النص المفهرس

صفحات 241-260

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حدیث
وفي حديث أبي عند مسلم: ((إن ربي أرسل إليّ أن أقرأ القرآن على
حرف واحد، فرددت عليه أن هَوِّنْ على أمتي، فأرسل إليّ أن أقرأه على سبعة
أحرف))، والنسائي: ((أن جبرئيل وميكائيل أتياني، فقال جبرئيل: اقرأ القرآن
على حرف، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف))، وفي حديث
أبي بكرة عند أحمد: ((فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهى العدد))،
فهذا يدل إلى إرادة حقيقة العدد وانحصاره، قاله الزرقاني تبعاً للسيوطي في
(الإتقان)).
وقال الأبي في ((الإكمال)) على مسلم: الأكثر على أن لفظ السبع
للحصر.
وقال القاري: الأظهر أنها للتكثير، واختار شيخنا الدهلوي في ((المصفى))
كونها للتكثير.
الثالث: في الراجح في المراد من هذه الأقوال، قال الزرقاني: أقربها
قولان: أحدهما: أن المراد سبع لغات، وعليه أبو عبيد، وثعلب، والزهري،
وآخرون، وصححه ابن عطية والبيهقي.
وتُعُقّب بأن لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب بأن المراد أفصحها .
قلت: وسيأتي بيانها في المبحث الآتي، وأنكر ابن عبد البر(١) أن يكون المراد
منها اللغات، لأن عمر - رضي الله عنه - وهشاماً كلاهما قرشي من لغة واحدة
وقبيلة واحدة، ولذا اختار هو القولَ الثاني، وهو أن المراد سبعة أوجهٍ من
المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل وتعال وهلم، وعجل وأسرع، وعليه
سفيان بن عيينة، وابن وهب، وخلائق، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء، لكن
الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي، وهو أن كل واحد يغير الكلمة بمرادفها من
لغته، بل ذلك مقصور على السماع، كما سيأتي في المبحث الخامس.
(١) انظر: ((التمهيد)) (٣٩/٨).
٢٤١

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
قال السيوطي في ((الإتقان))(١): ويدل لهذا القول ما أخرجه أحمد
والطبراني من حديث أبي بكرة: ((أن جبرئيل قال: يا محمد اقرأ القرآن على
حرفٍ، قال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف. قال: كلٌّ شافٍ كافٍ ما
لم تخلط آية عذاب برحمة أو رحمة بعذاب، نحو قولك: تعال وأقبل وهلمَّ،
واذهب وأسرع وعجّل)). هذا اللفظ رواية أحمد وإسناده جيّد، انتهى. وذكر
غيره من المؤيدات.
قلت: ويؤيده أيضاً ما سيأتي من أثر ابن مسعود - رضي الله عنه - في
المبحث السابع، وأيضاً ما في أبي داود عن أبي، «قلت: سميعاً عليماً عزيزاً
حكيماً))، الحديث. وحكى القاري(٢) عن النووي، أصح الأقوال وأقربها إلى
معنى الحديث قول من قال: هي كيفية النطق بكلماتها من إدغام وإظهار وتفخيم
وغير ذلك، لأن العرب كانت مختلفة اللغات في هذه الوجوه، فيسّر الله تعالى
عليهم ليقرأ كلٌّ بما يوافق لغته وبما يسهل على لسانه، انتهى.
قال القاري فيه: إن هذا ليس على إطلاقه فإن الإدغام مثلاً في مواضع لا
يجوز إظهاره وكذا البواقي، انتهى.
ورجح السيوطي في ((التنوير)) كونها من المتشابه.
الرابع: اختلفوا في أنَّها اللغات المتقدمة لجميع العرب أو لقبائل خاصة،
قال الأبي في ((الإكمال))(٣): واختلفوا أيضاً أن الأحرف السبعة لكل العرب أو
لمُضَر وحدها، والأول أظهر، لأن به يتّضح التيسير والتسهيل؛ لأن الجميع
مخاطبون لا مضر وحدها، انتهى.
(١) (١ / ٦٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦/٥).
(٣) (٤٢٩/٢).
٢٤٢

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
٠٠
قال الحافظ(١): ذهب أبو عبيد وآخرون إلى أن المراد اختلاف اللغات،
وتُعَقِّبَ بأن لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب: بأن المراد أفصحها، فقد
جاء عن ابن عباس، قال: ((نزل القرآن على سبع لغات))، منها خمس بلغة
العجز من هوازن، قال: والعجز سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية
وثقيف، وهؤلاء كلهم من هوازن، يقال لهم: عليا هوازن، ولذا قال
أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن، وسفلى تميم، يعني بني دارم.
وأخرج أبو عبيد من وجه آخر عن ابن عباس، قال: نزل القرآن بلغة
الكعبين، كعب قريش وكعب خزاعة. قيل: وكيف ذاك؟ قال: لأن الدار
واحدة، يعني أن خزاعة كانوا جيران قريش فسهلت عليهم لغتهم. وقال
أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش، وهذيل، وتيم الرباب، والأزد،
وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر، واستنكره ابن قتيبة محتجاً بقوله تعالى: ﴿وَمَآ
أَرْسَلْنَا مِن رَسُولِ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾(٢) فعلى هذا تكون السبعة في بطون قريش،
وبذلك جزم أبو علي الأهوازي.
وقال أبو عبيد: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات، بل
اللغات السبع مفرقة فيه، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة
هوازن، وبعضه بلغة اليمن وغيرهم. قال: وبعض اللغات أسعد بها من بعض،
وقيل: نزل بلغة مضر خاصّة لقول عمر - رضي الله عنه -: نزل القرآن بلغة
مضر، وعيّن بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر السبع من مضر، أنهم هذيل،
وكنانة، وقيس، وضبة، وتيم الرباب، وأسد بن خزيمة، وقريش، فهذه قبائل
مضر تستوعب سبع لغات .
(١) ((فتح الباري)) (٢٦/٩).
(٢) سورة إبراهيم: الآية ٤.
٢٤٣

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حدیث
ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال: أنزل القرآن أولاً بلسان قريش
ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم أبيح للعرب أن يقَرؤوه بلغاتهم التي
جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف
أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة وغيرها، انتهى.
وقال السيوطي في ((الإتقان)) في سرد الأقوال الأربعين: العشرون: سبع
لغات، منها خمس في هوازن، واثنتان لسائر العرب. الحادي والعشرون: سبع
لغات متفرقة لجميع العرب كل حرف منها لقبيلة مشهورة. الثاني والعشرون:
سبع لغات، أربع لعَجُز(١) هوازن وثلاث لقريش. الثالث والعشرون: سبع
لغات لقريش، ولليمن، ولجرهم، ولهوازن، ولقضاعة، ولتميم، ولطي، لكل
منها لغة. الرابع والعشرون: لغة لكعبين كعب بن عمر وكعب بن لؤي، ولهما
سبع لغات. الخامس والعشرون: سبع قراءات لسبعة من الصحابة الخلفاء
الأربعة، وابن مسعود وابن عباس، وأَبَيّ بن كعب - رضي الله عنهم -، انتهى.
الخامس: أن التغيير بين السبعة كان مقصوراً على السماع، أو كان لهم
التغيير حسب ما شاءوا، قال الحافظ (٢): نقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه
قال: أنزل القرآن أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم
أبيح للعرب أن يقرؤوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في
الألفاظ والإعراب، لم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى
للمشقة، ولما كان فيهم من الحمية، ولطلب تسهيل فهم المراد، كل ذلك مع
اتفاق المعنى، وعلى هذا يتنزَّل اختلافهم في القراءة وتصويب رسول الله وَال
کلاً منهم.
-
(١) قال المجد: عَجُزُ هوازن: بنو نصر بن معاوية، وبنو جُشَم بن بكرٍ .
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٧/٩).
٢٤٤
۔

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
قال الحافظ: وتتمة ذلك أن يقال: إن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي،
أي أن كل أحد يُغَيِّرُ الكلمة بمرادفها في لغته، بل المراعى في ذلك السماع من
النبي ◌َ﴾، ويشير إلى ذلك قول كل من عمر وهشام - رضي الله عنهما - في
حديث الباب: أقرأني النبي ◌َّ، لكن ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه يقرأ
بالمرادف ولو لم يكن مسموعاً له، انتهى.
السادس: متى ورد التخفيف بذلك؟ قال الحافظ: قد ثبت أنه كان بعد
الهجرة لرواية أُبَيّ بن كعب: أن جبرئيل لقي النبي ◌ّ﴾ وهو عند أضاة بني
غفار، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، الحديث. وأضاة
بني غفار بالمدينة، ينسب إليهم، لأنهم نزلوا عنده، انتهى.
السابع: هل السبعة باقية إلى الآن يقرأ بها أم كان ذلك، ثم استقر الأمر
على بعضها؟ قال الزرقاني(١): ذهب الأكثر إلى الثاني، كابن عيينة،
وابن وهب، والطبري، والطحاوي، انتهى. قال الطحاوي: إنما كان ذلك
رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد، لعدم علمهم بالكتابة
والضبط، وإتقان الحفظ، ثم نُسخ بزوال العسر وتيسر الكتابة والحفظ، وكذا
قال ابن عبد البر والباقلاني وآخرون، كذا في ((الإتقان)).
قلت: واختار الأول الأبي في ((الإكمال)) كما سيأتي كلامه في المبحث
التاسع، وإليه ذهب الباجي(٢)، إذ قال: فإن قيل: هل تقولون: إن جميع هذه
السبعة الأحرف ثابتة في المصحف، فإن القراءة بجميعها جائزة، قيل لهم:
كذلك نقول، والدليل على صحة ذلك قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
(﴾﴾(٣)، ولا يصِحُّ انفصال الذكر المنزل من قراءته، فيمكن
وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ
(١) (١٢/٢).
(٢) (٣٤٧/١).
(٣) سورة الحجر: الآية ٩.
٢٤٥

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
حفظه دونها، ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه أن ظاهر قول النبي مَل يدل
على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف تيسيراً على من أراد قراءته، ليقرأ كل
رجل منهم بما تيسّر عليه بما هو أخفُّ على طبعه وأقرب إلى لغته، ونحن اليوم
مع عجمة ألسنتنا وبعدنا عن فصاحة العرب أحوج إلى ذلك، انتهى بتغير.
وفي ((الإتقان)) (١) عن ((فضائل أبي عبيد)): أن ابن مسعود - رضي الله عنه -
فقال الرجل :
(٢)
أقرأ رجلاً: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ ® طَعَامُ الْأَثِيْمِ (
طعام اليتيم، فردها عليه فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتستطيع أن تقول: طعام
الفاجر؟ قال: نعم، قال: افعل، انتهى.
وقال العيني(٣): اختلف الأصوليون هل يقرأ اليوم على سبعة أحرفٍ؟
فمنعه الطبري وغيره، وقال: إنما يجوز على حرف واحد اليوم وهو حرف زيد،
ونحا إليه القاضي أبو بكر، وقال أبو الحسن الأشعري: أجمع المسلمون على
أنه لا يجوز حظر ما وسعه الله تعالى من القراءات بالأحرف التي أنزلها، ولا
يسوغ للأمة أن تمنع ما يطلقه الله تعالى، بل هي موجودة في قراءتنا مفرقة في
القرآن غير معلومة بأعيانها، فيجوز على هذا، وبه قال القاضي: أن يقرأ بكل
ما نقله أهل التواتر من غير تمييز حرف من حرف، فيحفظ حرف نافع بحرف
الكسائي وحمزة، ولا حرج في ذلك؛ لأن الله تعالى أنزلها تيسيراً على عبده.
وقال الخطابي: الأشبه ما قيل: إن القرآن أنزل مرخصاً للقارئ بأن يقرأ
بسبعة أحرف على ما تيسّر، أو هذا قبل إجماع الصحابة، وأما الآن فلا يسعهم
أن يقرؤوه على خلاف ما أجمعوا عليه، انتهى.
(١) (٦٣/١).
(٢) سورة الدخان: الآيتان ٤٣، ٤٤.
(٣) ((عمدة القاري)) (١٤٦/٩).
٢٤٦

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
الثامن: اختلف من قال باستقرار الأمر في أنه هل استقر ذلك في الزمن
النبوي أم بعده؟
قال الزرقاني(١): الأكثر على الأول، واختاره الباقلاني وابن عبد البر
وابن العربي وغيرهم، لأن ضرورة اختلاف اللغات ومشقة نطقهم بغير لغتهم
اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر، فأذن لكل أن يقرأ على حرفه أي على
طريقته في اللغة، حتى انضبط الأمر، وتدربت الألسن، وتمكن الناس من
الاقتصار على لغة واحدة، فعارض جبرئيل النبي ◌ّ القرآن مرتين في السنة
الأخيرة، واستقر على ما هو عليه الآن، فنسخ الله تلك القراءة المأذون فيها
بما أوجبه من الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس، انتهى.
قلت: وهو مختار الطحاوي كما تقدم من كلامه في المبحث السابع.
وفي ((الإتقان))(٢) عن ابن جرير: أن القراءة على الأحرف السبعة لم تكن واجبة
على الأمة، وإنما كان جائزاً لهم ومرخصاً لهم، فلما رأى الصحابة أن الأمة
تفترق وتختلف إذا لم يجمعوا على حرف واحد اجتمعوا على ذلك إجماعاً
شائعاً، وهم معصومون من الضلالة، ولم يكن في ذلك ترك واجب ولا فعل
حرام، ولا شك أن القرآن نسخ منه في العرضة الأخيرة، فاتفق رأي الصحابة
على أن كتبوا ما تحققوا أنه قرآن مستقر في العرضة الأخيرة، وتركوا ما سوى
ذلك، انتهى .
وحكى الحافظ في ((الفتح)»(٣) عن البغوي في ((شرح السنة)): المصحف
الذي استقر عليه الأمر هو آخر العرضات على رسول الله وَّر، فأمر عثمان
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٢/٢).
(٢) (٦٦/١).
(٣) (٣٠/٩).
٢٤٧

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
بنسخه في المصاحف، وجمع الناس عليه، وأذهب ما سوى ذلك قطعاً لمادة
الخلاف، فصار ما يخالف المصحف في حكم المنسوخ والمرفوع كسائر
ما نسخ ورفع، فليس لأحد أن يَعْدُوَ في اللفظ إلى ما هو خارج عن الرسم،
انتھی .
التاسع: أن القراءات السبع المتعارفة هل يمكن أن يفسر بها الحديث أم
لا؟ قال أبو شامة: ظن قوم أن المراد القراءات السبع الموجودة الآن، وهو
خلاف إجماع العلماء، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل، وقال مكي بن
أبي طالب: من ظن أن قراءة هؤلاء كعاصم ونافع هي الأحرف السبعة التي في
الحديث فقد غلط غلطاً عظيماً .
ويلزم منه أن ما خرج عن قراءتهم مما ثبت عن الأئمة غيرهم ووافق خط
المصحف أن لا يكون قرآناً وهذا غلط عظيم، قاله الزرقاني تبعاً للحافظ .
وبسط الحافظ في ((الفتح)) (١) أشد البسط، وقال: قال ابن عمار: لقد
فعل مسبِّع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من
قلّ نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذا اقتصر نقص عن
السبعة، أو زاد ليزيل الشبهة، ووقع له أيضاً في اقتصاره عن كل إمام على
راويين، أنه صار من سمع قراءة راوٍ ثالث غيرهما أبطلها. وقد تكون هي أشهر
وأصح وأظهر. وربما بالغ من لا يفهم فخطأ وكفر، انتهى.
وقال الأبي في ((الإكمال))(٢): حاصل الأقوال التي سرد(٣) ترجع إلى أن
أحرف السبع التي يقرأ الناس بها اليوم، هل هذه الأحرف المذكورة في
(١) (٣٠/٩).
(٢) (٤٢٩/٢).
(٣) كذا في الأصل والظاهر سردت ترجع إلى أن الأحرف السبع إلخ، انتهى، ((ش)).
٢٤٨
--
1

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
الحديث، أو هي حرف واحد منها؟ والأول ظاهر قول الباقلاني. والثاني:
نص قول ابن أبي صفرة، وهو ظاهر قول الطحاوي، والأظهر في المسألة
مختار أبي عبد الله بن عرفة، أن المراد بالأحرف المذكورة في الحديث أحرف
قراءات السبع اليوم، وقراءة يعقوب داخلة في ذلك، لأنه أخذها عن أبي عمرو،
ولأن بذلك يظهر التسهيل والتيسير الذي هو سبب نزوله عليها، وبه أيضاً
معجزة قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ ﴾﴾(١)، لأنها محفوظة مع
مرور مئين من السنين. وبه أيضاً تعرف ضعف قول ابن أبي صفرة، لأنها لو
كانت واحدة من تلك الأحرف لزم أن توجد بقيتها وإن لم تحفظ لاقتضاء الآية
ذلك، انتھی.
وإليه يظهر ميل الباجي(٢)، إذ قال: صوَّب النبي ◌َّ- قراءة عمر وهشام
- رضي الله عنهما - معاً، ثم أعلمهما أن القرآن أنزل على سبعة أحرف تيسيراً
على الأمة في تلاوته، يريد، والله أعلم، سبع قراءات وسبعة أوجه، لأن الوجه
الطريقة التي يكون الكلام عليها، وتسمى في اللغة حَرْفاً، ولذلك يقولون: فلان
يقرأ بحرف أبي عمرو، ويقرأ بحرف نافع، يريدون قراءته، فإن قيل: هل
تقولون: إن جميع هذه السبعة الأحرف ثابتة في المصحف فالقراءة لجميعها
جائز؟ قيل لهم: كذلك نقول، والدليل على صحته قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ ﴾﴾(١). ومما يدل على صحته أن ظاهر قوله وَلا يدل
على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف تيسيراً على من أراد قراءته، ليقرأ كل
رجل منهم بما تيسر عليه وبما هو أخفّ على طبعه، انتهى مختصراً.
قلت: وبسط الكلام الحافظ في ((الفتح))(٣) وقال: قال أبو بكر بن
(١) سورة الحجر: الآية ٩.
(٢) ((المنتقى)) (٣٤٧/١).
(٣) (٣٠/٩).
٢٤٩

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حدیث
العربي: ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها، كقراءة أبي جعفر
وشيبة والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم، كذا قال غير واحد،
منهم مكي بن أبي طالب وأبو العلاء الهمداني وغيرهم من أئمة القراءة، ثم قال
الحافظ (١) بعد سرد الكلام: وإنما أوسعتُ القول في هذا لما تجدد في هذه
الأعصار المتأخرة من توهم أن القراءة المشهورة منحصرة في مثل ((التيسير))
و ((الشاطبية))، وقد اشتد إنكار أئمة هذا الشأن على من ظن ذلك، انتهى.
ويخالفه ما قاله القاري كأنه وير كشف له أن القراءة المتواترة تستقر في
أمته على سبع، وهي الموجودة الآن المتفق على تواترها، والجمهور على أن
ما فوقها شاذٍّ، لا يحِلُّ القراءة به، انتهى.
العاشر: قد اختلف السلف في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هل
هي مجموعة في المصحف الذي بأيدي الناس اليوم، أو ليس فيها إلا حرفٌ
واحد منها؟، مال ابن الباقلاني إلى الأول، وصرح الطبري وجماعة بالثاني،
وهو المعتمد، قاله الحافظ في ((الفتح)).
وقال أيضاً: قرر الطبري ذلك تقريراً أطنب فيه، ووهَّى من قال: بخلافه،
ووافقه على ذلك جماعة منهم أبو العباس بن عمار في ((شرح الهداية))، وقال:
أصح ما عليه الحُذّاق أن الذي يقرأ الآن بعض الحروف السبعة المأذون في
قراءتها لا كلها، انتهى.
وتقدم ما قال الأبي في ((الإكمال))(٢): إن الأقوال التي سردت ترجع إلى
أن أحرف السبع التي يقرأ الناس بها اليوم هل هي الأحرف المذكورة في
الحديث، أو هي حرف واحد منها؟ الأول ظاهر قول الباقلاني، والثاني نص
قول ابن أبي صفرة، وهو ظاهر قول الطحاوي، انتهى.
(١) (٣٢/٩).
(٢) (٤٢٩/٢).
٢٥٠
--

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٥٩) حديث
فَاقْرَؤُوا مَا تَسَّرَ مِنْهُ)) .
أخرجه البخاريّ في: ٤٤ - كتاب الخصومات، ٤ - باب كلام الخصوم
بعضهم في بعض .
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٤٨ - باب بيان أن القرآن على سبعة
أحرف، وبيان معناه، حديث ٢٧١.
وقال أيضاً: قال محمد بن أبي صفرة: إن القراءات السبع التي يقرأها
الناس اليوم إنما شرعت من حرف واحد من تلك الأحرف السبعة، وقال
الداودي: في كل حرف من قراءة السبع اليوم ليس هو أحد تلك الأحرف
السبعة بل قد يكون مفرقاً فيها، وقال الطحاوي(١): إن الأحرف السبعة كانت
في أول الأمر لاختلاف لغات العرب ومشقة تكليفهم بلغة واحدة، فلما كثر
الناس والكتب عادت إلى قراءة واحدة، انتهى.
(فاقرؤوا منه ما تيسر) وفي النسخ المصرية: ﴿فَقْرَءُواْ مَا نَسَرَ مِنْذً﴾(٢)
والمعنى واحد. قال الحافظ: منه أي من المُنَزَّلِ، وفيه إشارة إلى الحكمة في
التعدد المذكور، وأنه للتيسير على القاري، وهذا يُقَوِّي قول من قال: المراد
بالأحرف تأدية المعنى باللفظ المرادف ولو كان من لغة واحدة، انتهى.
قلت: وما يخطر في البال بملاحظة هذه الأقوال - والله أعلم بحقيقة الحال،
فإن كان صواباً فمن الكبير المتعال، وإن كان خطأ فمن الشيطان وسيّئ الأعمال -
أن المراد من سبعة أحرف التحديد كما يدل عليه سياق الروايات المفصلة، ولا
يدرى كيفيتها، إلا أنها شاملة لجميع القراءات المختلفة للصحابة المسموعة عن
النبي 8*، وكان الاختلاف فيها تارة بإبدال اللغة ومرة بالزيادة والنقص، وأخرى
باختلاف الكيفية وغير ذلك، وقياساً على التيسير المذكور، أباح النبي وَّر في أول
(١) ((مشكل الآثار)) (١٨١/٤).
(٢) سورة المزمل: الآية ٢٠.
٢٥١

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦٠) حديث
٦/٤٦٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرآنِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ
الْمُعَقَّلَةِ؛ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا، أَمْسَكَهَا. وَإِنْ أَظْلَقَهَا، ذَهَبَتْ)).
أخرجه البخاريّ في: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن، ٢٣ - باب استذكار القرآن
وتعاهده.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٣٣ - باب الأمر بتعهد القرآن،
حديث ٢٢٦.
الأمر بقراءة كل ما تيسّر ما لم يختم (١) آية رحمة بآية عذاب، وعلى هذا فقوله وَل :
((اقرؤا ما تيسر منه)) أي كيفما تيسر من القرآن شامل لجميع اللغات لكن هذا التيسير
العمومي قد ارتفع في آخر عصره وَ ل# لارتفاع العلة كما تقدم عن جمع من
المشايخ، وبقيت الحروف السبعة المنزلة من الله عز وجل. وقراءة زيد بعض منها
مأخوذ من السبعة، ولما وقع الاختلاف في الصحابة حتى كفّر بعضهم بعضاً
أجمعوا على قراءة زيد. فالآن لا يجوز (٢) خلافها، لا لأن غيره ليس من القرآن بل
لأنه لم ينقل على التواتر فتأمل هذا، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
٦/٤٦٠ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أن
رسول الله وَل﴾ قال: إنما مَثَلُ) بفتحتين أي مثال (صاحب القرآن) أي الذي ألف
تلاوته، والمصاحبة: المؤالفة، ومنه فلانٌ صاحبُ فلانٍ (كمثل صاحب الإبل
المعقلة) بضم الميم، وفتح العين المهملة والقاف الثقيلة أي المشدودة بالعقال،
وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير (إن عاهد عليها) أي داوم وتفقد وحافظ
صاحبها (أمسكها) أي استمر إمساكه لها (وإن أطلقها) أي أرسلها وحلّها من
عقلها (ذهبت) أي انفلتت.
(١) هكذا في الأصل والظاهر ما لم يخلط.
(٢) قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يقرأ في صلاته نافلة كانت أو مكتوبة بغير ما في
المُصحف المجتمع عليه كذا في ((الاستذكار)) (٤٨/٨).
٢٥٢
-
----

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦١) حديث
٧/٤٦١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّ﴾؛ أَنَّ الْحَارِثَ بُنَ هِشَام، سَأَلَ
رَسُولَ اللَّهِ
قال الزرقاني(١): والحصر في ((إنما)) حصر مخصوص بالنسبة إلى
النسيان، والحفظ بالتلاوة، والترك. شَبَّهَ درس القرآن واستمرار تلاوته بربط
البعير الذي يخشى منه أن يشرد، فما دام التعاهد موجوداً فالحفظ موجود، كما
أن البعير ما دام مشدوداً بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر لأنها أشدّ
الحيوانات الإنسية نفاراً، وفيه حض على درس القرآن وتعاهده، وفي
(الصحيح)) مرفوعاً: ((تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشدُّ تفصياً من
الإبل في عقلها)) .
٧/٤٦١ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة
زوج النبي (88 أن الحارث بن هشام) بن المغيرة المخزومي، أبو عبد الرحمن
المكي شقيق أبي جهل، شهد بدراً كافراً وأسلم يوم الفتح، وكان من فضلاء
الصحابة، استشهد في خلافة عمر - رضي الله عنه - في فتوح الشام، وقيل: في
طاعون عمواس، له اثنان وثلاثون ولداً، عدّه ابن الجوزي في من روى من
الصحابة حديثين (٢).
(سأل النبي) وفي النسخ المصرية: رسول الله (88) قال الحافظ(٣): هكذا
رواه الرواة عن عروة، فيحتمل أن عائشة - رضي الله عنها - حضرت ذلك،
وعلى هذا اعتمد أصحاب الأطراف، فأخرجوه في مسند عائشة - رضي الله
عنها -، ويحتمل أن الحارث أخبرها بذلك بعد فيكون من مرسل الصحابة،
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٢/٢).
(٢) له ترجمة في: ((الإصابة)) (٦٠٥/١) و((أسد الغابة)) (٤١٦/١) ((وتهذيب التهذيب))
(١٦١/٢) و((عمدة القاري)) (٧٣/١).
(٣) (فتح الباري)) (١٩/١).
٢٥٣

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦١) حديث
كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «أَحْيَاناً يَأْتِينِي
ويؤيده ما في ((مسند أحمد)) و ((معجم البغوي)) وغيرهما من طريق عامر بن
صالح الزبيري، عن هشام عن أبيه عن عائشة عن الحارث بن هشام قال:
سألت، وعامر فيه ضعف، لكن له متابع عند ابن منده، والمشهور الأول،
انتھی .
(كيف يأتيك الوحي؟) يحتمل أن يكون المسؤول عنه صفة الوحي نفسه،
أو صفة حامله أو ما أعمّ منهما، وعلى كل تقدير فإسناد الوحي إليه مجازٌ
عقليٍّ، لأن الإتيان حقيقة من وصف حامله أو هو استعارة بالكناية، شَبَّهَ الوحي
برجل وأضيف إلى المشبه الإتيان الذي من خواص المشَبَّهَ به، والوحي في
الأصل الإعلام في خفاءٍ، والكتاب والإشارة والكتابة والرسالة والإلهام
والكلام الخفي وكل ما ألقيته إلى غيرك، وفي اصطلاح الشريعة هو كلام الله
المنزل على نبي من أنبيائه. قاله العيني(١) وفيه: أن السؤال عن الكيفية لمطلب
الطمأنينة لا يقدح في اليقين، وأيضاً جواز السؤال عن أحوال الأنبياء من إتيان
الوحي وغيره.
(فقال رسول الله مَ ل(1) في جواب ما سأله: (أحياناً) منصوب على الظرفية
والعامل فيه يأتيني مؤخر عنه. جمع حين، وهو الوقت يقع على القليل والكثير
ويطلق على لحظة من الزمان فما فوقه، قال تعالى: ﴿هَلْ أَنَ عَلَى الْإِنسَنِ حِيْنٌ مِّنَ
الذَّهْرِ﴾ أي أربعون سنة، وقال تعالى: ﴿تُؤْقِّ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ أي ستة أشهر
والمراد هناك مطلق الوقت (يأتيني).
فيه: أن المسؤول عنه إذا كان ذا أقسام يذكر المجيب في أول جوابه
ما يقتضي التفصيل، وذلك لأن الوحي ثلاثة أنواع، وله سبع صور.
أما الأقسام: فأحدها: سماع الكلام القديم كسماع موسى. والثاني:
(١)((عمدة القاري)) (١/ ٣٧).
٢٥٤

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦١) حديث
فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ
وحي رسالة بواسطة الملك. والثالث: وحي تلقٍ بالقلب كقوله وَالر: ((إن روح
القدس نفث في رُوعي))، صححه الحاكم.
وأما صوره على ما ذكره السهيلي، فإحداها: المنام، الثانية: كصلصلة
الجرس، الثالثة: أن ينفث في رُوعه، الرابعة: أن يتمثَّل له الملك رجلاً،
الخامسة: أن يتراءى له جبرئيل عليه السلام في صورته بستمائة جناح، السادسة:
أن يكلمه الله تعالى من وراء حجاب. إما في اليقظة كليلة الإسراء أو في المنام
كرواية الترمذي وغيره مرفوعاً: ((أتاني ربي في أحسن صورة، فقال: فيم
يختصم الملأ الأعلى))، الحديث. السابعة: وحي إسرافيل عليه السلام كما ورد
((أنه وكل به وَّ ثلاث سنين ثم قرن به جبرئيل عليه السلام)). وأنكر الواقدي
وغيره كونه وكّل به غير جبرئيل عليه السلام، قاله العيني (١).
وقال الحافظ(٢) في صفة الوحي: كمجيئه كدوي النحل، والنفث في
الرُّوع، والإلهام، والرؤيا الصالحة، والتكليم ليلة الإسراء. وفي صفة الحامل:
كمجيئه في صورته بستمائة جناح، ورؤيته على كرسي بين السماء والأرض وقد
سد الأفق، وقد ذكر الحليمي أن الوحي كان يأتيه على ستة وأربعين نوعاً،
فذكرها وغالبها من صفات حامل الوحي ومجموعها يدخل فيما ذكر، انتهى.
ثم ذكر في الرواية الحالتين فقط إما لكونهما غالب الأحوال أو حمل
ما يغايرهما على أنه وقع بعد السؤال، ووجه الحافظ في ((الفتح)) بما يرجع
الكل إليهما، والظاهر عندي أنه # ذكر طرفي الأنواع أحدهما أشده، وقد
صرح به في الرواية، وثانيهما أهونه، كما سيأتي في النوع الثاني.
(في مثل صلصلة) بصادين مهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة أصله
(١) ((عمدة القاري)) (١/ ٧٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١٩/١).
٢٥٥

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦١) حديث
الْجَرَسِ،
صوت وقوع الحديد بعضه على بعض. ثم أطلق على كل صوت له طنين، وفي
((العباب)): صلصلة اللجام: صوته إذا ضوعف، وقال أبو علي الهجري:
الصلصلة للحديد والنحاس والصفر، ويابس الطين وما أشبه ذلك صوته،
ويقال: هو الصوت المتدارك الذي لا يفهم في أول وهلة (الجرس) بجيم وفتح
راء مهملة، هو الجلجل المعلق في رأس الدواب، واشتقاقه من الجرس
بإسكان الراء وهو الحس، قيل: هو صوت الملك بالوحي، وقيل: صوت
حفيف أجنحة الملك، والحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه
مكان لغيره(١) .
قلت: ويؤيد هذا الثاني ما في الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا
قضى الله في السماء أمراً ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنها سلسلة
على صفوان))، الحديث.
وسمعت عن بعض المشايخ أنه تخليق الصوت من الله عز وجل في
الموحى به بكمال قدرته، وأفاد مولانا الشاه ولي الله ما حاصله: أنها مقدمة
الوحي، فقال في ((التراجم)): اعلم أن من تعطلت حاسةٌ من حواسه، يظهر له
في تلك الحالة ما لا يتميز فيه، مثل من تعطلت حاسته البصرية، يرى ألواناً
مختلفة متكثرة، ومن تعطلت حاسته السمعية يسمع أصواتاً ممتزجة مختلفة غير
متميزة، فقوله: ((مثل صلصلة الجرس)) عبارةٌ عن تعطل حاسة السمع عن
مسموعات عالم الشهادة، لكي يتفرغ لحفظ ما أوحي إليه، ويعيه كما هو حقه،
فتدبر (٢)، انتھی.
وقال في ((حجة الله))(٣): حقيقتها أن الحواس إذا صادمها تأثير قوي
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٧٥/١).
(٢) انظر: ((لا مع الدراري)) (٤٩٤/١).
(٣) (٥٥٨/٢).
٢٥٦
-

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦١) حديث
وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ،
تشوَّشت، فتشويش قوة البصر أن يرى ألواناً، الحمرة والصفرة، والخضرة،
ونحو ذلك، وتشويش قوة السمع، أن يسمع أصواتاً مبهمة، كالطنين،
والصلصلة، والهمهمة، فإذا تم الأثر حصل العلم، انتهى.
فإن قيل: المحمود لا يشبه بالمذموم، إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص
بكامل، والمشبه الوحي والمشبه به صوت الجرس، وهو مذموم لصحة النهي
عنه والتنفير من مرافقته والإعلام بأنه لا تصحبه الملائكة، فكيف شَبَّه فعل
الملك بأمر تنفر منه الملائكة؟ أجيب: بأنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه
بالمشبه به في الصفات كلها، ولا في أخص وصف له، بل يكفي اشتراكهما في
صفة ما، فالقصد ههنا بيان الحس، فذكر ما أَلِفَ السامعون سماعه تقريباً
لأفهامهم، وقيل: إن كراهته لأنه يدل على أصحابه بصوته، وكان يحب أن لا
يعلم العدو به حتى يأتيهم فجأة، وقيل: يحتمل الكراهة بعد إخباره عن كيفية
الوحي، قاله العيني(١).
قلت: إذا كان المقصود التقريب إلى الأفهام، فلا بأس به إذ كان معروفاً
عندهم كما قيل في توجيه العتمة، فإن قيل: قد روي عن عمر - رضي الله عنه -
عند أبي داود: ((كنا نسمع عنده مثل دويّ النحل)) وههنا كصلصلة الجرس،
وبينهما تفاوت، أجيب بأن ذلك بالنسبة إلى الصحابة، وهذا بالنسبة إلى
النبي ◌َ﴾، كذا أفاده الشُّرَّاحُ.
والأوجه عندي أنه ليس بحقيقة، بل تقريب وتشبيه، فلا يخالف أيضاً
ما ورد ((إذا قضى الله في السماء أمراً ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعاناً لقوله
كأنها سلسلة على صفوان)) (وهو أشدّه علي) لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة
أشدُّ من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، وفيه إشارة إلى أن الوحي
كله شديد وهذا أشدّه.
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٨٠/١) و((فتح الباري)) (٢٠/١).
٢٥٧

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦١) حديث
فَيُفْصِمُ عَنّي، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ. وَأَحْيَاناً يَتَمَثَّلُ لِى الْمَلَكُ رَجُلاً،
(فيفصم) الوحي أو الملك المفهوم مما تقدم بفتح التحتية وسكون الفاء
وكسر المهملة هكذا ضبطه أكثر الشراح، قال العيني: فيه ثلاث لغات.
إحداها: هذه وهي أفصحها. والثانية: ببناء المجهول. والثالثة: بضم أوله وكسر
الثالثة من أفصم المطر إذا أقلع، وهي لغة قليلة، وأصل الفصم القطع بلا إبانة
(عني) أي يتجلى ما يغشاني (و) الحال أني (قد وعيت) بفتح العين أي حفظت
(ما قال) أي ما قاله وما جاء به، فالعائد محذوف وهذا النوع شبيه بما يوحى
إلى الملائكة .
و (أحياناً) أي وفي بعض الأوقات، وهذه صورة أخرى لمجيء الوحي
(يتمثل) أي يتصور، مشتق من المثال، وهو أن يكون شبه الشيء (لي) أي
لأجلي (الملك) أصله الملأك تركت الهمزة لكثرة الاستعمال، مشتق من
الألوكة، بمعنى الرسالة سُمِّيَت بها لأنها تُؤْلَكُ في الفم من قول العرب:
الفرس يألك اللجام ألكاً أي يعلكه علكاً، والملك رسول من الله تعالى،
والملائكة جمع ملك والتاء التأنيث الجمع لما أرادوا جمع ملك ردوه إلى
الأصل، وهو جسم لطيف علوي يتشكَّلُ بأي شكلٍ شاء، وهو قول أكثر
المسلمين، وقالت الفلاسفة: هي جواهر روحانية قائمة بأنفسها، ليست
بمتحيزة، كذا في ((العيني)) و((الفتح)) (١).
والمراد بالملك ههنا عند شراح البخاري وغيرها جبرئيل عليه السلام
لا غير، وحكى فيه العيني(٢) قصته، وقال الحافظ: صرح به في رواية
ابن سعد، وتبعه الزرقاني، والأوجه عندي العموم، لأنه قد ثبت أن إسرافيل
وُكِّلَ بالنبيِ وَلَـ ثلاث سنين؛ وقد ورد في غير رواية: نزول عدة ملائكة في
صور رجال (رجلاً) بالنصب على المصدرية أي مثل رجل، أو بهيئة رجل، فهو
(١) ((عمدة القاري)) (٧٦/١) و((فتح الباري)) (٢١/١).
(٢) (٨٢/١).
٢٥٨
صد

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦١) حديث
فَيُكَلِّمُنِي
حال أو على تمييز النسبة لا بتمييز المفرد؛ لأن الملك لا إبهام فيه، قاله
الزرقاني(١)، وقال العيني: أكثر الشراح على أنه منصوب على التمييز، وفيه
نظر، ثم ردّه مبسوطاً، ثم قال: بل الصواب أن يقال: منصوب بنزع الخافض،
أي تصور رجل، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه، انتهى.
ثم قال: فإن قيل: ما حقيقة تمثل جبرئيل عليه السلام رجلاً؟ أجيب بأنه
يحتمل أن الله تعالى أفنى الزوائد من خلقه ثم أعاده، ويحتمل أن يزيله عنه ثم
يعيده إليه بعد التبليغ، نَبَّهَ على ذلك إمام الحرمين، وأما التداخل فلا يصح على
مذهب أهل الحق(٢)، انتهى.
قال الحافظ(٣): وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء، وقرر ذلك
بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجباً لموته، بل يجوز أن يبقى الجسد حياً، لأن
موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلاً، بل بعادة أجراها الله في بعض
خلقه، وقال شيخ الإسلام: ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل
يجوز أن يكون الآتي هو جبرئيل بشكله الأصلي، إلا أنه انضمَّ، فصار قدر
هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته.
ومثال ذلك القطن إذا جُمِعَ بعد أن كان منتفشاً، والحق أن التمثيل ليس
معناه أن ذاته انقلب رجلاً، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيساً لمن يخاطبه،
والظاهر أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط، انتهى.
ثم التمثل في أكثر الأوقات يكون بدِحْيَةً.
(فيكلمني) بالكاف، وللبيهقي عن القعنبي عن مالك بالعين بدل الكاف،
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤/٢).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (١/ ٨٢).
(٣) (فتح الباري)) (٢١/١).
٢٥٩

١٥ - كتاب القرآن
(٤) باب
(٤٦١) حديث
فَأَعِي مَا يَقُولُ)). قَالَتْ عَائِشَةُ:
والظاهر أنه تصحيف، فإنه في ((موطأ القعنبي)) بالكاف وكذا رواه غير واحد عن
القعنبي بالكاف كذا في ((الفتح)) بتغير. (فأعي) بمتكلم المضارع من وعيت
(ما يقول) أي الذي يقوله، فالعائد محذوف زاد أبو عوانة: ((وهو أهونه عليّ))،
قاله الحافظ .
ثم عَبَّر ههنا بالمضارع، وفي ما قبله بالماضي؛ لأن الوحي حصل في
الأول قبل الفصم، وفي الثاني حال المكالمة، أو أنه * تلبّس في الأول
بالصفات الملكية، فإذا عاد إلى جبلته كان حافظاً لما قيل بخلاف الثاني، فإنه
على حالته المعهودة، قاله الحافظ. زاد العيني: أو يقال: لفظ قد تقرب
الماضي إلى الحال، فهذا لما كان صريحاً يحفظه في الحال، وذلك بقرب أن
يحفظه إذ يحتاج فيه إلى استثبات، انتهى.
قال القسطلاني(١): وفي تفسير ابن عادل: أن جبرئيل عليه السلام نزل
على النبي ◌ّ﴾ أربعة وعشرين ألف مرة، وعلى آدم اثنتي عشرة مرة، وعلى
إدريس أربعاً، وعلى نوح خمسين، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة، وعلى
موسى أربعمائة، وعلى عيسى عشراً على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، كذا
قاله، والعهدة علیه، انتهى.
(قالت عائشة) بالإسناد السابق وإن كان بغير حرف عطف، وأخرجه
الدارقطني بسنده عن مالك بهذا السند مفصولاً، وكذا فصلهما مسلم بطريق
أبي أسامة عن هشام، ونكتة الاقتطاع اختلاف التحمل، فإنها في الأول أخبرت
عن مسألة الحارث، وههنا أخبرت عما شاهدته تأييداً للأول، قاله الحافظ (٢).
قلت: أو الأول من مسند الحارث كما تقدم، وهذا من مسند عائشة - رضي الله
عنها .
(١) ((إرشاد الساري)) (١/ ١٠١).
(٢) (فتح الباري)) (٢١/١).
٢٦٠
-٠
: