النص المفهرس

صفحات 261-280

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦١) حديث
وَأَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصَمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ
أَيَتَفَضَّدُ عَرَفاً .
أخرجه البخاريّ في: ١ - كتاب بدء الوحي، ٢ - باب حدثنا عبد الله بن
یوسف .
ومسلم في: ٤٣ - كتاب الفضائل، ٢٣ - باب عرق النبي وَلّ في البرد وحين
يأتيه الوحي، حديث ٨٧.
(ولقد رأيته) وَ﴾ والواو للقسم واللام للتأكيد، ورأيت بمعنى أبصرت،
فلذا اكتفى بمفعول واحد، والمعنى: والله لقد أبصرته.
(ينزل) بفتح أوله وكسر ثالثه، وفي رواية: بضم أوله وفتح ثالثه جملة
حالية، والمضارع إذا كان مثبتاً ووقع حالاً لا يسوغ فيه الواو، قاله العيني(١).
(عليه الوحي) بالضم (في اليوم الشديد البرد) الشديد صفة جرت على غير من
هي له، لأنه صفة البرد لا اليوم، (فيفصم) بفتح الياء وكسر الصاد أي يقطع،
وفيه أيضاً روايتان أخريان كما تقدم عطف على ينزل (عنه) وَ ل (وإن جبينه)
وهو طرف الجبهة، وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، ويقال: الجبين غير
الجبهة، وهو فوق الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، قاله
العيني. والإفراد قد يغني عن التثنية، يقال: له عين حسنة أي عينان حسنتان
فكذلك ههنا .
(ليتفصد) بالياء ثم التاء ففاء وصاد مهملة ثقيلة من الفصد وهو قطع
العرق لإسالة الدم، شبه جبينه بالعرق المقصود مبالغة في الكثرة، وحكى
بعضهم ليتقصد بالقاف وهو تصحيف، ولو ثبت فهو من قولهم: تقصد الشيء
إذا تكسر وتقطع (عرقاً) بالنصب على التمييز، وهو رشح الجلد، زاد ابن
أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي، ((وإن كان ليوحى إليه وهو على
(١) ((عمدة القاري)) (٧٩/١).
٢٦١

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٢) حديث
٨/٤٦٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ:
ناقته فتضرب جرانها من ثقل ما يوحى إليه))، وفيه دلالة على كثرة معاناة التعب
والكرب عند نزول الوحي، حتى يكثر العرق في شدة البرد، ويشق على
الناقة(١) .
٨/٤٦٢ - (مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال) لم تختلف الرواة
عن مالك في إرساله، وأخرجه الترمذي من رواية سعيد بن يحيى بن سعيد،
عن أبيه عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - وقال
السيوطي في ((الدر)) (٢): أخرجه الترمذي(٣) وحسنه، وابن المنذر، وابن حبان،
والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: أنزلت
سورة عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله وَ له فجعل يقول:
يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله # رجل من عظماء المشركين فجعل
رسول الله وَّلم يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: ((أترى بما أقول بأساً))؟
فيقول: لا ، الحديث.
:
قلت: أخرجه الحاكم في تفسير ((المستدرك)) (٤)، برواية سعيد بن يحيى
الأموي عن أبيه عن هشام بن عروة، عن عائشة وقال: صحيح على شرط
الشيخين، ولم يخرجاه فقد أرسله جماعة، عن هشام بن عروة، وقال الذهبي:
هكذا رواه يحيى بن سعيد الأموي مرفوعاً عن هشام، وأرسله جماعة عن هشام
وهو الصواب، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٥/٢).
(٢) ((الدر المنثور)) (٤١٧/٨).
(٣) (٣٣١).
(٤) (٣/ ٦٣٤).
٢٦٢

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٢) حديث
أُنْزِلَتْ: ﴿عَسَ وَتَوَىٌ ﴿﴾﴾ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمّ مَكْثُوم. جَاءَ إِلَى
صَوَلَى اللهِ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿، فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ، اسْتَدْنِينِي. وَعِنَّدَ الْنَّبِيِّ
رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ. فَجَعَلَ الْنَّبِيُّ وَلَ يُعْرِضُ عَنْهُ،
.
(أنزلت) سورة (عبس وتولى في عبد الله بن أم مكتوم) تقدم أن المشهور
في اسمه عمرو (جاء إلى رسول الله (وَلخير) بمكة (فجعل) يخاطب النبي
و(يقول: يا محمد) وهذا قبل النهي عن ندائه باسمه، لأنه نزل بالمدينة
(استدنني) هكذا في النسخ الهندية بدون الياء، وفي المصرية: بالياء(١)، والأول
أوجه، وضبطه الزرقاني بياء بين النونين، قال: ورواه ابن وضّاح: استدنني
بحذف الياء أي قَرِّبْني إليك، (وعند النبي(وَلّ رجل) سيأتي اسمه (من عظماء).
جمع عظيم (المشركين).
قال السيوطي في ((التنوير)) (٢): في ((مسند أبي يعلى)) من حديث أنس أنه
أُبَيّ بن خلف، وفي ((تفسير ابن جرير)) من حديث ابن عباس أنه كان يناجي
عتبة بن ربيعة، وأبا جهل، والعباس بن عبد المطلب، ومن مرسل قتادة: وهو
يناجي أمية بن خلف، انتهى. زاد الحافظ، وروى ابن مردويه من حديث عائشة:
أنه كان يخاطب عتبة وشيبة ابني ربيعة، ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال:
عتبة، وأبو جهل وعياش، ومن وجه آخر عن عائشة: كان في مجلس فيه ناس من
وجوه المشركين منهم أبو جهل وعتبة فهذا يجمع الأقوال، انتهى.
(فجعل النبي ◌ِّ يعرض عنه) اعتماداً على ما في قلبه من الإسلام لا سيما
والذي طلبه من التفقه في الدين لا يفوت، ففي حديث ابن عباس كما في
(الدر)) عن ابن جرير وابن مردويه قال: ((بينا رسول الله صل يناجي عتبة بن ربيعة
والعباس بن عبد المطلب وأبا جهل، وكان يتصدّى لهم كثيراً، ويحرص أن
(١) في ((الاستذكار)) (٦٩/٨) بالياء: استدنيني.
(٢) (ص٢١٤).
٢٦٣

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٢) حديث
وَيُقْبِلُ عَلَى الآخَرِ، وَيَقُولُ: ((يَا أَبَا فُلَانٍ، هَلْ تَرَى بِمَا أَقُولُ
بَأْساً؟))، فَيَقُولُ: لَا وَالدِّمَاءِ. مَا أَرَى بِمَا تَقُولُ بَأْساً. فَأَنْزِلَتْ:
٢
﴿عَبَسَ وَتَوَلَيْ ﴿١َ أَن ◌َهُ اٌلْأَعْمَى
وصله الترمذي عن عائشة في: ٤٤ - كتاب التفسير، ٨٠ - باب ومن سورة عبس.
يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له: عبد الله بن أم مكتوم يمشي، وهو
يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي ◌ّ﴾ آية من القرآن، قال: يا رسول الله
عَلِّمْني مما علَّمك الله))، الحديث.
(ويقبل على الآخر) أي على عظيم المشركين رجاء في إسلامه ظناً منه وعليه
أن إسلامه يكون سبباً لإسلام جماعة منهم (ويقول: يا أبا فلان) خاطبه بالكنية
استئلافاً (هل ترى بما أقول بأساً) ولفظ حديث عائشة المتقدم: فيقول لهم:
أليس حسناً إن جئت بكذا وبكذا فيقولون: بلى والله، (فيقول) المشرك: (لا
والدماء) بالمد أي دماء الذبائح، كذا في ((المجمع)) والواو للقسم.
قال ابن عبد البر(١): رواية طائفة عن مالك بضم الدال أي الأصنام التي
كانوا يعبدونها، واحدها دمية، وطائفة بكسر الدال أي دماء الهدايا التي كانوا
يذبحونها بمنى لآلهتهم، قال توبة بن الحمير:
عليّ دماء البدن إن كان بعلها
يرى لي ذنباً غير أني أزورها
(ما أرى بما تقول بأساً) وتقدم بلى والله أي حسن (فأنزلت) لإعراضه ولد
عن ابن أمّ مكتوم (عبس) العبوس: قطوب الوجه من ضيق الصدر (وتولى)
أي أعرض (أن جاءه الأعمى) فكان النبي ◌َّ له بعد ذلك يكرمه، وإذا نظر إليه
مقبلاً بسَط إليه رداءه حتى يجلسه عليه، وكان إذا خرج من المدينة استخلفه
يصلي بالناس حتى يرجع كما ورد في الروايات(٢)، قالت عائشة - رضي الله
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٧٢/٨).
(٢) انظر: ((الدر المنثور)) (٧٢/٨).
٢٦٤

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٣) حديث
٩/٤٦٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِهِ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ لَ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلاً .
عنها -: ((عاتب الله نبيه في سورة عبس ولو كتم شيئاً من الوحي لكتم هذا)).
٩/٤٦٣ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني (عن أبيه)
أسلم مولى عمر - رضي الله عنه - مخضرم (أن رسول الله ◌َله) هكذا أخرجه
البخاري، وهو الرابع والسبعون من منتقدات الدارقطني وغيره، وردّه الحافظ (١)
فقال: أوَّلُه وإن كان صورته صورة المرسل، فإن ما بعده يصرح بأن الحديث
لأسلم عن عمر ففيه قال عمر: نزرت رسول الله مَّ ثلاث مرات، قال عمر:
فحركت بعيري ثم تقدمت وخشيت أن ينزل فيّ قرآنٌ، الحديث على هذه
الصورة حاكياً لمعظم القصة عن عمر - رضي الله عنه - فكيف يكون مرسلاً.
قال العيني (٢): وأصحاب ((الموطأ)) رووه عن مالك مرسلاً، وذكر جماعة
رووه متصلاً، قلت: وأخرجه الترمذي في تفسير [سورة] الفتح، عن ابن عثمة
عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب، وقال
البزار: لا نعلم رواه عن مالك هكذا إلا ابن عثمة وابن غزوان، وحديث
ابن غزوان أخرجه أحمد. (كان يسير في بعض أسفاره) قال الزرقاني(٣): هو
سفر الحديبية كما في حديث ابن مسعود عند الطبراني، انتهى. وسيأتي في
كلام القرطبي الإجماع على ذلك.
(وعمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (يسير معه ليلاً) ففيه إباحة السير
على الدواب ليلاً، وحمله العلماء على من لا يمشي بها نهاراً أو فَلَّ مشيته بها
(١) ((فتح الباري)) (٤٥٣/٧) قوله: نزرت بنون وزاي ثقيلة أي ألححت، وقال أبو ذر
الهروي: لم أسمعه إلا بالتخفيف.
(٢) ((عمدة القاري)) (٣١٨/١٣).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٦/٢).
٢٦٥

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٣) حديث
فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيْءٍ، فَلَمْ يُحِبْهُ. ثُمَّ سَأَلَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ. ثُمَّ سَأَلَهُ،
فَلَمْ يُحِبْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، عُمَرُ. نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ وَه
٠٠-
نهاراً؛ لأنه وَلّ أمر بالرفق بها والإحسان إليها، حكاه الزرقاني عن أبي عمر.
قال العيني(١): قال القرطبي: هذا السفر كان ليلاً، منصرفه وَّ من الحديبية،
لا أعلم بين أهل العلم في ذلك خلافاً، انتهى.
(فسأله عمر) - رضي الله عنه - (عن شيء فلم يُجِبه رسول الله ◌ِ ◌ّ) شيئاً،
ولعله لاشتغاله وَير بالوحي (ثم سأله) ثانياً (فلم يجبه ثم سأله) ثالثاً (فلم يجبه)
ولعله - رضي الله عنه - ظن أنه لم يسمعه، (فقال عمر) - رضي الله عنه -:
(ثكلتك) بفتح المثلثة وكسر الكاف من الثكل وهو فقدان المرأة ولدها. (أمك)
بالضم (عمر) منادى بحذف حرف النداء، وفي روايةٍ بإثباتها، ثم دعا على نفسه
بسبب ما وقع منه من الإلحاح خوف غضبه، وحرمان فائدته.
قال أبو عمر (٢): قلما أغضَبَ أحدٌ عالماً إِلاَّ حُرِمَتْ فائدته، وقال
ابن الأثير: دعا على نفسه بالموت، والموت يعم كل أحد، فإذَنْ الدعاء عليه
كلا دعاء .
قال العيني: ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب،
ولا يراد بها الدعاء، كقولهم: تربت يداك، وقاتلك الله.
(نزرت) بفتح النون وتخفيف الزاي، فراء ساكنة من الزر وهو القلة،
يقال: نزرت: قللت كلامه أو سألته فيما لا يحب أن يجيب فيه، ويروى
بتشديد الزاي، والتخفيف أشهر، قال أبو ذر الهروي: سألت من لقيت من
العلماء أربعين سنة فما أجابوا إلاّ بالتخفيف، (رسول الله وَ لير) أي ألححت عليه
(١) ((عمدة القاري)) (٣١٨/١٣).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٧٥/٨).
٢٦٦
-- I

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٣) حديث
ثَلاثَ مَرَّاتٍ. كُلُّ ذلِكَ لا يُحِيْبُكَ. قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي، حَتَّى
إِذَا كُنْتُ أَمَامَ النَّاسِ، وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ. فَمَا نَشِبْتُ أَنْ
سَمِعْتُ صَارِخاً يَصْرُخُ بِي. قَالَ: فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ
قُرِأَنٌ. قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَله فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: ((لَقَدْ أُنْزِلَتْ
عَلَيَّ، هُذِهِ اللَّيْلَةَ، سُورَةٌ. لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)) ..
(ثلاث مرات) وبالغت في السؤال (كل ذلك لا يجيبك) فيه أن سكوت العالم
يوجب على المتعلم ترك الإلحاح، وأن للعالم أن يسكت عما لا يريد أن
یجیب فيه .
(قال عمر: فحركت) بضم التاء (بعيري حتى إذا) ليس في بعض النسخ
المصرية لفظ: إذا (كنت أمام) بالفتح قُدَّام (الناس، وخشيت أن ينزل في) بشد
الياء (قرآن) لجرأتي على النبي وَ لزل (فما نشبت) بفتح النون وكسر الشين
المعجمة وسكون الموحدة ففوقية، فما لبثت وما تعلقت بشيء (أن سمعت)
بفتح الهمزة (صارخاً) قال الحافظ (١): لم أقف على اسمه (يصرخ بي) أي
ینادیني .
(قال) عمر - رضي الله عنه - (فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل فيّ) بشد
الياء، ولفظ ((نزل)) من المجرد في النسخ الهندية والزرقاني وغيرها، فيكون ببناء
الفاعل، وفي بعض النسخ المصرية بزيادة الألف في أوله، فيكون ببناء
المجهول من الإنزال، والأوجه الأول (قرآن) قال أبو عمر: أرى أنه مَلل أرسل
إلى عمر يؤنسه، ويدل على منزلته عنده، انتهى. قلت: بل الأوجه عندي: أن
عمر - رضي الله عنه - كان كثير الغم بقصة الحديبية فكان أحوج إلى التبشير.
(قال) عمر: (فجئت رسول الله وَلَر فسلمت عليه فقال) بعد رد السلام:
(لقد أنزلت عليّ) بشد الياء (هذه الليلة سورة لَهِيَ) بلام التأكيد (أحبُّ إليّ مما
طلعت عليه الشمس) وهي الدنيا وما فيها .
(١) ((فتح الباري)) (٨/ ٥٨٣).
٢٦٧

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٣) حديث
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا
أخرجه البخاريّ في: ٦٤ - كتاب المغازي، ٣٥ - باب غزوة الحديبية.
قال العيني(١): وإنما كانت أحبَّ إليه من الدنيا وما فيها، لما فيها من
مغفرة ما تقدم وما تأخر، والفتح والنصر، وإتمام النعمة وغيرها من
رضاء الله تعالى، وقال ابن العربي: أطلق المفاضلة، ومن شرط المفاضلة
استواء الشيئين في أصل المعنى، ثم يزيد أحدهما على الآخر، ولا استواء بين
تلك المنزلة والدنيا بأسرها، وأجاب ابن بطال بأن معناه أنها أحبُّ إليه من كل
شيء، لأنه لا شيء إلا الدنيا والآخرة، فأخرج الخبر عن ذكر الشيء بذكر
الدنيا إذ لا شيء سواها إلا الآخرة، وأجاب ابن العربي بما ملخصه: أن أفعل
قد لا يراد به المفاضلة .
:
(ثم قرأ) السورة الآتية وهي (﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾﴾﴾(٢)) اختلفوا في
المراد بالفتح، فقال جماعة من الصحابة: هو فتح الحديبية، ووقوع الصلح،
قال الحافظ: فإن الفتح لغةً فتح المغلق، والصلح كان مغلقاً، حتى فتحه الله
وكان ظاهره ضيماً للمسلمين، وفي الباطن عِزّاً لهم، فإن الناس للأمن اختلط
بعضهم ببعض بغير نكير، وأسمع المسلمون المشركين القرآن وناظروهم.
وقيل: هو عِدَةٌ بفتح مكة، وأتى به ماضياً لتحقيق وقوعه، وقيل: المعنى:
قضينا لك قضاءً بَيِّناً على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك قابلاً.
قال ابن عبد البر (٣): أدخل مالك هذا الحديث في ((ما جاء في القرآن))
تعريفاً بأنه ينزل في الأحيان على قدر الحاجة وما يعرض.
(١) ((عمدة القاري)) (٣١٩/١٣).
(٢) سورة الفتح: الآيتان ١، ٢.
(٣) ((الاستذكار)) (٧٨/٨).
٢٦٨

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٤) حديث
١٠/٤٦٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
تَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَالْ يَقُولُ:
(يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ. وَصِيَامَكُمْ مَعَ
◌ِيَامِهِمْ. وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ. يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، وَلَا يُجَاوِزُ
حَنَا جِرَهُمْ .
٠٠
١٠/٤٦٤ - (مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم بن
الحارث) القرشي (التيمي) تيم قريش (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف
الزهري المدني (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك (أنه قال: سمعت
رسول الله ◌َي يقول: يخرج فيكم) يقال: لم يقل منكم إشعاراً بأنهم ليسوا من هذه
الأمة، لكنه عُورض بما روي (يخرج من أمتي)) كذا في ((المجمع)). وقال
الزرقاني(١): معنى قوله: يخرج فيكم أي يخرج عليكم (قوم) هم الذين خرجوا
على علي - رضي الله عنه - يوم النهروان فقتلهم، فهم أصل الخوارج وأول خارجة
خرجت، إلا أن طائفة منهم كانت ممن قصد المدينة يوم الدار في قتل عثمان
- رضي الله عنه -، وسموا خوارج من قوله: يخرج، قاله في ((التمهيد))(٢).
(يحقرون) بصيغة الغائب في النسخ الهندية، والخطاب في المصرية،
وبكسر القاف، أي يستقلّون هم أو تستقلّون أنتم (صلاتكم) بالنصب (مع
صلاتهم وصيامكم مع صيامهم) لأنهم كانوا يصومون النهار، ويقومون الليل،
وللطبراني من حديث ابن عباس: لم أر أشد اجتهاداً منهم (وأعمالكم مع
أعمالهم) أي كذا سائر أعمالكم من عطف العام على الخاص، (يقرؤون القرآن)
آناء الليل والنهار، وفي رواية البخاري: يتلون كتاب الله رطباً، أي لكثرة
ملازمتهم للقرآن، أو المراد تحسين الصوت بها. (ولا يجاوز حناجرهم) جمع
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٨/٢).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٣٢٠/٢٣)، و((الاستذكار)) (٨٢/٨).
٢٦٩

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٤) حديث
يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ. تَنْظُرُ فِي النَّصْلِ، فَلا
تَرَى شَيْئاً. وَتَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ،
حنجرة كقسورة، وهي آخر الحلق مما يلي الفم، وقيل: أعلى الصدر عند طرف
الحلقوم، والمعنى: أن قراءتهم لا يرفعها الله عز وجل ولا يقبلها، وقيل: لا
يعملون على القرآن فلا يثابون على قراءتهم، وقيل: لا تفقهه قلوبهم ويحملونه
على غير المراد به، فلا حظ لهم منه إلا مروره على اللسان، لا يصل إلى
حلوقهم، فضلاً عن أن يصل إلى قلوبهم.
وقال ابن عبد البر: كانوا لتكفيرهم الناس لا يقبلون خبر أحد عن
النبي ◌ُّ، فلم يعرفوا بذلك شيئاً من سننه وأحكامه المبينة لمجمل القرآن، ولا
سبيل إلى المراد به إلا ببيان رسوله. (يمرقون) بضم الراء: يخرجون سريعاً (من
الدين)، قيل: المراد الإسلام، فهو حجة لمن كفر الخوارج، وسيأتي البسط في
ذلك، وقيل: المراد الطاعة فلا حجة فيهم لكفرهم.
قال الحافظ(١): والذي يظهر أن المراد بالدين الإسلام، وخرج الكلام
مخرج الزجر، وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من الإسلام الكامل، وفي رواية
للنسائي: يمرقون من الإسلام، وفي أخرى له: يمرقون من الحق، قاله الحافظ
(كما يمرق السهم) هكذا في النسخ الهندية، وفي رواية الزرقاني وكذا في
النسخ المصرية: مروق السهم، (من الرمية) بفتح الراء المهملة وكسر الميم
الخفيفة وشد التحتية، وهو الصيد المرمي فعيلة من الرمي بمعنى مفعولة دخلتها
الهاء إشارة إلى نقلها من الوصفية إلى الاسمية، شبه مروقهم من الدين بالسهم
الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ثم يخرج منه. ومن شدة سرعة خروجه من
الصيد لقوة الرامي لا يعلق من جسد الصيد بشيء.
(تنظر) أيها الرامي أو أيها المخاطب، (في النصل) بنون فصاد حديدة السهم،
هل ترى فيه شيئاً من أثر الدم أو نحوه (فلا ترى) فيه (شيئاً) منه (وتنظر في القدح)
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٨/٢).
٢٧٠
---

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٤) حديث
فَلَا تَرَى شَيْئاً، وَتَنْظُرُ فِي الرِّيشِ، فَلَا تَرَى شَيْئاً، وَتَتْمَارَىُ فِي
الْفُوقِ» .
أخرجه البخاريّ في: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، ٣٦ - باب من رايا بقراءة
القرآن .
ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٤٧ - باب ذكر الخوارج وصفاتهم،
حديث ١٤٨.
in rin harmm m
بكسر القاف وسكون الدال وحاء مهملتين، خشب السهم أو ما بين الريش والسهم
هل ترى أثراً (فلا ترى) فيه أيضاً (شيئاً) منه (وتنظر) بعد ذلك (في الريش) الذي
على السهم، لعلك ترى فيه شيئاً، (فلا ترى شيئاً) فيه أيضاً (وتتمارى) بفتح أي
تشك، (في الفوق) بضم الفاء، هو موضع الوتر من السهم، أي تشك هل علق به
شيء من الدم، وفي رواية: ينظر ويتمارى بالتحتية أي الرامي.
قال الباجي: أجمع العلماء على أن المراد بهذا الحديث الخوارج الذين
قاتلهم علي، وفي ((التمهيد)): يتمارى(١) في الفُوق، أي يشك، وذلك يوجب
أن لا يقطع على الخوارج ولا على غيرهم، من أهل البدع بالخروج من
الإسلام، وأن يشك في أمرهم، لكل شيء يشك فيه فسبيله التوقف فيه دون
القطع، وقد قال فيهم رسول الله وَ﴾: ((يخرج قوم من أمتي))، فإن صحت هذه
اللفظة فقد جعلهم من أمته، وقال قوم: معناه: من أمتي بدعواهم، وقال علي:
لم نقاتل أهل النهروان على الشرك، وسُئِل عنهم أَكفَّارٌ هُمْ؟ قال: من الكفر
فَرُّوا، قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، قيل: فما
هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فَعَمُوا فيها، وصمُّوا، وبغَوا علينا، وحاربونا،
وقاتلونا فقتلناهم.
قال إسماعيل القاضي: رأى مالك - رضي الله عنه - قتل الخوارج وأهل
(١) كذا في الأصل و((الزرقاني)) (١٩/٢) وفي ((التمهيد)) (٣٢٦/٢٣) تتمارى في الفوق أي
تشك .
٢٧١

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٤) حديث
القدر للفساد الداخل في الدين، وهو من باب الإفساد في الأرض، وليس
إفسادهم بدون إفساد قطاع الطريق والمحاربين المسلمين على أموالهم، فوجب
بذلك قتلهم، لكنه يرى استتابتهم، لعلهم يراجعون الحق، فإن تمادوا قتلوا على
إفسادهم لا على كفرهم، وهذا قول عامة الفقهاء الذين يرون قتلهم واستتابتهم.
وذهب أبو حنيفة وجمهور الفقهاء وكثير من المحدثين، إلى أنه لا يتعرض
لهم باستتابة ولا غيرها ما استتروا ولم يبغوا ولم يحاربوا، وقالت طائفة من
المحدثين: هم كفروا على ظواهر الأحاديث، ولكن يعارضها غيرها فيمن لا
يشرك بالله ويريد بعمله وجهه، وإن أخطأ في حكمه واجتهاده، والنظر يشهد
أن الكفر لا يكون إلا بضد الحال، التي يكون بها الإيمان، فهما ضرتان،
انتهى مختصراً.
وبالغ الخطابي فقال: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج على
ضلالتهم فرقة من المسلمين، وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وقبول
شهادتهم، قاله الزرقاني(١) .
وقال الحافظ (٢)، وقد بسط الكلام عليهم، وعلى بدء خروجهم أشدّ
البسط، فقال بعدما حكى عن علي - رضي الله عنه -: ومن الكفر فَرُّوا: هذا إن
ثبت عن علي - رضي الله عنه - حمل على أنه لم يكن اطلع على معتقدهم،
الذي أوجب تكفيرهم عند من كفرهم، وفي احتجاجه بقوله: ((يتمارى في
الفوق)) نظر، فإن في بعض طرق الحديث (لم يعلق منه بشيء))، وفي بعضها:
((سبق الفرث والدم))، وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل في الفوق شيء أو لا؟
ثم تحقق أنه لم يعلق بالسهم ولا بشيء منه من الرمي بشيء.
أ
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٩/٢).
(٢) (فتح الباري)) (١٢ / ٣٠١).
٢٧٢

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٤) حديث
ويمكن أن يحمل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم، ويكون في
قوله: ((يتمارى)) إشارة إلى أن بعضهم قد يبقى معه من الإسلام شيء، قال
القرطبي في ((المفهم)): القول بتكفيرهم أظهر في الحديث، فعلى القول
بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون، وتسبى أموالهم، انتهى.
وقال العيني(١): وعدة الخوارج عشرون فرقة، قال ابن حزم: أسوأهم
حالاً الغُلاة، وهم الذين ينكرون الصلوات الخمس، ويقولون: الواجب صلاة
بالغداة وصلاة بالعشي، ومنهم من يُجَوِّز نكاحَ بنت الابن وبنت ابن الأخ
والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن، وأن من قال: لا
إله إلا الله فهو مؤمن عند الله، ولو اعتقد الكفر بقلبه، وأقربهم إلى قول أهل
الحق الإباضية، وبقيت منهم بقية في المغرب، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢) و(شرحه)): الخوارج الذين خرجوا على علي
- رضي الله عنه -، وهم قوم لهم منعة خرجوا عليه بتأويل يرون أنه - رضي الله
عنه - على باطل كفراً ومعصية توجب قتاله بتأويلهم، يستحلون دماءنا وأموالنا
ويسبون نساءنا، ويكفرون أصحاب نبينا وَلّر، وحكمهم حكم البغاة بإجماع
الفقهاء كما حققه في ((الفتح))، وإنما لم نكفرهم لكونه عن تأويل وإن كان
باطلاً بخلاف المستحل بلا تأويل.
قال ابن عابدين: قوله: كما حققه في ((الفتح)) حيث قال: وحكم
الخوارج عند جمهور الفقهاء والمحدثين حكم البُغاة، وذهب بعض المحدثين
إلى كفرهم، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحداً وافق أهل الحديث على
تكفيرهم، وهذا يقتضي إجماع الفقهاء، وقد ذكر في ((المحيط)): أن بعض
(١) ((عمدة القاري)) (١٦/ ٢٠٧).
(٢) (٤٠٠/٦).
٢٧٣

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٥) حدیث
١١/٤٦٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ، مَكَثَ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثَمَانِيَ سِنِينَ يَتَعَلَّمُهَا .
الفقهاء لا يكفر أحداً من أهل البدع، وبعضهم يكفر من خالف منهم ببدعته
دليلاً قطعياً، ونسبه إلى أكثر أهل السنة، والنقل الأول أثبت، نعم يقع في كلام
أهل المذهب تكفير كثير، لكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون بل
من غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا،
وابن المنذر أعرف بنقل مذاهب المجتهدين، انتهى.
لكن صرح في ((المسايرة)) بالاتفاق على تكفير المخالف فيما كان من
أصول الدين وضرورياته. كالقول بقدم العالم ونفي حشر الأجساد، ونفي العلم
بالجزئيات، قال: وكذا يكفر قاذف عائشة - رضي الله عنها - ومنكر صحبة
أبيها؛ لأن ذلك تكذيب صريح القرآن، انتهى.
١١/٤٦٥ - (مالك أنه بلغه) وأخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) عن
عبد الله بن جعفر، عن أبي المليح، عن ميمون أن ابن عمر - رضي الله عنه -
تعلّم البقرة في ثمان سنين، قاله الزرقاني، وحكى السيوطي في ((الدر)) عن
ابن سعد: أنه - رضي الله عنه - تعلّم سورة البقرة في أربع سنين، وكذا حكاه
عنه في ((التنوير)). قلت: وهكذا هو في نسخة ابن سعد التي بأيدينا، فالظاهر
أن ما في الزرقاني سهو من الناسخ.
(أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (مكث على سورة البقرة ثماني
سنين يتعلمها) (١) وذلك ليس لبطء حفظه - معاذ الله - بل لأنه كان يتعلم
فرائضها وأحكامها وما يتعلق بها، وقال السيوطي في ((الدر)): أخرج الخطيب
في رواة مالك والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ابن عمر - رضي الله عنه -
1
(١) في ((الاستذكار)) (٩١/٨): إنه كان يتعلمها بأحكامها ومعانيها وأخبارها فكذلك طال
مکثه فيها .
٢٧٤
--

١٥ - كتاب القرآن
(٥) باب
(٥) باب ما جاء في سجود القرآن
قال: تعلم عمر - رضي الله عنه - سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة فلما ختمها
نحر جزوراً (١).
(٥) ما جاء في سجود القرآن
قال الزرقاني(٢): هو سنة أو فضيلة، قولان مشهوران، وعند الشافعية سنة
مؤكدة، وقال الحنفية: واجب لقوله تعالى: ﴿وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ﴾، وقوله عزّ اسمه:
﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَّبِ﴾، ومطلق الأمر للوجوب، ولنا أن زيد بن ثابت قرأ على
النبي ( 18 والنجم فلم يسجد، رواه الشيخان، وقول عمر - رضي الله عنه -:
أمرنا بالسجود يعني للتلاوة فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم
عليه، رواه البخاري، انتهى.
وقال ابن قدامة في ((المغني))(٣): إن سجود التلاوة سنة مؤكدة، وليس
بواجب عند إمامنا، ومالك والأوزاعي والليث والشافعي وهو مذهب عمر
- رضي الله عنه - وابنه عبد الله، وأوجبه أبو حنيفة وأصحابه لقول الله عز وجل:
﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا يَسْحُدُونَ ﴾ (@)﴾(٤)، ولا يذم إلا
على ترك واجب.
ولنا حديث زيد المتفق عليه، ولأنه إجماع الصحابة وأثر عمر - رضي الله
عنه - رواه البخاري والأثرم: أنه قرأ السجدة يوم الجمعة، فنزل وسجد وسجد
الناس معه، فلما كان في [الجمعة] الثانية وقرأها تهيّأ الناس للسجود فقال:
على رِسْلِكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، وهذا بحضرة الجمع الكثير،
فلم ينكره أحد، ولا نقل خلافه، انتهى مختصراً .
(١) انظر: ((تنوير الحوالك)) (ص٢١٦).
(٢) (١٩/٢).
(٣) (٣٦٤/٢).
(٤) سورة الانشقاق: الآيتان ٢٠، ٢١.
٢٧٥

١٥ - كتاب القرآن
(٥) باب
وقال ابن رشد (١): سبب الخلاف، اختلافهم في مفهوم الأوامر بالسجود
والأخبار التي معناها معنى الأوامر كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُْلَى عَلَيْهِمْ ءَنْتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ
سُجَّدًا وَيُكِيًّا﴾(٢)، هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب؟ فأبو حنيفة
- رضي الله عنه - حملها على ظاهرها من الوجوب، ومالك والشافعي اتبعا في
مفهومهما الصحابة إذ كانوا هم أقعد بفهم الأوامر الشرعية، وذلك كما ثبت عن
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بمحضر الصحابة فلم ينقل عن أحد منهم
خلافه، وهم أفهم بمغزى الشرع، وهذا إنما يحتج به من يرى قول الصحابي إذ لم
يكن له مخالف حجة، واحتج أصحاب الشافعي في ذلك بحديث زيد بن ثابت.
وأما أبو حنيفة فتمسك في ذلك بأن الأصل هو حمل الأوامر على
الوجوب، وقال أبو المعالي: إن احتجاج أبي حنيفة بالأوامر الواردة في ذلك
لا معنى له، فإن إيجاب السجدة مطلقاً ليس يقتضي وجوبه مقيداً، وهو عند
قراءة آية السجود، ولو كان الأمر كما زعم أبو حنيفة، لكانت الصلاة تجب
عند قراءة الآية التي فيها الأمر بالصلاة، وإذ لم يجب ذلك فليس يجب
السجود.
ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن يقول: قد أجمع المسلمون على أن
الأخبار الواردة في السجود عند تلاوة القرآن هي بمعنى الأمر، وذلك في أكثر
المواضع، وإذا كان كذلك فقد ورد الأمر بالسجود مقيداً بالتلاوة ومطلقاً،
فوجب حمل المطلق على المقيد، وليس الأمر في ذلك كالأمر بالصلاة، فإن
الصلاة قُيِّدَ وجوبها بقيود أخر، وأيضاً فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد سجد
فيها، فبيّن لنا بذلك معنى الأمر بالسجود الوارد فيها أعني عند التلاوة، فوجب
أن يحمل مقتضى الأمر في الوجوب عليه، انتهى.
. .... ..
.---
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٢٢/١).
(٢) سورة مريم: الآية ٥٨.
٢٧٦
----- - If

١٥ - كتاب القرآن
(٥) باب
وقال الشيخ في ((البذل))(١): وفي رواية لأحمد أيضاً واجبة إن كانت في
الصلاة وفي خارجها لا، ولنا ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي وَال
قال: ((إذا تلا ابن آدم آية السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: أمر
ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار))،
والأصل أن الحكيم إذا حكى أمراً ولم يعقبه بالنكير يدل ذلك على أنه صواب،
فكان في الحديث دليل على كون ابن آدم مأموراً بالسجود ومطلق الأمر
للوجوب، انتهى.
قال الشيخ ابن القيم في ((كتاب الصلاة)): ولذلك أثنى الله سبحانه على
الذين يخرّون سُجَّداً عند سماع كلامه، وذم من لا يقع ساجداً عنده، ولذلك
كان قول من أوجبه قوياً في الدليل، انتهى.
قلت: المراد بالأول قوله عز اسمه: ﴿إِذَا نُثَلَى عَلَيْهِمْ عَيَتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُخَّدًا
وَيُكِيَّ﴾(٢)، والمراد بالثاني قوله عز اسمه: ﴿وَإِذَا قُرِىَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لَا
يَسْحُدُونَ﴾ (4)﴾(٣)، وإنما يستحق الذم بترك الواجب.
قلت: وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم، وفي ((البرهان)): فيه دليل على
أن ابن آدم مأمور بالسجود والأمر للوجوب مع أن آي السجدة تفيده أيضاً؛
لأنها ثلاثة أقسام: قسمٌ: فيه الأمر الصريح، وقسم: يتضمن حكاية استنكاف
الكفرة حيث أمروا به، وقسم: في حكاية فعل الأنبياء السجود، وكل من
الامتثال والاقتداء، ومخالفة الكفرة واجب لكن دلالتها فيه ظنية، فكان الثابت
الوجوب لا الفرض ومرويهما واقعة حال، فيجوز أن يكون القراءة في وقت
(١) ((بذل المجهود)) (١٩٨/٧).
(٢) سورة مريم: الآية ٥٨.
(٣) سورة الانشقاق: الآية ٢١.
٢٧٧

- --
١٥ - كتاب القرآن
(٥) باب
(٤٦٦) حديث
١٢/٤٦٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ،
مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ
أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ لَهُمْ:
مكروه، أو على غير وضوء، أو ليبين أنه غير واجب على الفور، وهذا الأخير
على التعيين محمل أثر عمر - رضي الله عنه -، انتهى.
قلت: وأجاب عنه شيخ الإسلام على البخاري بأن نفي الفرضية لا
يستلزم نفي الوجوب، وقال السندي: لعل من يقول بالوجوب يضعف هذا
الإجماع بأن إنكار المختلف فيه ليس بلازم سيما إذا كان قائله إماماً، انتهى.
قال ابن العربي(١): وعمدتهم في ذلك أمران؛ أحدهما: أن الله تعالى
جعل ذلك علماً على ترك الاستكبار والنفور عن الطاعة، وهذا الترك واجب
فيصير ما جعل عليه علماً واجباً، والثاني: لو لم يكن واجباً لما جاز فعله في
الصلاة كسجود الشكر، وما أجاب عنهما ليس بوجيه ظاهر البطلان.
١٢/٤٦٦ - (مالك، عن عبد الله بن يزيد) المخزومي المدني الأعور
تابعي، وما في الزرقاني من قوله: الصحابي، سهو من الناسخ (مولى الأسود بن
سفيان) المخزومي اختلف في صحبته (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) قال ابن
عبد البر: لم يختلف فيه عن مالك إلا أن رجلاً من أهل الإسكندرية رواه عن
ابن بكير عن مالك عن الزهري وعبد الله بن يزيد جميعاً عن أبي سلمة، وذكر
الزهري فيه خطأ عن مالك لا يصح، كذا في ((التنوير)) (٢).
(أن أبا هريرة) - رضي الله عنه - (قرأ لهم) قال الباجي(٣): الأظهر أنه
كان يصلي لهم لقوله: ((قرأ لهم)) وقد جاء ذلك مفسراً في حديث أبي رافع:
(١) ((عارضة الأحوذي)) (٥٠/٣/٢).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (٢١٠/١).
(٣) ((المنتقى)) (٣٤٩/٢).
٢٧٨
-
--- ---

١٥ - كتاب القرآن
(٥) باب
(٤٦٦) حديث
(﴾﴾ فَسَجَدَ فِيهَا. فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَخْبَرَهُمْ أَنَّ
﴿إِذَا أَلْسَمَاءُ أَنْشَقَتْ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَ سَجَدَ فِيهَا .
أخرجه البخاريّ في: ١٧ - كتاب سجود القرآن، ٧ - باب سجدة ﴿إِذَا السَّمَآءُ
﴾ .
آنشَقَتْ
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٢٠ - باب سجود التلاوة،
حديث ١٠٧ .
صليت خلف أبي هريرة العشاء فقرأ، الحديث. أخرجه البخاري وغيره (إذا
السماء انشقَّت، فسجد فيها فلما انصرف) من الصلاة (أخبرهم أن رسول الله،وَ ل
سجد فيها) ولفظ حديث أبي رافع عند البخاري: فسجد، فقلت: ما هذه؟
قال: سجدت بها خلف أبي القاسم وَ ر فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه.
قال الزرقاني(١): وبهذا قال الخلفاء الأربعة والأئمة الثلاثة وجماعة،
ورواه ابن وهب عن مالك، وروى عنه ابن القاسم والجمهور: أن لا سجود
فيها، لأن أبا سلمة قال لأبي هريرة: لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس
يسجدون فيها، فدل هذا على أن الناس تركوه، وجرى العمل بتركه، وردّه
أبو عمر بما حاصله: أي عمل يدعى مع مخالفة المصطفى والخلفاء الراشدين
بعده، انتهى. قلت: وسيأتي البسط في ذلك قريباً واختلفت الأئمة ههنا في
مسألة أخرى، وهي قراءة السجدة في الصلاة.
قال العيني(٢): احتج به الثوري ومالك والشافعي - رضي الله عنهم - أنه
من قرأ سجدة في الصلاة المكتوبة أنه لا بأس أن يسجد فيها، وكره مالك ذلك
في الفريضة الجهرية والسرية، وقال ابن حبيب: لا يقرأ الإمام السجدة فيما
يُسِرُّ به، ويقرأها فيما يجهر فيه، وذكر الطبري عن أبي مجلز: أنه كان لا يرى
(١) (٢٠/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (١١٢/٧/٤).
٢٧٩

١٥ - كتاب القرآن
(٥) باب
(٤٦٦) حديث
السجود في الفريضة، وزعم أن ذلك زيادة في الصلاة، ورأى السجود فيها في
غير الصلاة وحديث الباب يرد عليه، وعمل السلف من الصحابة وعلماء الأمة،
وروي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه صلى الصبح فقرأ والنجم، فسجد فيها،
انتھی .
قلت: واختلفت نقلة المذاهب في بيان مسالك الأئمة فاحتجنا إلى
الرجوع إلى فروعهم، أما عند الشافعية - رضي الله عنهم - فلا فرق عندهم بين
الصلاة وغيرها، إلا أنهم صرحوا بأن لا يقصد بقراءة السجود في غير صبح
الجمعة، فتبطل صلاته إن سجد وكان عالماً بالتحريم، كما في ((روضة
المحتاجين)).
وأما عند الحنابلة ففي ((المغني))(١): قال بعض أصحابنا: يكره للإمام
قراءة السجدة في صلاة لا يجهر فيها، وإن قرأ لم يسجد، ولم يكرهه
الشافعي؛ لأن ابن عمر - رضي الله عنه - روى عن النبي ◌ّ: أنه سجد في
الظهر، ثم قام فركع، فرأى أصحابه أنه قرأ سورة السجدة، رواه أبو داود،
واحتج أصحابنا بأن فيه إبهاماً على المأموم، واتباع النبي وَلّ أولى، انتهى.
واختار هذا القول ((صاحب الروض)) (٢) من فروعهم فقال: ويكره للإمام
قراءة آية سجدة في صلاة سرية، ويُكره سجوده للتلاوة فيها أي في صلاة سرية
كالظهر؛ لأنه إذا قرأها إما أن يسجد لها أو لا، فإن لَم يسجد لَها كان تاركاً
للسنة، وإن سجد لها أوجب الإيهام والتخليط على المأموم، انتهى.
وأما عند المالكية ففي ((الشرح الكبير)) (٣): وكره تعمدها أي آية السجدة
(١) (٣٧١/٢).
(٢) (٢٣٠/١).
(٣) (٣١٠/١).
٢٨٠
------ --
----