النص المفهرس

صفحات 321-340

١٥ - كتاب القرآن
(٧) باب
(٤٧٩) حديث
قَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ: وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمُنِ مُعَاذُ بْنُ جَبَل:
مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلِ أَنْجِى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
رواه الترمذيّ مرفوعاً في: ٤٥ - كتاب الدعوات، ٦ - باب منه.
وابن ماجه في: ٣٣ - كتاب الأدب، ٥٣ - باب فضل الذكر.
٢٥/٤٧٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمَ بْنِ عَبْدِ اللَّه
الْمُجْمِر،
القرآن يجاذب خاطره ويسرح به في رياض الجنة، والذاهب إلى الله لا ينبغي
أن يلتفت إلى الجنة بل يجعل همه هماً واحداً ليدرك درجة الفناء والاستغراق،
قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. كذا في (الزرقاني))(١).
وقال شيخنا الدهلوي: الأفضلية تختلف بالاعتبار ولا أفضل من الذكر
باعتبار تطلّع النفس إلى الجبروت، ولا سيما في نفوس زكية لا تحتاج إلى
الرياضات، وإنما تحتاج إلى مداومة التوجه، انتهى.
(وقال زياد بن أبي زياد) يعني الكلام الآتي أيضاً موصول بالسند السابق
(وقال أبو عبد الرحمن) هو كنية (معاذ بن جبل) الأنصاري الصحابي الشهير،
وهذا قد رواه أحمد وابن عبد البر والبيهقي من طرق عن معاذ عن النبي وص الر،
قاله الزرقاني.
(ما عمل ابن آدم من عمل أنجى) أفعل تفضيل من النجاة (له من
عذاب) الله (من ذكر الله) قال ابن عبد البر: فضائل الذكر كثيرة لا يحيط بها
كتاب وحسبك بقوله تعالى: ﴿إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ الآية.
٢٥/٤٧٩ - (مالك، عن نعيم) بضم النون (ابن عبد الله المجمر) بضم
(١) (٢٨/٢).
٣٢١

١٥ - كتاب القرآن
(٧) باب
(٤٧٩) حديث
عَنْ عَلِيٍّ بْنِ يَحْيِىُ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِع؛ أَنَّهُ قَالَ:
كُنَّا يَوْماً نُصَلِّي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ لَيهِ. فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ فَلَ رَأْسَهُ
مِنَ الرَّكْعَةِ، وَقَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) قَالَ رَجُلٌ
الميم الأولى وكسر الثانية بينهما جيم ساكنة وقيل: مفتوحة (عن علي بن يحيى)
ابن خلاد بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام وبالدال المهملة ابن رافع بن
مالك بن عجلان (الزرقي) بضم الزاي المعجمة وفتح الراء المهملة فقاف،
الأنصاري من صغار التابعين مات سنة ١٢٧ هـ، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر
لأن نعيماً أكبر سناً منه وأقدم سماعاً.
(عن أبيه) يحيى بن خلاد بن رافع الأنصاري له رؤية، فذكر في
الصحابة، قيل: حَنَّكه النبي وَّل، تابعي من حيث الرواية مات في حدود
التسعين، ووهم من قال بعد المائة، كذا في الزرقاني(١). وفي ((التقريب)): مات
في حدود السبعين.
قلت: والمراد بما بعد المائة قول الواقدي إذ قال: توفي سنة ١٢٩ هـ جزم
به المقدسي في ((الجمع بين رجال الصحيحين))، وقول أبي بكر بن أبي عاصم
أنه مات سنة ١٢٨ هـ ورد عليهما الحافظ في ((تهذيبه)).
(عن) عمه (رفاعة) بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة (ابن
رافع) بالراء المهملة وبالفاء ابن مالك بن عجلان الزرقي البدري شهد
المشاهد، روي له أربعة وعشرون حديثاً، للبخاري ثلاثة، قاله العيني (٢). مات
في أول خلافة معاوية (أنه قال: كنا يوماً) من الأيام (نصلي وراء رسول الله وَّة)
المغرب كما في رواية النسائي (فلما رفع رسول الله وَ ليل رأسه من الركعة) أي
من الركوع (وقال: سمع الله لمن حمده قال رجل) هو رفاعة الراوي جزم به
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٠/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٣٥/٤).
٣٢٢
-.
------

١٥ - كتاب القرآن
(٧) باب
(٤٧٩) حدیث
وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدَاً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ، قَالَ: ((مَن الْمُتَكَلُّمُ آَنِفاً؟))، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا
رَسُولَ اللَّهِ،
ابن بشكوال لرواية النسائي من وجه آخر، عن رفاعة: ((صليت خلف النبي
فعطست فقلت: الحمد لله))، الحديث.
ونوزع لاختلاف سياق السبب والقصة، وأجيب: بأنه لا تعارض، فيمكن
وقوع العطاس عند رفع رأسه ◌َّر، وأبهم نفسه لقصد إخفاء عمله، أو نسي
بعض الرواة اسمه، قاله الزرقاني تبعاً للحافظ وبهذا فسر المبهم العيني، وهكذا
جمع بين التعارض وتبعهما جمع من شراح الحديث، كالسيوطي في ((التنوير))
وابن رسلان، وقال القسطلاني: هو رفاعة بن رافع، قال في (المصابيح)): هل
هو راوي الحديث أو غيره يحتاج إلى تحرير، قلت: جزم الحافظ بأنه راوي
الحديث، ونقل البرماوي عن ابن منده أنه جعله غير راوي الحديث، وإن
الحاكم جعله معاذ بن رفاعة فوهم في ذلك، انتهى. (وراءه) وَّ (ربنا ولك
الحمد) بالواو (حمداً) نصب بفعل مضمر دل عليه لك الحمد (كثيراً طيباً مباركاً
فيه) زاد النسائي وغيره: ((مباركاً عليه كما يحب ربنا ويرضى))، قوله: مباركاً
عليه الظاهر أنه تأكيد، وقيل: الأول بمعنى الزيادة، والثاني بمعنى البقاء، قاله
الحافظ .
(فلما انصرف رسول الله(18) من الصلاة (قال: من المتكلم؟) في الصلاة كما
في رواية رفاعة عند الترمذي والنسائي (آنفاً) بالمد وكسر النون يعني قبل هذا، ولا
يستعمل إلا فيما قرب (قال الرجل: أنا يا رسول الله) زاد في رواية رفاعة: فلم يتكلم
أحد، ثم قالها الثانية فلم يتكلم أحد ثم قالها الثالثة فقال رفاعة بن رافع ابن عفراء:
أنا يا رسول الله، الحديث. هكذا أخرجه الترمذي والنسائي (١)، قال الحافظ في
(الإصابة)): لعل اسم أم رافع أو جدته عفراء، انتهى.
(١) أخرجه الترمذي (٤٠٤)، والنسائي (١٤٥/٢).
٣٢٣

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٧٩) حدیث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاثِينَ مَلَكاً يَبْتَدِرُونَهَا،
أَيُّهُمْ يَكْتُبُهُنَّ أَوَّلُ (أَوَّلاً)).
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١٢٦ - باب حدثنا معاذ بن فضالة.
(٨) باب ما جاء في الدعاء
قلت: ويحتمل أن يكون هذا غيره فيؤيد ممن قال بتثنية القصة، فتأمل.
(فقال رسول الله ◌َله: لقد رأيت بضعة) والبضع من ثلاثة إلى تسع،
والمراد هناك ثلاثة (وثلاثين) موافقة لعدد حروفه وهي ثلاثة وثلاثون حرفاً.
ويشكل عليه زيادة النسائي وغيره، ووجهه الحافظ(١) وغيره: بأن المراد الثناء
الزائد على المعتاد، وهو ((حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى))، دون
لفظ ((مباركاً عليه)) فإنه للتأكيد، ووقع في رواية مسلم عن أنس: اثني عشر
ملكاً، وللطبراني عن أبي أيوب: ثلاثة عشر، وهو مطابق لعدد الكلمات على
رواية ((مباركاً عليه)). (ملكاً) غير الحفظة على الظاهر.
(يبتدرونها) أي يسارعون إلى الكلمات المذكورة (أيهم) بالرفع على
الابتداء، وقيل: بالنصب على تقدير الفعل (يكتبهن) ولفظ رواية رفاعة: ((أيهم
يصعد بها)) (أول) بالضم على البناء وبالنصب على الحال، قال الباجي(٢): قول
المتكلم: أنا وإن كان غيره لم يخل من الكلام في ذلك الوقت لما علم أنه
المراد؛ لأنه اختص بكلام غير معهود، وروي عن مالك: أنه لم ير العمل على
ذلك، وكره أن يقولها المصلي، ووجه ذلك لمن يتخذها من الأقوال المشروعة
کالتکبیر وسمع الله لمن حمده، انتھی.
(٨) ما جاء في الدعاء
قال القاري: هو طلب الأدنى بالقول من الأعلى شيئاً على جهة
(١) ((فتح الباري)) (٢٨٧/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٣٥٥/١).
٣٢٤

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٠) حديث
٢٦/٤٨٠ - حَدّثني يَخْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ ....
الاستكانة، قال النووي: أجمع أهل الفتاوى في الأمصار على استحباب
الدعاء، وذهب طائفة من الزهاد إلى أن تركه أفضل استسلاماً، وقال جماعة:
إن دعا للمسلمين فحسن وإن خص نفسه فلا، وقيل: إن وجد باعثاً للدعاء
استحب وإلا فلا، ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة والأخبار الواردة عن
الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، انتهى.
قلت: بل هو من أفضل العبادات وأشرف الطاعات، أمر الله تعالى به
عباده فضلاً وكرماً، وتفضل بالإجابة فقال: ﴿أَدْعُونِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ الآية(١). والوعيد على أحد التفاسير في ترك الدعاء
استكباراً، وروي مرفوعاً: ((من لم يدعُ الله غضب عليه))، وفي الحديث
القدسي: ((أما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإجابة)).
وقد ورد: الدعاء مخ العبادة، وليس شيء أكرم على الله من الدعاء، ومن
فتح له باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم
ينزل، ولا يردُّ القضاء إلا الدعاء، فعليكم بالدعاء، والدعاء سلاح المؤمن،
كما في ((جمع الفوائد)).
٢٦/٤٨٠ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) قال ابن عبد البر (٢): كذا رواه جماعة رواة
((الموطأ)) عن مالك بهذا الإسناد، وكذا رواه غير واحد عن أبي الزناد، ورواه
ابن وهب عن مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهو غريب، كذا
في ((التنوير)). قلت: حديث ابن وهب أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٣).
(١) سورة غافر: الآية ٦٠.
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٦٢/١٩).
(٣) (٣٣٤/١).
٣٢٥

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٠) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((لِكُلِّ نَبِيِّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا. فَأُرِيدُ أَنْ
أَخْتَبِىءَ دَعْوَتِي، شَفَاعَةً لِأَمَّتِي فِي الآخِرَةِ)» .
أخرجه البخاريّ في: ٨٠ - كتاب الدعوات، ١ - باب لكل نبيّ دعوة.
ومسلم في: ١ - كتاب الإيمان، ٨٤ - باب اختباء النبي وَل دعوة الشفاعة
لأمته، حدیث ٣٣٤.
(أن رسول الله وماله قال: لكل نبي دعوة يدعو بها) مستجابة مقطوع فيها
بالإجابة، وما عداها على رجاء الإجابة، أو دعوة عامة مستجابة في أمته إما
بالإهلاك وإما بالإنجاء، وقيل: دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح
عليه السلام: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾، وقول زكريا عليه السلام: ﴿فَهَبْ لِ مِن
لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾، وقول سليمان عليه السلام: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَنْبَغِى﴾(١)، الآية.
حكاه ابن التين، وقال ابن عبد البر (٢): معناه عندي: أن كل نبي أعطي أمنية
یتمنى بها .
قلت: والأوجه الدعاء في حق الأمة، لما روي بعدة طرق في مسلم
وغيره: ((لكل نبي دعوة دعا بها في أمته))، وهو مختار القاضي عياض.
(فأريد أن أختبئ) بسكون الخاء المعجمة وفتح المثناة الفوقية فكسر
الموحدة فهمزة أي أدخر، وفي رواية مسلم: إني اختبأت (دعوتي) المقطوع
بإجابتها، وفي رواية للبخاري: فجعلت دعوتي (شفاعة) أي في جهة الشفاعة،
أو حال كونها شفاعة (لأمتي في الآخرة) في أهم أوقات حاجتهم، ففيه كمال
شفقته ◌َ﴿ على أمته، وغاية رأفته بهم، جزاه الله عنا وعن سائر المسلمين
أفضل ما جزى نبياً عن أمته، اللهم صلِّ على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وآله
وصحبه وسلم كما تحب وترضى.
(١) سورة صّ: الآية ٣٥.
(٢) ((الاستذكار)) (١٣٥/٨).
٣٢٦
..- ----.
--

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨١) حديث
٢٧/٤٨١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ٤ ﴿ه كَانَ يَدْعُو فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ فَالِقَ الإِصْبَاحِ،
وَجَاعِلَ اللَّيْلِ سَكَناً، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حُسْبَاناً،
٢٧/٤٨١ - (مالك، عن يحيى بن سعيد أنه بلغه) قال ابن عبد البر (١):
لم تختلف الرواة عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في متنه، وقد رواه
أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن مسلم بن يسار قال: كان من دعاء
النبي ◌َ﴾ فذكره، انتهى.
قلت: ولفظه على ما حكاه السيوطي في ((الدر)) عن مسلم بن يسار قال:
كان من دعاء النبي ◌َّ: اللَّهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكناً والشمس
والقمر حسباناً اقضٍ عني الدين وأغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري
وقوتي في سبيلك، انتهى. ومسلم تابعي فالحديث مرسل.
(أن رسول الله وَّ كان يدعو) في بعض الأوقات بهذا الدعاء (فيقول:
اللهم فالق الإصباح) قال الباجي: دعا الله بما وصف به نفسه في قوله: ﴿فَالِقُ
اُلْإِصْبَاحِ﴾ الآية، ومعنى فالق الإصباح الذي خلقه وابتدأه وأظهره (وجاعل الليل
سكناً) أي يسكن فيه.
قال الباجي(٢): الجعل في كلام العرب على معنيين: أحدهما: بمعنى
الخلق كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اُلُلُمَتِ وَالنُّورَ﴾ وإذا تعدى إلى مفعولين فقد يكون
بمعنى الحكم والتسمية كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَتَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ
إِنَتًا﴾ أي سموهم ووصفوهم بأنهم إناث، وقد يكون بمعنى الخلق كقولهم:
((الحمد لله الذي جعلني مسلماً)) أي خلقني مسلماً.
فقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اَلَّيْلَ سَكًا﴾ يحتمل الوجهين. (وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ
حُسْبَاناً) قال الراغب: الحساب استعمال العدد، يقال: حسبت أحسب حساباً
(١) انظر: ((التمهيد)) (٥٠/٢٤).
(٢) المنتقى)) (٣٥٦/١).
٣٢٧

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨١) حديث
اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وَأَغْنِي مِنَ الْفَقْرِ،
وحسباناً، قال ابن عبد البر: أي حساباً، يعني بحساب معلوم وقد يكون جمع
حساب كشهاب وشهبان .
قال الباجي: يعني يحسب بهما الأيام والشهور والأعوام، قال تعالى:
﴿الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُرًّا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ
وَالْحِسَاب﴾، انتهى.
(اقض عني الدين) قال ابن عبد البر (١): الأظهر ديون الناس، ويدخل فيه
ديون الله تعالى ففي الحديث: ((دين الله أحق أن يقضى)) (وأغنني من الفقر)
والمراد منه ما لا يدرك معه القوت، فقد قال: ((اللّهم اجعل رزق آل محمد
قوتاً))، وفي أخرى: ((كفافاً)) للشيخين والترمذي، وعلى هذا فلا إشكال بروايات
فضل الفقر، وكان ◌َلّ يستعيذ من فتنة الغنى والفقر، فالمطلوب القصد بينهما
وهو الكفاف.
وقال شيخنا في ((البذل))(٢): أصل الفقر كسر فقار الظهر. والفقر يستعمل
على أربعة أوجه: الأول: وجود الحاجة الضرورية، وذلك عام للإنسان ما دام
في دار الدنيا، بل عام للموجودات كلها، وعليه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ
اُلْفُقَرَآءُ﴾. والثاني: عدم المقتنيات، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
الَّذِينَ أُحْصِرُواْ﴾، ﴿إِنَّمَا الضَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾، الآية. والثالث: فقر النفس وهو
المقابل لقوله: الغنى غنى النفس. والرابع: الفقر إلى الله تعالى المشار إليه
بقوله: اللهم أغنني بالافتقار إليك ولا تفقرني بالاستغناء عنك، فالمستعاذ منه
في الحديث القسم الثاني، وإنما استعاذ منه عند عدم الصبر وقلة الرضاء به،
أو استعاذ من الفقر الذي هو فقر النفس لا قلة المال، انتهى.
(١) انظر: (الاستذكار)) (١٣٩/٨).
(٢) ((بذل المجهود)) (٤٠٢/٧).
٣٢٨

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٢) حديث
وَأَمْنِعْنِي بِسَمْعِي، وَبَصَرِي، وَقُوَّتِي فِي سَبِيلِكَ)).
٢٨/٤٨٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ قَالَ: ((لا يَقُلْ أَحَدُكُمْ
إِذَا دَعَاَ: اللَّهُمَّ أَغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ.
(وأمتعني) أي اجعلني منتفعاً، قال الراغب: المتاع: انتفاعٌ ممتدُّ الوقت
يقال: متّعه الله بكذا وأمتعه (بسمعي) لما فيه من التنعم بسماع الذكر وغيره
(وبصري) لما فيه من رؤية نعم الله (و) أمتعني بـ(قوتي) بالمثناة الفوقية قبل
الياء، ويروى: وقوني بنون بدل الفوقية بصيغة الأمر، قال ابن عبد البر:
والأول أكثر عند الرواة (في سبيلك).
قال الباجي(١): يحتمل أن يريد به الجهاد، ويحتمل أن يريد به سائر
أعمال البر من تبليغ الرسالة وغيرها، فإن ذلك كله في سبيل الله، وقد قال
مالك فيمن قال: مالي هذا في سبيل الله: إن سبيل الله كثيرة. ولكن يوضع في
الغزو، وذلك لأن هذه اللفظة إذا أطلقت، فعرفها الجهاد، وإن جاز أن تطلق
على سائر الأعمال بقرينة، انتهى.
قال ابن عبد البر(٢): ولا يعارض حديث الباب ما جاء عن الله تعالى ((إذا
أخذتُ كريمتي عبدي فصبر واحتسب لم يكن له جزاء إلا الجنة))، لأن هذا من
الحض على الصبر بعد الوقوع فلا ينافي الدعاء بالإمتاع قبل وقوعه، لأنه أقرب إلى
الشكر، قال مطرف بن الشخِّير: لأن أُعافى فأشكر أحبُّ إليّ من أن أبتلى فأصبر.
٢٨/٤٨٢ - (مالك، عن أبي الزناد) بكسر الزاي (عن الأعرج) عبد الرحمن
بن هرمز (عن أبي هريرة: أن رسول الله له قال: لا يقل) بصيغة النهي (أحدكم
إذا دعا) أي طلب من الله شيئاً (اللَّهم اغفر لي إن شئت) قال الباجي(٣): معناه:
(١) ((المنتقى)) (٣٥٦/١).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٤٣/٨).
(٣) ((المنتقى)) (٣٥٦/١).
٣٢٩

:
١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٢) حديث
اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ لِيَعْزِمِ المُسَأَلَةَ.
لا يشترط مشيئته باللفظ فإن ذلك أمر معلوم متيقن أنه لا يغفر إلا أن يشاء، ولا
يصح غير هذا، فلا معنى لاشتراط المشيئة لأنها إنما تشترط فيمن يصح منه أن
يفعل دون أن يشاء بالإكراه وغيره مما تنزَّه الله سبحانه عنه، وقد بيّن ذلك وِّل
في آخر الحديث بقوله: فإنه لا مُكْرِه له، انتهى.
فعلى هذا لا فائدة في تعليقه على أن فيه صورة الاستغناء عن المطلوب
والمطلوب منه، وقال القاري: منع منه لأنه شك في القبول، والله تعالى كريم
لا بخل عنده فليتيقن بالقبول، قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقول ذلك
لأنه كلام مستحيل لا وجه له، إذ لا يفعل إلا ما يشاء، وظاهره أنه حمل النهي
على التحريم وهو الظاهر، وحمله النووي على كراهة التنزيه وهو أولى، ويؤيده
حديث الاستخارة، قاله الحافظ (١).
وقال الداودي: لا يقول: إن شئت كالمستثنى، ولكن دعاء اليائس الفقير
يعني إذا قالها على سبيل التبرك لا يمنع (اللّهم ارحمني إن شئت) زاد في رواية
للبخاري: اللّهم ارزقني إن شئت، قال الحافظ: وهذه كلها أمثلة (ليعزم
المسألة) قال الداودي: أي يجتهد ويلُ، قلت: كأنه تعالى يُحبُّ الملحِّين في
الدعاء، قال ابن بطال: ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء، ويكون على رجاء
الإجابة، ولا يقنط من الرحمة، فإنه يدعو كريماً.
قال الحافظ: أي بدون تردد، من عزمت على الشيء إذا صممت على فعله،
وقيل: عزم المسألة الجزم بها من غير ضعف في الطلب، وقيل: هو حسن الظن
بالله تعالى في الإجابة، قال ابن عيينة: لا يمنعن أحداً الدعاء ما يعلم في نفسه من
التقصير، فإنه تعالى أجاب دعاء شر خلقه إبليس. إذ قال: رب أنظرني إلى يوم
(١) ((فتح الباري)) (١٤٠/١١).
٣٣٠
-----

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٣) حديث
فَإِنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٨٠ - كتاب الدعوات، ٢١ - باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له .
ومسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ٣ - باب العزم
بالدعاء، ولا يقل إن شئت، حديث ٩.
٢٩/٤٨٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي
تُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ ◌ّ قَالَ:
(يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ. فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)) .
أخرجه البخاريّ في: ٨٠ - كتاب الدعوات، ٢٢ - باب يستجاب للعبد ما لم يعجل.
ومسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ٢٥ - باب بيان
أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل، حديث ٩٠.
يبعثون، وفي الترمذي(١)، عن أبي هريرة مرفوعاً: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة،
واعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل لا وٍ (فإنه) تعالى (لا مكره) بكسر
الراء (له) تعالى شيءٌ، وفي رواية للبخاري: لا مستكره له، وهما بمعنى، يعني لا
يقدر أحد أن يكرهه على فعل أراد تركه فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
٢٩/٤٨٣ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي عبيد) بضم العين
المهملة وتنوين الدال مصغراً اسمه سعد بن عبيد (مولى) عبد الرحمن (بن
أزهر) وقيل غير ذلك، كما تقدم في موضعه (عن أبي هريرة، أن رسول الله مَله
قال: يستجاب) ببناء المجهول من الاستجابة بمعنى الإجابة (لأحدكم) أي
بشروط الإجابة، وفي رواية لمسلم: ((يستجاب للعبد)) (ما) ظرف ليستجاب
بمعنى المدة أي مدة كونه (لم يعجل) بفتح المثناة التحتية والجيم بينهما عين
ساكنة (فيقول): بالفاء تفسير لقوله: ما لم يعجل (قد دعوت) بتاء المتكلم (فلم
يستجب لي) بضم المثناة التحتية وفتح الجيم.
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٧٩).
٣٣١

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٤) حديث
٣٠/٤٨٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي
عَبْدِ اللَّهِ الأَغَرِّ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ،
قال الباجي(١): قوله: يستجاب لأحدكم إلخ يحتمل معنيين: أحدهما: أن
يكون بمعنى الإخبار عن وجوب وقوع الإجابة. والثاني: الإخبار عن جواز
وقوعها فإذا كانت بمعنى الإخبار عن الوجوب فالإجابة تكون لأحد الثلاثة
أشياء: إما أن يُعَجّل ما سأل فيه، وإما أن يُكَفِّر عنه به، وإما أن يدَّخِر له، فإذا
قال: دعوت فلم يستجب لي، بطل وجوب أحد هذه الثلاثة الأشياء، وعري
الدعاء من جميعها، وإذا كان بمعنى جواز الإجابة، فالإجابة حينئذٍ تكون بفعل
ما دعا به خاصةً، ويمنع من ذلك قول الداعي: قد دعوت فلم يستجب لي،
لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسخط، انتهى.
ولمسلم والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يزال يستجاب
للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وما لم يستعجل، قيل: وما الاستعجال؟
قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك
ويدع الدعاء))، قال ابن بطال: المعنى: أنه يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمانٌ
بدعائه، أو أنه أتى من الدعاء، ما يستحق به الإجابة فيصير كالمبخل للرب
الكريم الذي لا تعجزه الإجابة ولا ينقصه العطاء، قاله الحافظ(٢). ولذا قيل:
من له ملالة من الدعاء لا يقبل دعاؤه، ومعلومٌ أن من دقّ بابَ كريمٍ فُتِحَ.
٣٠/٤٨٤ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي عبد الله) سلمان
بسكون اللام (الأغر) بفتح الغين المعجمة وشد الراء الجهني، مولاهم المدني،
أصله من أصبهان من مشاهير التابعين، اختلفوا في أنه هو وأبو مسلم الكوفي
واحد أو اثنان، والجمهور على الثاني. (وعن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن
عوف القرشي عطف على أبي عبد الله، قال ابن عبد البر: من رواة ((الموطأ))
(١) ((المنتقى)) (٣٥٧/١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٤١/١١).
٣٣٢
---

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٤) حديث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّْ قَالَ
من لا يذكر أبا سلمة، قال: والحديث منقول من طرق متواترة ووجوه كثيرة عن
النبي ◌َ ﴿، كذا في ((التنوير)).
قلت: وعنهما أخرجه البخاري في ((صحيحه))، قال الحافظ: وفي رواية
عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو
عبد الله الأغر صاحب أبي هريرة أن أبا هريرة أخبرهما، انتهى.
(عن أبي هريرة) قال الترمذي: وروي هذا الحديث من أوجه كثيرة عن
أبي هريرة، عن النبي وَلّ. وذكر العيني(١) الطرق عن أبي هريرة مبسوطاً،
فارجع إليه لو شئت، (أن رسول الله ﴿ لل قال): قال الترمذي(٢)، بعد أن أخرج
حديث أبي هريرة: وفي الباب عن علي وأبي سعيد ورفاعة الجهني وجبير بن
مطعم وابن مسعود وأبي الدرداء وعثمان بن أبي العاص - رضي الله عنهم -،
قال العيني: وفي الباب أيضاً عن جابر بن عبد الله وعبادة بن الصامت،
وعقبة بن عامر، وعمرو بن عنبسة، وأبي الخطاب، وأبي بكر الصديق،
وأنس بن مالك، وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وأبي ثعلبة الخشني
وعائشة وابن عباس ونواس بن سمعان وأم سلمة وجد عبد الحميد بن سلمة،
ثم ذكر العلامة تخريج هذه الروايات، وإنما أشرت إلى كثرة هذه الروايات لأن
بعض الجهلة ينئون عن أمثالها لقلة فهمهم وكثرة جهلهم.
قال العيني(٣): إن المعتزلة أو أكثرهم والخوارج أنكروا صحة تلك
الأحاديث الواردة في هذا الباب، وهو مكابرة، والعجب أنهم أوّلوا ما ورد من
ذلك في القرآن، وأنكروا ما ورد في الحديث إما جهلاً وإما عناداً، وحكى
(١) ((عمدة القاري)) (١٩٦/٧/٤).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٤٩٨).
(٣) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٠٠/٧/٤).
٣٣٣

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٤) حديث
((يَنْزِلُ رَبُّنَا،
ابن حبان في ((كتاب السنة)) عن أبي زرعة قال: هذه الأحاديث المتواترة عن
رسول الله ◌َ﴾: ((إن الله تعالى ينزل كل ليلة))، قد رواه عدة من الصحابة، وهي
عندنا صحاح قوية، وروى البيهقي في (كتاب الأسماء والصفات)) عن أبي محمد
ابن أحمد المزني يقول: حديث النزول قد ثبت عنه { 18 من وجوه صحيحة،
وورد في التنزيل ما يصدقه، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَقًّا
صَفّا(چچا﴾، انتھی.
(ينزل ربنا) اختلف في ضبطه فقيل: بضم الياء من الإنزال فيكون مُعَدَّى
إلى مفعول محذوف أي ينزل الله ملكاً، والدليل على صحته رواية النسائي من
حديث الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعاً: ((إن الله عز وجل يمهل حتى
يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر منادياً يقول: هل من داع فيستجاب له)»،
الحديث. وصححه عبد الحق. وعلى هذا فلا إشكال في الرواية، وأما على ما
هو المشهور في ضبطه وهو بفتح الياء من النزول فمشكل، لما فيه من معنى
الانتقال، ويؤيد هذه الرواية ما في مسلم بلفظ: ((يتنزل ربنا)) بزيادة التاء.
قال البيضاوي: لما ثبت بالقواطع أنه سبحانه وتقدس منزه عن الجسمية
والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض
منه، انتهى.
فالعلماء في ذلك على قسمين: الأول: المفوّضة، قال الزرقاني(١):
فالراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا على طريق الإجمال
منزهين للَّه تعالى عن الكيفية والتشبيه، ونقله البيهقي وغيره عن الأئمة الأربعة
والسفيانين والحمادين والليث والأوزاعي وغيرهم، وقال البيهقي: هو أسلم،
يدل عليه اتفاقهم على أن التأويل المعين لا يجب، فحينئذ التفويض أسلم،
انتھی .
(١) ((شرح الزرقان)) (٣٥/٢).
٣٣٤
---
-----

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٤) حدیث
والقسم الثاني: المُؤَوِّلَةُ، واختلفوا في تأويله على أنحاءٍ، منها: قال
ابن العربي: إن النزول راجع إلى أفعاله لا إلى ذاته بل ذلك عبارة عن نزول
ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه، فالنزول حسيّ، صفة الملك المبعوث بذلك، أو
معنوي بمعنى لم يفعل، ثم فعل، فسُمِّي ذلك نزولاً من مرتبة إلى مرتبة يعني أنه
استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم، وحكي عن مالك - رضي الله
عنه -: أنه أَوَّله بنزول رحمته وأمره أو ملائكته كما يقال: فعل الملك كذا أي
أتباعه بأمره.
وقال ابن عبد البر(١): قال قوم: يُنْزل رحمته وأمره وليس بشيء، لأن
أمره بما يشاء من رحمته ونعمته ينزل بالليل والنهار بلا توقيت ثلث الليل ولا
غيره، ولو صح ذلك عن مالك لكان معناه أن الأغلب في الاستجابة ذلك
الوقت .
وقال الباجي(٢): إخبار عن إجابة الدعاء في ذلك الوقت وإعطاء السائلين
ما سألوه، وتنبيه على فضيلة الوقت كما روي، ((يقول الله تعالى: إذا تقرب إليّ
عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً)) الحديث، لم يرد التقرب في المسافة إنما أراد
التقرب بالعمل من العبد والتقرب بالإجابة من الله تعالى.
وفي ((العتبية)): سألت مالكاً عن الحديث الذي جاء في جنازة سعد بن
معاذ في العرش، فقال: لا يتحدثن به وما يدعو الإنسان إلى أن يتحدث به،
وهو يرى ما فيه من التغرير. وحديث: ((إن الله خلق آدم على صورته))، وحديث
الساق، قال ابن القاسم: لا ينبغي لأحد يتقي الله أن يحدث بمثل هذا، قيل:
فالحديث الذي جاء إن الله سبحانه ضحك؟ فلم يره من هذا وأجازه، وقال:
وحديث النزول يحتمل أن يفرق بينهما من وجهين:
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٢/٨).
(٢) ((المنتقى)) (٣٥٧/١).
٣٣٥

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٤) حديث
تَبَارَكَ وتَعَالَى، كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ
الآخِرُ.
أحدهما: أن حديث التنزل والضحك أحاديث صحاح لم يطعن في شيء
منهما وحديث اهتزاز العرش قد تقدم الإنكار له والمخالفة فيه من الصحابة،
وحديث الصورة والساق ليست أسانيدها تبلغ في الصحة درجة حديث التنزل.
والوجه الثاني: أن التأويل في حديث التنزل أقرب وأبين والغرر بسوء
التأويل فيهما أبعد، والله أعلم، انتهى.
(تبارك وتعالى) جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، وهو (كل ليلة) في
وقت خاص كما سيأتي (إلى السماء الدنيا) قيل: عبارة عن الحالة القريبة إلينا،
والدنيا بمعنى القربى، وقيل: ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي
الأنفة من الأرذال وقهر الأعداء والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات
الجمال والإكرام للرحمة والعفو (حين يبقى ثلث) بضم لام وسكونه (الليل)
بالجر (الآخر) بالرفع صفة ثلث، والتخصيص بالليل والثلث الآخر؛ لأنه وقت
سكون، ووقت التهجد وغفلة الناس عن التعرض لنفحات رحمته تعالى، فتكون
النية خالصة، والرغبة وافرة.
ولم تختلف الروايات عن الزهري في تعيين الوقت، واختلف عن
أبي هريرة في ذلك، وجملة ما روي عنه خمس روايات.
إحداها المذكورة، وهي رواية مالك بن أنس وإبراهيم بن سعد وشعيب بن
أبي حمزة ومعمر بن راشد ويونس بن يزيد ومعاذ بن يحيى وعبيد الله بن أبي زياد
وعبد الله بن أبي زياد بن سمعان وصالح بن الأخضر كلهم عن ابن شهاب، وهكذا
رواه الأعمش عن أبي صالح ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة
ويحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن أبي هريرة، قاله العيني(١).
والثانية: رواية أبي سلمة وغيره عنه بلفظ: ((حين يمضي ثلث الليل
(١) ((عمدة القاري)) (٤٨٥/٥).
٣٣٦
--

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٤) حديث
الأول)). والثالثة: ((حين يبقى نصف الليل الآخر)) وقد روي بعدة طرق.
والرابعة: رواية سعيد بن مرجانة عنه: ((ينزل الله تعالى شطر الليل أو ثلث الليل
الآخر)) على الشك أو التنويع. والخامسة: رواية المقبري عنه: ((إذا مضى نصف
الليل أو ثلثه))، وكذا اختلف في ذلك عن غير أبي هريرة، وجملة ما روي في
ذلك ست روايات الخمسة المذكورة. والسادسة: الإطلاق.
قال العيني: أما رواية الإطلاق فلا يعارض التقييد بل يحمل عليه، وأما
الاختلاف في التعيين، فقد صار بعض العلماء إلى الترجيح، كالترمذي(١) إذ
قال: قد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبي هريرة عن النبي وقّ أنه
قال: ((ينزل الله تعالى حين يبقى ثلث الليل الآخر))، وهذا أصح الروايات،
انتهى. إلا أنه عَبَّرَ بالأصح، فلا يقتضي تضعيف غير تلك الرواية، وأما
القاضي عياض فعبَّر في الترجيح بالصحيح، فاقتضى ضعف الرواية الأخرى،
وردّه النووي بأن مسلماً رواها في ((صحيحه)) بإسناد لا يطعن فيه عن صحابيين،
فكيف يضعفها، وإذا أمكن الجمع ولو على وجه، فلا يصار إلى التضعيف،
قال: ويحتمل أن يكون ◌َّ أعلم بأحد الأمرين في وقت فأخبر به، ثم أعلم
بالآخر في وقت آخر فأعلم به، وسمع أبو هريرة الخبرين فنقلهما جميعاً.
قال الحافظ (٢): ويحتمل أن يجمع بأن ذلك يقع بحسب اختلاف
الأحوال، لكون أوقات الليل تختلف في الزمان وفي الآفاق باختلاف تقدم
الليل عند قوم وتأخره عند آخرين، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون النزول يقع
في الثلث الأول والقول يقع في النصف وفي الثلث الثاني. وقيل: يحمل على
أن ذلك يقع في جميع الأوقات التي وردت بها الأخبار، وأن النبي ◌َّ أعلم
بأحد الأمور في وقت، فأخبر به، ثم أعلم به في وقت آخر فأخبر به، انتهى.
(١) أخرجه الترمذي (٤٤٦).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣١/٣).
٣٣٧

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٤) حديث
فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي
فَأَغْفِرَ لَهُ؟» .
أخرجه البخاريّ في: ٩٧ - كتاب التوحيد، ٣٥ - باب قول الله تعالى:
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوْ كَمَ اَللَّهِ﴾.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٢٤ - باب الترغيب في الدعاء
والذكر في آخر الليل، حديث ١٦٨.
قال القاري(١): ويحتمل أن يكون النزول في بعض الليالي هكذا، وفي
بعضها هكذا، كذا قاله ابن حبان، ويحتمل أن يتكرر النزول عند الثلث الأول
والنصف والثلث الآخر، واختص بزيادة الفضل لحثه على الاستغفار بالأسحار
ولاتفاق ((الصحيحين) على روايته، والأظهر أنه نزول تجلِّ فلا يختص بزمان
دون زمان، وإنما ذكر هذه الأوقات بحسب أزمنة القائمين عن أرباب الكمال،
انتھی .
(فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟) أي أجيب دعاءه فليست السين للطلب،
وهو منصوب على تقدير أن في جواب الاستفهام، أو مرفوع على الاستئناف، قاله
القاري (ومن يسألني) شيئاً (فأعطيه؟) بفتح الياء وضم الهاء أو بسكون الياء وكسر
الهاء (ومن يستغفرني فأغفر له؟) ذنوبه ولم تختلف الروايات عن الزهري في
الاقتصار على الثلاثة، وزيد في الروايات «هل تائب فأتوب عليه؟ ومن ذا الذي
يسترزقني فأرزقه؟ من ذا الذي يستكشف الضر فأكشف عنه؟ ألا سقيم يستشفي
فيشفى))، وفي مسلم(٢): ((ثم يبسط يديه ويقول: من يُقْرض غير عديم ولا ظلوم))،
وفي معظم الروايات زيادة: ((حتى يطلع الفجر)) كما في مسلم وغيره، وفي
النسائي: ((حتى تحل الشمس)) شاذة، قاله الحافظ وتبعه الزرقاني(٣).
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٤٥/٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٧١) كتاب صلاة المسافرين وقصرها .
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٦/٢).
٣٣٨

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٥) حديث
٣١/٤٨٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ:
ثُمْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾. فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَسْتُهُ
بِيَذِي. فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ،
٣١/٤٨٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن
إبراهيم بن الحارث التيمي) تيم قريش (أن عائشة أمّ المؤمنين) قال ابن
عبد البر(١): لم يختلف رواة ((الموطأ)) عن مالك في إرساله، وهو مسند من
حديث الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة، ومن حديث عروة عن عائشة من
طرق صحاح ثابتة، ثم أخرجه عن الوجهين. قال السيوطي: وحديث الأعرج
أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
(قالت: كنت نائمة إلى جنب رسول الله (﴾ ففقدته) بفتح القاف ضد
صادفت، وفي رواية: افتقدته وهما بمعنى أي عدمته (من الليل) وفي ((المشكاة))
عن مسلم: فقدت رسول الله 8# ليلة من الفراش (فلمسته بيدي) وفي رواية:
فالتمسته في البيت وجعلت أطلبه بيدي (فوضعت يدي) وفي مسلم: فوقعت
يدي، قال القاري: بالإفراد (على قدميه) زاد في رواية: وهما منصوبتان،
وظاهر الحديث يدل على أن اللمس لا ينقض الوضوء لاستقراره رقم ٣ في
الصلاة، وأوّله الطيبي بأن يمكن أن يقال: إن بين اللامس والملموس كان
حائلاً، وأوّله الزرقاني إلى مسلكه، فقال فيه: إن اللمس بلا لذة لا ينقض
الوضوء، واحتمال أنه كان فوق حائل خلاف الأصل، انتهى. (وهو ساجد)
واختلفت الروايات في هذا اللفظ، فروي هكذا، وفي ((المشكاة)) عن مسلم:
(وهو في المسجد))، بفتح الجيم وكسر الجيم مختلف في ضبطه، وفي بعضها :
((في السجدة))، وفي بعضها: ((في السجود)»، قاله القاري(٢).
(١) انظر: ((التمهيد)) (٣٤٨/٢٣).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢١/٢).
٣٣٩

١٥ - كتاب القرآن
(٨) باب
(٤٨٥) حديث
يَقُولُ: ((أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ
مِنْكَ، لَا أَحْصِي ثَنَاءَ عَلَيْكَ، أَنْتَ كَما أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)).
أخرجه مسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٤٢ - باب ما يقال في الركوع
والسجود، حديث ٢٢٢.
(يقول) وفي رواية: فسمعته يقول: (أعوذ برضاك) وفي رواية: اللهم إني
أعوذ برضاك (من سخطك) أي من فعل يوجب سخطك عليّ أو على أمتي
(وبمعافاتك) أي بعفوك وأتى بالمفاعلة للمبالغة أي بعفوك الكثير (من عقوبتك)
وفي إضافتها كالسخط إليه دليل لأهل السنة على جواز إضافة الشر إليه تعالى
كالخير، واستعاذ منه بعد استعاذته برضاه لاحتمال أن يرضى من جهة حقوقه
ويعاقب على حقوق غيره (وبك منك) قال عياض: ترِقُّ من الأفعال إلى منشئ
الأفعال، مشاهدة للحق وغيبة عن الخلق الذي هو محض المعرفة الذي لا يعبّر
عنه قول، ولا يضبطه وصف، فهو محض التوحيد وقطع الالتفات إلى غيره.
(لا أحصي ثناء عليك) قال ابن الأثير: أي لا أبلغ الواجب في الثناء
عليك، وقال الراغب: أي لا أحصل ثناء لعجزي عنه إذ هو نعمة تستدعي
شكراً، وهكذا إلى غير نهاية، وقيل: الإحصاء العدُّ بالحصى أي لا أعدّ أي لا
أقدر على الإحصاء بجميع الثناءات، أو لا أقدر على الإتيان بفرد منها يفي
بنعمةٍ من نعمه، وقال ابن عبد البر: روينا عن مالك أن معناه: وإن اجتهدت
في الثناء عليك فلن أحصي نعمك ومنتك وإحسانك.
(أنت) مبتدأ وخبره (كما أثنيت) ما موصوفة أو موصولة والكاف بمعنى
المثل (على نفسك) أي ذاتك، قال النووي: فيه اعتراف بالعجز عن الثناء عليه
وأنه لا يقدر على بلوغ حقيقته، فوكل ذلك إليه سبحانه المحيط بكل شيء جملة
وتفصيلاً، وكما أنه لا نهاية للثناء عليه، لأن الثناء تابع للمثنى عليه، فكل شيء
أثني عليه به وإن كثر وطال، وبولغ فيه، فقدر الله أعظم، وسلطانه أعزّ،
وصفاته أكثر وأكبر، وفضله أوسع وأسبغ.
٣٤٠