النص المفهرس

صفحات 401-420

١٦ - كتاب الجنائز
(١) باب
(٥٠٦) حديث
وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُوراً، أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ،
العكس، والثالثة بالماء والكافور فليس هو في لفظ الحديث. قال الحافظ(١):
وأعلى ما ورد في ذلك ما رواه أبو داود من طريق قتادة عن ابن سيرين أنه كان
يأخذ الغسل عن أم عطية فيغسل بالماء والسدر مرتين والثالثة بالكافور، انتهى.
قال العيني (٢): ولما غسلوا النبي مَلّ غسلوه بماء وسدر ثلاث مرات في
كلهن، قاله أبو عمر، انتهى. فهذه النصوص تأبى ما أولوه به.
(واجعلن في) الغسلة (الآخرة) بكسر الخاء (كافوراً) طيب معروف يكون
من شجر بجبال الهند والصين (أو شيئاً من كافور) شك من الراوي، والحكمة
في الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة
وغيرهم أن فيه تجفيفاً وتبريداً وقوة نفوذ وخاصية في تصليب بدن الميت، وطرد
الهوام عنه، وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه.
قلت: ومسالك الأئمة في ذلك مختلفة، أمّا عند الشافعية كما في ((شرح
الإقناع))(٣): يغسله ثلاث مرات في كل مرة بثلاث مياهٍ: الأولى بسدر أو
نحوه، والثانية بماء قُراح لم يخالطه شيء وهذه الغسلة هي المعدودة المعتبرة
عندهم؛ لأن غيرها متغير، والثالثة بماء قراح فيه قليل كافور، وهذه كلها غسلة
واحدة يفعل ذلك ثلاثاً فيصير الغسلة تسعاً.
وأما عند الحنابلة ففي ((الروض)) (٤): ويغسل برغوة السدر المضروب
رأسه ولحيته فقط، ثم يغسله ثلاثاً، ويجعل في الآخرة كافوراً وسدراً.
(١) (فتح الباري)) (١٢٦/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٥/٦).
(٣) انظر: ((المجموع)) (١٣٠/٥ - ١٣١)، و((الأم)) (٢٦٥/١)، و(«المغني)) (٤٦١/٢)،
و((بداية المجتهد)) (١/ ٢٣١).
(٤) ((الروض المربع)) (٣٣١/١).
٤٠١

١٦ - كتاب الجنائز
(١) باب
(٥٠٦) حديث
فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَاذِنَّنِي))، قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ،
وأما عند المالكية ففي ((الشرح الكبير)) (١): ندب للغسل سدرٌ يدق ناعماً
ويجعل في ماء ويخض حتى تبدو رغوته ويُعْرَك به جسد الميت، فإن لم يوجد فغيره
من أشنان وصابون وما في معنى ذلك، قال الدسوقي: هذا في الغسلة التي بعد
الأولى إذ هي بالماء القُراح للتطهير، والثانية بالماء، والسدر للتنظيف، والثالثة
بالماء والكافور للتطبيب، قال: وأخذ اللخمي منه جواز غسله بالمضاف.
وأجيب بأن المراد أن لا يخلط الماء بالسدر بل يحك الميت بالسدر
ويصب عليه الماء، قال الدسوقي: وهذا الجواب عندي متّجه وهو اختيار
أشياخي، والمدونة قابلة لذلك، انتهى.
وأما عند الحنفية فقال ابن عابدين: لم يفصل في ((الهداية)) في الغسلات
بين القراح وغيره، وهو ظاهر كلام الحاكم، وذكر شيخ الإسلام: أن الأولى
بالقراح والثانية بالمغلى فيه سدر، والثالثة (٢) بالذي فيه كافور، قال ابن الهمام:
والأولى كون الأوليين بالسدر كما هو ظاهر («الهداية» لما في أبي داود بسند
صحيح: أن أم عطية تغسل بالسدر، والثالث بالماء والكافور، انتهى.
(فإذا فرغتن) من غسلها (فآذنني) بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة وفتح
النون الأولى مشددة وكسر الثانية من الإيذان، وهو الإعلام، فالنون الأولى
أصلية ساكنة، والثانية ضمير الفاعل مفتوحة، والثالثة للوقاية أي أعلمنني،
(قالت) أم عطية: (فلما فرغنا آذناه) بالمد أي أعلمناه بالفراغ (فأعطانا)
رسول الله وَل (حقوه) بفتح الحاء المهملة ويجوز كسرها بعدها قاف ساكنة أي
إزاره، والأصل فيه معقد الإزار، وجمعه أحقٍ وأحقاء(٣)، ويسمى به الإزار
المجاورة، كذا في ((المجمع)).
(١) (٤١٥/١).
(٢) فيه رد لما قال النووي في ((شرح مسلم)): ((إن الكافور لا يستحبّ عند أبي حنيفة)). ش.
(٣) انظر ((الاستذكار)) (١٩٥/٨).
٤٠٢

١٦ - كتاب الجنائز
(١) باب
(٥٠٦) حديث
فَقَالَ: ((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ)) تَعْنِي بِحِقْوِهِ، إِزَارَهُ.
أخرجه البخاريّ في: ٢٣ - كتاب الجنائز، ٧ - باب غسل الميت ووضوئه.
ومسلم في: ١١ - كتاب الجنائز، ١٢ - باب غسل الميت، حديث ٣٦.
(فقال: أشعرنها) بهمزة القطع (إياه) أي اجعلنه شعارها، والشعار: الثوب
الذي يلي الجسد، يعني اجعلنه تحت الأكفان بحيث يُلاقي بشرتها رجاء الخير
والبركة بشعاره، والحكمة في تأخيره ليكون قريب العهد من جسده الكريم بلا
فاصل بين انتقاله من جسده إلى جسدها، قال الباجي(١): ويروى: أن النبي وَل
فعل ذلك لقرب عهد الحقو بجسمه وَ لّ، انتهى. وهو أصل في التبرك بآثار
الصالحين .
قلت: ويؤيده ما أخرجه البخاري عن سهل ((أن امرأة جاءت إلى النبي
صَلى له
وسلم
ببردة فأخذها محتاجاً إليها، فخرج وإنها إزاره، فحسّنها فلان، فقال: اكسنيها،
فقال القوم: ما أحسنتَ، لَبِسَها النبيُّ وَّرَ محتاجاً إليها، ثم سألتَه، وعَلِمْتَ أنه
لا يردُّ، قال: إني والله ما سألتُه لألبسها، إنما سألتُه لتكون كفني، قال سهل:
فكانت كفنه)). قال الحافظ(٢): وفي رواية أبي غسّان ((قال: رجوت بركتها حين
لبسها النبي ◌َّ﴾)). وأفاد الطبراني أن النبي ◌ّير أمر أن يصنع له غيرها، فمات
قبل أن تفرغ، انتهى.
قال العيني(٣): ولم ينكر النبي و لل طلب البردة وكان طلبه إياها لأجل أن
يكفن فيها، وكانت الصحابة أنكروا عليه، فلما قال: إنما طلبتها لأُكَفَّنَ فيها
أَعْذَرُؤْه، فلم ينكروا ذلك عليه، انتهى.
(تعني) أم عطية (بحقوه) في قولها: فأعطانا حقوه (إزاره) وهو في الأصل
(١) ((المنتقى)) (٤/٢).
(٢) (فتح الباري)) (١٤٤/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٨٤/٦).
٤٠٣

١٦ - كتاب الجنائز
(١) باب
(٥٠٧) حديث
٣/٥٠٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ؛
أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ، حِينَ تُوُفِّيَ .
معقد الإزار، وأطلق على الإزار مجازاً لمجاورته كما تقدم، وفي الحديث:
جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل، وحكى ابن بطال الإجماع عليه، قاله
الشوكاني(١). وقال ابن المنذر: لا خلاف بين العلماء أنه يجوز تكفين المرأة
في ثوب الرجل وعكسه، كذا في ((العيني)).
٣/٥٠٧ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم
الأنصاري المدني، قال النيموي(٢): إسناد هذا الحديث مرسل قوي (أن أسماء
بنت عميس) بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخره سين مهملة
الخثعمية (امرأة أبي بكر الصديق) في نسبها اختلاف كثير، كما في ((رجال جامع
الأصول)) وغيره، أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث لأمها، صحابية شهيرة
تزوجها جعفر بن أبي طالب أولاً، ثم تزوجها أبو بكر الصديق - رضي الله عنه
- ثم علي - رضي الله عنه -، وولدت لكل منهم، هاجرت إلى الحبشة، كان
عمر - رضي الله عنه - يسألها عن تعبير الرؤيا، لما بلغها قتل ابنها محمد بن
أبي بكر جلست في مسجدها، وكظمت غيظها حتى شخبت ثدياها دماً.
(غسلت) زوجها وذكر أهل الرجال: أنه - رضي الله عنه - أوصى أن
تغسله زوجته أسماء (أبا بكر الصديق) الأكبر عبد الله بن عثمان أبي قحافة بن
عامر (حين توفي) ببناء المجهول ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الأخرى،
كما عليه أكثر أهل الرجال.
وفي الحديث: تغسيل المرأة زوجها، ولا خلاف في جوازه، وما حكى
الشوكاني(٣) فيه خلاف الإمام أحمد يأباه كتب فروعه، ففي ((نيل المآرب)):
(١) انظر: ((نيل الأوطار)) (٦٨٢/٢).
(٢) انظر: ((آثار السنن)) (١١٨/٢).
(٣) ((نيل الأوطار)) (٦٧٦/٢).
٤٠٤

١٦ - كتاب الجنائز
(١) باب
(٥٠٧) حديث
وللرجل أن يغسل زوجته إن لم تكن ذميّة ولو قبل الدخول وللمرأة غسل
زوجها. اللَّهم إلا أن يقال: إن له - رضي الله عنه - في ذلك روايتين، وأما
عكسه أي تغسيل الزوج المرأة فقال الأئمة الثلاثة - رضي الله عنهم - بجوازه،
وقال الأئمة الثلاثة الحنفية والثوري: لا يغسلها، واستدل الأولون بغسل علي
- رضي الله عنه - فاطمة وحديث عائشة - رضي الله عنها - قال لها
رسول الله مَ ر: ((لا عليك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك)) الحديث عند أحمد
وابن ماجه، قال النيموي في ((آثار السنن)) (١) قوله: ((فغسلتك)) غير محفوظ، ثم
بسط الكلام عليه. وقال الحافظ في ((التلخيص)) (٢): إنه للتمني، انتهى.
ومستدل الآخرين ما في ((البدائع))(٣): ولنا ما روي عن ابن عباس
- رضي الله عنهما - أن رسول الله وَ﴾ سئل عن امرأة تموت بين رجال، فقال:
تُيُمّم بالصعيد، ولم يفصل بين أن يكون فيهم زوجها أوْ لا، ولأن النكاح ارتفع
بموتها، فلا يبقى حل المس والنظر، ولذا جاز للزوج أن يتزوج بأختها وأربع
سواها، وإذا زال النكاح صارت أجنبية، فبطل حل المس والنظر، بخلاف ما
إذا مات الزوج؛ لأن هناك ملك النكاح قائم.
وحديث عائشة - رضي الله عنها - محمول على الغسل تسبيباً، فمعنى
قوله: ((غسلتك)) قمت بأسباب غسلك، كما يقال: بنى الأمير داراً توفيقاً بين
الدلائل على أنه يحتمل أنه كان مخصوصاً بأنه لا ينقطع نكاحه بعد الموت،
لقوله ◌َّ: ((كلُّ سببٍ ونسبٍ ينقطعُ بالموت إلا سَببي ونَسبي)) (٤).
(١) (١١٧/٢).
(٢) (١٠٣/٢).
(٣) (٣٥/٢).
(٤) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٦٤/٧ و١١٤).
٤٠٥

١٦ - كتاب الجنائز
(١) باب
(٥٠٧) حديث
ثُمَّ خَرَجَتْ فَسَأَلَتْ مَنْ حَضَرَهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. فَقَالَتْ: إِنّي
صَائِمَةٌ. وَإِنَّ هُذَا يَوْمٌ شَدِيدُ الْبَرْدِ، فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ غُسْلِ؟ فَقَالُوا: لا.
وأما حديث علي - رضي الله عنه - فقد روي أن فاطمة - رضي الله عنها -
غسلتها أم أيمن، ولو ثبت أن علياً - رضي الله عنه - غسلها، فقد أنكر عليه
ابن مسعود - رضي الله عنه - حتى قال: أما علمتَ أن رسول الله وَلَه قال: ((إن
فاطمة زوجتك في الدنيا والآخرة))، فدعواه الخصوصية دليل على أنه كان
معروفاً بينهم، أن الرجل لا يغسل زوجته، انتهى.
قلت: وأخرج البيهقي بعدة طرق: أن أسماء بنت عميس وعلياً - رضي الله
عنهما - غسلاها، فالظاهر أن علياً كان مُعِيْناً لأسماء، وأم أيمن في التغسيل،
لأنه يُشْكل أن يعالج الغسل معهما على أن البيهقي أخرج بعدة طرق: ((تموت
مع الرجال ليس معهم امرأة غيرها تُيمَّمُ))، وهذا تأييد لما في ((البدائع)) عن
ابن عباس.
(ثم خرجت) أسماء بعد الفراغ من الغسل (فسألت من حضرها من
المهاجرين فقالت: إني صائمة) فيه الإخبار بالعبادة عند الضرورة (وإن هذا يوم
شديد البرد) أخبرت بالعلة المانعة عن الغسل (فهل عليّ) بشد الياء (من غسل؟
فقالوا: لا) يحتمل أن يكون جواباً لها من أن الغسل ليس بواجب على من
غسل ميتاً. ويحتمل أن وجوبه أسقطته عنها شدة البرد؛ لأن الصحابة - رضي الله
عنهم - مختلفون في وجوب الغسل إلا أن الذي عليه جمهور الفقهاء: أن غسل
الميت لا يوجب الغسل، وما روي عن أبي هريرة: أن رسول الله وَل قال:
((من غسل ميتاً فليغتسل))، ليس بثابت، ولو ثبت لحمل على الاستحباب، قاله
(١)
الباجي(١) .
وقال الخطابي: لا أعلم من قال بوجوبه، قال الحافظ: وكأنه ما درى
(١) ((المنتقى)) (٥/٢).
٤٠٦
---------

١٦ - كتاب الجنائز
(١) باب
(٥٠٧) حدیث
أن الشافعي في ((البويطي)) علق القول به على صحة الحديث، والخلاف فيه
ثابت عند المالكية، وصار إليه بعض الشافعية، وقال ابن بزيزة: إنه مستحب،
انتھی .
قال الزرقاني(١): اختلف فيه قول مالك فروى ابن القاسم وابن وهب في
(العتبية)): عليه الغسل ولم أدرك الناس إلا عليه، قال ابن القاسم: وهو أحبّ
إليّ، ولم أره يأخذ بحديث أسماء، وروى عنه المدنيون وابن عبد الحكم أنه
مستحب لا واجب، وهو مشهور المذهب، وبه قال أبو حنيفة، قالوا: وإنما
أسقطوه عن أسماء لعذرها بالصوم والبرد، انتهى.
قلت: وما حكي عن الحنفية ليس على وجهه، فإن ما في كتب الحنفية
هو استحبابه خروجاً عن الخلاف، كما في ((رد المحتار)) و ((فتح القدير)). وقال
محمد في ((موطئه)) بعد حديث أسماء: بهذا نأخذ، لا بأس أن تغسل المرأة
زوجها إذا توفي، ولا غسل على من غسل الميت، ولا وضوء إلا أن يصيبه
شيء من ذلك الماء فيغسل، انتهى.
قال العيني(٢): قد اختلف أهل العلم في الذي يغسل الميت، فقال بعض
أهل العلم من الصحابة وغيرهم: إذا غسل ميتاً فعليه الغسل، وقال بعضهم:
عليه الوضوء، وقال أحمد: أرجو أن لا يجب(٣) عليه الغسل، فأما الوضوء
فأقل ما فيه، وقال إسحاق: لا بد من الوضوء، وقال مالك في ((العتبية)):
أدركت الناس على أن غاسل الميت يغتسل، وقال ابن حبيب: لا غسل عليه
ولا وضوء، وفي ((التوضيح)): وللشافعي - رضي الله عنه - قولان الجديد هذا
والقديم الوجوب، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٥٢/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٦/٨/٤).
(٣) لكن صرح بسنيته صاحب ((الروض)) وكذا صاحب ((الإقناع)). ش.
٤٠٧

١٦ - كتاب الجنائز
(١) باب
(٥٠٧) حديث
وقال ابن رشد في ((البداية)) (١): وسبب الخلاف معارضة حديث أبي
هريرة لحديث أسماء قالوا: وحديث أسماء في هذا صحيح، وأما حديث أبي
هريرة فهو عند أكثر أهل العلم فيما حكى أبو عمر غير صحيح، انتهى.
وقال الحافظ (٢): حديث أبي هريرة رواته ثقات إلا عمرو بن عمير فليس
بمعروف، وروى الترمذي وابن حبان من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه
عن أبي هريرة نحوه، وهو معلول لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة،
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: الصواب عن أبي هريرة موقوفاً، وقال أبو داود
بعد تخريجه: هذا منسوخ ولم يبين ناسخه، وقال الذهلي فيما حكاه الحاكم في
((تاريخه)): ((ليس فيمن غسل ميتاً فليغتسل)) حديث ثابت، انتهى.
لكن قال ابن رسلان: صححه ابن حبان من رواية سهيل بن أبي صالح،
قال الماوردي: خرج بعض أصحاب الحديث لصحته مائة وعشرين طريقاً،
انتهى. ومستدل الجمهور في ذلك ما قال العيني (٣): وروى ابن أبي شيبة عن
سعيد بن جبير قال: قلت لابن عمر: أغتسل من غسل الميت؟ قال: لا .
وعن سعيد بن جبير قال: غسلَتْ أمي ميّتة، فقالت لي: سل، عليَّ
غسلٌ؟ فأتيت ابن عمر - رضي الله عنهما - فسألته، فقال: أنجساً غسلت؟ ثم
أتيت ابن عباس فسألته، فقال مثل ذلك: أنجساً غسلت؟ وعن عطاء عن
ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا: ليس على غاسل الميت
غسل. واستدل بحديث أم عطية أيضاً؛ لأنه موضع تعليم ولم يأمر به.
قال الحافظ: وفيه نظر لاحتمال أن يكون شرع بعد هذه الواقعة، انتهى.
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٢٩/١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٢٧/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٣٧/٨/٤).
٤٠٨

١٦ - كتاب الجنائز
(١) باب
(٥٠٨) حديث
٤/٥٠٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ:
إِذَا مَاتَتِ الْمَرْأَةُ، وَلَيْسَ مَعَهَا نِسَاءٌ يُغَسِّلْنَهَا، وَلَا مِنْ ذَوِي الْمَحْرَمِ
أَحَدٌ يَلِي ذَلِكَ مِنْهَا، وَلا زَوْجٌ يَلِي ذُلِكَ مِنْهَا، يُمِّمَتْ. فَمُسِحَ
بِوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا مِنَ الصَّعِيدِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا هَلَكَ الرَّجُلُ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِلَّا نِسَاءٌ،
يَمَّمْنَهُ أَيْضاً.
واختلفوا أيضاً في أن الحكمة فيه تتعلق بالميت، أو بالغاسل، فقيل بالأول؛
لأن الغاسل إذا علم أنه سيغتسل لم يتحفظ من شيء يصيبه من أثر الغسل،
فيبالغ في تنظيف الميت وهو مطمئن، وقيل: بالثاني لاحتمال أن يكون أصابه
من رشاش ونحوه، فيكون عند فراغه على يقين من طهارة جسده، قاله
الحافظ .
٤/٥٠٨ - (مالك، أنه سمع أهل العلم يقولون: إذا ماتت المرأة وليس
معها نساء يغسلنها ولا) معها (من ذوي المحرم) وفي نسخة المحارم بالجمع أي
كأخ وعم (أحد يلي ذلك) أي الغسل (منها) أي المرأة (ولا زوج يلي ذلك منها
يممت) ببناء المجهول، والتيمم يكون عند الإمام مالك للوجه والكف فقط كما
قال (فمسح بوجهها وكفيها من الصعيد) أي الطاهر.
(قال مالك: وإذا هلك الرجل) أي مات (وليس معه أحد إلا نساء) أي
أجانب (يممنه أيضاً) أي إلى مرفقيه فإن كن محارم غسلنه من فوق الثوب كما
في ((المدونة)) وغيرها، قاله الزرقاني(١).
وأخرج البيهقي(٢) عن مكحول مرفوعاً مرسلاً: ((إذا ماتت المرأة مع
الرجال ليس معهم امرأة غيرها، والرجل مع النساء ليس معهن رجل غيره
(١) ((شرح الزرقاني)) (٥٣/٢).
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٩٨/٣).
٤٠٩

١٦ - كتاب الجنائز
(١) باب
(٥٠٨) حدیث
فإنهما يُيممان ويدفنان وهما بمنزلة من لم يجد الماء)). وروي عن سنان بن
غرفة بمعناه.
وقال ابن رشد في ((البداية))(١): اتفقوا على أن الرجال يغسلون الرجال
والنساء يغسلن النساء، واختلفوا في المرأة تموت مع الرجال أو الرجل مع
النساء ما لم يكونا زوجين على ثلاثة أقوال: فقال قوم: يغسل كل واحد منهما
صاحبه من فوق الثياب، وقال قوم: يُيَمِّمُ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، وبه قال
الشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء، وقال قوم: لا يغسل واحد منهما صاحبه
ولا ييمِّمُه، بل يدفن من غير غسل، وبه قال الليث بن سعد، انتهى.
ومسالك الأئمة في ذلك ما في ((الروض المربع)) (٢): وأولى الناس بغسل
الرجل وصيّه ثم أبوه ثم جده ثم الأقرب فالأقرب من عصباته، والأولى بغسل
الأنثى وصيتها ثم القربى فالقربى كالميراث، وتقدم أمها ثم بنتها، وإن مات
رجل بين نسوة ليس فيهن زوجة ولا أمة مباحة له يمم أو عكسه بأن ماتت امرأة
بين رجال ليس فيهم زوج ولا سيّد لها يممت، ولرجل وامرأة غسل من له دون
سبع سنین؛ لأنه لا عورة له، انتھی.
وفي ((شرح الإقناع))(٣): الرجل أولى بالرجل والمرأة أولى بالمرأة، وله
غسل حليلته وأمته ولو كتابية ولزوجة غسل زوجها بلا مس لها منه ولا منه لها
على الندب، فإن لم يحضر إلا أجنبي في الميت المرأة أو أجنبية في الرجل
يمم الميت، نعم الصغير الذي لم يبلغ حد الشهوة يغسله الرجال والنساء،
انتھی .
(١) ((بداية المجتهد)) (١/ ٢٢٧).
(٢) (٣٢٧/١).
(٣) (٢٦٨/٢).
٤١٠
--

١٦ - كتاب الجنائز
(٢) باب
(٥٠٩) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِغُسْلِ الْمَيِّتِ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَوْصُوفٌ، وَلَيْسَ
لِذْلِكَ صِفَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَلَكِنْ يُغَسَّلُ فَيُطَهَّرُ.
(٢) ما جاء في كفن الميت
٥/٥٠٩ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
وفي ((الشرح الكبير)) (١) للمالكية: وقدم على العصبة الزوجان ولو أوصى
بخلافه، ثم أقرب أوليائه فيقدم الابن ثم الأب، ثم أجنبي ذكر، ثم امرأة محرم
بنسب، أو رضاع كصهر، فإن لم يكن محرم بل أجنبية يمم لمرفقيه لا لكوعيه
فقط، والمرأة إن لم يكن لها زوج أو سيّد فأقرب امرأة بنت فأمُّ فأخت ثم أجنبية،
ثم غسلها محرم نسباً أو رضاعاً، ثم إن لم يوجد محرم وليس إلا رجال أجانب،
يممت لكوعيها فقط جاز مسّها للضرورة مع ضعف اللذة بالموت، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): ماتت بين رجال أو هو بين نساء يمّمه المحرم،
فإن لم يكن فالأجنبي بخرقة، انتهى. قال ابن عابدين: يممه أي الميت، أعم
من الذكر والأنثى، وأفاد أن المحرم لا يحتاج إلى خرقة؛ لأنه يجوز له مسّ
أعضاء التيمم بخلاف الأجنبي، والبسط في ((البدائع)).
(قال مالك: وليس لغسل الميت عندنا حد) أي غاية، وفي المصرية شيء موصوف
أي صفة واجبة لا يجوز أن تتعدى عليها (وليس لذلك صفة معلومة) بطريق الوجوب
(لكن يغسل فيطهر) نعم للغسل مستحبات عند الأئمة الأربعة محلها كتب الفروع.
(٢) ما جاء في كفن الميت
٥/٥٠٩ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن
(١) (٤٠٨/١ - ٤١١).
(٢) (١٩٨/٢).
٤١١

١٦ - كتاب الجنائز
(٢) باب
(٥٠٩) حدیث
عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّ كُفِّنَ فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابٍ
بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ،
عائشة زوج النبي وَ ﴾، أن رسول الله وَ ل كفن) ببناء المجهول (في ثلاثة أثواب)
سيأتي بيانها، زاد ابن المبارك عن هشام: يمانية بخفة الياء نسبة إلى اليمن
(بيض) جمع أبيض فيستحب بياض الكفن؛ لأنه تعالى لم يكن يختار لنبيه إلا
الأفضل، وروى أصحاب ((السنن)) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً:
البسوا ثياب البيض فإنها أطيب وأطهر، وكَفِّنوا فيها موتاكم. صححه الترمذي
والحاكم، وله شاهد من حديث سمرة نحوه بإسناد صحيح. واستحب الحنفية
أن يكون إحداها ثوب حبرة لما في أبي داود عن جابر: ((أنه وُ لُّ كفن في ثوبين
وبردة حبرة)). إسناده حسن. لكن روى مسلم والترمذي وغيرهما عن عائشة:
((أنهم نزعوها عنه))، قال الترمذي: وتكفينه وُّل في ثلاثة أثواب بيض أصح
ما ورد في كفنه، وقال ابن عبد البر(١): هذا أثبت حديث في كفنه وَّر، قاله
الزرقاني .
قلت: ما حكي عن الحنفية ليس بسديد. فالمذكور في كتب الحنفية كما في
(الدر المختار)) (٢): لا بأس في الكفن ببرود كتّان لجوازه بكل ما يجوز لبسه حال
الحياة وأحبه البياض. قال ابن عابدين: قوله: لا بأس، أشار إلى أن خلافه أولى
وهو البياض، وفي ((البدائع))(٣): أما صفة الكفن فالأفضل أن يكون التكفين
بالثياب البيض لرواية جابر مرفوعاً: ((أحبّ الثياب إلى الله تعالى البيض، فليلبسها
أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم)). والبرود والكتان كل ذلك حسن، انتهى. قال
النووي: في حديث الباب دليل الاستحباب التكفين في البياض وهو المجمع عليه.
(سحولية) بضم السين والحاء المهملتين ولام، ويروى بفتح أوله نسبة إلى
--- -
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٠٧/٨).
(٢) (٨٠٦/١ - ٨١٠).
(٣) (٣٠٧/١).
٤١٢
-

١٦ - كتاب الجنائز
(٢) باب
(٥٠٩) حديث
لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ .
أخرجه البخاريّ في: ٢٣ - كتاب الجنائز، ١٩ - باب الثياب البيض للكفن.
ومسلم في: ١١ - كتاب الجنائز، ١٣ - باب كفن الميت، حديث ٤٥.
سحول قرية باليمن، وقال الأزهري: بالفتح المدينة وبالضم الثياب، وقيل:
النسبة إلى القرية بالضم، وبالفتح نسبة إلى القصار، لأنه يسحل الثياب أي
ينقيها، قاله الحافظ(١). وقال النووي: بضم السين وفتحها، وهو أشهر، ورواية
الأكثرين، (ليس فيها قميص ولا عمامة) اختلف في معناه على قولين: أحدهما:
لم يكن مع الثلاثة شيء آخر لا قميص ولا عمامة ولا غيرها، بل كُفِّنَ في ثلاثة
أثواب فقط هكذا فسره الشافعي - رضي الله عنه -، قاله النووي.
وثانيهما: لم يكن القميص والعمامة معدودين من جملة الثلاثة، بل كانا
زائدين عليها، فيكون ذلك خمسة، وهكذا فسره مالك - رضي الله عنه -، قاله
القسطلاني .
ويؤيد الأول لفظ ابن سعد في ((طبقاته)) بسنده عن عائشة: ليس في كفنه
قميص ولا عمامة، قلت: وبالأول قالت الحنفية، إلا أنهم استحبوا القميص
لكثرة الروايات الواردة في ذلك، قال القسطلاني: ومذهب الشافعي - رضي الله
عنه - زيادة القميص والعمامة على الثلاثة من غير استحباب، وقال الحنابلة: إنه
مکروه، انتھی.
قال الباجي (٢): قد اختلف العلماء في ذلك فروى ابن حبيب وابن القاسم
عن مالك: أن الميت يُقمَّصُ ويُعَمَّمُ، وبه قال أبو حنيفة. وقال القاضي: إن
مذهب مالك - رضي الله عنه - أنه غير مستحب، وقد رواه يحيى بن يحيى عن
ابن القاسم: أن المستحب أن لا يقمص ولا يعمم، انتهى. قال الدسوقي:
ورواية ابن القصار هو كراهة التقميص عن مالك.
(١) ((فتح الباري)) (١٤٠/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٧/٢).
٤١٣

١٦ - كتاب الجنائز
(٢) باب
(٥٠٩) حدیث
قلت: والمرجح عند المالكية في حق الرجل خمسة أثواب الثلاثة
المذكورة أي الإزار واللفافتان والقميص والعمامة، والحجة في القميص سيأتي
قريباً، وفي العمامة حديث الباب أيضاً على تفسير مالك - رضي الله عنه -،
وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كفن ابنه واقداً في خمسة
أثواب: قميص وعمامة وثلاث لفائف، رواه سعيد بن منصور، قاله العيني(١).
وما حكى الباجي استحباب العمامة عن الحنفية هو مختار بعض
المتأخرين، قال في ((الدر المختار)): ويُسَنُّ في الكفن له إزار وقميص ولفافة،
وتكره العمامة للميت في الأصح، واستحسنها بعض المتأخرين، قال في
(البدائع))(٢): وأكثر ما يكفن فيه الرجل ثلاثة أثواب: إزار ورداء وقميص لما
روي عن عبد الله بن مغفل أنه قال: ((كفنوني في قميصي، فإن رسول الله وَليلة
صَلىالله
وَسَـ
كفن في قميصه الذي توفي فيه))، وهكذا روي عن ابن عباس: ((أن النبي :
كُفِّن في ثلاثة أثواب أحدها قميصه الذي توفي فيه))، والأخذ برواية ابن عباس
أولى من الأخذ بحديث عائشة، لأن ابن عباس - رضي الله عنه - حضر
تكفينه وَّ ودفنه، وعائشة - رضي الله عنها - ما حضرت ذلك على أن معنى
قولها: ليس فيها أي لم يتخذ قميصاً جديداً، انتهى.
قال الحافظ(٣): وقيل: معناه: ليس فيها القميص الذي غسل فيه أو ليس
فيها قميص مكفوف الأطراف، انتهى. قلت: وهذا الجمع الأخير أولى عندي،
ثم رأيت ((الكبيري)) (٤) جمع بذلك بين مختلف الحديث. فقال: على أنه يمكن
أن يراد من قول عائشة - رضي الله عنها -: ليس فيها قميص، القميص المعتاد
(١) ((عمدة القاري)) (٦٨/٦).
(٢) (٣٠٧/١).
(٣) ((فتح الباري)) (١٤٠/٣).
(٤) ((غنية المتملي)) (ص ٥٨١).
٤١٤
....---
---

١٦ - كتاب الجنائز
(٢) باب
(٥٠٩) حديث
ذو الكمين والدخاريص، فإن قميص الكفن ليس له دخاريص ولا كمان، حتى
لو كفن في قميصه قطع جيبه ولبته وكماه، كذا في ((جوامع الفقه))، انتهى. فللّه
الحمد والمنة .
وحاصله: أن الثوب الواحد من هذه الثلاثة كان على هيئة القميص،
وهذا محمل الروايات المثبتة، ولكنه لم يكن قميصاً يعني مخيطاً مع الكمين،
وهذا محمل رواية عائشة، وذلك لأن الروايات في ذكر القميص كثيرة في
الباب، فغير ما تقدم من روايات القميص ما روى جابر بن سمرة فإنه قال:
كفن رسول الله وَلّر في ثلاثة أثواب: قميص وإزار ولفافة، أخرجه ابن عدي في
((الكامل))، قاله العيني(١). وأخرج محمد بن الحسن في ((الآثار)) عن إبراهيم:
أن النبي ◌ّ كفن في حلة يمانية وقميص.
قلت: وأخرجه ابن سعد من طرق عن إبراهيم، وكذا أخرجه عن
الحسن، وأخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه))، وأخرج عن الحسن نحوه، قاله
الزيلعي .
وذكر العلامة العيني اختلاف الروايات في كفنه و 18 وذكر من جملتها
طرق حديث ابن عباس المذكور، وحكى عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة
- رضي الله عنه -: أن رسول الله وَّ زُرَّ عليه قميصُه الذي كُفِّن فيه، قال
ابن سيرين: وأنا زررتُ على أبي هريرة، وقد أخرج النسائي والطحاوي عن
شداد بن الهاد: أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي وَلّ فآمن به واتبعه،
فذكرا قصته وفيها: ((ثم كفنه النبي ◌َّلَ في جبة النبي ◌َّ))، الحديث.
وفي ((التعليق الممجد))(٢): أولى ما يستدل به لإثبات القميص حديث
(١) ((عمدة القاري)) (٦٨/٦).
(٢) (١٠٤/٢).
٤١٥

١٦ - كتاب الجنائز
(٢) باب
(٥١٠) حدیث
٦/٥١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ قَالَ لِعَائِشَةَ، وَهُوَ مَرِيضُ:
جابر - رضي الله عنه - في قصة موت عبد الله بن أبي، فإن النبي وَلّ أعطى
ابنه قميصه ليكفنه فيه بعدما طلبه فكفنه فيه، أخرجه البخاري وغيره، قلت:
وسيأتي في ((الموطأ)) أيضاً من أثر ابن عمرو بن العاص بلفظ: يُقَمَّصُ الميتُ.
(مالك، عن يحيى بن سعيد، أن رسول الله وَّل كفن في ثلاثة أثواب بيض
سحولية) هذا الأثر يوجد في النسخ الهندية ولا يوجد في النسخ المصرية،
وتقدم معناه قريباً في الأثر المتقدم.
٦/٥١٠ - (مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه قال: بلغني أن أبا بكر
الصديق) - رضي الله عنه - (قال لعائشة) هكذا رواه مالك عن يحيى بلاغاً،
وكذا أخرجه ابن سعد في ((طبقاته)) مختصراً، وبسط الزيلعي(١) الكلام على
طرق الحديث، وأخرجه البخاري من طريق وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه
عن عائشة قالت: دخلت على أبي بكر - رضي الله عنه - فقال: في كم كفنتم
النبي ◌َّ﴾؟ الحديث. قال الحافظ(٢): زاد أبو نعيم في ((المستخرج)) من هذا
الوجه: فرأيت به الموت، فقلت: هيج هيج.
من زال دمعه مقنعاً فإنه في مرة مدفوق
فقال: لا تقولي هذا ولكن قولي: ﴿وَجَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ الآية
(وهو مريض) مرض الموت.
واختلف أهل العلم في السبب الذي مات فيه أبو بكر - رضي الله عنه -
فذكر الواقدي: أنه اغتسل في يوم بارد، فحُمَّ ومرض خمسة عشر يوماً لا
يخرج إلى الصلاة، وكان يأمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يصلي
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٢٦١/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٥٢/٣) وقولها: ((هيج)) بالجيم حكاية بكائها .
٤١٦

١٦ - كتاب الجنائز
(٢) باب
(٥١٠) حديث
فِي كَمْ كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ إِ؟
بالناس، كذا في ((الرياض)). وعن ابن عمر - رضي الله عنه -: كان سبب موته
- رضي الله عنه - وفاته وَلّ، كمد، فما زال جسمه يحرى(١) حتى مات،
والكمد: الحزن المكتوم. وقال ابن شهاب: إن أبا بكر - رضي الله عنه -
والحارث بن كلدة كانا يأكلان حريرة أهديت لأبي بكر - رضي الله عنه -، فقال
الحارث لأبي بكر - رضي الله عنه -: ارفع يدك يا خليفة رسول الله، وإن فيها
لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم، فرفع أبو بكر - رضي الله عنه - يده فلم
يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة، كذا في ((الصفوة))(٢).
وقال الزبير بن بكار: كان به طرفٌ من السلِّ، وقال غيره: أصل ابتداء
السل به الوجد على رسول الله وَلّ لما قُبِض، فما زال ذلك به حتى قضى منه،
وروي أنه - رضي الله عنه - سم في أرزة، وقيل: في حريرة، وقيل له: لو
أرسلت إلى طبيب فقال: قد رآني، قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إني أفعل
ما أريد، كذا في ((الخميس)).
ولا منافاة بين هذه الروايات فقد يكون حصل له السل بالكمد، وازداد
بالسم، وقبل موته بخمسة عشر يوماً، اغتسل فحُمَّ فما زال حتى توفي - رضي الله
عنه وأرضاه -، فجمع الله له ذلك زيادة في الزلفى، ورفع الدرجات، (في كم)
معمول مقدم لقوله (كفن) ببناء المجهول (رسول الله وَلا) سألها - رضي الله عنه -
وإن تولى تكفينه علي والعباس وابنه الفضل؛ لأنها كانت في البيت شاهدت
ذلك .
واختلف في وجه السؤال، فقيل: ذكره بالاستفهام توطئةً لها للصبر على
فقده، واستنطاقاً لها بما يعلم أنه يعظم عليها ذكره، وقيل: يحتمل أنه - رضي الله
(١) أي ينقص.
(٢) ((صفة الصفوة)) (١/ ١٠٠).
٤١٧

١٦ - كتاب الجنائز
(٢) باب
(٥١٠) حدیث
فَقَالَتْ: فِي ثَلاثَةِ أَثْوَابِ، بِيض سُحُولِيَّةٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْر: خُذُوا هُذَا
الثَّوْبَ الِثَوْبِ عَلَيْهِ، قَدْ أَصَابَهُ مِشْقٌ أَوْ زَغْفَرَانٌ) فَاغْسِلُوهُ.
عنه - نسي ذلك لشدة المرض، وقيل: يحتمل أنه - رضي الله عنه - لم يحضره
ذلك لاشتغاله بأمر البيعة، هكذا قالوا(١).
والأوجه عندي أنه توطئة لما سيوصيه من أمر تكفينه وإشارة إلى أن
الأهم في ذلك اتباع فعله ◌َّر، فكلما يشكل عليها أمر من باب التكفين
والتدفين تنظر إلى فعله ◌َّلة، تأمل.
(فقالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية) تقدم بيانه، فقال أبو بكر الصديق
(خذوا هذا الثوب) وأشار (لثوب) كان (عليه) زاد البخاري: كان يُمَرَّض فيه (قد
أصابه) أي الثوب وفي بعض النسخ الهندية: قد أصاب به، (مشق) بكسر الميم
وسكون الشين المغرة، عند أهل المدينة بفتح الميم والغين وبسكون الغين
لغتان، كذا في الزرقاني، وضبطه في ((المجمع)) و ((التنوير)) وغيرهما بالأول
فقط، وقال المجد: بالكسر والفتح: المغرة.
ولفظ ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: كفن أبو بكر
- رضي الله عنه - في ثوبين مسحولين ورداء له ممشق أمر به أن يغسل. (أو
زعفران) ولفظ البخاري: فنظر إلى ثوب عليه كان يُمَرَّضُ فيه به رَدْعٌ من
زعفران، الحديث.
(فاغسلوه) لتزول الحمرة أو أثر الزعفران، قال الباجي(٢): يحتمل أن
يكون ذلك لشيء علمه فيه وإلا فإن الثوب اللبيس لا يقتضي لبسه وجوب
غسله، قاله سحنون، ويحتمل أن يكون أمر بالغسل للحمرة التي كانت فيه لما
أخبر أن النبي ◌َّ كفن في ثلاثة أثواب بيض، انتهى.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٥٣/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٨/٢).
٤١٨
..-
-----
.

١٦ - كتاب الجنائز
(٢) باب
(٥١٠) حدیث
ثُمَّ كَفّنُونِي فِيهِ، مَع تَوْبَيْنِ آخَرَيْنِ .
(ثم كفنوني فيه) أي في هذا الثوب (مع) إضافة (ثوبين آخرين) لتصير
ثلاثة، كما كانت للنبي ◌ّ ثلاثة ثياب، ثم هكذا في رواية البخاري، يعني أن
الضمير إلى ثوب واحد، والأمر بإضافة الاثنين، وأخرج الإمام أحمد في
((الزهد)) عن عائشة بلفظ: اغسلوا ثوبي هذين ثم كفَّنوني فيهما، وفي طريق آخر
له: أُنظروا ثوبي هذين فاغسلوهما ثم كفنوني فيهما، وفي طريق آخر لعبد الرزاق
عن عائشة قالت: قال أبو بكر - رضي الله عنه - لثوبيه اللذين كان يُمَرَّض
فيهما : اغسلوهما وكفنوني فيهما .
وفي طريق آخر له عن عبيد بن عمير يقول: أمر أبو بكر إما عائشة وإما
أسماء بنت عميس بأن تغسل ثوبين كان يمرض فيهما ويكفن فيهما، وفي طريق
آخر عند ابن سعد من طريق القاسم بن محمد قال: قال أبو بكر حين حضره
الموت: كفنوني في ثوبي هذين اللذين كنت أصلي فيهما، وغير ذلك ذكرها
الزيلعي(١)، وإن رجح حديث البخاري بكونه في ((الصحيح)) رجحت هذه الطرق
بالتعدد .
واستدل صاحب ((البدائع)) و ((الهداية)) بحديث الصديق الأكبر - رضي الله
عنه - على جواز التكفين في الثوبين، قال ابن الهمام: فإن وقع التعارض في
حديث أبي بكر - رضي الله عنه - هذا، حتى وجب تركه لأن سند عبد الرزاق
لا ينقص عن سند البخاري، فحديث ابن عباس في قصة محرم وَقَصَتْه ناقَتُه.
قال فيه عليه السلام: كَفّنوه في ثوبيه، لكن الجمع ممكن، فلا يترك بأن يحمل
ما في عبد الرزاق وغيره من حديث أبي بكر - رضي الله عنه - على أنه ذكر
بعض المتن دون كله بخلاف ما في البخاري، انتهى.
والأوجه عندي في وجه الجمع بينهما أنه - رضي الله عنه - أمر أولاً
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٢/ ٢٦٢).
٤١٩

١٦ - كتاب الجنائز
(٢) باب
(٥١٠) حديث
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَمَا هُذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: الْحَيَّ أَحْوَجُ إِلَى الْجَدِيدِ
مِنَ الْمَيِّتِ. وَإِنَّمَا هُذَا لِلْمُهْلَةِ.
أخرجه البخاريّ في: ٢٣ - كتاب الجنائز، ٩٤ - باب موت يوم الاثنين.
بالتكفين في ثوبيه اللذين كان يصلي فيهما، وأحدهما كان عنده إذ ذاك يمرض
فيه اكتفاء بالكفاية، ثم أمر بتكميل الثلاثة إتباعاً لما فعل بالنبي بَّر، ولذا نبه
عليه بقوله: في كم كفنتم النبي ◌َّ؟ (فقالت عائشة) - رضي الله عنها -: (وما
هذا؟) تريد أن ذلك الثوب لم يصلح لكفنه، ولفظ البخاري، قلت: إن هذا
خلق (فقال أبو بكر) - رضي الله عنه -: (الحي أحوج) وأكثر احتياجاً (إلى
الجديد من الميت) لما يلزمه في طول عمر من اللباس والزينة وستر العورة،
وأما الميت فإن تغيره سريع، روى أبو داود عن علي مرفوعاً: ((لا تُغالوا في
الكفن، فإنه يسلبه سريعاً))، ولا يشكل عليه الأمر بتحسين الكفن لما سيأتي.
(وإنما هذا للمهلة (١)) رواه يحيى بكسر الميم وروي بضمها وروي بفتحها
قاله عياض، قال الباجي(٢): هكذا رواه يحيى للمهلة بكسر الميم ويروى
للمهل، وقال ابن الأنباري: لا يقال: المهلة بالكسر، ورواه ابن عبيد، وإنما
هما للمهل والتراب، والمهل: الصديد، انتهى.
قال الحافظ(٣): قال عياض: روي بضم الميم وفتحها وكسرها، وبه جزم
الخليل، وقال ابن حبيب: هو بالكسر الصديد، وبالفتح التمهل، وبالضم عكر
الزيت، والمراد ههنا الصديد، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: إنما هو أي
الجديد وأن يكون المراد بالمهلة على هذا التمهل، أي الجديد لمن يريد
-------
(١) قال ابن عبد البر: فإنما هو للمهلة، فإنه أراد الصَّديد، ولا وجه لكسر الميم في المَهلة
غيرُ ذلك، وبضم الميم شبّه الصديد بعكرِ الزيت وهو المَهْلُ والمهلَةُ والرواية بكسر
الميم. ((الاستذكار)) (٢١٥/٨).
(٢) ((المنتقى)) (٨/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٥٤/٣).
٤٢٠
----
.-.