليّ وسلموا تسليماً، انتهى.
فلما فرغوا من الصلاة عليه، وأرادوا تدفينه و 18 تكلموا في موضع قبره
واختلفوا في ذلك (فقال ناس) أي بعض الصحابة (يدفن عند المنبر) لأن عنده
روضة من رياض الجنة، فناسب دفنه عنده، وفي ((الخميس)): اختلفوا في
موضع دفنه أبمكة أو المدينة أو القدس، انتهى.
(وقال آخرون: يدفن بالبقيع) المدفن المعروف بالمدينة المنورة، قيل:
هذا أول اختلاف وقع بين الصحابة - رضي الله عنهم - (فجاء أبو بكر الصديق
فقال: سمعت رسول الله مَ﴾ يقول: ما دُفِن) ببناء المجهول (نبي قط) بشد الطاء
(إلا في مكانه الذي توفي فيه) أخرجه ابن سعد عن عكرمة عن ابن عباس،
وكذا عن عروة عن عائشة، وأخرج الترمذي عن أبي بكر مرفوعاً: ((ما قبض الله
تعالى نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه))، وأخرجه ابن ماجه بلفظ:
((ما مات نبي إلا دفن حيث قبض))، ولذا سأل موسى ربه عند موته أن يدنيه من
الأرض المقدسة، لأنه لا يمكن نقله إليها بعد موته، بخلاف غير الأنبياء،
فينقلون من بيوتهم إلى المدائن، فهذا من خصائص الأنبياء كما ذكره غير
واحد .
(١) ((المستدرك)) (٦٠/٣) قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٣٢/٢): سنده واهٍ.
٥٠٣

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣١) حدیث
فَحُفِرَ لَهُ فِيهِ. فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ غُسْلِهِ، أَرَادُوا نَزْعَ قَمِيصِهِ،
قال ابن العربي: وهذا الحديث يردُّ قول الإسرائيلية أن يوسف نقله
موسى من مصر إلى آبائه بفلسطين إلا أن يكون ذلك مستثنى إن صح، قاله
الزرقاني(١).
وقال القاري: أما يوسف عليه السلام فقُبِر في المحل الذي قبض فيه،
وإنما نقل إلى آبائه بعد بفلسطين فلا ينافيه الحديث، أو أن محبة يوسف
عليه السلام لدفنه بمصر كانت مغياة بنقل من ينقله إلى آبائه، وأما موسى
فالظاهر أنه فعله ((أي نقل يوسف عليه السلام)) بوحي من الله تعالى، وجاء أن
عيسى عليه السلام يدفن بجنب نبينا و9َّ بينه وبين الشيخين، وقال بعضهم:
بينهما، وقيل: بعدهما، فالظاهر أنه يقبض في ذلك المحل الأكرم، انتهى.
قلت: وحكى القاري(٢) في ((شرح المشكاة)) عن ((التجنيس)): أن يعقوب
- على نبينا وعليه الصلاة والسلام - مات بمصر، ونقل منها إلى الشام، انتهى.
(فحفر له فيه) أي في موضع الوفاة وهو الحجرة الشريفة - زادها الله نوراً
وبهجة - (فلما كان عند غسله) وَلّر (أرادوا نزع قميصه) كدأبهم في ذلك، قال
الباجي(٣): فيه دليل على أن هذه كانت سنة الغسل عندهم؛ لأن النبي ◌ُّ أقام
بين أظهرهم عشرة أعوام، ولا بد لاتصال الموت عندهم في الرجال والنساء
من أن يعرفوا حكم الغسل، ومحالٌ أن يجهل جميعهم حكم الغسل حين أرادوا
استعمال المحظور منه في النبي ◌ّلر، ومحال أن يكون نزع القميص وإبقاؤه
عندهم سواء، ولو كان ذلك لذهب إليه بعضهم كما ذهبوا في اللحد له، ولو
كان أمراً لم يتقرر بينهم حكمه لاختلفوا فيه كاختلافهم في موضع دفنه، فثبت
(١) (٦٦/٢).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٧٣/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٢/٢).
٥٠٤

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣١) حديث
فَسَمِعُوا صَوْتاً يَقُولُ: لا تَنْزِعُوا الْقَمِيصَ، فَلَمْ يُنْزَعِ الْقَمِيصُ،
وَغُسِّلَ، وَهُوَ عَلَيْهِ وَ.
أن نزع القميص هو سنة الغسل، ولذلك أرادوا أن يستعملوه في النبي وَ ل حين
سمعوا صوتاً يقول: لا تنزعوا القميص.
وهذا من معجزات النبي الظاهرة بسببه بعد موته تكرمةً له وتفضيلاً
من الله تعالى عليه وعلى أمته فيه، وليكون ذلك الأمر أمر الله تعالى، فإن وَله
معصوم في حياته وبعد موته ممنوع من كل شيطان ماردٍ، ولذلك امتثلت
الصحابة ما سمعت من الصوت، فلم ينزع القميص، وغسل في قميصه ێ،
انتهى .
(فسمعوا صوتاً يقول: لا تنزعوا القميص فلم ينزع) ببناء المجهول
(القميص) نائب الفاعل، قالت عائشة: لما أرادوا غسل رسول الله وَّله اختلفوا
فيه فقالوا: والله ما ندري أنجرّد رسول الله ﴿ ﴿ه من ثيابه كما نُجَرِّدُ موتانا أو
نغسله وعليه ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا
وذقنه في صدره، وكَلَّمَهم مُكلِّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا
النبي ◌َّه وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله مَ ◌ّ﴿ فغسلوه وعليه قميصه، وفي
((المشكاة)): يصُبُّون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص، كذا في
((الخميس))(١).
(وغسل) وَّر (وهو) أي القميص (عليه بَل﴾) قال الزرقاني(٢): وهذا
أخرجه أبو داود عن عائشة وابن ماجه عن بريدة، وتقدم ما قال ابن عبد البر:
إن هذا الحديث لا أعلمه يروى على هذا النسق بوجه غير بلاغ مالك هذا،
لكنه صحيح من وجوه مختلفة وأحاديث شتى جمعها مالك - رضي الله عنه -.
(١) ((تاريخ الخميس)) (٢/ ١٧٠).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٢/ ٦٧).
٥٠٥

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣٢) حديث
٢٨/٥٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛
أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ، وَالآخَرُ لا يَلْحَدُ.
ويروى عن غير واحد: أن الذين وَلَوْا غسله عليه الصلاة والسلام ابن عمه
علي بن أبي طالب وعمه العباس بن عبد المطلب وابناه الفضل وقثم وحِبُّه
أسامة بن زيد ومولاه شقران.
ولما اجتمع القوم لغسل رسول الله 18 نادى من وراء الباب أوس بن
خولى الأنصاري أحد بني عوف بن الخزرج وكان بدرياً عليّ بن أبي طالب
فقال: يا علي نشدتُك بالله حظنا من رسول الله وَلّ، فقال له علي: ادخل
فدخل، فحضر عند رسول الله وَّ ولم يلِ من غُسْله شيئاً، وقيل: بل كان
يحمل الماء، قال: فأسنده على صدره وعليه قميصه، وكان العباس والفضل
وقثم يقلبونه مع علي، وكان أسامة وشقران يصبان الماء عليه وأعينهم معصوبة
من وراء الستر، كذا في ((الخميس))، وروي أنه بَّر قال: ((لا يرى أحد عورتي
إلا طُمِسَتْ عيناه)) .
mer
٢٨/٥٣٢ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (أنه
قال) وصله ابن سعدمن طريق حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة،
قاله الزرقاني. قلت: وأخرجه في ((المشكاة)) أيضاً مرسلاً عن عروة وعزاه إلى
((شرح السنة)). قلت: وصله ابن ماجه، وقد روي هذا المعنى بعدة روايات
أخر (١) كما سيأتي (كان بالمدينة) المنورة (رجلان) حفّاران للقبور (أحدهما) هو
أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري (يلحد) بفتح أوله وثالثه كمنع يمنع من لحد،
وبضم أوله وكسر ثالثه من ألحد أي يحفر في جانب القبر، قال البخاري:
سمّي اللحد لأنه في ناحيته.
(والآخر) هو أبو عبيدة بن الجرّاح أحد العشرة المبشرة (لا يلحد) بل
(١) انظر ((التمهيد)) (٢٩٦/٢٢).
٥٠٦
-----

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣٢) حديث
فَقَالُوا: أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلُ، عَمِلَ عَمَلَهُ، فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ، فَلَحَدَ
لِرَسُولِ اللَّهِ وَ﴾.
أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس في: ٦ - كتاب الجنائز، ٤٠ - باب ما جاء
في الشق.
يشقّ، ويحفر في وسط القبر، قال الباجي(١): يقتضي أن الأمرين جائزان ولو
كان أحدهما محظوراً لما استدام عمله، ومثل هذا لا يخفى عن النبي وَلّ من
عمله؛ لأنه من الأمور الظاهرة لا سيما والذي كان لا يلحد من أفضل الصحابة
وأكثرهم اختصاصاً بالنبي ◌َ ﴾. وروي عن مالك: اللحد والشق كل واسع
واللحد أحبّ إليّ، انتهى.
(فقالوا) أي الصحابة يعني اتفقوا بعد أن اختلفوا في الشق واللحد على
أن (أيهما جاء أولاً) هكذا في النسخ الهندية، وفي المصرية: أول(٢)، وهو
مختار الزرقاني، إذ قال: بمنع الصرف للوصف ووزن الفعل، وروي أولاً
بالصرف، وقال القاري: قيل: الرواية بالضم لأنه مبني كقبل، ويجوز الفتح
والنصب. (عمل عمله) أي من اللحد أو الشق (فجاء الذي يلحد) أي قبل
الآخر كما سبق في علم الله تعالى من اختياره لمختاره بَّر (فلحد) بفتح الحاء
.(醬
الرسول الله
وروى ابن سعد عن أبي طلحة قال: اختلفوا في الشَقِّ واللحد للنبيِ وَّ،
فقال المهاجرون: شُقُّوا كما يحفر أهلُ مكة، وقالت الأنصار: الْحَدُوا كما
يحفر بأرضنا، فلما اختلفوا في ذلك قالوا: اللّهم خِرْ لنبيك، ابعثوا إلى
أبي عبيدة وأبي طلحة، فأيهما جاء قبل الآخر فليعمل عمله، فجاء أبو طلحة
فقال: والله إني لأرجو أن يكون قد خار لنبيه أنه كان يرى اللحد فيعجبه،
(١) ((المنتقى)) (٢٢/٢).
(٢) كذا في ((الاستذكار)) (٢٨٨/٨).
٥٠٧

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣٢) حديث
وبمعناه عن ابن عباس عند ابن ماجه وابن سعد، وكذا عن عائشة عند ابن ماجه
وابن سعد وأنس عند ابن ماجه، وعن سعد بن أبي وقاص عند مسلم(١) وغيره
بلفظ: الحَدُوا لي لحداً. وانصِبُوا عليّ اللبنَ نصباً كما فعل برسول الله وَّل .
وعن عائشة وابن عمر عند ابن أبي شيبة (٢) بلفظ: ((إن النبي ◌َّ أوصى
أن يلحد له))، وعن المغيرة بن شعبة عند ابن أبي شيبة بلفظ: (لحد بالنبي ◌َّ))،
وعن أبي بردة عند البيهقي قال: أدخل النبي ◌َّ من قبل القبلة وألحد له لحداً
ونُصِبَ عليه اللَّبِنُ نصباً، ذكره العيني وغيره.
قال النووي في ((شرح المهذب)): أجمع العلماء على أن اللحد والشق
جائزان، لكن إن كانت الأرض صلبة لا ينهار ترابها فاللحد أفضل، وإن كانت
رخوة ينهار فالشق أفضل، قال العيني(٣): فيه نظر من وجهين: الأول: أن
الأرض إذا كانت رخوة يتعين الشق، فلا يقال أفضل، والثاني: أنه يصادم
الحديث الذي رواه الأئمة الأربعة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال
النبي ◌َّ: ((اللحد لنا والشق لغيرنا)) يعني اللحد لأموات المسلمين والشق
لأجل أموات الكفار.
قال زين الدين: المراد به أهل الكتاب كما ورد مصرحاً به في بعض
طرق حديث جرير في ((مسند الإمام أحمد)) بلفظ: والشق لأهل الكتاب فكيف
يكونان سواء، لكن الحديث ضعيف، وليس فيه نهي عن الشق، غايته تفضيل
اللحد، والإجماع على جوازهما .
قال ابن عبد البر: من هذا الحديث كره الشق من كرهه ولا وجه
---
--
(١) أخرجه مسلم (٦٦٥/٢) قوله: ((الحَدُوا لي لحداً)) بوصل الهمزة وفتح الحاء، ويجوز
قطع الهمزة وكسر الحاء.
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٣٠٤/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (١٥٩/٨/٤).
٥٠٨
..--

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣٣) حديث
٢٩/٥٣٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّه بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ
وَ حَتَّى سَمِعْتُ
الْتَّبِيِّ وَّةِ، كَانَتْ تَقُولُ: مَا صَدَّقْتُ بِمَوْتِ النَّبِيِّ
وَقْعَ الْكَرَازِينِ.
لكراهته، قال العيني (١): الجمهور على كراهة الدفن في الشق وهو قول إبراهيم
النخعي وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ولو شَقُّوا لمسلم يكون تركاً للسنة،
اللَّهم إلا إذا كانت الأرض رخوة لا تحتمل اللحد، فإن الشق حينئذ متعين، انتهى.
قلت: وفي فروع الأئمة الثلاثة كما في ((الأنوار الساطعة)) تصريح بأفضلية
اللحد في الصلبة، وأفضلية الشق في الرخوة، نعم. ذكر في ((الروض المربع)) من
فروع الحنابلة: واللحد أفضل من الشق، وهو مكروه بلا عذر، قال القاري في
معنى حديث ابن عباس: قال التوربشتي: أي اللحد آثر وأولى لنا، والشق آثر
وأولى لغيرنا، أي هو اختيار من كان قبلنا من أهل الإيمان، وفي ذلك بيان فضيلة
اللحد وليس فيه نهي عن الشق؛ لأن أبا عبيدة مع جلالة قدره في الدين والأمانة
كان يصنعه، ولأنه لو كان منهياً لما قالت الصحابة: أيهما جاء أولاً عمل عمله.
وقال الطيبي(٢): يمكن أن يكون عليه الصلاة والسلام عنى بضمير الجمع
نفسه أي أوثر اللحد وهو إخبار عن الكائن فيكون معجزة، قال السيد: هذا
التوجيه بعيد جداً لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الشق لغيرنا))، ويحتمل أن يكون
المعنى اللحد لنا معاشر الأنبياء والشق جائز لغيرنا وهو أوجه من التوجيه
السابق لما يلزم منه بحسب الظاهر كراهة الشق، انتهى.
٢٩/٥٣٣ - (مالك، أنه بلغه أن أم سلمة) هند بنت أبي أمية (زوج
النبي
88 كانت تقول: ما صدقت بموت رسول اللهلل حتى سمعت وقع
الكرازين) بفتح الكاف فراء فألف فزاي معجمة فتحتية فنون أي المساحي، جمع
(١) ((عمدة القاري)) (٢١٨/٦).
(٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٧١/٤).
٥٠٩

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣٤) حديث
٣٠/٥٣٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
فَائِشَةَ
كرزين بفتح الكاف وتكسر، ولعلها - رضي الله عنها - أخذتها دهشة كما وقع
لعمر - رضي الله عنه - وقال: لم يمت النبي ◌ُّ، قال الباجي: تريد أنها كانت
تكذب ذلك، وكذلك فعل أكثر الصحابة وكان أشد الناس فيه عمر - رضي الله
عنه - حتى جاء أبو بكر فحقق موته.
قال ابن عبد البر (١): لا أحفظه عن أم سلمة متصلاً، وإنما هو عن
عائشة، وهو تقصير، فقد رواه الواقدي عن ابن أبي سبرة عن الحليس بن
هشام، عن عبد الله بن موهب، عن أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - نحوه،
وقول عائشة - رضي الله تعالى عنها - أخرجه ابن سعد من طريق عبد الله بن
أبي بكر عن أبيه عن عمرة عن عائشة قالت: ما علمنا بدفن رسول الله وَل حتى
سمعنا صوت المساحي ليلة الأربعاء في السحر، قاله الزرقاني(٢).
وفي ((حياة الحيوان)) عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا: لما شُكَّ في
موت النبي ◌َّ وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه فقالت: توفي
رسول الله ◌َي فقد رفع الخاتم من بين كتفيه، وكان هذا الذي عرف به موت
النبي ◌َّ، كذا في ((الخميس))(٣).
٣٠/٥٣٤ - (مالك، عن يحيى بن سعيد أن عائشة) كذا لأكثر رواة ((الموطأ))
مرسلاً، ووصله قتيبة بن سعيد عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن
المسيب، عن عائشة، وكذا أخرجه ابن سعد من طريق يزيد بن هارون والبيهقي من
طريق ابن عيينة كلاهما عن يحيى عن ابن المسيب، عن عائشة كذا في الزرقاني(٤) .
(١) ((الاستذكار)) (٢٩٠/٨).
(٢) (٦٧/٢).
(٣) (١٦٧/٢).
(٤) (٦٨/٢).
٥١٠

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣٤) حديث
زَوْجَ النَّبِيِّ وَّلَ قَالَتْ: رَأَيْتُ ثَلاثَةَ أَقْمَارِ سَقَطْنَ فِي حَجْرِي
مُوس
(حُجْرَبِي) فَقَصَصْتُ رُؤْيَايَ عَلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ.
زاد السيوطي في ((التنوير))(١)، وأخرج ابن سعد عن القاسم بن
عبد الرحمن قال: قالت عائشة: رأيت في حجرتي ثلاثة أقمار فأتيت أبا بكر
فقال: ما أوَّلْتِها؟ قلت: أوَّلْتُها ولداً من رسول الله وَ ل فسكت أبو بكر حتى
قبض النبي ◌ّه قال: خير أقمارك ذهب به، ثم كان أبو بكر وعمر دفنوا جميعاً
في بيتها .
(زوج النبي ). قالت: رأيت في المنام ثلاثة أقمار سقطن في حجرتي)
هكذا في أكثر النسخ الموجودة عندي، وكذا في ((المصفّى))، والباجي،
و ((التنوير)) بالتاء، وعزاه في ((الحاشية)) لأكثر رواة ((الموطأ)) فهو بضم الحاء
وسكون الجيم القطعة من الأرض المحجورة بحائط، ولذلك يقال لحظيرة
الإبل: حجرة، فُعْلة بمعنى مفعول كالغرفة، والقبضة كذا في ((البيضاوي))، وفي
نسخة الزرقاني: حجري أي بفتح الحاء أو بكسرها وعزاه في ((الحاشية)) عن
((المحلّى)) لبعض رواة ((الموطأ)) بمعنى ما في يديك من الثوب أو الحضن.
(فقصصتُ) بضم التاء (رؤياي على أبي بكر الصديق) لأنه كان عالماً
بالتعبير ماهراً في ذلك، قال ابن عبد البر(٢): يحتمل أنه - رضي الله عنه ــ لم
يجبها حين قصت عليه، ويحتمل أنه أجمل لها الجواب وتقدم في رواية قاسم:
أنه سكت.
قال الباجي: قصت رؤياها على أبي بكر - رضي الله عنه - لاعتقادها فيها
أنها جزء من النبوة، وأن الرؤيا أمر صحيح وبشرى للمؤمنين فأمسك أبو بكر
- رضي الله عنه - عن تعبيرها إذ تبين له منها موت النبي ◌َّ الاجتماع دلالة
(١) ((تنوير الحوالك)) (٢٣١/١).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٩٣/٨).
٥١١

۔
١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣٥) حديث
1
قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ وَله وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا. قَالَ لَهَا
أَبُو بَكْرٍ: هَذَا أَحَدُ أَقْمَارِكِ، وَهُوَ خَيْرُهَا .
٣١/٥٣٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ؛
أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصِ، وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ، تُوُفِّيَا
بِالْعَقِيقِ. وَحُمِلَا إِلَى الْمَدِينَةِ. وَدُفِنَا بِهَا .
الرؤيا فيه، لأن القمر قد يدل على السلطان والرئيس ويدل على العالم الذي
يهتدى به، ويدل على الزوج والولد، وسقوطها في حجرتها دليل على دفنهم في
حجرتها، وسنة العبارة إذا رأى المُعَبِّرُ ما يكره أن لا يُعَبِّرها له، فصدقت رؤيا
عائشة - رضي الله عنها - بدفن رسول الله وَّل في بيتها، انتهى.
قلت: التعبير بالدفن يؤيد النسخة المشهورة، لأن المناسب للحجر التعبير
بالولد. (قالت: فلما توفي رسول الله وَّ ودفن في بيتها قال لها أبو بكر: هذا
أحد أقمارك) التي رأيتها في المنام (وهو خيرها) أي أفضل الثلاثة والثاني
أبو بكر والثالث عمر - رضي الله عنهم -.
٣١/٥٣٥ - (مالك، عن غير واحد ممن يثق به) يعني عن الثقات عنده
(أن سعد بن أبي وقاص) الزهري آخر العشرة موتاً مات سنة ٥٥هـ على
المشهور. (وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) بضم النون وفتح الفاء العدوي،
يكنى أبا الأعور أحد العشرة، أسلم قديماً، وشهد المشاهد كلها مع النبي وَثّل
غير بدر، فإنه كان مع طلحة يطلبان خبر عير قريش وضرب له النبي ◌َّ بسهم،
وكانت تحته فاطمة أخت عمر - رضي الله عنهما - وبسببها كان إسلام عمر.
مات بالعقيق سنة ٥١هـ وله بضع وسبعون سنة، فحُمِلَ إلى المدينة ودفن
بالبقيع، كذا في ((الإكمال)). وفي ((التقريب)): مات سنة ٥٠هـ أو بعدها بسنة أو
سنة ٦٠ هـ. (توفيا بالعقيق) موضع بقرب المدينة المنورة (وحملا) أي كل واحد
منهما بعد موته (إلى المدينة) المنورة (ودفنا بها).
٥١٢
-
-- -
- --

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣٥) حديث
قال الباجي(١): يحتمل نقلهما لكثرة من كان بالمدينة المنورة من الصحابة
ليتولوا الصلاة عليهما، ويحتمل أن يكون لفضل اعتقدوه في الدفن بالبقيع، أو
ليقرب على من لهم من الأصل زيارة قبورهم والدعاء لهم، انتهى.
واختلفوا في نقل الميت من موضع إلى موضع فكرهه جماعة وجوّزه
آخرون، وقيل: إن نقل ميلاً أو ميلين فلا بأس به، وقيل: ما دون السفر،
وقيل: لا يكره السفر أيضاً. وعن عثمان - رضي الله عنه -: أنه أمر بقبور
كانت عند المسجد أن تُحَوَّل إلى البقيع، وقال: توسَّعُوا في مسجدكم، وعن
محمد: أنه إثم ومعصية، وقال المازري: ظاهر مذهبنا جواز نقل الميت من بلد
إلى بلد لنقل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة.
وفي ((الحاوي)): قال الشافعي: لا أحب نقله إلا أن يكون بقرب مكة أو
المدينة أو بيت المقدس، فاختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها، قال البغوي
وغيره: يكره النقل، وقال الدارمي والبغوي وغيرهما: يحرم نقله، قال النووي:
هذا هو الأصح، ولم ير أحمد بأساً أن يحول الميت من قبره إلى غيره. قال:
قد نبش معاذٌ امرأته، وحُوِّلَ طلحة، وخالف الجماعة في ذلك، قاله العيني.
وقال الزرقاني(٢): الأولى تنزيل ذلك على حالين فالمنع حيث لا يكون
هناك غرض راجح كالدفن في البقاع الفاضلة، وتختلف الكراهة في ذلك فقد
تبلغ التحريم والاستحباب حيث قال ابن عبد البر: واحتجّ من كره ذلك بأنه وَله
أمر برد القتلى إلى مضاجعهم، وبحديث: ((تدفن الأجساد حيث تقبض
الأرواح))، والإجماع على نقل الميت من داره إلى القبر يدل على فساد نقل
هذا الحديث إلا أن يريد به البلد، حديث: ((ما دفن نبي إلا حيث يقبض)) دليل
(١) ((المنتقى)) (٢٣/٢).
(٢) انظر ((شرح الزرقاني)) (٦٨/٢).
٥١٣

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣٥) حديث
على تخصيص ذلك بالأنبياء. وليس في النقل إجماع ولا سنة فيجوز، انتهى.
قال القاري(١): إذا أرادوا نقله قبل الدفن أو تسوية اللبن فلا بأس بنقله
نحو ميل أو ميلين، قال في (التجنيس)): لأن المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا
المقدار، وقال السرخسي: قول محمد بن مسلمة دليل على أن نقله من بلد إلى
بلد مكروه، والمستحب أن يدفن كل في مقبرة البلدة التي مات بها، ونقل عن
عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت حين زارت قبر أخيها عبد الرحمن: لو كان
الأمر فيك إلَيّ ما نقلتك ولدفنتك حيث مت، قال صاحب ((الهداية)): يكره
النقل لأنه اشتغال بما لا يفيد بما فيه تأخير دفنه وكفى بذلك كراهة.
قال القاري: فإذا كان يترتب عليه فائدة من نقله إلى أحد الحرمين أو إلى
قرب قبر أحد من الأنبياء أو الأولياء أو ليزوره أقاربه من ذلك البلد وغير ذلك
فلا كراهة إلا ما نص عليه من شهداء أحد أو من في معناهم من مطلق
الشهداء، انتهى.
قلت: والمنقح من مسالك الأئمة كما في فروعهم، وما في ((المغني))(٢):
يستحب دفن الشهيد حيث قتل، قال أحمد: أما القتلى فعلى حديث جابر: إن
النبي ◌َّ قال: ((ادفنوا القتلى في مصارعهم)). فأما غيرهم فلا ينقل الميت من
بلد إلى بلد آخر إلاّ لغرض صحيح، فإن كان فيه غرض صحيح جاز، قال
أحمد: ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد آخر بأساً، انتهى.
وما في ((شرح الإقناع)) من فروع الشافعية: ويحرم نقل الميت قبل دفنه
من محل موته إلى محل أبعد من مقبرة محل موته ليدفن فيه، إلا أن يكون
بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، انتهى.
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٧٣/٤).
(٢) (٥٠٩/٢).
٥١٤
--

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣٦) حدیث
٥٣٦/ ٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُدْفَنَ بِالْبَقِيعِ. لأنّ
وفي ((الحاشية)): المراد بالقرب مسافة لا يتغير الميت فيها قبل وصوله،
المراد بمكة جميع الحرم، ولا ينبغي التخصيص بالثلاثة، بل لو كان بقرب
مقابر أهل الصلاح والخير فالحكم كذلك، لأن الشخص يقصد الجار الحسن،
انتھی .
وفي ((الشرح الكبير))(١) للمالكية: جاز نقل الميت قبل الدفن وكذا بعده
من مكان إلى آخر بشرط أن لا ينفجر حال نقله وأن لا تنتهك حرمته، وأن
يكون لمصلحة كأن يخاف عليه أن يأكله البحر، أو ترجى بركة الموضع المنقول
إليه، أو ليدفن بين أهله أو لأجل قرب زيارة أهله له. قال الدسوقي: فإن
تخلف شرط من هذه الشروط الثلاثة كان النقل حراماً، وانتهاك حرمته أن يكون
نقله على وجه يكون فيه تحقير له، وعدم الانتهاك يتحقق بقرب المسافة
واعتدال الزمن وتمام الجفاف مع اللطف في حمله، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (٢) من فروع الحنفية: لا بأس بنقله قبل دفنه. قال
ابن عابدين: قيل: مطلقاً، وقيل: إلى ما دون مدة السفر، وقيده محمد بقدر
ميل أو ميلين، لأن مقابر البلد ربما بلغت هذه المسافة فيكره فيما زاد، قال في
(النهر)) عن ((عقد الفرائد)): وهو الظاهر. وأما نقله بعد دفنه فلا مطلقاً. قال في
((الفتح)): واتفقت كلمة المشايخ في امرأة دفن ابنها وهي غائبة في غير بلدها
فلم تصبر، وأرادت نقله على أنه لا يسعها ذلك. فتجويز شواذّ بعض المتأخرين
لا يلتفت إليه، انتهى. وسيأتي البسط في ذلك في أواخر الجهاد.
٣٢/٥٣٦ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (أنه
قال: ما أحب أن أدفى بالبقيع) المدفن المشهور بالمدينة المنورة (لأن) بفتح
(١) (١ / ٤٢١).
(٢) (٢٥٩/٢).
٥١٥

١٦ - كتاب الجنائز
(١٠) باب
(٥٣٦) حديث
أُدْفَنَ بِغَيْرِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُدْفَنَ بِهِ، إِنَّمَا هُوَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ، إِمَّا
ظَالِمٌ، فَلَا أُحِبُّ أَنْ أُدْفَنَ مَعَهُ، وَإِمَّا صَالِحٌ، فَلَا أُحِبُّ أَنْ تُنْبَشَ لِي
عِظَامُهُ .
---
اللام وأن مصدرية (أدفن في غيره) أي غير البقيع (أحب إليّ من أن أدفن
فيه) وليس ذلك الكراهية الدفن فيه، كيف وهو بقعة مباركة بل لامتلائه
بالمقابر فلا يكون الدفن فيه إلا بنبش المدفون السابق، ولذلك قال (إنما
هو) أي المدفون قبلي في ذلك الموضع (أحد رجلين، إما ظالم فلا أحب
أن أدفن معه) لأنه قد يُعذّبُ في قبره بظلمه فأتأذَّى بذلك. (وإما صالح فلا
أحب أن تنبش لي عظامه).
قال الباجي(١): كره عروة الدفن بالبقيع لا لكراهة البقعة، وإنما ذلك لأنه
لم يكن بقي فيه موضع إلا قد دفن فيه، فكره الدفن به لهذا المعنى، لأنه لا بد
أن تنبش له عظام من دُفِنَ في ذلك الموضع قبله، فإن كان ظالماً كره مجاورته
وإن كان صالحاً كره أن ينبش له، لأنه يعظم نبش عظام الصالح من أجله
لحرمته وصلاحه، وأن يكون للظالم حرمة أيضاً إلا أن كراهيته لمجاورته
أعظم، فلذلك علق الكراهية لمجاورته، ولا تكره مجاورة الرجل الصالح،
فلذلك لم یکره إلا نبش عظامه، انتهى.
قال الزرقاني(٢): وبه يرد قول أبي عمر ظاهرُ كلام عروة أنه لم يكره
نبش عظام الظالم. وليس كذلك، فلعظامه حرمة، قال: وقد بنى عروة قصره
بالعقيق، وخرج من المدينة لما رأى من تغير أهلها فمات(٣) هناك، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٣/٢).
(٢) (٦٩/٢).
(٣) انظر: ((جامع بيان العلم وفضله)) (٢٠٠/٢).
٥١٦

١٦ - كتاب الجنائز
(١١) باب
(٥٣٧) حديث
(١١) باب الوقوف للجنائز والجلوس على المقابر
٣٣/٥٣٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَم،
عَنْ مَسْعُودٍ بْنِ الْحَكَم،
(١١) الوقوف للجنائز
سواء يكون مع الجنازة أو تمر عليه.
والجلوس على المقابر
ففي الباب ثلاثة مسائل كما سيأتي بيانها مفصلاً.
٣٣/٥٣٧ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن واقد) بالقاف
والدال المهملة ابن عمرو بفتح العين (ابن سعد بن معاذ) هكذا قال جميع الرواة
إلا يحيى، فقال: واقد بن سعد، نسبه إلى جده، قاله الزرقاني تبعاً لابن
عبد البر(١) وغيره، قلت: فما في بعض النسخ المصرية من لفظ: واقد بن
عمرو نسبة إلى أبيه لا يصح في رواية يحيى، ومثل رواية يحيى رواية محمد
بلفظ: واقد بن سعد، وهو الأنصاري الأشهلي سيد الأوس أبو عبد الله
المدني، ثقة من رواة مسلم والثلاثة غير ابن ماجه، قال ابن سعد: كان ثقة،
وله أحاديث، مات سنة ١٢٠ هـ.
(عن نافع بن جُبير) بضم الجيم وفتح الباء الموحدة (ابن مطعم) بن عدي
ابن عبد مناف القرشي النوفلي (عن مسعود بن الحكم) بن الربيع بن عامر
الأنصاري أبو هارون المدني. قال ابن عبد البر(٢): ولد على عهد النبي ◌َّ
وكان له قدر يُعدُّ في جلّة التابعين وكبارهم، زاد العسكري: ولم يرو عنه شيئاً،
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٩٨/٨).
(٢) ((الاستذكار)) (٢٩٨/٨).
٥١٧

١٦ - كتاب الجنائز
(١١) باب
(٥٣٧) حديث
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿َ كَانَ يَقُومُ فِي الْجَنَائِزِ،
قال الزرقاني: له رؤية، من رواة الستة إلا البخاري، قال ابن عبد البر: في
هذا الإسناد رواية أربعة من التابعين في نسق واحد، لكن مسعوداً ولد في عهد
النبي ◌ِّ، انتهى. لكنه تابعي روايةً.
(عن علي بن أبي طالب) رابع الخلفاء الراشدين (أن رسول الله وَالأر كان
يقوم في الجنائز) ويأمر بذلك كما صح من حديث عامر بن ربيعة، وأبي سعيد
وأبي هريرة، ولابن أبي شيبة عن يزيد بن ثابت: كنا معه وَلّ فطلعت جنازة،
فلما رآها قام وقام أصحابه حتى بعدت، والله ما أدري من شأنها أو من تضايق
المكان؟ وما سألناه عن قيامه، وفي ((الصحيحين)) عن جابر: مر بنا جنازة فقام
لها النبي ◌َ﴿ وقمنا، فقلنا: إنها جنازة يهودي، قال: ((إذا رأيتم الجنازة
فقوموا))، زاد مسلم: إن الموت فزع.
وفي ((الصحيحين)): عن سهل بن حنيف وقيس بن سعد قال وَاليوم: ((أليست
نفساً))؟ وللحاكم عن أنس ولأحمد عن أبي موسى مرفوعاً: ((إنما قمنا
للملائكة))، ولأحمد وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((إنما
قمنا إعظاماً للذي يقبض النفوس))، ولابن حبان: ((الله الذي يقبض الأرواح))،
ولا منافاة بين هذه التعاليل لأن القيام للفزع من الموت، فيه تعظيم لأمر الله
وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة، ومقصود الحديث: أن لا يستمر
الإنسان على الغفلة بعد رؤية الميت لما يشعر ذلك بالتساهل بأمر الموت، فمن
ثَمّ استوى فيه كون الميت مسلماً أو غير مسلم.
قال القرطبي: معناه: أن الموت يفزع منه، وقال غيره: جعل نفس
الموت فزعاً مبالغة كما يقال: رجل عدل، قال البيضاوي: مصدر جرى مجرى
الوصف للمبالغة أو فيه تقدير أي ذو فزع، انتهى. ويؤيد الثاني رواية ابن ماجه:
إن للموت فزعاً، والحاصل أن هذه التعاليل كلها مجتمعة، وما أخرجه أحمد
من حديث الحسن بن علي: إنما قام رسول الله وَّ تأذّياً بريح اليهودي. زاد
٥١٨

١٦ - كتاب الجنائز
(١١) باب
(٥٣٧) حديث
ثُمَّ جَلَسَ، بَعْدُ.
أخرجه مسلم في: ١١ - كتاب الجنائز، ٢٥ - باب نسخ القيام للجنازة،
حديث ٨٢.
الطبراني من حديث عبد الله بن عيّاش: فآذاه ريح بخورها، وللطبراني والبيهقي
من وجه آخر عن الحسن: كراهية أن تعلو رأسه، فإن ذلك لا يعارض الأخبار
الأولى الصحيحة، أما أولاً فلأن أسانيدها لا تقاوم تلك في الصحة.
وأما ثانياً فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي، والتعليل
الماضي صريح من لفظ النبي ◌ّه﴿ فكأنَّ الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل،
فعّل باجتهاده، وقد روى ابن أبي شيبة عن يزيد بن ثابت: كنا مع رسول الله وحمله
فطلعت جنازة، فلما رآها قام وقام أصحابه حتى بعدت، والله ما أدري من
شأنها أو من تضايق المكان؟ وما سألناه عن قيامه، كذا في ((الفتح)) (١)،
و ((الزرقاني)).
وقال الأبي (٢): اختلاف علل قيامه يحتمل أنه لاختلاف الأحوال
والمقامات، والتعليل بأنه ترحيب بالميت يختص بجنازة المؤمن، انتهى.
(ثم جلس بعد) بالبناء على الضم، قال البيضاوي: يحتمل المعنى بعد أن
جاوزته وبعدت عنه، ويحتمل أنه كان يقوم في وقت، ثم تركه أصلاً، وعلى
هذا فيكون فعله الأخير قرينة في أن الأمر بالقيام للندب، أو نسخ للوجوب
المستفاد من ظاهر الأمر، والأول أرجح، لأن احتمال المجاز أولى من دعوى
النسخ .
قال الحافظ: والاحتمال الأول يدفعه ما رواه البيهقي من حديث علي أنه
أشار إلى قوم قاموا أن يجلسوا، ثم حدثهم بالحديث، ولذا قال بكراهة القيام
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٨٠/٣) و((شرح الزرقاني)) (٦٩/٢).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٩٢/٣).
٥١٩

١٦ - كتاب الجنائز
(١١) باب
(٥٣٧) حديث
- -
جماعة، انتهى كذا في ((الزرقاني))(١).
قال الباجي(٢): الجلوس في موضعين: أحدهما: لمن مرت به، والثاني:
لمن يتبعها. فهل يقوم لها حتى توضع؟ فقد روي عن النبي ◌َّ القيام لها في
الموضعين، روى أبو سعيد الخدري: أن رسول الله وَ الله قال: ((إذا رأيتم
الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع)). ثم روي عنه بعد ذلك
حديث علي المذكور فيه: أنه جلس بعد أن كان يقوم، واختلف أصحابنا في
ذلك فقال مالك وغيره من أصحابنا: إن جلوسه ناسخ لقيامه واختاروا أن لا
يقوم. وقال ابن الماجشون وابن حبيب: إن ذلك على وجه التوسعة، وأن
القيام فيه أجر وحكمه باقٍ، وما ذهب إليه مالك أولى لحديث علي، انتهى.
قلت: وتوضيح الكلام في ذلك أن ههنا قيامين: اختلفت في حكمهما
الأئمة، الأول: القيام لمن مرت عليه الجنازة، والثاني: قيام من تبعها، ونلخص
الكلام عليها مختصراً .
أما الأول فقال العيني (٣): ذهب قوم إلى أن الجنازة إذا مرت بأحد يقوم
لها، وهم: المسور بن مخرمة، وقتادة، ومحمد بن سيرين، والشعبي،
والنخعي، وإسحاق بن إبراهيم، وعمرو بن ميمون، وقال أبو عمر في
((التمهيد)): جاءت آثار صحاح ثابتة توجب القيام للجنازة، وقال بها جماعة من
السلف والخلف، ورأوها غير منسوخة، وقالوا: لا يجلس من اتّبع الجنازة
حتى توضع عن أعناق الرجال، منهم: الحسن بن علي وأبو هريرة وابن عمر
وابن الزبير وأبو سعيد الخدري وأبو موسى الأشعري، وذهب إلى ذلك
الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وبه قال محمد بن الحسن.
(١) ((شرح الزرقاني) (٧٠/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٤/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (١٠٧/٨/٤).
٥٢٠