النص المفهرس
صفحات 301-320
١٥ - كتاب القرآن (٥) باب (٤٧٠) حديث خلافاً، وقد دلت عليه الأحاديث، فأما السامع غير القاصد فلا يستحبُّ له، روي ذلك عن عثمان وابن عباس وعمران، وبه قال مالك، وقال أصحاب الرأي: عليه السجود، وروي نحو ذلك عن ابن عمر والنخعي وسعيد بن جبير ونافع وإسحاق؛ لأنه سامع للسجدة، فكان عليه السجود كالمستمع، وقال الشافعي: لا أؤكد عليه السجود وإن سجد فحسنٌ. ولنا ما روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قال: إنما السجدة على من استمع، وقال ابن مسعود وعمران: ما جلسنا لها، وقال سلمان: ما غدونا لها، ونحوه عن ابن عباس، ولا مخالف لهم في عصرهم إلا قول ابن عمر - رضي الله عنهما -: إنما السجدة على من سمعها، فيحتمل أنه أراد من سمع عن قصد جمعاً بين أقوالهم، ويشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن يصلح أن يكون إماماً، فإن كان صبياً أو امرأة فلا يسجد السامع رواية واحدة، إلا أن يكون ممن يصحُّ له أن يأتمُّ به، وممن قال: لا يسجد إذا سمع المرأة قتادة ومالك والشافعي وإسحاق، وقال النخعي: هي إمامك، وإذا لم يسجد التالي لم يسجد المستمع، وقال الشافعي: يسجد، انتهى. قلت: ما حكي عن الإمام الشافعي يخالفه فروعه، إذ صرحوا بأنه يسن للسامع ويؤكد على المستمع، وأوَّل ابن حجر في ((التحفة)) ما ورد من قوله: استمع أنه بمعنى سمع، وفي ((البرهان)) من فروع الحنفية: وعلماؤنا والشافعي لم يشترطوا ذكورة التالي، ولا تكليفه لسجود السامع، وشرطها مالك لقوله وَئيه لتالٍ عنده لم يسجد: «كنت إمامنا لو سجدت لسجدنا معك))، ولذا ينبغي أن لا يرفع السامعون رؤوسهم قبل رفع التالي إذا سجدوا معه، والمرأة وغير المكلف لا تصلح إمامتهما، قلنا: المراد منه كنت حقيقاً أن تسجد قبلنا لا حقيقة الإمامة، ألا ترى أن المتوضئ يسجد لتلاوة المحدث مع أنه لا يصلح إماماً له في الحال، انتهى. ٣٠١ ١٥ - كتاب القرآن (٦) باب (٤٧١) حديث (٦) باب ما جاء في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ و﴿تَبَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ # ٣ ٤٧١/ ١٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ قلت: ومستدل الحنفية والشافعية عموم ما ورد من السجدة على السامع، وما رووه مرسلٌ لا تقوم به حجة عندهم، ويؤيد الحنفية قوله عزّ اسمه: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُوا﴾ الآية. فإنه علّق الحكم بالقراءة عليهم أعمّ من أنهم استمعوا أم لا، وحكى العيني عن إبراهيم ونافع وسعيد بن جبير أنهم قالوا : من سمع السجدة فعليه أن يسجد، وعن إبراهيم بسند صحيح: إذا سمع الرجل السجدة وهو يصلي فليسجد، وعن الشعبي: كان أصحاب عبد الله إذا سمعوا السجدة سجدوا في صلاة كانوا أو غيرها . (٦) ما جاء في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ و﴿تَبَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ أي ما ورد من الأجر المخصوص في قراءة هاتين السورتين. ١٧/٤٧١ - (مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله) بن عبد الرحمن (بن أبي صعصعة) بصادين بعد كل عين مهملات، قال الحافظ: ومنهم من يسقط عبد الرحمن من نسبه (عن أبيه) عبد الله بن عبد الرحمن المذكور، قلت: هكذا رواه البخاري عن مالك، قال الحافظ: هذا هو المحفوظ، وكذا هو في ((الموطأ)). وأخرج الدارقطني والإسماعيلي والنسائي بأسانيدهم عن مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه، وكلهم قال: الصواب عبد الرحمن بن عبد الله كما في الأصل (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان (أنه سمع) ولفظ البخاري بهذا السند: عن أبي سعيد أن رجلاً ٣٠٢ ....... ١٥ - كتاب القرآن (٦) باب (٤٧١) حديث رَجُلاً يَقْرَأُ: ﴿قُلُ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ (٣)﴾ يُرَدِّدُهَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ فَذَكَرَ ذُلِكَ لَهُ. وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالَّهَا . سمع (رجلاً) فكأنه أبهم نفسه رجلاً هو قتادة بن النعمان أخو أبي سعيد لأمه كما رواه أحمد وغيره، وبه جزم ابن عبد البر(١) والحافظان ابن حجر والعيني وغيرهم. وكانا متجاورين (يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾) ولفظ الدارقطني عن مالك: إن لي جاراً يقوم بالليل فما يقرأ إلا بـ ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ (يرددها) لأنه لم يحفظ غيرها أو لما جاءه من فضلها وبركتها، قاله أبو عمر(٢). (فلما أصبح) الظاهر أن فاعله أبو سعيد الخدري (غدا) كذا في النسخ المصرية والزرقاني، وأما في النسخ الهندية: جاء (إلى رسول الله صل فذكر ذلك) الذي سمعه في الليل (له) وَ﴾ (وكأنَّ) بشدّ النون أو بالتخفيف فعل ماض (الرجل) بالنصب أو الرفع، والغادي وهو أبو سعيد (يتقالّها) بشد اللام، أي يعتقد أنها قليلة في العمل لا التنقيص. وفي رواية: يقللها، وفي أخرى: يستقلها . قال الباجي(٣): يحتمل أن يكون الغادي هو الرجل القارئ فذكر له وعيلة صَلىالله أنه تهجد بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ وكأنه يراها قليلاً، ويتأسف إذ لا يحسن غيرها ليتهجد به، ويحتمل أن يكون الغادي أبو سعيد، انتهى. قلت: وهو الظاهر لما تقدم من رواية الدارقطني: ((إن لي جاراً يقوم بالليل))، الحديث. ويؤيد الاحتمال الثاني ما في رواية للبخاري عن أبي سعيد: أخبرني أخي قتادة بن النعمان: أن رجلاً قام في زمن النبي ◌َّ يقرأ من السحر ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ لا يزيد عليها، فلما أصبحنا أتى الرجل النبي ◌َّر، نحوه، اللّهم إلا أن يقال: إن هذه قصة أخرى. (١) انظر: «التمهيد)) (٢٢٧/١٩). (٢) ((الاستذكار)) (١١٥/٨). (٣) ((المنتقى)) (٣٥٣/١). ٣٠٣ ١٥ - كتاب القرآن (٦) باب (٤٧١) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)). أخرجه البخاريّ في: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، ١٣ - باب فضل - قل هو الله أحد -. (فقال رسول الله وَمّله: والذي) بواو القسم (نفسي بيده) قسم على معنى التأكيد وصدق الخبر (إنها) أي سورة الإخلاص (لتعدل ثلث القرآن) اختلفت المشايخ في معنى كونها ثلث القرآن على أقوال، قال الباجي(١): يحتمل أن يريد أن للقارئ بها من الأجر ما للقارئ بثلث القرآن، ويحتمل أن يريد بذلك لمن لا يحسن غيرها ومنعه من تعلمها عذر، ويحتمل أن أجرها مع التضعيف يعدل ثلث القرآن بغير تضعيف، ويحتمل أن أجرها لذلك القارئ، أو القارئ على صفة ما من الخشوع والتفكر والتدبر وإحضار الفهم، مثل أجر من قرأ الثلث على غير هذه الصفة، والله يضاعف لمن يشاء، انتهى. وقيل: هذا باعتبار المعاني، فإن القرآن أحكام وأخبار وتوحيد، فاشتملت السورة على الثالث، واعترض عليه ابن عبد البر بأن في القرآن آيات كثيرة أكثر مما فيها من التوحيد كآية الكرسي وآخر الحشر، وأجاب عنه القرطبي: بأنها اشتملت على اسمين من أسمائه تعالى، متضمنين جميع أوصاف الكمال لم يوجدا في غيره، وهما الأحد، الصمد، لأن الأحد يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشارك فيه غيره، والصمد يشعر بجميع صفات الكمال، وقيل: إن القرآن ثلاثة علوم: التوحيد، والشرائع، وتزكية النفس، وهي متضمنة للقسم الأشرف، وهو التوحيد، وقيل: علوم القرآن ثلاثة: قصص، وأحكام، وصفات، وهي تشتمل الثالثة، قاله القاري(٢). وقيل: معناه: أن الرجل لم يزل يرددها حتى بلغ ترديده لها ثلث القرآن، وهو بعيد لرواية: أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: وكيف؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ ثلث القرآن، أو كما قال. (١) ((المنتقى)) (٣٥٣/١). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٤٩/٤). ٣٠٤ ! ١٥ - كتاب القرآن (٦) باب (٤٧٢) حديث ١٨/٤٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ الرَّحْمُنِ، وقيل: السكوت في هذه المسألة وأشبهها أفضل من الكلام فيها. قال السيوطي(١): وإلى هذا نحا جماعة كابن حنبل وابن راهويه، وإياه أختار، فهو من المتشابه الذي لا يدرى معناه، وفي ((جمع الفوائد)) عن أبي هريرة رفعه: ((احشروا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحشر من حشر ثم خرج وعليه فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾﴾ ثم قال: ((إنها تعدل ثلث القرآن))، لمسلم والترمذي، وعن أنس: أن النبي ◌ّ قال لرجل من أصحابه: ((هل تزوجت يا فلان))؟ قال: لا والله ولا عندي ما أتزوج به، قال: ((أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ٣)﴾؟» قال: بلى، قال: ((ثلث القرآن)) الحديث. ١٨/٤٧٢ - (مالك، عن عبيد الله) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندنا من الهندية والمصرية، وهكذا ضبطه الزرقاني فقال: بضم العين، وللقعنبي ومطرف: عبد الله بفتحها، قال ابن عبد البر: الصواب الأول، انتهى. وقال السيوطي في ((الإسعاف))(٢): عبيد الله، ويقال: عبد الله. قلت: والحديث أخرجه الترمذي والنسائي فقالا: عبيد الله (بن عبد الرحمن) اختلف في اسم جده، فقيل: السائب بن عمير، وبهذا جزم الزرقاني في ((شرحه))، وقال الحافظ في ((تهذيبه)) قيل: هو ابن السائب بن عمير، وقيل: ابن أبي ذباب، وكذا قال السيوطي في ((الإسعاف)) لكنه بدل ابن عمير بابن عمرو، والظاهر أنه تصحيف من الناسخ، وذكره ابن حبان وابن أبي حاتم بعبيد الله بن عبد الرحمن، ولم ينسباه إلى جده، وفرّقا بينه وبين عبيد الله بن عبد الرحمن بن السائب، فذكرا هذا الحديث في الترجمة الأولى دون الثانية. (١) ((تنوير الحوالك)) (٢١٧/١). (٢) (ص١٦٦) و(تهذيب التهذيب)) (٣٠/٧) و((الكاشف)) (٢٨٤٧). ٣٠٥ ١٥ - كتاب القرآن (٦) باب (٤٧٢) حديث عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنِ، مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّاب؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ،وَلَ. فَسَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأْ: ﴿قُلْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَلَ: ((وَجَبَتْ)) فَسَأَلْتُهُ: هُوَ اللَّهُ أَحَدُ وعبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذباب رجل آخر ذكره أهل الرجال، والراجح في اسمه عبد الله، وفرَّق ابن أبي حاتم بين عبيد الله هذا وبين عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ذباب أيضاً، فتأمل. ثم عبيد الله هذا قال السيوطي في ((الإسعاف)) (١): قال أبو حاتم: شيخ وحديثه مستقيم، وفي ((هامشه)): قال ابن الحذاء: هذا من الرجال الذين أكتفي في معرفتهم برواية مالك عنه. وفي ((التقريب)): صدوق من السادسة. (عن عبيد)(٢) بضم العين مصغراً (ابن حنين) بنونين مصغراً أبو عبد الله المدني، ثقة قليل الحديث من رواة الستة، قلت: أخرج الترمذي روايته هذه بلفظ: أبي حنين، وقال في آخر الحديث: أبو حنين هو: عبيد بن حنين، لكن لم يذكر أهل الرجال كنيته هذه، مات سنة ١٠٥ هـ وله ٧٥ سنة، ويقال: أكثر من ذلك. (مولى آل زيد بن الخطاب) هكذا في رواية النسائي، وفي رواية الترمذي: مولى لآل زيد بن الخطاب، أو مولى زيد بن الخطاب بالشك، وزيد هو أخو عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، وقال محمد بن إسحاق والزبير بن بكّار: مولى الحكم بن أبي العاص، وفي ((تهذيب الحافظ)): يقال: مولى بني زريق، وقال المقدسي: قال ابن عيينة: مولى العباس، وقيل: هذا لا يصح. (أنه قال: سمعت أبا هريرة) - رضي الله عنه - (يقول: أقبلت مع رسول الله (َّ فسمع) وَلّ (رجلاً) لم يسم (يقرأ) في الصلاة أو خارجها (قل هو الله أحد) أي السورة بتمامها (فقال رسول الله (وَل: وجبت، فسألته) عَل (١) (ص١٦٩) وانظر: ((تقريب التهذيب)) (٥٣٦/١) و((تهذيب التهذيب)) (٣٠/٧). (٢) انظر: ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) (٦٣/٧) و((سير أعلام النبلاء)) (٦٠٥/٤). ٣٠٦ -- ١٥ - كتاب القرآن (٦) باب (٤٧٢) حديث مَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((الْجَنَّةُ)). فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَيْهِ فَأَبَشِّرَهُ. ثُمَّ فَرِقْتُ أَنْ يَقُوتَنِي الْغَدَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ◌َ. فَثَرْتُ الْغَدَاءَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿٤﴾. ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى الرَّجُلِ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ ذَهَبَ. أخرجه الترمذيّ في: ٤٢ - كتاب ثواب القرآن، ١١ - باب ما جاء في سورة الإخلاص . (ماذا) وجبت (يا رسول الله؟ فقال) وَله: وجبت (الجنة) قال الباجي: يحتمل أن يريد بذلك تنبيه أبي هريرة ومن كان معه على كثرة فضلها وكثرة الثواب لقارئها (قال أبوهريرة) - رضي الله عنه -: (فأردت أن أذهب إلى الرجل) أي إلى القارئ (فأبشره) بهذه البشارة العظيمة (ثم فرقت) بكسر الراء أي خفت (أن يفوتني الغداء) بغين معجمة فدال مهملة ممدوداً (مع رسول الله ◌ٍقَل﴾) قال ابن وضاح: الغداء ههنا صلاة الغداة . قال الباجي(١): ولا يعرف ذلك في كلام العرب، وإنما الغداء ما يؤكل بالغداة، وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - يلزم رسول الله مَّ الشبع بطنه، فكان يتغذَّى معه ويتعشَى، فخاف إن مَرَّ إلى الرجل يُبَشِّرُه أن يغيب عن الغداء معه فيفوته، انتهى . (فآثرت الغداء) الصلاة على رأي ابن وضّاح، والطعام عند الباجي وتبعه الزرقاني، وليس في الهندية (مع رسول الله وَل18) لئلا أضعف عن العبادة لعدم وجود ما أتغدَّى به، لأنه - رضي الله عنه - كان فقيراً جداً في أول أمره (ثم ذهبت إلى الرجل) القارئ لأبشِّره (فوجدته قد ذهب) قال الترمذي: حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث مالك إلا أنه إمام حافظ فلا يضر التفرد . (١) ((المنتقى)) (٣٥٤/١). ٣٠٧ ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٣ - ٤٧٤) حديث ١٩/٤٧٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. وَأَنَّ ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا . (٧) باب ما جاء في ذكر الله تبارك وتعالى ٤٧٤ /٢٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي صَلىالله وسيلة بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «مَنْ قَالَ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ ١٩/٤٧٣ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن حميد) بضم الحاء المهملة (ابن عبد الرحمن بن عوف) الزهري (أنه أخبره أن ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ ﴾ تعدل ثلث القرآن) وهذا لا يعرف بالرأي بل بالتوقيف، وقد روي متصلاً بوجوه كثيرة تقدم بعضها (وأن) سورة (تبارك الذي بيده الملك تجادل) أي تخاصم وتدفع غضب الرب وعذاب القبر (عن صاحبها) أي من يكثر قراءتها فإن صاحب الرجل ملازم له، وقد ورد في عدة روايات(١) مرفوعة أنها تشفع لصاحبها، وتخاصم عنه حتى أدخلته الجنة. (٧) ما جاء في ذكر الله تبارك وتعالى أي في ثوابه والفضل في كثرته . ٢٠/٤٧٤ - (مالك، عن سمي) بضم السين المهملة وفتح الميم وشد التحتية (مولى أبي بكر) بن عبد الرحمن المخزومي (عن أبي صالح السمان) ذكوان بن صالح (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - (أن رسول الله مَّل قال: من قال: لا إله إلا الله) اختلف في تقديره على أقوال ذكر بعضها الزرقاني (وحده) (١) انظر: ((التمهيد)) (٢٥٢/٧) وما بعدها و(٢٢٧/١٩). ٣٠٨ ۔ --- -- ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٤) حديث لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فِي يَوْم مِائَةَ مَرَّةٍ. كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنّْةً مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَّهُ حِرْزًاً مِنَ الشَّيْطَانِ، بَوْمَهُ ذُلِكَ حَتَّى يُسْسِيَ. وَلَمْ يَأْتِ أَخَذٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ. أخرجه البخاريّ في: ٥٩ - كتاب بدء الخلق، ١١ - باب صفة إبليس وجنوده. ومسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ١٠ - باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، حديث ٢٨. حال، وكذا قوله: (لا شريك له) حال ثانية مؤكدة لمعنى الأولى (له الملك) بضم الميم (وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير) حال أيضاً، ويحتمل العطف. (في يوم مائة مرة كانت) وفي رواية: كان، أي القول المذكور (له عدل) بفتح العين أي مثل، قال ابن التين: قرأناه بفتح العين، وقال الأخفش: بالكسر المثل، وبالفتح مصدر لقولك: عدلت لهذا عدلاً حسناً، كذا في (العيني))(١). وقال الفراء: العدل بالفتح ما عدل الشيء من غير جنسه، وبالكسر المثل، كذا في ((الفتح))(٢). وفي ((المجمع)): عدل ذلك مثله، فإذا كسر العين فهو بزنته يعني هو بفتح العين بمعنى مثله بكسر الميم وبكسر العين بمعنى زنة ذلك أي موازنة قدراً، وحديث عشر رقاب بالفتح أي مثلها، انتهى بزيادة (عشر) بسكون الشين المعجمة (رقاب) جمع رقبة يعني مثل ثواب إعتاق عشر رقاب (وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً) بكسر الحاء المهملة وسكون الراء وبالزاي أي حصناً (من الشيطان) أي من تسلطه (يومه) بالنصب على الظرفية (ذلك) إشارة إلى اليوم (حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به) أي ممن قرأ بهذا الدعاء (إلا أحد عمل أكثر من ذلك) استثناء منقطع أي لكن (١) ((عمدة القاري)) (٤٨٥/١٥). (٢) ((فتح الباري)) (١١/ ٢٠٢). ٣٠٩ ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٥) حديث ٢١/٤٧٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ - أحد عمل أكثر مما عمل فإنه يزيد عليه، أو متصل بتأويل. قال ابن عبد البر: فيه تنبيه على أن المائة غاية في الذكر وأنه قل من يزيد عليه، وقال: إلا أحد لئلا يظن أن الزيادة على ذلك ممنوعة كتكرار العمل في الوضوء، قاله الزرقاني(١). وقال الباجي(٢): تنبيه على أن هذا غاية في ذكر الله تعالى، وأنه قل ما يزيد عليه، ولذلك قال: ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، ولو لم يفد ذلك لبطلت فائدة الكلام، لأن كل ما أتى إنسان ببعضه فإن أحداً لا يأتي بأفضل مما جاء به إلا من جاء بأكثر من ذلك، لكنه أفاد أن هذا غاية في بابه، ثم قال: إلا رجل عمل لئلا يظن السامع أن الزيادة عليه ممنوعة، ووجه ثان يحتمل أن يريد أنه لا يأتي أحد من سائر أبواب البر بأفضل مما جاء به، إلا رجل عمل من هذا الباب أكثر مما عمله، انتهى. : ثم ظاهر إطلاق الحديث أن الأجر يحصل لمن قاله متوالياً أو مفرقاً في مجلس أو مجالس في أول النهار أو آخره، لكن الأفضل أن يأتي به متوالياً في أول النهار ليكون حرزاً له في سائر النهار وكذا في أول الليل. ٢١/٤٧٥ - (مالك، عن سُميّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح السمّان، عن أبي هريرة) أي بعين السند السابق (أن رسول الله وَلي قال: من قال: سبحان الله وبحمده) الواو للحال أي سبحان الله متلبساً بحمده (في يوم) واحد، وفي رواية سهيل بن سمي عند مسلم: حين يصبح ويمسي (مائة مرة حطت عنه) ببناء المجهول من حط الشيء إذا أنزله وألقاه، ((مجمع)). (خطاياه) أي من (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٦/٢). (٢) ((المنتقى)) (٣٥٤/١). ٣١٠ ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٥) حدیث وَإِنَّ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ». أخرجه البخاريّ في: ٨٠ - كتاب الدعوات، ٦٥ - باب فضل التسبيح. ومسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ١٠ - باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، حديث ٢٨. حقوق الله تعالى؛ لأن حقوق الناس لا تنحط إلا باسترضاء الخصوم، قاله العيني(١). وقال الباجي: يريد أنه يكون كفارة له كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾(٢) (وإن كانت) الخطايا (مثل زبد البحر) كناية عن المبالغة في الكثرة، والزبد: ما يعلو على الماء عند هيجانه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَّةٌ﴾ (٣). قال عياض: وقد يشعر هذا بفضل التسبيح على التهليل، لأن زبد البحر أضعاف أضعاف المائة المذكورة في مقابلة التهليل فيعارض قوله: ((ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به))، ويجمع بينهما بأن التهليل أفضل بما زيد من رفع الدرجات وكتب الحسنات، ثم ما جعل مع ذلك من عتق الرقاب قد يزيد على فضل التسبيح وتكفير الخطايا جميعها؛ لأنه جاء من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار. فحصل بهذا العتق تكفير الخطايا عموماً بعد حصر ما عدد منها خصوصاً مع زيادة مائة درجة، وما زاده عتق الرقاب الزائدة على الواحد، ويؤيده حديث ((أفضل الذكر التهليل))، وأنه أفضل ما قاله هو والنبيون من قبله، على أن التوحيد أصل والتسبيح ينشأ عنه، كذا في ((الفتح))(٤). ثم قال ابن بطال: إن (١) ((عمدة القاري)) (٤٨٩/١٥). (٢) سورة هود: الآية ١١٤. (٣) سورة الرعد: الآية ١٧. (٤) انظر: ((فتح الباري)) (٢٠٦/١١ - ٢٠٧). ٣١١ ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٦) حديث ٢٢/٤٧٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْنِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَبَّحَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ الفضائل الواردة إنما هي لأهل الشرف في الدين والكمال كالطهارة من الحرام، فلا يظن ظانٌّ أن من أدمن الذكر وأصرّ على ما شاء من شهواته وانتهك دين الله وحرماته أن يلتحق بالمطهرين الأقدسين، ويبلغ منازل الكاملين بكلام أجراه على لسانه ليس معه تقوى ولا عمل صالح، كذا في الزرقاني(١)، مختصراً. قلت: ليس معناه أنه يذهب بلا فائدة، فقد أفادني عمي وشيخي عن قطب وقته وبخاري عصره المحدث الكنكوهي - نوّر الله مرقده - أنه قال: إن إجراء اسمه عز شأنه على اللسان كيفما كان وإن كان بغاية الغفلة وارتكاب المعاصي لا يخلو عن فائدة، فليحفظ. -- ٢٢/٤٧٦ - (مالك، عن أبي عبيد) بضم العين المهملة مصغراً بدون الإضافة (مولى سليمان بن عبد الملك) وحاجبه (عن عطاء بن يزيد الليثي) المدني نزيل الشام (عن أبي هريرة أنه قال) قال ابن عبد البر(٢): هكذا هو الحديث موقوف في ((الموطأ))، ومثله لا يدرك بالرأي، وهو مرفوع صحيح عن النبي ◌ُّ من وجوه كثيرة ثابتة من حديث أبي هريرة وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو وكعب بن عجرة وغيرهم، كذا في ((التنوير))(٣). (من سبح) أي قال: سبحان الله (دبر) بضم الدال والموحدة وقد تسكن أي عقب (كل صلاة) ظاهره فرضاً أو نفلاً، وحمله أكثر العلماء على الفرض، لقوله في حديث كعب بن عجرة عند مسلم: ((مكتوبة))، فحملوا المطلقات (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧/٢). (٢) ((التمهيد)) (١٦٠/٢٤). (٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٢١٩). ٣١٢ --- ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٦) حديث ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ، عليه، قال الحافظ (١): وعليه فهل تكون الراتبة بعد المكتوبة فاصلاً بينها وبين الذكر أو لا؟ محل نظر، وقال أيضاً: مقتضى الحديث أن الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فإن تأخر عنه وقَلَّ بحيث لا يكون معرضاً أو كان ناسياً أو متشاغلاً بما ورد أيضاً بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر، قاله الزرقاني(٢). وفي ((الدر المختار)): يكره تأخير السنة إلا بقدر اللهم أنت السلام إلخ، قال الحلواني: لا بأس بالفصل بالأوراد واختاره الكمال، قال الحلبي: إن أريد بالكراهة التنزيهية ارتفع الخلاف. وفي حفظي حمله على القليلة، انتهى. (ثلاثاً وثلاثين) قال الحافظ(٣). وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة إذا رتب عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص، لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصيّة تفوت بمجاوزة ذلك العدد، قال أبو الفضل العراقي في ((شرح الترمذي)): فيه نظر لأنه أتى بالمقدار الذي رتب الثواب على الإتيان به، فحصل له الثواب بذلك، فإذا زاد عليه من جنسه كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله؟ انتهى. ويمكن أن يفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد ثم أتى بالزيادة، فالأمر كما قال العراقي لا محالة، وإن زاد بغير نية بأن يكون الثواب رتب على عشرة مثلاً فرتبه هو على مائة فيتجه القول الماضي، وقد بالغ القرافي في ((القواعد)) فقال: من البدع المكروهة الزيادة في المندوبات (١) ((فتح الباري)) (٣٢٨/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٢٧). (٣) ((فتح الباري)) (٣٣٠/٢). ٣١٣ ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٦) حديث وَكَبَّرَ ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ وَحَمِدَ ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ . المحدودة شرعاً، لأن شأن العظماء إذا حَدَّوا شيئاً أن يُوقَف عنده ويُعَدُّ الخارج عنه مسيئاً للأدب، ومثله بعض العلماء بالدواء إذا زيد فيه أوقية مثلاً لتخلف الانتفاع، انتهى مختصراً. وقال ابن عابدين: لو زاد على العدد قيل: يكره لأنه سوء أدب، وأيد بكونه كدواء زيد على قانونه، أو مفتاح زيد على أسنانه، وقيل: لا، بل يحصل له الثواب المخصوص مع الزيادة، بل قيل: لا يحل اعتقاد الكراهية لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَّةَ بِالَْنَّةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهِ﴾ والأوجه إن زاد لاستدراكه على الشارع فهو ممنوع، انتهى . (وكبر) أي قال: الله أكبر (ثلاثاً وثلاثين وحمد) أي قال: الحمد لله (ثلاثاً وثلاثين) واختلفت الروايات في ترتيب ذكر هذه الثلاثة، وفيه دليل على أن لا ترتيب فيها، ويصرح ذلك حديث مسلم وغيره: أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت. قال الحافظ: يمكن أن يقال: الأولى البداءة بالتسبيح لأنه يتضمن نفي النقائص عن الباري سبحانه وتعالى، ثم التحميد لأنه يتضمن إثبات الكمال له، إذ لا يلزم من نفي النقائص إثبات الكمال، ثم التكبير إذ لا يلزم من نفي النقائص وإثبات الكمال أن لا يكون هناك كبير آخر، ثم يختم بالتهليل الدال على انفراده تعالى بجميع ذلك، انتهى. ثم قال القاري(١): اعلم أن في كل من تلك الكلمات الثلاث روايات مختلفة، فورد التسبيح ثلاثاً وثلاثين، وخمساً وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرة، وثلاثاً، ومرة واحدة، وسبعين، ومائة، وورد التحميد ثلاثاً وثلاثين، وخمساً وعشرين، وإحدى عشرة، وعشرة ومائة، وورد التهليل عشرة، وخمساً (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٣/٢). وانظر: ((بذل المجهود)) (٣٥١/٧ - ٣٥٣). ٣١٤ --- ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٦) حديث وعشرين ومائة، قال العراقي: وكل ذلك حسن، وما زاد فهو أحبُّ إلى الله تعالى، وجمع البغوي بأنه يحتمل صدور ذلك في أوقات متعددة، وأن يكون على سبيل التخيير، أو يفترق بافتراق الأحوال، انتهى. وصح أنه ◌َّ كان يعقد التسبيح بيمينه، وورد أنه قال: ((اعقدوه بالأنامل، فإنهن مسؤولات مستنطقات))، وجاء بسند ضعيف عن علي - رضي الله عنه - مرفوعاً ((نعم المذَكِّر المُسَبِّحة))، وعن أبي هريرة: ((أنه كان له خيط فيه ألف عقدة فلا ينام حتى يسبح به))، وفي رواية: ((كان يسبح بالنوى))، قال ابن حجر: والروايات في التسبيح بالنوى والحصى كثيرة عن الصحابة، وبعض أمهات المؤمنين، بل رآها عليه الصلاة والسلام وأقرَّ عليها، قيل: وعقد التسبيح بالأنامل أفضل من المسَبِّحة، وقيل: إن أمن الغلط فهو أولى، وإلا فهي أولى، انتھی. وفي ((الدر المختار)): لا بأس باتخاذ السبحة لغير رياء كما بسط في ((البحر))، قال ابن عابدين: لما روى أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، عن سعد بن أبي وقاص، أنه دخل مع رسول الله ◌َّل على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح به، فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك، الحديث(١)، فلم ينهها عن ذلك، وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل، ولو كان مكروهاً لبيَّن لها ذلك، انتهى. ثم ظاهر السياق أن يفرد كل ذكر فيسبح ثلاثاً وثلاثين متوالية ثم التحميد كذلك وقيل: يجمع في كل مرة بين التسبيح وما بعده إلى تمام الثلاثة والثلاثين، واختاره بعضهم للإتيان فيه بواو الجمع. قلت: بل هو نص رواية أبي هريرة عند البخاري بلفظ: ((فاختلفنا بيننا (١) أخرجه الترمذي (٥٦٢/٥) (٣٥٦٨). ٣١٥ ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٦) حديث وَخَتَمَ الْمِائَةَ بـ (لا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ) غُفِرَتْ فرجعت إليه، فقال: تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون)). قال الحافظ(١): ظاهره أن أبا هريرة هو القائل، وكذا قوله: ((رجعت إليه)) أي رجع أبو هريرة إلى النبي ◌ّل، وعلى هذا فالخلاف في الصحابة، لكن بيَّن مسلمٌ أن قائل ((فاختلفنا)» هو سُمَيٍّ، وأنه هو الذي رجع إلى أبي صالح، وأن الذي خالفه بعض أهله، فالقول مجموعاً اختيار أبي صالح، والرواية الثابتة عن غيره الإفراد. قال عياض: وهو أولى وأرجح. قال الحافظ: والذي يظهر أن كلاً من الأمرين حسن إلا أن الإفراد يتميز بأمر آخر، وهو أن الذاكر يحتاج إلى العدد، وله على كل حركة لذلك سواء كان بأصابعه أو بغيرها ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث، انتهى. قلت: ويؤيده قوله وَلجر: ((أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت)). (وختم المائة) أي يتم عدد المائة (بلا إله إلا الله وحده) بالنصب على الحال أي منفرداً في ذاته (لا شريك له) في أفعاله وصفاته. عقلاً ونقلاً (له الملك) بضم الميم أي أصناف المخلوقات له خاصة لا لغيره (وله الحمد) أولاً وآخراً (وهو على كل شيء قدير) أي بالغ في القدرة وكامل في الإرادة. وتمام المائة بهذا الكلام يخالف ما ورد من قوله في عدة روايات: يكبر أربعاً وثلاثين، قال النووي(٢): يجمع بين الروايتين بأن يكبر أربعاً وثلاثين، ويقول معه: لا إله إلا الله إلخ. وقال غيره: بل يجمع بأن يختم مرة بزيادة التكبير ومرة بزيادة لا إله إلا الله إلخ. على وفق ما وردت به الأحاديث (غفرت (١) ((فتح الباري)) (٣٢٨/٢ - ٣٢٩). (٢) انظر: ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٩٤/٥). ٣١٦ ---- !!-- ---- ------- ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٧) حديث ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)». أخرجه مسلم مرفوعاً في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٢٦ - باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، حديث ١٤٦. ٤٧٧ / ٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ صَيَّادٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ، فِي الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ: إِنَّهَا أَقَوْلُ الْعَبْدِ: (اللَّهُ أَكْبَرُ. وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ. وَلاَ حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ). ذنوبه) أي الصغائر (ولو كانت مثل زبد البحر) في الكثرة. ٢٣/٤٧٧ - (مالك، عن عمارة) بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن عبد الله (بن صياد) بفتح الصاد المهملة وتشديد المثناة التحتية منسوب إلى جده أبي أيوب المدني، ثقة قليل الحديث، وأبوه عبد الله هو الذي كان يقال له: إنه الدجال، قال الآجري: قلت لأبي داود: وعمارة بن صياد من ولد ابن صياد؟ قال: بلغني هذا عن ابن سعد، وسألت أحمد بن صالح عن هذا فأنكره، ولم يكن له به أدنى علم، انتهى. ومات عمارة في خلافة مروان بن محمد، له عند الترمذي وابن ماجه حديث واحد في الأضحية، وكان مالك - رضي الله عنه - لا يقدم عليه في الفضل أحداً . (عن سعيد بن المسيب أنه) أي عمارة (سمعه) أي سعيداً (يقول) موقوف في ((الموطأ))، وقد ورد هذا المعنى مرفوعاً عن عدة من الصحابة ذكرها السيوطي في ((تفسيره)) (في الباقيات الصالحات) المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَالْبَقِيَتُ الصَّلِحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾(١) سميت بذلك لأنه تعالى قابلها بالفانيات الزائلات في قوله تعالى: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾. (إنها قول العبد) من ذَكَرٍ وأنثى (الله أكبر. وسبحان الله، والحمد لله. ولا إله إلا الله ولا حول) أي لا تحول عن المعصية (ولا قوة) على الطاعة (إلا بالله) العظيم. (١) سورة الكهف : الآية ٤٦. ٣١٧ ...-- ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٨) حدیث ٢٤/٤٧٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: قال السيوطي: أخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله وَّ قال: ((استكثروا من الباقيات الصالحات))، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: ((التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله)). ٢٤/٤٧٨ - (مالك، عن زياد) بكسر الزاي المعجمة وتخفيف الياء المثناة التحتية (ابن أبي زياد)، واسمه ميسرة المخزومي المدني مولى عبد الله بن عياش، ثقة عابد زاهد، قال مالك - رضي الله عنه -: كان عمر بن عبد العزيز يكرمه وكان رجلاً معتزلاً لا يزال وحده، وكان يلبس الصوف ولا يجالس أحداً، قال في ((الخلاصة)): لا يأكل اللحم، له عندهم ثلاثة أحاديث، قال الزرقاني: لمالك عنه مرفوعاً حديث واحد في الدعاء بعرفة سيأتي قريباً، وفي الحج مكرراً، من رواة مسلم وغيره، يقال: إنه كان من الأبدال لم يكن في عصره أفضل منه توفي سنة ١٣٥ هـ (أنه) أي زياد. (قال: قال أبو الدرداء) بفتح الدالين المهملتين بينهما راء ساكنة، اختلف في اسمه فقيل: عويمر مصغراً، وقيل: عامر بن زيد بن قيس الأنصاري، اختلف في اسم أبيه على أقوال كثيرة، صحابي جليل أسلم يوم بدر وأول مشاهده أحد، روي عنه كنت تاجراً قبل البعثة فزاولت بعد ذلك التجارة والعبادة فلم يجتمعا، فأخذت العبادة، وتركت التجارة، قال له رسول الله وَ﴾ يوم أحد: ((نعم الفارس))، وقال: ((حكيم أمتي))، ومناقبه وفضائله كثيرة جداً، توفي في آخر خلافة عثمان - رضي الله عنه -، وقيل: عاش بعد ذلك. ثم الحديث هكذا في ((الموطأ)) موقوفاً ومنقطعاً، وأخرجه الترمذي ٣١٨ 1 ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٨) حديث أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَخَيْرِ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَافَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى. وابن ماجه وغيرهما(١) عن زياد عن أبي بحرية عبد الله بن قيس عن أبي الدرداء مرفوعاً، وأخرجه الحاكم عن زياد بن أبي زياد وأبي بحرية عن أبي الدرداء مرفوعاً، والظاهر أن الواو في رواية الحاكم سهو من الناسخ بدل لفظة عن كما يدل عليه رواية الترمذي وغيره، ولأن أهل الرجال لم يذكروا رواية زياد عن أبي الدرداء، ولأن بين موتيهما أكثر من مائة سنة ولغير ذلك من القرائن. (ألا) حرف تنبيه (أخبركم بخير أعمالكم) أي أفضلها (لكم وأرفعها في درجاتكم) أي منازلكم في الجنة (وأزكاها) أي أطهرها وأنماها (عند مليككم) أي ربكم، قال المجد: الملك بالضم معروف وبالفتح، وككتف وأمير وصاحب ذو الملك. (وخير) بالخفض (لكم من إعطاء) وفي رواية: من إنفاق (الذهب والورق) بكسر الراء الفضة ويسكن (وخير لكم) بالخفض أيضاً (من أن تلقوا عدوكم) أي الكفار (فتضربوا أعناقهم) أي أعناق بعضهم (ويضربوا أعناقكم) أي تقتلوهم ويقتلوكم يعني خير لكم من بذل الأموال والأنفس في سبيل الله (قالوا: بلى) وفي رواية ابن ماجه قالوا: ((وما ذاك يا رسول الله)). (قال: ذكر الله تعالى) فإن سائر العبادات من الإنفاق والجهاد وسائل ووسائط يتقرب بها إلى الله تعالى، والذكر هو المقصود الأسنى، ورأسه لا إله إلا الله، وهي الكلمة العليا، والقطب الذي تدور عليه رحى الإسلام، والقاعدة التي بني عليها أركانه، وأعلى شعب الإيمان، بل هي الكل، وليس غيره، ولذا آثرها العارفون على جميع الأذكار لما فيها من الخواص التي لا تعرف إلا بالوجدان والذوق. (١) أخرجه الترمذي مرفوعاً في كتاب الدعوات (٣٣٧٧)، وابن ماجه في كتاب الأدب (٣٧٩٠)، وأحمد في ((مسنده)) (٤٤٧/٦). ٣١٩ ١٥ - كتاب القرآن (٧) باب (٤٧٨) حديث قال الحافظ (١): المراد بالذكر هنا الذكر الكامل الجامع لذكر اللسان والقلب بالشكر واستحضار عظمة الرب وهذا لا يعدله شيء، وفضل الجهاد وغيره إنما هو بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، وبسط القاري الكلام على المراد من الذكر الشامل للقلبي واللساني، وحكى عن الغزالي أنه قال بعدما دخل في مقام الذكر: ضَيّعتُ قطعة من العمر، في ((الوجيز)) و ((الوسيط)) و ((البسيط))، ثم قال: بل يعد العارفون الغفلة من أنواع الردة ولو خطرة على سبيل المبالغة، كما قال: ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهواً حكمت برِدّتي وحكى عن السيد علي بن ميمون المغربي أنه لما تصرف في الشيخ علوان الحموي وهو كان مفتياً مدرساً فنهاه عن الكل وأشغله بالذكر، فطعن الجهال فيه بأنه أضل شيخ الإسلام ومنعه عن نفع الأنام، ثم بلغ إليه أنه يقرأ القرآن أحياناً فمنعه منه، فقال الناس: إنه زنديق يمنع من تلاوة القرآن الذي هو قطب الإيمان، لكن طاوعه المريد إلى أن حصل له المزيد والمشاهدة، فأذن له في قراءة القرآن فلما فتح المصحف فتحت عليه الفتوحات الإلهية، فقال السيد: أنا ما كنت أمنعك عن قراءة القرآن وإنما أمنعك عن لقلقة اللسان، والله المستعان، انتهى. ثم مقتضى حديث الباب أن الذكر أفضل من التلاوة أيضاً، ويعارضه حديث ((أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن))، وجمع الغزالي بأن التلاوة أفضل لعموم الخلق، والذكر أفضل للذاهب إلى الله في جميع أحواله في بدايته ونهايته، فإن القرآن مشتمل على صنوف المعارف والأحوال والإرشاد إلى الطريق، فما دام العبد مفتقراً إلى تهذيب الأخلاق وتحصيل المعارف فالقرآن أولى، فإن جاوز ذلك واستولى الذكر على قلبه فمداومة الذكر أولى، فإن (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢١٠/١١). ٣٢٠ ----