النص المفهرس
صفحات 441-460
١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٨) حديث لِلنَّاسِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، ((الطبقات)) لابن سعد: لما رجع رسول الله وَخير من الحديبية سنة ست أرسل إلى النجاشي سنة سبع في المحرم عمرو بن أمية الضمري، فأخذ كتاب النبي بَ﴾ فوضعه على عينيه ونزل عن سريره، فجلس على الأرض تواضعاً، ثم أسلم وكتب إلى النبي ◌ّليّ بذلك، وأنه أسلم على يدي جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وتوفي في رجب سنة ٩ هـ منصرفه من تبوك. فإن قلت: وقع في (صحيح مسلم)) كتب ◌َّ إلى النجاشي وهو غير النجاشي الذي صلى عليه، قلت: كأنه وهم من بعض الرواة، أو أنه عبر ببعض ملوك الحبشة عن الملك الكبير أو يحمل على أنه لما توفي قام مقامه آخر فکتب إلیه، انتھی. وفي ((الخميس)) عن ((المواهب)): هذا هو أصحمة الذي هاجر إليه المسلمون في رجب سنة خمس من النبوة، وكتب إليه النبي مَ ﴾ مع عمرو بن أمية الضمري سنة ست من الهجرة، وأسلم على يدي جعفر بن أبي طالب، وتوفي في رجب سنة تسع من الهجرة، ونعاه النبي 18َّ يوم توفي، وأما النجاشي الذي ولي بعده، وكتب إليه النبي وَلّر يدعوه إلى الإسلام، فكان كافراً لم يعرف إسلامه، ولا اسمه، وقد خلط بعضهم ولم يميز بينهما، انتهى. (للناس) أي أخبرهم بموته (في اليوم الذي مات) النجاشي (فيه) في رجب سنة تسع كما تقدم عن العيني وغيره، وبه قال ابن جرير وجماعة، وفي (الخميس))(١): ذكر الواقدي عن سلمة بن الأكوع أن النجاشي توفي في رجب سنة ٩ هـ منصرف رسول الله ( من تبوك. قال سلمة: صلى بنا رسول الله وال الصبح، ثم قال: ((إن أصحمة النجاشي قد توفي في هذه الساعة فاخرجوا بنا إلى المصلى حتى نصلي عليه))، قال سلمة: فحشد الناس، وخرجنا مع رسول الله وَّلّ يقدمنا وإنّا لَصُفوفٌ خلفه، وأنا في الصف الرابع، فكَبَّر بنا (١) ((تاريخ الخميس)) (٣٠/٢). ٤٤١ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٨) حديث وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، أربعاً، كذا في ((الاكتفاء))، انتهى. وقيل: كان قبل الفتح (وخرج بهم) أي بالناس بعد صلاة الصبح كما تقدم قريباً (إلى المصلى) وفي رواية ابن ماجه: فخرج وأصحابه إلى البقيع، قال الحافظ: والمراد بالبقيع بقيع بطحان، أو يكون المراد بالمصلى موضعاً معدّاً للجنائز ببقيع الغرقد غير مصلى العيدين، والأول أظهر، انتهى. وقال أيضاً: حكى ابن بطال عن ابن حبيب: أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقاً بمسجد النبي ◌َّلّ من ناحية جهة المشرق فإن ثبت ما قال، وإلا فيحتمل أن يكون المراد المصلى المتخذ للعيدين والاستسقاء، انتهى. (فصف بهم) لازم والباء بمعنى مع، أي صف معهم أو متعدٍّ والباء زائدة للتوكيد أي صفهم، قاله الزرقاني، قال الباجي: فيه دليل على أن من سنة هذه الصّلاة الصف كسائر الصّلوات ويتقدمهم إمامهم، لأن هذه سنة كل صلاة شرع الصف لها، ولما روي أن النبي وَلّ مر على قبر منبوذ فأمّهم وصلّوا خلفه، انتهى . وبوّب البخاري في ((صحيحه)) بالصفوف والإمام. قال الحافظ (١): كأنَّ البخاري أراد الرد على مالك، فإن ابن العربي نقل عنه أنه استحب أن يكون المصلون على الجنازة سطراً واحداً، قال: ولا أعلم لذلك وجهاً، ففي حديث مالك بن هبيرة عند أبي داود وغيره مرفوعاً: ((من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب))، حسنه الترمذي وصححه الحاكم، وقال أبو الزبير عن جابر: كنت في الصف الثاني، يعني في قصة الصلاة على النجاشي، علّقه البخاري ووصله النسائي، وغير ذلك من الآثار والروايات التي أشار إليها الحافظ. (١) (فتح الباري)) (١٩١/٣). ٤٤٢ 11- ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٨) حديث وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ . أخرجه البخاريّ في: ٢٣ - كتاب الجنائز، ٤ - باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه . ومسلم في: ١١ - كتاب الجنائز، ٢٢ - باب في التكبير على الجنازة، حديث ٦٢. (وكَبَّر أربع تكبيرات) فيه أن تكبير صلاة الجنائز أربع وهو المقصود من الحديث. قاله الزرقاني(١). وفي الحديث ثلاث مسائل؛ إحداها: ما قاله العيني(٢): إن في الحديث حجة للحنفية والمالكية في منع الصلاة على الميت في المسجد، لأنه وّر خرج بهم إلى المصلى فصف بهم وصلى، ولو ساغ أن يصلى عليه في المسجد لما خرج بهم إلى المصلى، قلت: وسيأتي البسط في ذلك في محله قريباً . وثانيتها: أنه لم يذكر في هذه القصة السلام في الصلاة، واستدل به بعضهم على أنه ◌َّ لم يُسَلِّم في هذه الصلاة، والأئمة متفقة على السلام فيها، لكنهم اختلفوا في العدد كما سيأتي الكلام عليها في أثر ابن عمر - رضي الله عنهما -. ثالثتها: ما قاله الزرقاني: إن في الحديث الصلاة على الميت الغائب عن البلد، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر السلف، وقال الحنفية والمالكية: لا تشرع، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء. قال الحافظ(٣): وعن بعض أهل العلم: إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه الميت، أو ما قرب منه، لا ما إذا طالت المدة، حكاه ابن عبد البر. (١) ((شرح الزرقاني)) (٥٨/٢). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (١٦١/٦). (٣) ((فتح الباري)) (١٨٨/٣). ٤٤٣ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٨) حديث وقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة، فلو كان بلد الميت مستدبر القبلة مثلاً لم يجز، انتهى. وقال ابن رشد في ((البداية)) (١): أكثر العلماء على أنه لا يصلى إلا على الحاضر، وقال بعضهم: يصلى على الغائب لحديث النجاشي، والجمهور على أنه خاص بالنجاشي وحده، انتهى. وقال الشيخ ابن القيم(٢): لم يكن من هديه ◌ّ الصلاة على كل ميت غائب، فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيّب فلم يصل عليهم، وصح عنه ◌َ ◌ّ أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت. فاختلف في ذلك على ثلاثة طرق؛ أحدها: أن هذا تشريع منه، وسنة للأمة الصلاة على كل غائب، وهذا قول الشافعي وأحمد - رحمهما الله - في إحدى الروايتين عنه، وقال أبو حنيفة ومالك - رحمهما الله -: هذا خاص به، وليس ذلك لغيره. قال أصحابهما: ومن الجائز أن يكون رُفِع له سريره، فصلى عليه وهو يرى صلاته على الحاضر المشاهد، وإن كان على مسافة من البعد، والصحابة وإن لم يروه، فهم تابعون للنبي ◌ّ. قالوا: ويدل على هذا أنه لم ينقل أنه كان يصلي على كل الغائبين غيره، وتركُه سنة، كما أن فعله سنة، ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يعاين سرير الميت من المسافة البعيدة، ويُرفع له حتى يصلي عليه . فَعُلِم أن ذلك مخصوص به، وقد روي: أنه صلى على معاوية وهو (١) ((بداية المجتهد)) (٢٤٢/١). (٢) ((زاد المعاد)) (٥٠٠/١). ٤٤٤ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٨) حديث غائب، ولكن لا يصح، فإن في إسناده العلاء بن زياد(١)، ويقال: زيدل. قال علي بن المديني: كان يضع الحديث، ورواه محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس، قال البخاري: لا يتابع عليه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الصواب: أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه، صلي عليه صلاة الغائب، كما صلى النبي ◌ّ على النجاشي، لأنه مات بين الكفار ولم يُصَلَّ عليه، وإن صُلِّ عليه حيث مات لم يُصَلَّ عليه صلاةَ الغائب، لأن الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه، والأقوال ثلاثة في مذهب أحمد، وأصحها: هذا التفصيل، والمشهور عند أصحابه الصلاة عليه مطلقاً، انتهى. وقال ابن عبد البر (٢): وقال الحنفية والمالكية: لا تشرع، وإنهم قالوا ذلك خصوصيته، ودلائل الخصوصية واضحة، لا يجوز أن يشركه فيها غيره؛ لأنه - والله أعلم - أحضر روحه بين يديه، أو رُفعت له جنازته حتى شاهدها، كما رُفع له بيت المقدس حين سألته قريش عن صفته، وعبّر غيره عن ذلك، بأنه كُشِف له عنه حتى رآه، فتكون صلاته كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف في جوازها، وقول ابن دقيق العيد: يحتاج هذا إلى النقل تُعُقِّب بأن الاحتمال كافٍ في مثل هذا من جهة المانع. ويؤيده ما ذكره الواحدي بلا إسناد عن ابن عباس، قال: كُشِفَ للنبي وَسـ صَلَى اللّه عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه، ولابن حبان عن عمران بن حصين: فقاموا وصفّوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه، ولأبي عوانة عن عمران بن حصين: فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا . (١) كذا في الأصل، وفي ((زاد المعاد)) زيد، والعلاء بن زيد وصفه الحافظ في ((التقريب)) بقوله: متروك، ورماه أبو الوليد بالكذب. (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٥٩/٢). ٤٤٥ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٨) حدیث وأجيب أيضاً: بأن ذلك خاص بالنجاشي لإشاعة أنه مات مسلماً أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياته إذ لم يأت في حديث: أنه صلى على ميت غائب، وأما حديث صلاته وَ لّ على معاوية بن معاوية الليثي، فجاء من طرق لا تخلو عن مقال، وعلى تسليم صلاحيته للحجية بالنظر إلى مجموع طرقه دفع بما ورد أنه وَّ رفعت له الحجب حتى شاهد جنازته. وابن العربي إمام المالكية تحامل عليهم وأشدّ الإنكار على الخصوصية، وقد جاء ما يؤيدهم بإسنادین صحیحین من حديث عمران. وأجيب أيضاً: بأنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد فتعينت الصلاة عليه لذلك، فإنه لم يصل على أحد مات غائباً من أصحابه، وبهذا جزم أبو داود واستحسنه الروياني، قال الحافظ: وهو محتمل، إلا أني لم أقف في شيء من الأخبار، على أنه لم يصل عليه في بلده أحد، انتهى. قال الزرقاني: وهو مشترك الإلزام، فلم يرو في شيء من الأخبار أنه صلى عليه أحد في بلده، كما جزم به أبو داود، ومحله في اتساع الحفظ معلوم، انتهى كلام الزرقاني(١) مختصراً. ولله دره أجاد موجزاً، وبهذا الوجه الأخير، جزم الخطابي إذ قال: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه، كذا في (البذل))(٢). --- - قلت: وبه استدل ابن رشد في ((مقدماته)) على كونها فرض كفاية، إذ قال: والدليل عليه أنه ونَ ﴿ صلى بالمدينة على النجاشي، إذ لم يكن له من يصلي عليه بموضعه الذي توفي فيه، انتهى. قال العيني (٣): ويدل على ذلك، (١) (٥٩/٢). (٢) ((بذل المجهود)) (١٧٥/١٤). (٣) ((عمدة القاري)) (١١٩/٨/٣). ٤٤٦ -. ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٨) حديث أي الخصيصة، أن النبي ◌َّ لم يصل على غائب غيره، وقد مات من الصحابة خلق كثير، وهم غائبون عنه وسمع بهم فلم يصل عليهم إلا غائباً واحداً، ورد أنه طويت له الأرض حتى حضره وهو معاوية بن معاوية المزني، روى حديثه الطبراني من حديث أبي أمامة. قال: «كنا مع رسول الله وَليل بتبوك فنزل جبرئيل، فقال: يا رسول الله، إن معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة، أتحب أن تطوى لك الأرض فتصلي عليه، قال: نعم، فضرب بجناحه على الأرض، ورفع له سريره فصلى عليه))، الحديث، انتهى. قال القاضي في ((الشفاء)): رفع له النجاشي حتى صلى عليه، قال القاري في ((شرح الشفاء)): أما حديث رفعه له فظاهره أن المرفوع هو على نعشه، حتى قيل: إنه أُخْضِر بين يديه فلم تقع الصلاة إلا على حاضر، وقيل: رفع له الحجاب، وطويت له الأرض حتى رآه. قال الدلجي: وجميع ما ذكر وإن كان ممكناً وقوعه فدعوى بلا بينة، إذا لم يشهد به كتاب ولا سنة، ومن ثَمَّ أنكره ابن جرير لعدم وجوده في خبر ورواية عالم في أثر، وإنما الوارد في رواية أبي علي والبيهقي أن معاوية بن معاوية المزني رفع له، وهو ◌َّ بتبوك حتى صلى عليه . ولا يخفى أن ثبوت هذه القضية في الجملة مع ذلك الاحتمال ينفي التعلق بفعله وّل في مقام الاستدلال. كيف وقد جاء في المروي ما يُومئ إليه، وهو ما رواه ابن حبان في (صحيحه))(١) من حديث عمران بن حصين: أنه وَثّة قال: ((إن أخاكم النجاشي توفي فقوموا وصلوا عليه، فقام عليه الصلاة والسلام، وصفّوا خلفه فكبّر أربعاً. وهم لا يظنون أن جنازته بين يديه))، فهذا اللفظ يشير إلى أن الواقع خلاف ظنهم. (١) أخرجه ابن حبان (٣١٠٢). ٤٤٧ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٩) حدیث ١٥/٥١٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ مِسْكِينَةً وقد صرح القسطلاني في ((شرح البخاري)) ناقلاً عن ((أسباب النزول)) للواحدي، عن ابن عباس قال: كشف للنبي ◌ّ عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه، وقال التلمساني: ذكر ابن قتيبة في (آداب الكتاب)) والكلاعي في ((النقاية)): أنه توفي، ورفع إلى رسول الله وَّل حتى صلى عليه حين منصرفه من غزوة تبوك، انتهى. قلت: وهذا كله على تقدير صحة الصلاة عليه، وحكى العيني عن ((المصنف)) عن الحسن: إنما دعا له ولم يُصَلّ، وعلى هذا فلا إشكال ولا جواب. ١٥/٥١٩ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي أمامة) بضم الهمزة، اسمه أسعد مشهور بكنيته (ابن سهل) بفتح فسكون (ابن حنيف) مصغر (أنه) أي أبا أمامة (أخبره) أي الزهري، قال ابن عبد البر(١): لم يختلف على مالك في ((الموطأ)) في إرسال هذا الحديث، وقد وصله موسى بن محمد بن إبراهيم القرشي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة عن رجل من الأنصار، وموسى متروك. -- وقد روى سفيان بن حسين هذا الحديث عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه، أخرجه ابن أبي شيبة، وهو حديث مسند متصل صحيح من غير حديث مالك من حديث الزهري وغيره، وروي من وجوه كثيرة عن النبي (مَلآ، كلها ثابتة من حديث أبي هريرة، وعامر بن ربيعة، وابن عباس، وأنس، وزيد بن ثابت الأنصاري، انتهى. (أن مسكينة) وفي حديث أبي هريرة في ((الصحيحين)) وغيرهما: أن رجلاً أسود، أو امرأة سوداء، كان يقُمُّ المسجدَ أي يجمع القمامة وهي الكناسة. قال (١) ((الاستذكار)) (٢٤٤/٨). ٤٤٨ .---- ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٩) حديث مَرِضَتْ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ وَله بِمَرَضِهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ يَعُودُ الْمَسَاكِينَ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: ((إِذَا مَاتَتْ فَآذِنُونِي بِهَا)) الحافظ(١): الشك فيه من ثابت أو من أبي رافع، رواه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، فقال: امرأة سوداء، ولم يشك، ورواه البيهقي بإسناد حسن من حديث ابن بريدة عن أبيه فسماها أم مِحْجن، وذكر ابن منده في الصحابة: خرقاء امرأة سوداء، كانت تقُمُّ المسجد، وقع ذكرها في حديث ثابت عن أنس، وذكرها ابن حبان في الصحابة بذلك بدون ذكر السند، فإن كان محفوظاً فهذا اسمها وكنيتها أم محجن، انتھی . وقال(٢) أيضاً في شرح ((باب الإذن بالجنازة)) في حديث ابن عباس قال: مات إنسان كان رسول الله ولم يعوده، الحديث. وقع في ((شرح الشيخ سراج الدين عمر بن الملقن)»: أنه الميت المذكور في حديث أبي هريرة الذي كان يقُمُّ المسجد وهو وهم منه لتغاير القصتين، وتقدم أن الصحيح في الأول أنها امرأة وأنها أم محجن، وأما هذا فهو رجل واسمه طلحة، انتهى. (مرضت فأخبر رسول الله ٤ بمرضها) قال الباجي: فيه دليل على اهتبال النبي ومله بأخبار ضعفاء المسلمين وتفقده لهم، ولذلك كان يخبر بمرضاهم، وقال أبو عمر: فيه التحدث بأحوال الناس عند العالم إذا لم يكن مكروهاً فيكون غيبة. (قال: وكان رسول الله (َليل يعود المساكين ويسأل عنهم) لمزيد تواضعه وحسن خلقه، ففيه عيادة النساء وإن لم يكن محرماً إن كانت متجالّة وإلا فلا، إلا أن يسأل عنها ولا ينظر إليها، قاله أبو عمر، كذا في الزرقاني (فقال رسول الله مَر: إذا ماتت فآذنوني) بالمد أي أعلموني (بها) لأشهد جنازتها (١) ((فتح الباري)) (١/ ٥٥٣). (٢) ((فتح الباري)) (١١٧/٣). ٤٤٩ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٩) حديث فَخُرِجَ بِجِنَازَتِهَا لَيْلاً، وأصلي عليها؛ لأن لها من الحق في بركة دعائه وَ لو ما للأغنياء، فماتت ليلاً، فأسرعوا في تجهيزها (فخرج بجنازتها ليلاً) وفيه جواز الدفن بالليل، وبه قال الجمهور، خلافاً للحسن إذ كرهه. قال القاري: لا خلاف في ذلك إلا ما شذَّ به الحسن البصري وتبعه بعض الشافعية، انتهى. وقال العيني(١): ذهب الحسن البصري وسعيد بن المسيب وقتادة وأحمد في رواية إلى كراهة دفن الميت بالليل لرواية جابر، وقال ابن حزم: لا يجوز أن يدفن أحد ليلاً إلا عن ضرورة، وكل من دفن ليلاً منه ◌َّ ومن أزواجه وأصحابه - رضي الله عنهم - فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك من خوف زحام أو خوف الحر على من حضر، وحرّ المدينة شديدٌ، أو خوف تغير، أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلاً، لا يحل لأحد أن يظن بهم خلاف ذلك، وذهب النخعي والزهري والثوري وعطاء، وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في الأصح، وإسحاق وغيرهم إلى أن دفن الميت بالليل يجوز، انتهى. وروى الترمذي من حديث ابن عباس: ((أن النبي ◌َّ دخل قبراً ليلاً فأسرج له بسراج فأخذ من القبلة، وقال: رحمك الله، إن كنت لأوّاهَاً، تَلاّءً للقرآن، وكبّر عليه أربعاً))، وقال: حديث ابن عباس حديث حسن، وقد رخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل. وروى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: ((رأى ناس ناراً في المقبرة فأتوها، فإذا رسول الله وَّر في القبر، وإذا هو يقول: ناولوني صاحبكم، فإذا هو الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر))، رواه الحاكم، وصححه، وقال النووي: سنده على شرط الشيخين، وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بسنده عن أبي ذر، قال: كان رجل يطوف بالبيت، يقول: اوه اوه، قال أبو ذر: فخرجت ذات ليلة فإذا النبي ◌ّر في المقابر، يدفن ذلك الرجل ومعه مصباح، كذا في ((العيني)). (١) ((عمدة القاري)) (١٥١/٨/٤). ٤٥٠ ------- ------------ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٩) حديث وبوَّب البخاري في ((صحيحه)) ((الدفن بالليل)) قال الحافظ (١): أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من منع ذلك محتجّاً بحديث جابر: ((أن النبي ◌َّ زجر أن يقبر الرجل ليلاً إلا أن يضطر إلى ذلك))، أخرجه ابن حبان، لكن بيَّنَ مسلم في روايته السبب في ذلك، ولفظه: ((أن النبي ◌َل﴾ خطب يوماً فذكر رجلاً من أصحابه قبض وكفن في كفن غير طائل وقبر ليلاً، فزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه، إلا أن يضطرَّ إنسان إلى ذلك، وقال: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه))، فدل على أن النهي بسبب تحسين الكفن، وقوله: حتى يصلي، مضبوط بكسر اللام، أي النبي وَل﴿، فهذا سبب آخر يقتضي أنه إن رُجي بتأخير الميت إلى الصباح صلاة من تُرْجَى بركته عليه استحب تأخيره، وإلا فلا، وبه جزم الطحاوي. واستدل البخاري للجواز بما ذكر من حديث ابن عباس، لأنه وَلّ لم ينكر دفنهم إياه بالليل، بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره، وأيد ذلك بما صنع الصحابة بأبي بكر - رضي الله عنه -، وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز، انتهى . وجمع العيني(٢) بين هذه الروايات وبين حديث جابر، بأنه يحتمل أن يكون نهي عن ذلك أولاً ثم رخص، وقال النووي: المنهي عنه الدفن قبل الصلاة، قال العيني: الدفن قبل الصلاة منهي عنه مطلقاً، سواء كان بالليل أو بالنهار، والظاهر أن النهي عن الدفن بالليل ولو بعد الصلاة، ولرواية ابن ماجه عن جابر مرفوعاً: ((لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا))، انتهى. وقال أيضاً في موضع آخر: قال الطحاوي: النهي ليس لأجل كراهة (١) ((فتح الباري)) (٢٠٧/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (١٢١/٨/٤). ٤٥١ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٩) حديث فَكَرِهُوا أَنْ يُوقِظُوا رَسُولَ اللَّهِ فَله، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ أُخْبِرَ بِالَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِهَا. فَقَالَ: ((أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ تُؤْذِنُونِي بِهَا؟))، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَرِهْنَا أَنْ نُخْرِجَكَ لَيْلاً، وَنُوقِظَكَ. الدفن بالليل، ولكن لإرادة رسول الله وَله أن يصلي على جميع المسلمين، لما يكون لهم في ذلك من الفضل، وذكر عن الحسن: أن قوماً كانوا يسيئون أكفان موتاهم فيدفنونهم ليلاً، فنهى النبي ◌َّر لذلك، انتهى. قلت: والأوجه عندي أن النهي للشفقة على المعالجين بالدفن أو الميت، فإن ظلمة الليل سيما في ذاك الزمان لفقدان أسباب التنوير تزيد المشقة في الدفن، وقد يحتمل سقوط الميت ولا يبعد التأذي من الهوام. (فكرهوا أن يوقظوا رسول الله وَل) إجلالاً لشأنه الأكبر، بل كان ومي و لا يوقظ عن منامه لاحتمال الوحي، (فلما أصبح رسول الله ﴿ ﴿ أخبر) ببناء المجهول (بالذي كان من شأنها) بعد سؤاله عنها، كما في رواية ابن أبي شيبة، وكان الذي أجاب عن سؤاله أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، قاله الحافظ (فقال) مدير: (ألم آمركم أن تؤذنوني بها) قال ذلك تنبيهاً لما فات عنهم من امتثال أمره الشريف (فقالوا) اعتذاراً لما فعلوا: (يا رسول الله كرهنا أن نخرجك) من الإخراج بالخاء والجيم المعجمتين في جميع النسخ الموجودة عندنا (ليلاً) أي في ظلمة الليل (ونوقظك) ولابن أبي شيبة فقالوا: أتيناك لنؤذنك بها فوجدناك نائماً، فكرهنا أن نوقظك وتخوفنا عليك ظلمة الليل وهوامّ الأرض. ولا ينافي هذا قوله في حديث أبي هريرة عند البخاري: فحقّروا شأنها وكأنهم صغّروا أمرها، زاد عامر بن ربيعة قال: فقال رسول الله وَ ل: ((فلا تفعلوا ادعوني لجنائزكم))، رواه ابن ماجه. وفي حديث زيد بن ثابت قال: ((لا تفعلوا، لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلاّ آذنتموني به، فإن صلاتي عليه له رحمة)). أخرجه أحمد، قاله الزرقاني(١). (١) ((شرح الزرقاني)) (٦٠/٢). ٤٥٢ .--- -* --- ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٩) حدیث فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿، حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ عَلَى قَبْرِهَا، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِرَاتٍ . قال ابن عبد البرّ: لم يختلف على مالك، في الموطأ، في إرسال هذا الحديث . وقد جاء معناه موصولاً عن أبي هريرة. أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٧٢ - باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان . ومسلم في: ١١ - كتاب الجنائز، ٢٣ - باب الصلاة على القبر، حديث ٧١. (فخرج رسول الله ◌َّ حتى صف بالناس على قبرها) فصلى (وكبر أربع تكبيرات) وفيه الترجمة، وأما الصلاة على القبر فقال بمشروعيتها الجمهور، منهم: الشافعي، وأحمد، وابن وهب، ومالك، في رواية شاذة والمشهور عنه منعه، وبه قال أبو حنيفة، والنخعي، وجماعة، وعنهم: إن دفن قبل الصلاة شرع وإلا فلا، قاله الزرقاني. قال العيني في شرح البخاري (١): قال أحمد، وإسحاق: يصلى على القبر إلى شهر، وللشافعية في ذلك ستة أوجهٍ ذكرها العيني، منها كقول أحمد، ومنها إلى ثلاثة أيام، وهو قول أبي يوسف، ومنها ما لم يَبْلَ جسده، وقال ابن التين: جمهور أصحاب مالك على الجواز، خلافاً لأشهب وسحنون فإنهما قالا: إن نسي أن يصلي على الميت فلا يصلي على قبره وليدع له. وقال ابن القاسم وسائر أصحابنا: يصلى على القبر إذا فاتت الصلاة على الميت، فإذا لم تفت وكان قد صلي عليه فلا يصلى عليه. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وداود وسائر أصحاب الحديث: ذلك جائز، وكرهها النخعي، والحسن، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، (١) ((عمدة القاري)) (٢٦/٨/٤). ٤٥٣ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٩) حدیث والليث بن سعد، قال ابن القاسم: قلت لمالك: فالحديث الذي جاء في الصلاة عليه قال: قد جاء وليس عليه العمل، انتهى. وقال الأبي في ((الإكمال)): مشهور قول مالك المنع، والشاذُّ جوازها فیمن دُفن بغير صلاة، انتهى. قال الزرقاني(١). وأجابوا عن الحديث بأن ذلك من خصائصه، ورده ابن حبان، بأن ترك إنكاره 1853 على من صلى معه على القبر دليل على جوازه لغيره، وأنه ليس من خصائصه. وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلاً للأصالة، والدليل على الخصوصية ما زاده مسلم وابن حبان في حديث أبي هريرة ((فصلى على القبر ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم))، وفي حديث زيد بن ثابت المذكور قريباً: ((فإن صلاتي عليه له رحمة))، وهذا لا يتحقق في غيره، وقال مالك: ليس العمل على حديث السوداء، قال أبو عمر: يريد عمل المدينة، وما حكي عن بعض الصحابة والتابعين من الصلاة على القبر، إنما هي آثار بصرية وكوفية، ولم نجد عن مدني من الصحابة، فمن بعدهم أنه صلى على القبر، انتهى. واستدل به على ردّ التفصيل بين من صلي عليه فلا يصلى عليه بأن القصة وردت فيمن صلي عليه، وأجيب: بأن الخصوصية تنسحب على ذلك، قال ابن عبد البر(٢): أجمع من يرى الصلاة على القبر أنه لا يصلى عليه إلا بقرب دفنه، وأكثر ما قالوا في ذلك شهرٌ، وقال غيره: اختلف في أمد ذلك، فقيده بعضهم بشهر، وقيل: ما لم تَبْلَ الجثة، وقيل: يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه حين موته، وهذا هو الراجح عند الشافعية، وقيل: يجوز أبداً، (١) (٦٠/٢ - ٦١). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥١/٨). ٤٥٤ -- ---- ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥١٩) حديث ومحل الخلاف ما عدا قبور الأنبياء، فلا يجوز الصلاة عليها، لأنا لم نكن من أهل الصلاة عند موتهم، انتهى. وحكى القاري (١) عن ابن الهمام، في الحديث دليل على أن لمن لم يصل أن يصلي على القبر وإن لم يكن الولي، وهو خلاف مذهبنا ولا مخلص إلا بادّعاء أنه لم يكن صلي عليها أصلاً، وهو في غاية من البعد من الصحابة، انتهى. قال: والأقرب أن يحمل على الاختصاص به وَلّ ووقعت صلاة غيره تبعاً له أو ممن لم يصل قبل. قال ابن رشد في ((البداية))(٢): وأما أبو حنيفة فإنه جرى في ذلك على عادته فيما أحسب، أعني من رد الأخبار الآحاد التي تعم بها البلوى إذا لم تنشر ولا انتشر العمل بها، وذلك أن عدم الانتشار إذا كان خبراً شأنه الانتشار قرينة تُوهن الخبر، وتُخرجه عن غلبة الظن بصدقه إلى الشك فيه أو إلى غلبة الظن بكذبه أو نسخه. قال القاضي: وقد تكلمنا فيما سلف من كتابنا هذا في وجه الاستدلال بالعمل، وفي هذا النوع من الاستدلال الذي يسميه الحنفية عموم البلوى، وقلنا : إنها من جنس واحد، انتهى. وذكر السيوطي في ((أنموذج اللبيب)): أنه ذكر بعض الحنفية أن في عهده وَيّ لا يسقط فرض الجنازة إلا بصلاته، فيؤول إلى أن صلاة الجنازة في حقه فرض عين، وفي حق غيره فرض كفاية، وبه يظهر وجه ما في رواية من صلاته عليه السلام على قبر مسكينة غير ليلة دفنها. وفي مرسل سعيد بن المسيب: أنه ﴿ه صلى على أم سعد بعد شهر؛ لأنه كان غائباً عند موتها، انتھی . (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٥٠/٤). (٢) (بداية المجتهد)) (٢٣٩/١). ٤٥٥ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥٢٠) حديث ١٦/٥٢٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابِ عَنِ الرَّجُلِ يُذْرِكُ بَعْضَ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ وَيَفُوتُهُ بَعْضُهُ؟ فَقَالَ: يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ ذُلِكَ. وقال الأبي(١): أجيب عن حديث السوداء بجوابين. الأول: أنه كان وعدها ذلك فصارت كالنذر، وهو ضعيف، لأن النذر إنما يوفى به إذا كان جائزاً. الثاني: أنه أمرهم أن يُؤذنوه فلما لم يعلموه وهو الإمام فكأنها دفنت دون صلاة. قال: والوجه عندي في الجواب أن ذلك خاص به عليه السلام لقوله عليه السلام: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة وإن الله ينورها بصلاتي عليهم))، انتهى. قال الإمام أحمد: رويت الصلاة على القبر عن النبي ◌َّر من ستة وجوه، حسان كلها. قال ابن عبد البر: بل من تسعة وجوه، كلها حسان وساقها كلها بأسانيدها في ((التمهيد))(٢) من حديث سهل بن حنيف وأبي هريرة وعامر بن ربيعة وابن عباس وزيد بن ثابت والخمسة في صلاته على المسكينة، وسعد بن عبادة في صلاته ويسير على أم سعد بعد دفنها بشهر. وحديث الحصين بن وحوح في صلاته عليه الصلاة والسلام على قبر طلحة بن البراء، وحديث أبي أمامة بن ثعلبة: رجع ◌َّ من بدر وقد توفيت أم أبي أمامة فصلى عليها، وحديث أنس: ((أنه وَ لّ صلى على امرأة بعدما دفنت)) وهو محتمل للمسكينة وغيرها، وكذا ورد من حديث بريدة عند البيهقي بإسناد حسن وهو في المسكينة فهي عشرة أوجه، قاله الزرقاني(٣). ١٦/٥٢٠ - (مالك، أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن الرجل يدرك بعض التكبير على الجنازة ويفوته بعضه؟ قال) الزهري (يقضي ما فاته من ذلك) أي من (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٩٠/٣). (٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٦٢/٦). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٦١/٢). ٤٥٦ ٠ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥٢٠) حدیث التكبير، وههنا أربع مسائل مختلفة عند الأئمة(١) الأولى في قضاء ما فات من التكبير، فقال مالك: وأكثر الفقهاء مثل قول الزهري، وقال ابن عمر - رضي الله عنهما - والحسن وربيعة والأوزاعي: لا يقضي، قاله الزرقاني. قال العيني(٢): وبه قال السختياني وأحمد في رواية: ولو جاء وكبر الإمام أربعاً ولم يسلم لم يدخل معه وفاتته الصلاة، وعند أبي يوسف والشافعي يدخل معه ويأتي بالتكبيرات نسقاً إن خاف رفع الجنازة. وفي ((المحيط)): عليه الفتوى، انتهى. قال الباجي(٣): إذا تم ما أدرك من صلاة الجنازة قضى ما فاته من التكبير خلافاً للحسن، والدليل على ما نقوله أن هذه صلاة، فإذا فات المأموم بعض أركانها قضاه بعد تمام ما أدرك مع الإمام كصلاة الفريضة، انتهى. قلت: وكذلك يقضي ما فاته عندنا الحنفية، كما بسطه في ((البدائع)) وغيره مفصلاً، وأخرج ابن أبي شيبة الآثار بكلا المعنيين. واختلفت نقلة المذاهب في بيان مسلك الحنابلة، فنذكر كلام ((الروض المربع)) (٤) جملة فقال: ومن فاته شيء من التكبير قضاه ندباً على صفته؛ لأن القضاء يحكي الأداء كسائر الصلوات، والمقضي أول صلاته، يأتي فيه بحسب ذلك، وإن خشي رفعها تابع التكبير، رفعت أم لا، وإن سلّم مع الإمام ولم يقضه صحت، لقوله عليه السلام لعائشة: ((ما فاتك لا قضاء عليك))، انتهى. (١) انظر: ((الدر المختار)) (٢٣٤/٢)، و((المغني)) (٤٩٤/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (١٩٠/٦). (٣) ((المنتقى)) (١٥/٢). (٤) (٣٤٤/١) . ٤٥٧ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥٢٠) حديث المسألة الثانية ما قاله الباجي(١): من جاء فوجد الإمام قد كبر بعض التكبير فلا يخلو أن يجده في حال تكبير، أو في حال دعاء، فإن وجده في حال تكبير كبر معه ما أدركه من التكبير، وإن وجده في حال دعاء فهل يكبر ويدعو، روى أشهب عن مالك في ((العتبية)): يكبر ويشرع في الدعاء، وروي عنه في («المدونة»: ينتظر حتى يكبر أخرى فيكبر معه. وجه رواية أشهب أن هذه الصلاة شبّهت بصلاة الفرض، ومن فاته في الفرض بعض صلاة الإمام دخل معه على أي حال وجده، ولم ينتظر أن يشرع في غيره فكذلك هذا. وجه الرواية الأخرى أن التكبير في هذه الصلاة كالركوع في غيرها، فمن فاته ركعة من صلاة الفرض لم يقدمها، ثم يدخل مع الإمام، بل كان يؤخر قضاءها حتى يكمل ما أدرك من صلاة الإمام. فكذلك هذا، يبدأ بما أدرك من التكبير مع الإمام. قال القاضي أبو الوليد: وجه ذلك عندي أن الخلاف إنما بني على فوات اتباع المأموم الإمام في التكبير، فعلى رواية أشهب يجوز للمأموم أن يتبع الإمام في التكبير ما لم تكمل التكبيرة التي تليها، وعلى الرواية الأخرى؛ يفوت اتباعه بالشروع في الدعاء، فإن شرع في الدعاء فقد فاته اتباعه، وليس من حكم صلاة الجنازة أن يعمل منها ما لم يعتدّ به، فلذلك لزم المأموم انتظار الإمام حتى يكبر، فيتبعه في تكبيرته تلك، إذ قد فاته اتباعه في التي قبلها بالشروع في الدعاء، اهـ. قلت: والمرجح عند المالكية كما يظهر من فروعهم هو رواية ((المدونة))، قال في ((الشرح الكبير))(٢): وصبر المسبوق وجوباً إذا جاء وقد فرغ الإمام ومأمومه إلى أن يكبر ولا يكبر حال اشتغالهم بالدعاء، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٥/٢). (٢) (٤١٣/١). ٤٥٨ ------ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥٢٠) حديث وفي ((الهداية)): ولو كبر الإمام تكبيرة أو تكبيرتين لا يكبر الآتي حتى يكبر أخرى بعد حضوره عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: يكبر حين يحضر؛ لأن الأولى للافتتاح والمسبوق يأتي به، ولهما: أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة والمسبوق لا يبتدىء بما فاته إذ هو منسوخ، ولو كان حاضراً فلم يكبر مع الإمام لا ينتظر الثانية بالاتفاق؛ لأنه بمنزلة المدرك، انتهى. وبسطه في «البدائع))(١) . قال العيني: وبقول أبي يوسف قال الشافعي وأحمد في رواية. وعن أحمد مُخَيَّرٌ. وقولهما هو قول الثوري والحارث بن يزيد، وبه قال مالك وإسحاق وأحمد في رواية، انتهى. وفي ((البدائع)): ولهما أي أبي حنيفة ومحمد ما روي عن ابن عباس أنه قال في الذي انتهى إلى الإمام وهو في صلاة الجنازة وقد سبقه الإمام بتكبيرة: إنه لا يشتغل بقضاء ما سبقه الإمام بل يتابعه، وهذا قول روي عنه ولم يرو عن غيره خلافه، فحل محل الإجماع، ولأن كل تكبيرة من هذه الصلاة قائمة مقام ركعة بدليل أنه لو ترك تكبيرة منها تفسد صلاته، كما لو ترك ركعة من ذوات الأربع، والمسبوق بركعة يتابع الإمام في الحالة التي أدركها، ولا يشتغل بقضاء ما فاته أولاً؛ لأن ذلك أمر منسوخ فکذلك ههنا . وأما المسألة الثالثة: فاختلف القائلون بقضاء ما سبق من التكبير، فقال مالك والليث وابن المسيب: يقضي نسقاً بلا دعاء بين التكبير، وقال أبو حنيفة: يدعو بين القضاء، واختلف فيه عن الشافعي، قاله الزرقاني. قلت: ذكر في ((شرح الإحياء)) القولين للشافعي، الأظهر الثاني يعني يأتي بالدعاء والذكر، وما حكوا عن الحنفية من إتيان الدعاء لا تساعده كتبنا، فإنهم (١) (٥٣/٢). ٤٥٩ ١٦ - كتاب الجنائز (٥) باب (٥٢٠) حديث قالوا: لا يأتي بالدعاء لاحتمال أن ترفع الجنازة فتبطل الصلاة، كما صرح به في (الشامي)) و ((الكبيري)) وغيرهما. وقال ابن رشد (١): اختلفوا في الذي يفوته بعض التكبير على الجنازة في مواضع، منها هل يدخل بتكبير أم لا؟ ومنها هل يقضي ما فاته أم لا؟ وإن قضى فهل يدعو بين التكبير أم لا؟ فاتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي على أنه يقضي ما فاته من التكبير إلا أن أبا حتيفة يرى أن يدعو بين التكبير المقضي، ومالك والشافعي يريان أن يقضيه نسقاً . وإنما اتفقوا على القضاء، لعموم قوله وَله: ((ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتِمُّوا))، فمن رأى أن هذا العموم يتناول التكبير والدعاء قال: يقضي التكبير، وما فاته من الدعاء، ومن أخرج الدعاء من ذلك إذ كان غير موقت قال: يقضي التكبير فقط إذا كان هو الموقت، فكان تخصيص الدعاء من ذلك العموم هو من باب تخصيص العام بالقياس، فأبو حنيفة أخذ بالعموم، وهؤلاء بالخصوص، انتھی . ------ . قلت: وقد تقدم أن فروع الحنفية على خلاف ذلك، وفي ((الشرح الكبير)) للمالكية: دعا ((أي المسبوق)) بعد سلام إمامه بعد كل تكبيرة إن تركت ((الجنازة)) وإلّ تترك بأن رفعت بفور والى بين التكبير ولا يدعو، انتهى. قلت: لكن الدسوقي حكى عن بعضهم توالي التكبير مطلقاً . وأما الرابعة: فإلى متى يقضي التكبير؟ قال العيني(٢): قال ابن حبيب: إذا ترك بعض التكبير جهلاً أو نسياناً أتم ما بقي من التكبير، وإن رُفعت إذا كان بقرب ذلك، فإن طال ولم تدفن أعيدت الصلاة عليها، وإن دفنت تركت، وفي (١) انظر: ((بداية المجتهد)) (٢٣٨/١). (٢) ((عمدة القاري)) (١٣٨/٨/٤). ٤٦٠ = ----- - --------