النص المفهرس
صفحات 481-500
١٦ - كتاب الجنائز (٨) باب (٥٢٦) حديث لِتَدْعُوَ لَهُ. رجلاً، فلما رجعنا وحاذينا بابه إذا هو بامرأة لا نُظُنُّه عَرَفَها، فقال: ((يا فاطمة من أين جئت؟)) قالت: جئت من أهل الميت، رحمتٌ إليهم ميّتَهم وعَزَّيتُهم، قال: ((فلعلك بَلَغْتِ معهم الكُدَى))؟، قالت: معاذ الله أن أبلغ معهم الكُدَى، وقد سمعتُك تذكُر فيه ما تذكر، قال: ((لو بَلَغْتِ معهم الكُدَى ما رأيتِ الجنَّةَ حتى يرى جدُّ أبيك))، وقال: هذا حديث على شرط الشيخين، وقال ابن حزم: لا يُمْنَعْنَ من إتباعها، وآثار النهي عن ذلك لا تصح، انتهى. (لتدعو له) قال الباجي: يحتمل أن تريد بذلك أن تصلي عليه بحيث يمكنها في الصلاة عليه من ميتها، ويحتمل أن تريد به الدعاء خاصة، فإذا قلنا بالقول الأول، فإنه يقتضي صلاة النساء على الجنائز، وهذا الذي يقتضيه مذهب مالك، وقال الشافعي: لا يصلي النساء على الجنائز، والدليل على صحة ذلك أن هذه صلاة يصح أن يفعلها الرجال، فصح أن يفعلها النساء كصلاة الجمعة، وهل يجوز أن يفعلها النساء دون الرجال؟ قال ابن القاسم وأشهب: يجوز ذلك وإن اختلفا في صفتهما، انتهى. قلت: وعند الحنفية يسقط فرضها بصلاة شخص واحد رجلاً كان أو امرأة، صرح به في ((الشامي)) وغيره. قلت: لكن لفظ الدعاء نص في معناه، وإرادة الصلاة منه بعيد، فما ورد من لفظ الصلاة في هذه القصة المراد به الدعاء، وإنما أَمَرَتْ بالإمرار لتدعو له بحضرته، لأن مشاهدته تدعو إلى الإشفاق والاجتهاد له، ولذا يسعى إلى الجنائز ولا يكتفى بالدعاء في المنزل. نعم يستدل لجواز صلاة النساء بما أخرجه الحاكم(١): أن أبا طلحة دعا رسول الله وّل إلى عمير بن أبي طلحة حين توفي، فأتاهم رسول الله وَل فصلى عليه في منزلهم فتقدم رسول الله وَّر، وكان أبو طلحة وراءه، وأم سليم وراء (١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٦٥/١). ٤٨١ ١٦ - كتاب الجنائز (٨) باب (٥٢٦) حديث فَأَنْكَرَ ذُلِكَ النَّاسُ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ عَائِشَة: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ! أبي طلحة ولم يكن معهم غيرهم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وسنة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز، وأقر الذهبي بكونه على شرطهما . (فأنكر ذلك) أي إدخاله في المسجد (الناس عليها) أي على عائشة - رضي الله عنها - وفي حديث مسلم (١) عن عباد عن عائشة: لما توفي سعد أمر أزواج النبي ◌َّ أن يُمُرُّوا بجنازته في المسجد فيصلين عليه، ففعلوا فوُقِف به على حُجَرهن، يصلين عليه، ثم أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد، فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فبلغ ذلك عائشة - رضي الله عنها - فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يُمَرَّ بجنازة في المسجد. (فقالت عائشة: ما أسرع الناس) هكذا في أكثر النسخ التي بأيدينا من المصرية والهندية، وفي بعض النسخ المصرية: ما أسرع ما نسي الناس، والوجه الأول. قال الباجي(٢): يحتمل أن تريد به ما أسرعهم إلى الإنكاروالعيب، ويحتمل أن تريد ما أسرع نسيانهم لحكم ما أنكروه عليها، قال ابن وهب: ما أسرع الناس تريد إلى الطعن والعيب، قال: وسمعت مالكاً يقول: يعني ما أسرع ما نسوه من سُنة نبيهم ◌َّ، انتهى. ..--- قال ابن عبد البر(٣): أي إلى إنكار ما لا يعلمون، وروي ما أسرع ما نسي الناس، قاله الزرقاني. قلت: وهذا الكلام يدل على أن الصواب في رواية ((الموطأ)): ((ما أسرع (١) أخرجه مسلم (٦٦٨/٢) ح (٩٧٣). (٢) ((المنتقى)) (١٨/٢). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧٥/٨). ٤٨٢ .--- ------------ ١٦ - كتاب الجنائز (٨) باب (٥٢٦) حديث مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ. رواه مسلم موصولاً في: ١١ - كتاب الجنائز، ٣٤ - باب الصلاة على الجنازة في المسجد، حديث ٩٩. الناس)) ولذا اختلفوا في تفسيره، ولذا احتاج مالك - رضي الله عنه - إلى تفسيره بقوله: يعني ما أسرع ما نسوه. (ما صلى رسول الله نَّل على سهيل) بضم السين مصغراً (ابن بيضاء) هو لقب أمه لبياضها واسمها دَعْدٌ، بفتح الدال المهملة الأولى وسكون العين المهملة بنت الجحدم وأبوه وهب بن ربيعة القرشي الفهري، اختلف في شهوده بدراً، فقال ابن إسحاق وابن عقبة: شهدها، وأنكره الكلبي، وقال: إنه الذي أسر يوم بدر، فشهد له ابن مسعود، وردّه الواقدي، وقال: إنما ذاك أخوه سهل، كذا في ((الزرقاني)) عن ((الإصابة))، وفي ((رجال جامع الأصول)): أسلم قديماً، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً والمشاهد كلها، مات سنة تسع (إلا في المسجد) وفي رواية لمسلم: إلا في جوف المسجد. وعنده من طريق أخرى على ابني بيضاء سهيل وأخيه، وعند ابن منده: سهل بالتكبير، وبه جزم في ((الاستيعاب))، وزعم الواقدي أن سهلاً المكبر مات بعده وَّل ، وقال أبو نعيم: اسم أخي سهيل صفوان، ووهم من سمّاه سهلاً، ولم يزد مالك في روايته على ذكر سهيل، كذا في ((الإصابة)). قال الباجي: تريد أي عائشة - رضي الله عنها - بذلك الحجة لما أنكروه، ويحتمل من وجهين: أحدهما: أن يصلي عليها، وهي، أي الجنازة في المسجد، والثاني: أن يصلي وهو في المسجد، والجنازة خارج المسجد، وعلى هذا حمله من أنكر إدخالها في المسجد، فإن صلى عليها وهي في المسجد، فقد قال الداودي: تمضي الصلاة، ويسقط الفرض، انتهى. وقال الحافظ: وحملوا الصلاة على سهيل بأنه كان خارج المسجد والمصلون داخله، وذلك جائز اتفاقاً. وفيه نظر، لأن عائشة استدلّت بذلك لما أنكروه عليها أمرها بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلي عليه، انتهى. ٤٨٣ ١٦ - كتاب الجنائز (٨) باب (٥٢٦) حديث قلت: ما أوّل به الباجي صلاته ومَّلول على سهيل بأن الجنازة كانت خارج المسجد، وحكى الحافظ الإجماع على جوازه، لا يوافق مختار الحنفية، قال في ((الدر المختار)) (١): وكرهت تحريماً، وقيل: تنزيهاً في مسجد جماعة هو أي الميت فيه وحده أو مع القوم، واختلف في الخارجة عن المسجد وحده أو مع بعض القوم، والمختار الكراهة مطلقاً، قال ابن عابدين: سواء كان الميت فيه أو خارجه، وهو ظاهر الرواية. وفي رواية: لا يكره إذا كان الميت خارج المسجد، انتهى. فمحمل الصلاة على سهيل وأخيه عندنا الحنفية ما تقدم في كلام الحافظ أنها كانت لأمر عارض أو لبيان الجواز، قال ابن عابدين: إنما تكره في المسجد بلا عذر فإن كان فلا، ومن الأعذار المطر كما في ((الخانية))، والاعتكاف كما في ((المبسوط)) وغيره، يعني اعتكاف الولي ونحوه ممن له حق التقدم، ولغيره الصلاة معه تبعاً له، وإلا يلزم أن لا يصليها غيره وهو بعيد، انتھی . وقال أيضاً: حقق الطحاوي أن الجواز كان، ثم نسخ، وتبعه في ((البحر))، وانتصر له الشيخ عبد الغني في رسالته ((نزهة الواجد في حكم الصلاة على الجنائز في المساجد))، انتهى. وأثبت نسخه العيني في ((شرح البخاري)) وقال الحلبي: حديث عائشة - رضي الله عنها - واقعة حال لا عموم لها لجواز كون ذلك لضرورة، وفي ((الزيلعي على الكنز)) حديث عائشة - رضي الله عنها - حجة لنا؛ لأن الناس الذين هم أصحاب رسول الله وَلم من المهاجرين والأنصار قد عابوا عليهن، فلولا أن الكراهة معروفة بينهم لما عابوا، وقال شمس الأئمة: تأويل حديث ابن البيضاء أنه عليه الصلاة والسلام كان معتكفاً، انتھی . (١) (١٤٨/٣). ٤٨٤ ---- II ٠٠ .. ... ١٦ - كتاب الجنائز (٨) باب (٥٢٧) حدیث ٥٢٧/ ٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن ◌ُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: صُلِّيَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْحَطَّابِ فِي الْمَسْجِدِ. وحكى الطحطاوي عن ((شرح الموطأ)» للقاري: ينبغي أن لا يكون خلاف في المسجد الحرام، فإنه موضع للجماعات والجمعة والعيدين والكسوفين والاستسقاء وصلاة الجنازة، قال: وهذا أحد وجوه إطلاق المساجد عليه، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ الآية، انتهى. قلت: فلو دخل في حكمه المسجد النبوي فلا إشكال في الصلاة على ابني البيضاء. ٢٣/٥٢٧ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه قال: صلي) ببناء المجهول (على) جنازة (عمر بن الخطاب) صلى عليه مولاه صهيب (في المسجد) وروى ابن أبي شيبة وغيره: أن عمر - رضي الله عنه - صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيباً صلى على عمر - رضي الله عنه - في المسجد ووضعت الجنازة تجاه المنبر، قال ابن عبد البر: وذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير، يعني فيكون إجماعاً سكوتياً . وقال الباجي(١): معنى حديث الباب ما تقدم من أن يكون صلي عليه وهو خارج المسجد والمصلون عليه في المسجد، ويحتمل أن يكون صلي عليه في الموضع الذي دفن فيه، وقد كان من المسجد وله الآن حكم المقابر، وكذلك المسجد إذا كان فيه مقبرة فلا بأس أن يصلى في موضع المقابر منه على ميت، انتهى. وفي ((البرهان)): صلاة الصحابة على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - في المسجد كانت لعارض دفنهما عند رسول الله وَخلقه، انتھی . ثم لا يذهب عليك أن أمير المؤمنين ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان شهيداً - رضي الله عنه - وقد غسل وصلي عليه، (١) ((المنتقى)) (١٨/٢). ٤٨٥ ١٦ - كتاب الجنائز (٩) باب (٥٢٨) حديث --- (٩) باب جامع الصلاة على الجنائز ٢٤/٥٢٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانُوا يُصَلَّونَ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمَدِينَةِ، كما في ((الموطأ))، لكن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - ذكر هذا الحديث في الجهاد، فنتبعه، ونذكر هذا البحث في الجهاد، إن شاء الله تعالى. (٩) جامع الصلاة على الجنائز يعني الأحكام المتفرقة من الصلاة على الميت كترتيب الجنائز في الصلاة عليها وجهر السلام وغير ذلك. ٢٤/٥٢٨ - (مالك، أنه بلغه أن عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - (وعبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (وأبا هريرة) - رضي الله عنه - (كانوا يصلون على الجنائز) العديدة مرة واحدة (بالمدينة) المنورة - زادها الله شرفاً وشرافة وبهجة ونوراً - قال الباجي(١): يحتمل أن يكون عثمان وأبو هريرة - رضي الله عنهما - يصليان عليها للإمارة وأن يكون عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كان يصلي عليها لصلاحه وخيره، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأن كل واحد منهم كانت له جنازة في الجملة، والجنازة يصلى عليها بثلاثة معان: الولاية وهي الإمارة، والولاء: وهو التعصيب، والدين فمن حضره رجل مشهور بالصلاح ولم يحضره والٍ ولا وليّ، فإن أحق الناس بالصلاة عليه الرجل الصالح لما يرجى من بركة دعائه وفضله وصلاته للميت، فإن اجتمع هؤلاء ثلاثتهم في جنازة فأحقهم بالصلاة عليه الوالي، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، انتهى. قال العيني: وهذا الباب فيه خلاف بين العلماء. قال ابن بطال: قال (١) ((المنتقى)) (١٩/٢). ٤٨٦ ١٦ - كتاب الجنائز ------- (٩) باب (٥٢٨) حديث الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. أكثر أهل العلم: الوالي أحق من الولي، وروي ذلك عن جماعة منهم: علقمة والأسود والحسن، وهو قول أبي حنيفة ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو يوسف والشافعي: الولي أحق من الوالي إلى آخر ما قاله. قال في ((الدر المختار)) (١): يقدم السلطان إن حضر أو نائبه وهو أمير المصر، ثم القاضي، ثم صاحب الشرط، ثم خليفته، ثم خليفة القاضي، ثم إمام الحي، ثم الولي، وتقديم الولاة واجب، وتقديم إمام الحي مندوب بشرط أن يكون أفضل من الولي، وإلا فالولي أولى. قال ابن عابدين: الأصل أن الحق في الصلاة للولي، ولذا قدم على الجميع في قول أبي يوسف والشافعي ورواية عن أبي حنيفة، لأن هذا حكم يتعلق بالولاية كالإنكاح إلا أن الاستحسان وهو ظاهر الرواية تقديم السلطان ونحوه؛ لما روي: أن الحسين - رضي الله عنه - قدم سعيد بن العاص لما مات الحسن - رضي الله عنه -، انتهى. قال ابن المنذر: ليس في هذا الباب أعلى من هذا، لأن جنازة الحسن شهدها عوام الناس من الصحابة والمهاجرين والأنصار، كذا في ((العيني)). قال الباجي(٢): روي عن أبي حازم قال: شهدت حسيناً - رضي الله عنه - حين مات الحسن وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص وهو يقول: تقدم، فلولا السنة لما قدمناك وسعيد أمير المدينة يومئذ، ودليلنا من جهة القياس أن هذه الصلاة سُنّ لها الجماعة، فكان الوالي أحقَّ بإمامتها كصلاة الجمعة والعيدين، انتھی . (الرجال والنساء) بدل من الجنائز يعني أنهم كانوا يجمعون الجنائز، (١) (٨٢١/١ - ٨٢٢). (٢) ((المنتقى)) (١٩/٢). ٤٨٧ ١٦ - كتاب الجنائز (٩) باب (٥٢٨) حدیث فَيَجْعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الإِمَامَ، وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ. فيصلون عليها صلاة واحدة تجزئ عن أفراد كل واحد منهم بصلاة، ولا خلاف في جواز ذلك، قاله الباجي. (فيجعلون الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة) وعلى هذا أكثر العلماء وقال به جماعة من الصحابة والتابعين، وقال ابن عباس وأبو هريرة وأبو قتادة: هي السنة، وقول الصحابي ذلك له حكم الرفع. وقال الحسن وسالم والقاسم: النساء مما يلي الإمام والرجال مما يلي القبلة، واختلف فيه عن عطاء، قاله الزرقاني(١). ---- وقال ابن رشد (٢): اختلفوا في ترتيب جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعوا عند الصلاة، فقال الأكثر: يجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة، وقال قوم بخلاف هذا أي النساء مما يلي الإمام، والرجال مما يلي القبلة، وفيه قول ثالث: إنه يصلى على كلٍ على حدةٍ، الرجال مفردون والنساء مفردات، وسبب الخلاف ما يغلب على الظن باعتبار أحوال الشرع من أنه يجب أن يكون في ذلك شرع محدود مع أنه لم يرد في ذلك شرع يجب الوقوف عنده، ولذلك رأى كثير من الناس أنه ليس في أمثال هذه المواضع شرع أصلاً. وأنه لو كان فيها شرع لبيّن للناس، وإنما ذهب الأكثر لما قلناه من تقديم الرجال على النساء لرواية ((الموطأ)) المذكورة. وذكر عبد الرزاق(٣) عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أنه صلى كذلك على جنازة فيها ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة والإمام يومئذ سعيد بن العاص، فسألهم عن ذلك أو أمر من سألهم؟ فقالوا: هي السنة، وهذا يدخل في المسند عندهم، ويُشبه أن يكون من قال بتقديم الرجال شبّههم أمام الإمام بحالهم خلف الإمام في الصلاة، ولقوله وَّل: ((أخروهن من (١) ((شرح الزرقاني)) (٦٤/٢). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٣٧/١). (٣) ((مصنف عبد الرزاق)) (٤٦٥/٣). ٤٨٨ ١٦ - كتاب الجنائز (٩) باب (٥٢٨) حديث حيث أخرهن الله))، وأما من قال بتقديم النساء على الرجال، فيشبه أن يكون اعتقد أن الأول هو المقدم، ولم يجعل التقديم بالقرب من الإمام. وأما من فرق فاحتياطاً من أن لا يجوز ممنوعاً لأنه لم ترد سنة بجواز الجمع، فيحتمل أن يكون على أصل الإباحة، ويحتمل أن يكون ممنوعاً بالشرع، وإذا وجد الاحتمال وجب التوقف إذا وجد إليه سبيلاً، انتهى. قلت: أخرج ابن أبي شيبة الآثار المختلفة التي تؤيد المذاهب الثلاثة، لكن الأكثر منها على أن الرجل مما يلي الإمام والنساء أمام ذلك مما يلي القبلة، وأخرج أبو داود بسنده عن عمار مولى الحارث: أنه شهد جنازة أم كلثوم وابنها زيد فجعل الغلام مما يلي الإمام فأنكرت ذلك، وفي القوم ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قتادة وأبو هريرة فقالوا: هذه السنة. قال الشوكاني(١): سكت عنه أبو داود والمنذري، ورجال إسناده ثقات، ورواه النسائي، وأخرجه البيهقي، وقال: وفي القوم الحسن والحسين وابن عمر وأبو هريرة ونحو من ثمانين نفساً من أصحاب النبي بَّ، وفي رواية للبيهقي: أن الإمام في هذه القصة ابن عمر - رضي الله عنهما -، وفي أخرى له وللدارقطني والنسائي من رواية نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه صلى على سبع جنائز رجال ونساء، فجعل الرجال مما يلي الإمام وجعل النساء مما يلي القبلة وصَفَّهم صفاً واحداً، الحديث. وكذلك رواه ابن الجارود في ((المنتقى)). قال الحافظ: إسناده صحيح، انتهى. قلت: وذكر هذه الآثار وغيرها في الباب الزيلعي (٢) على ((الهداية))، وحكى عن رواية للبيهقي: أن الإمام في قصة أم كلثوم وابنها سعيد بن العاص. (١) ((نيل الأوطار)) (١١/٣). (٢) انظر: (نصب الراية)) (٢٦٦/٢). ٤٨٩ ١٦ - كتاب الجنائز (٩) باب (٥٢٩) حدیث ٢٥/٥٢٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجَنَائِزِ يُسَلّمُ، حَتَّى يُسْمِعَ مَنْ يَلِيهِ. قال الباجي(١): ترتيب الجنائز في الصلاة عليها على نوعين: أحدهما: ما ذكر أن يقدم مستحق الفضيلة إلى جهة الإمام ويجعل غيره إلى جهة القبلة، وهي الجهة التي تبعد عن الإمام، والنوع الثاني: أن يجعلوا صفاً واحداً ويقوم الإمام وسط ذلك، فيجعل مستحق الفضيلة هذا الإمام، ((كذا في الأصل والصواب عندي: حذاء الإمام)) ويجعل غيره عن يمينه وعن يساره، فإن اجتمعت جنائز رجال وصبيان ونساء وأحرار وعبيد، فإنه يلي الإمام الأحرار من الرجال، ثم الصبيان الأحرار، ثم الرجال العبيد، ثم النساء الحرائر، ثم إناث الصبيان، ثم إماء النساء، قال ابن حبيب: هكذا قال لي من لقيت من أصحاب مالك، انتهى. كيفيفكر :١ ثم بسط الباجي في وجه هذا الترتيب، وهكذا ترتيب الجنائز عند الحنفية كما في فروعهم، ففي ((الدر المختار)) (٢): إذا اجتمعت الجنائز، فإفراد الصلاة على كل واحدة أولى من الجمع، وتقديم الأفضل أفضل وإن جمع جاز. ثم إن شاء جعل الجنائز صفاً واحداً، وقام عند أفضلهم، وإن شاء جعلها صفاً مما يلي القبلة واحداً خلف واحد، وراعى الترتيب المعهود خلفه حالة الحياة، فيقرب منه الأفضل فالأفضل: الرجل مما يليه؛ فالصبي فالخنثى فالبالغة فالمراهقة، والصبي الحر يقدم على العبد والعبد على المرأة، انتهى. ٢٥/٥٢٩ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان إذا صلى على الجنائز يسلم) سلام التحليل من الصلاة جهراً (حتى يسمع من يليه) وكذا كان أبو هريرة وابن سيرين، وبه قال أبو حنيفة والأوزاعي --- (١) ((المنتقى)) (٢٠/٢). (٢) (١٣٨/٣). ٤٩٠ ------- ١٦ - كتاب الجنائز (٩) باب (٥٢٩) حديث ٠٠ ومالك في رواية ابن القاسم، وكان علي وابن عباس وأبو أمامة بن سهل وابن جبير والنخعي يسرونه، وقال به الشافعي ومالك في رواية، ويعلم المأمومون تحلله بانصرافه، قاله الزرقاني(١). قال الأبي(٢): السلام متفق عليه وإنما اختلفوا في عدده فقال مالك والجمهور والشافعي في أحد قوليه: يسلم واحدة. وقال أبو حنيفة والثوري وجماعة من السلف: يسلم تسليمتين، واختلف قول مالك: هل يجهر به الإمام؟ وبه قال ابن حبيب وبالسر قال الشافعي، انتهى. وقال ابن رشد في ((البداية)) (٣): اختلفوا في التسليم من الجنازة هل هو واحد أو اثنان؟ فالجمهور على أنه واحد، وقالت طائفة وأبو حنيفة: يسلم تسليمتين واختاره المزني من أصحاب الشافعي وهو أحد قولي الشافعي. وسبب اختلافهم اختلافهم في التسليم من الصلاة وقياس صلاة الجنائز على الصلاة المفروضة، فمن كانت عنده التسليمة واحدة في الصلاة المكتوبة، وقاس صلاة الجنازة عليها قال: بواحدة، ومن كانت عنده تسليمتين في الصلاة المفروضة قال: ههنا بتسليمتين، إن كانت عنده سنة، فهذه سنة، وإن كانت فرضاً، فهذه فرض. وكذلك اختلف المذهب هل يجهر فيها أو لا يجهر بالسلام؟ انتهى. قال البخاري في ((صحيحه)): فيها تكبير وتسليم، قال العيني(٤): أما التكبير فلا خلاف فيه، وأما التسليم فمذهب أبي حنيفة أنه يسلم تسليمتين، واستدل له (١) ((شرح الزرقاني)) (٦٥/٢). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٨٩/٣). (٣) (بداية المجتهد)) (٢٣٦/١). انظر: ((الاستذكار)) (٢٨٣/٨). (٤) ((عمدة القاري)) (١٢٢/٨/٤). ٤٩١ ١٦ - كتاب الجنائز (٩) باب (٥٣٠) حديث ٢٦/٥٣٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ عَلَى الْجَنَازَةِ إِلََّ وَهُوَ طَاهِرٌ. بحديث عبد الله بن أبي أوفى أنه يسلم عن يمينه وشماله، فلما انصرف قال: لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله وَله يصنع أو هكذا يصنع، رواه البيهقي، وقال الحاكم: حديث صحيح، وفي ((المصنف)) بسند جيد عن جابر بن زيد والشعبي وإبراهيم النخعي: أنهم كانوا يسلمون تسليمتين، وفي ((المعرفة)): روينا عن ابن مسعود أنه قال: ثلاث كان رسول الله و 18 يفعلهن، تركهن الناس، إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليمتين في الصلاة، وقال قوم: يسلم تسليمة واحدة، روي ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، قال: وهو قول أحمد وإسحاق. ثم هل يُسِرُّ بها أو يجهر؟ فعن جماعة من الصحابة والتابعين إخفاؤها، وعن مالك يسمع بها من يليه، وعن أبي يوسف: لا يجهر كل الجهر ولا يُسِرُّ كل الإسرار، انتهى. وقال العيني أيضاً: قال ابن عبد البر: لا خلاف علمته بين العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الفقهاء في السلام، وإنما اختلفوا هل هي واحدة أو اثنتان؟ فالجمهور على تسليمة واحدة، وقالت طائفة: تسليمتان وهو قول أبي حنيفة والشافعي وهو قول الشعبي ورواية عن إبراهيم، قال ابن التين: سأل أشهب مالكاً: أتكره السلام في صلاة الجنائز؟ قال: لا. وقد كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يسلم (١)، قال: فاستناد مالك - رضي الله عنه - إلى فعل ابن عمر - رضي الله عنهما - دليل على أنه وَّي لم يسلم في صلاته على النجاشي ولا على غيره، قلت: لكنه استدلال بعدم الذكر على ذكر العدم، فتأمل. ٢٦/٥٣٠ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان يقول: لا يصلي الرجل على الجنازة إلا وهو طاهر) من الحدث الأكبر (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٨٢/٨). ٤٩٢ ١٦ - كتاب الجنائز (٩) باب (٥٣٠) حديث والأصغر ونقل ابن عبد البر(١) الاتفاق على اشتراط الطهارة فيها إلا عن الشعبي؛ لأنه دعاء واستغفار فيجوز بلا طهارة، ووافقه إبراهيم بن علية وهو ممن يرغب عن كثير من قوله، ونقل غيره أن ابن جرير وافقهما وهو مذهب شاذ، قاله الزرقاني. قال ابن رشد (٢): اتفق الأكثر على أن من شرطها الطهارة كما اتفق جميعهم على أن من شرطها القبلة. واختلفوا في جواز التيمم لها إذا خيف فواتها، فقال قوم: يتيمم ويصلي لها إذا خاف الفوات، وبه قال أبو حنيفة وسفيان والأوزاعي وجماعة، وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يصلي عليها بتيمم، وشَذّ قوم فقالوا: يجوز أن يصلي على الجنازة بغير طهارة، وهو قول الشعبي، وهؤلاء ظنوا أن اسم الصلاة لا يتناول صلاة الجنازة، وإنما يتناولها اسم الدعاء إذا كان ليس فيها ركوع ولا سجود، انتهى. وقد سمى ◌َّ الصلاة على الجنازة صلاة، في نحو قوله: ((صلّوا على صاحبكم))، وقوله في النجاشي: ((صلوا عليه))، قال ابن المرابط: قد سماها رسول الله وَّل صلاة ولو كان الغرض الدعاء وحده ما أخرجهم إلى المصلى ولَدَعَا في المسجد وأمرهم بالدعاء معه، أو التأمين على دعائه، ولما صفّهم خلفه كما يصنع في الصلاة المفروضة والمسنونة، انتهى. وأخرج البخاري في (صحيحه)): كان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يصلي إلا طاهراً. قال ابن بطال: كأن غرض البخاري بهذا الرد على الشعبي، والفقهاء مجمعون في السلف والخلف على خلاف قوله، انتهى. ((عيني))(٣). (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٨٣/٨). (٢) ((بداية المجتهد)) (١/ ٢٤٣). (٣) ((عمدة القاري)) (١٢٣/٨/٤). ٤٩٣ ١٦ - كتاب الجنائز (٩) باب (٥٣٠) حدیث قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: لَمْ أَرَ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْعِلْم يَكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى وَلَدِ الزِّنَا وَأَمِّهِ. (قال يحيى: سمعت مالكاً يقول: لم أر أحداً من أهل العلم يكره أن يصلي على ولد الزنا وأمه) قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن ولد الزنا من جملة المسلمين، والموالاة لا تنقطع بيننا وبين أهل الكبائر وكيف ولا ذنب لولد الزنا في أمره؟ وهذا قول جمهور الفقهاء إلا قتادة فقال: لا يصلى عليه، أما أمه فإنه يصلى عليها أيضاً غير أنه يستحب أن يجتنب الصلاة عليها أهل الفضل والعلم، انتهى. قال ابن عبد البر (٢): ولا أعلم فيه خلافاً، وروي أنه وَ لّ صلى على ولد الزنا وأمه ماتت من نفاسها، انتهى. قال الأبي(٣): مذهب مالك والكافة أنه يصلى على كل مسلم ومرجوم ومحدود وعلى قاتل نفسه وولد الزنا وغير هؤلاء، إلا ما روي عنه أن الإمام يجتنبها على من قتله في حد وأن أهل الفضل يجتنبوها على مظهر الفسوق والكبائر ردعاً لأمثالهم، وعن أحمد: لا يصلي الإمام على قاتل نفسه ولا على غَالٍ، وعن أبي حنيفة: لا يصلى على المحارب ولا على من قتل من الفئة الباغية. وعن الشافعي: لا يصلى على من قتل لترك الصلاة ويصلى على من سواه، وعن الحسن: لا يصلى على النفساء من زنا تموت بنفاسها ولا على ولدها، انتهى. قال الشوكاني (٤): قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي: لا يصلى على الفاسق تصريحاً أو تأويلاً ووافقهم أبو حنيفة وأصحابه في الباغي والمحارب ووافقهم الشافعي - في قولٍ له - في قاطع الطريق، وذهب مالك والشافعي (١) ((المنتقى)) (٢٠/٢). (٢) ((الاستذكار)) (٢٨٤/٨). (٣) (١٠٦/٣). (٤) ((نيل الأوطار)) (٧٠٠/٢). .......... ۔۔ ٤٩٤ --- ١٦ - كتاب الجنائز (٩) باب (٥٣٠) حديث وأبو حنيفة وجمهور العلماء إلى أنه يصلى على الفاسق، وأجابوا عن حديث جابر بن سمرة؛ أن رجلاً قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه النبي ◌َّر، رواه الجماعة إلا البخاري بأن النبي 18 إنما لم يصل عليه بنفسه زجراً للناس وصلت عليه الصحابة، ويؤيد ذلك ما عند النسائي: أما أنا فلا أصلي، وقال أيضاً: قال النووي: قال القاضي: مذهب العلماء كافة: الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا، انتهى. ويتعقب بأن الزهري يقول: لا يصلى على المرجوم. وقتادة يقول: لا يصلى على ولد الزنا. وقال الإمام(١): ما نعلم أن النبي وَلّل ترك الصلاة على أحد إلا على الغالّ وقاتل نفسه، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٢) من فروع الحنفية: هي فرض على كل مسلم مات خلا أربعة: بُغَاة وقُطَّاع طريق فلا يُغسلوا ولا يصلى عليهم إذا قتلوا في الحرب ولو بعده صلي عليهم؛ لأنه حد أو قصاص. وكذا أهل عصبية ومكابر في مصر ليلاً بسلاح وخناق خنق غير مرة ((وهو مفاد صيغة المبالغة)) فحكمهم كالبغاة، ومن قتل نفسه ولو عمداً يغسل ويصلى عليه، به يفتى وإن كان أعظم وزراً من قاتل غيره، ورجح الكمال قول الثاني - أي أبي يوسف - من أنه يغسل ولا يصلى عليه. بما في مسلم (٣): أنه عليه الصلاة والسلام، أتي برجل قتل نفسه فلم يصل عليه، ولا يصلى على قاتل أحد أبويه إهانة له، وألحقه في (النهر)) بالبغاة، انتهى. وأخرج الطحاوي في ((مشكله))(٤) روايات صلاته وضّل على المرجومة وتركه ٤ الصلاة على المرجوم، ثم قال: فتأملنا جميع ما روينا في كل واحد (١) أي الإمام أحمد. (٢) (٢٢٨/٢). (٣) أخرجه مسلم (٩٧٨). (٤) (شرح مشكل الآثار)) (٣٧٨/١). ٤٩٥ ١٦ - كتاب الجنائز (١٠) باب (٥٣١) حديث (١٠) باب ما جاء في دفن الميت ٢٧/٥٣١ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ تُوُفِّيَ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، من هذين المرجومين في الزنا في صلاة رسول الله ومدير على من صلى عليه منهما، وفي تركه على من ترك الصلاة عليه منهما، لأي معنى كان ذلك منه، فوجدنا المرأة التي رجمها لإقرارها عنده بالزنا، كان منها للَّه تعالى في إقرارها عنده بذلك جُودٌ بنفسها، وبذلٌ منها نفسها لإقامة الواجب في ذلك الزنا عليها وفي صبرها على ذلك، حتى أخذ منها فوجب حمدها فصلى عليها، إذ كانت من سنته وَّل صلاته على المحمودين من أمته. ووجدنا ما كان من الرجل الذي كان أقر عنده بالزنا بخلاف ذلك؛ لأنه لم يجئ إليه باذلاً لنفسه في رجمه إياه الذي يكون به موته، وإنما جاء لأنه يرى أنه لا يفعل ذلك به، ومن سنته والر أن لا يصلي على المذمومين من أمته كما لم يصل على قاتل نفسه وإن كان مسلماً، وكما لم يصلِّ على الغال من الغُزاة معه بخيبر، انتهى. (١٠) ما جاء في دفن الميت ٢٧/٥٣١ - (مالك، أنه بلغه) قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أعلمه يروى على هذا النسق بوجه من الوجوه غير بلاغ مالك هذا، ولكنه صحيح من وجوه مختلفة وأحاديث شتى جمعها مالك، كذا في ((التنوير))(١). (أن رسول الله ﴿ توفي يوم الاثنين) كما في ((الصحيح)) عن عائشة وأنس ولا خلاف فيه بين العلماء، قاله الزرقاني(٢)، وكذا حكى عليه الإجماع غير واحد من أهل العلم. (١) ((تنوير الحوالك)) (٢٢٩/١). انظر: ((التمهيد)) (٣٩٤/٢٤). (٢) (٦٥/٢). ٤٩٦ - --- ١٦ - كتاب الجنائز (١٠) باب (٥٣١) حديث قال الطبري في ((تاريخه)): أما اليوم الذي مات فيه رسول الله وَل فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار فيه أنه كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، غير أنه اختلف في أي الأثانين كان موته وَ لّر، قال الحافظ في ((الفتح)): وكانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف من ربيع الأول وكاد يكون إجماعاً، لكن في حديث ابن مسعود عند البزار في حادي عشر رمضان، انتهى. قلت: لكن الصواب الأول، نعم. اختلفوا في تاريخ الشهر على أقوال، والمشهور عند أهل الفن الثاني عشر، قال القاري في ((شرح الشمائل)) (١): جزم ابن إسحاق وابن سعد وابن حبان وابن عبد البر بأنه كان لاثنتي عشرة ليلة خلت منه، وبه جزم ابن الصلاح والنووي في ((شرح مسلم)) وغيره والذهبي في ((العبر)) وصححه ابن الجوزي، وقال موسى بن عقبة: في مستهل الشهر، وبه جزم ابن الزبير في ((الوفيات))، ورواه أبو الشيخ ابن حبان في ((تاريخه)) عن الليث بن سعد، وقال سليمان التيمي: لليلتين خلتا منه، وروى البيهقي في ((دلائل النبوة)) بإسناد صحيح إلى سليمان التيمي: أن رسول الله وَلل مرض لاثنتين وعشرين ليلة من صفر، وكان أول يوم مرض فيه يوم السبت، وكانت وفاته اليوم العاشر يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، انتهى. قلت: وهو المرجح عندي إلى الآن وهو مختار الحافظ في ((الفتح)) (٢) إذ قال بعد حكاية الأقوال المختلفة: فالمعتمد ما قال أبو مخنف: يعني ثاني الربيع الأول، قال: وكان سبب غلط غيره، أنهم قالوا: مات في ثاني شهر ربيع الأول، فتغيرت فصارت ثاني عشر، واستمر الوهم بذلك يتبع بعضهم بعضاً من غير تأمل، انتهى. (١) (٢٠٢/٢). (٢) ((فتح الباري)) (١٢٩/٨). ٤٩٧ ١٦ - كتاب الجنائز (١٠) باب ----- (٥٣١) حديث وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ، وسبب اختيار ذلك الإشكال القوي الذي يقع على قول الجمهور أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس، إذ حجته وُّ وقعت في الجمعة بلا خلاف، فمهما فرضت الشهور الثلاثة توامّ أو نواقص أو بعضها، لم يصح الثاني عشر، وهو ظاهر لمن تأمله، وأجيب عن هذا الإشكال عن الجمهور بأقوال غير شافية، منها اختلاف المطالع بين أهل مكة والمدينة وغير ذلك مما ذكرها الحافظ وغيره. وبوّب البخاري على معنى حديث الباب: ((باب موت یوم الاثنین)). قال العيني(١): أي هذا باب في بيان فضل الموت يوم الاثنين، قال الزين بن المنير: وقت الموت ليس لأحد فيه اختيار، لكن في التسبب في حصوله مدخل كالرغبة إلى الله لقصد التبرك، فمن تحصل له الإجابة أثيب على اعتقاده، وكأن الخبر الذي ورد في فضل الموت يوم الجمعة لم يصح عند البخاري، فاقتصر على ما وافق شرطه، وأشار إلى ترجيحه على غيره، والحديث الذي أشار إليه، أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر))، وفي إسناده ضعف، وأخرجه أبو يعلى من حديث أنس نحوه وإسناده أضعف، قاله الحافظ (٢). قلت: ولا مانع من أن يكون لموت يوم الجمعة فضيلة الوقاية عن العذاب ولموت يوم الاثنين فضائل أخرى لما اختاره الله عز وجل لموت حبيبه. (ودفن يوم الثلاثاء) اختلف في وقت دفنه وَّ ففي ((الموطأ)) ما تقدم، وروي عن عائشة أنها قالت: ما علمنا بدفن رسول الله مَّر حتى سمعنا صوت المساحي ليلة الثلاثاء في السحر، وروي عن محمد بن إسحاق أنه قال: قُبِض (١) ((عمدة القاري)) (٢٢٨/٨/٤). (٢) (فتح الباري)) (٢٥٣/٣). ٤٩٨ ---- ١٦ - كتاب الجنائز (١٠) باب (٥٣١) حديث رسول الله وَم يوم الاثنين. فمكث ذلك اليوم وليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء ودفن في الليل، أي ليلة الأربعاء، وقيل: دفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس، وفي ((كفاية الشعبي)): صلوا عليه يوم الأربعاء ثم دفن، وفي ((تفسير الزاهدي)): توفي يوم الاثنين ودفن يوم الخميس، كذا في ((تاريخ الخميس)) (١)، قال المناوي: ليلة الأربعاء عليه الأكثر، ووراءه أقوال، وكذا حكى القاري عن ((جامع الأصول)) أنه هو الأكثر، وقال ابن كثير: القول بدفنه يوم الثلاثاء غريب. والمشهور عن الجمهور أنه دفن ليلة الأربعاء، انتهى. قال الزرقاني(٢): ولا غرابة فيه، وقد جاء عن علي وابن المسيب وأبي سلمة، انتهى. قلت: أخرج الترمذي في ((شمائله)) حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: توفي رسول الله وقَّ يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، قال المناوي: قلّ من ذهب إليه، وقال القاري: قيل هذا سهو من شريك الراوي، وقيل: يجمع بينهما بأن الحديث الأول باعتبار الانتهاء والثاني باعتبار الابتداء، يعني الابتداء بتجهيزه في يوم الثلاثاء وفراغ الدفن من آخر ليلة الأربعاء، انتهى. ثم الوجه في تأخير تدفينه مع استحباب التعجيل أن الناس لم يكن فيهم نبي قبله كما وقع مصرحاً في الروايات، فوقع الاضطراب بينهم كأنهم أجساد بلا أرواح، وأجسام بلا عقول، حتى إن منهم من صار عاجزاً عن النطق، ومنهم من صار ضعيفاً نحيفاً، وبعضهم صار مدهوشاً. وشك بعضهم في موته، وكان محل الخوف من هجوم الكفار، وتوهم وقوع المخالفة في أمر الخلافة، فاشتغلوا بالأمر الأهم وهو البيعة لما يترتب على تأخيرها من الفتنة، وليكون لهم إمام يرجعون إليه فيما ظهر لهم من القضية، فنظروا في الأمر، فبايعوا (١) (٢٧٢/٢). (٢) (٦٦/٢). ٤٩٩ ١٦ - كتاب الجنائز (١٠) باب (٥٣١) حديث وَصَلَّى النَّاسُ عَلَيْهِ أَقْذَاذَاً، لا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ. أبا بكر - رضي الله عنه -، ثم رجعوا إلى النبي ◌َّ فغسلوه وصلّوا عليه ودفنوه بملاحظة رأي الصديق، قاله القاري في ((شرح الشمائل))(١). وقال الزرقاني(٢): إنما أخروا دفنه لاختلافهم في موته، أو في محل دفنه، أو لاشتغالهم في أمر البيعة بالخلافة، حتى استقر الأمر على الصديق، أو لدهشتهم من ذلك الأمر الهائل الذي ما وقع قبله ولا بعده مثله، أو لخوف هجوم عدو أو لصلاة جم غفير عليه على التعاقب، وقيل غير ذلك. قال الأبي في ((شرح مسلم)): استحب بعض العلماء تأخير التجهيز ما لم يخش التغير؛ لأنه و لو مات يوم الاثنين ودفن في جوف ليلة الأربعاء، واستحب الحسن أن ينتظر بالمغروق ثلاثاً، واستحب غيره تأخير تجهيز الغريق والمرضى الذين تنطبق لهم الودق وذوي الإسكانات، قال الأبي: والاحتجاج لذلك بتأخير تجهيزه ◌َ# لا يتم، لأنه اختلف في علة تأخيره كما تقدم. (وصلى عليه) بَّ (الناس أفذاذاً) جمع فذ (لا يؤمهم أحد) أخرجه البيهقي عن ابن عباس وابن سعد عن سهل بن سعد وعن ابن المسيب وغيره، وللترمذي: أن الناس قالوا لأبي بكر: أنصلي على رسول الله وَّ؟ قال: نعم، قالوا: وكيف نصلي؟ قال: يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يدخل قوم فيصلون فيكبرون ويدعون فُرادى، ولابن سعد عن علي - رضي الله عنه -: هو إمامكم حياً وميتاً فلا يقوم عليه أحد، قاله الزرقاني (٣). وقال الأبي: اختلف هل صلي عليه؟ فقيل: لم يصل عليه، وإنما كان الناس يدخلون فيدعون وينصرفون، وقيل: بل صلوا عليه أفذاذاً، واختلف في (١) (٢١٠/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٦٦/٢). (٣) (٦٦/٢). ٥٠٠ --