النص المفهرس
صفحات 141-160
١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ.
ويخالفها ما في حديث عبد الله بن زيد عند أحمد في ((مسنده)) قال:
خرج رسول الله ولم يستسقي، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وأخرج الطحاوي
بسنده، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله وَل يستسقي يوماً، فصلى ركعتين،
ثم خطبنا، وتقدم عن (البيهقي)): أنه رجح رواية تقديم الصلاة، وفي
((البرهان)): ترجح رواية تقديم الصلاة على الخطبة لأنها عن مشاهدة بخلاف
رواية تأخيرها، انتهى.
وقال الزيلعي في حديث أبي داود: بدأ بالخطبة قبل الصلاة، وفي
الحديثين الماضيين العكس، ولعلهما واقعتان، وحكم في ((المحيط البرهاني))
على الرواية التي وردت في الخطبة قبل الصلاة بالشذوذ، وعكسه في (البداية))،
فقال: قال القاضي: ومن ذكر الخطبة، فإنما ذكرها في علمي قبل الصلاة.
وقال الحافظ (١): ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك،
بأنه مَ بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على
شيء، وبعضهم على شيء، وعَبَّر بعضهم عن الدعاء بالخطبة، ولذلك وقع
الاختلاف، انتهى. قال الطحاوي: نظرنا الخطب، ونظرنا خطبة الاستسقاء،
بأي الخطبتين أشبه؟ فرأينا الجمعة فرضاً، وكذلك خطبتها، وخطبة العيد ليست
كذلك، لأنها تجوز بغير الخطبة، وكذلك صلاة الاستسقاء، فرأينا خطبتها أشبه
بخطبة العيد، انتهى مختصراً .
(فيصلي) بهم الإمام أولاً (ركعتين) ذكر في ((المدونة)): يقرأ فيهما بـ ﴿سَيِّحِ أُسْمَ
رَبِّكَ الْأَعْلَىِ ﴾﴾، و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا ﴾﴾، ونحو ذلك. قال العيني: وعند أصحابنا
ليس في صلاة أي صلاة كانت قراءة موقتة، وذكر في ((البدائع)) و ((التحفة)): الأفضل
أن يقرأ فيهما الأعلى في الأولى، والغاشية في الثانية (٢)، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٠٠).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٣٥/٧/٤).
١٤١
١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
ثُمَّ يَخْطُبُ قَائِماً وَيَدْعُوِ. وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ. وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ حِينَ يَسْتَقْبِلُ
الْقِبْلَةَ. وَيَجْهَرُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِالْقِرَاءَةِ. وَإِذَا حَوَّلَ رِدَاءَهُ، جَعَلَ الَّذِي
عَلَى يَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ. وَالَّذِي عَلَى شِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ .
(ثم) بعدهما (يخطب) خطبتين عند من قال بهما، وخطبة واحدة عند من
قال بها. ومختار الإمام مالك الأول (قائماً ويدعو قائماً) قال ابن بطال: حكمته
كونه حال خشوع، وإنابة، فناسبه القيام، وقال غيره: القيام شعار الاعتناء،
والاهتمام، والدعاء أهم أعمال الاستسقاء (ويستقبل القبلة)، وتقدم اختلاف
الروايات والمسالك في وقت الاستقبال. وهذا كله في الصلاة المتعارفة. وأما
في غيرها كالاستسقاء في الجمعة، فلا استقبال ولا تحويل، قال الكرماني على
ما حكى عنه العينيّ: عدم التحويل، والاستقبال متفق عليهما إذا كان الاستسقاء
في غير الصحراء، وإنما الخلاف فيها، انتهى.
---
(ويحول رداءه حين يستقبلُ القبلة ويجهر في الركعتين بالقراءة) حكى
ابن بطال الإجماع على الجهر بالقراءة، يعني إجماع من قال بالصلاة. قال
الحافظ(١): لم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة
المذكورة، ولا ما يقرأ فيهما، وللدارقطني عن ابن عباس: أنه يكبر فيهما سبعاً
وخمساً كالعيد، وأنه يقرأ فيهما بـ ﴿سَيِّج﴾ و ﴿هَلْ أَنَكَ﴾، وفي إسناده مقال،
لكن أصله في ((السنن))، بلفظ: ثم صلى ركعتين، كما يصلي في العيد، فأخذ
بظاهره الشافعي فقال: يكبر فيهما، انتهى.
قال الزرقاني(٢): ولم يأخذ به مالك، لضعف الرواية المصرحة بالتكبير،
ولما يطرق الثانية من احتمال نقص التشبيه. (وإذا حول) الإمام (رداءه) أي يريد
التحويل (جعل الذي على يمينه على شماله والذي على شماله على يمينه) كما
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٠٠).
(٢) (٣٨٤/١).
١٤٢
.. -
-------
..
١٣ - كتاب الاستسقاء
(١) باب
(٤٣٤) حديث
وَيُحَوِّلُ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ، إِذَا حَوَّلَ الإِمَامُ رِدَاءَهُ،
في حديث عبد الله بن زيد عند أبي داود، قال الزرقاني: والجمهور على
استحباب التحويل فقط بلا تنكيس. واستحبه الشافعي في الجديد. لما في
أبي داود وغيره: استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها،
فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها، إذ مفهومه لو لم تثقل عليه لنكس، ولم
يأخذ بذلك الجمهور لانفراد راويها بها في حديث ابن زيد، انتهى.
قلت: واختلفت روايات الحديث في ذلك. وأخرج البيهقي عن أبي هريرة
قال: خرج رسول الله وَّر يستسقي، الحديث. وفيه: ثم قلب رداءه، فجعل الأيمن
على الأيسر والأيسر على الأيمن. تفرد به النعمان بن راشد عن الزهري. وقال في
((الخلافيات)): رواته ثقات، وأخرج البيهقي أيضاً عن ابن عباس - رضي الله عنه -
قال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين، إلا أن رسول الله وَ له قلب رداءه،
فجعل يمينه على يساره ويساره على يمينه (ويحول الناس) أيضاً (أرديتهم إذا حول
الإمام رداءه) لما في حديث عبد الله بن زيد عند أحمد بلفظ: وحول الناس معه
عليه السلام. وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده. واستثنى
ابن الماجشون النساء، فقال: لا يستحب في حقهن.
قال العيني(١): ولا يقلب القوم أرديتهم عندنا، وهو قول سعيد بن
المسيب، وعروة، والثوري، والليث بن سعد، وابن عبد الحكم، وابن وهب.
وعند مالك، والشافعي، وأحمد: القوم كالإمام، انتهى. قال صاحب
((الهداية)): لا يقلب القوم أرديتهم، لأنه لم ينقل أنه ◌ّل# أمرهم بذلك، قال
ابن الهمام: وتقريره ◌َله إياهم إذ حولوا، أحد الأدلة، وهو مدفوع، بأن تقريره
الذي هو من الحُجَجِ، ما كان عن علمه، ولم يدل شيء مما روي على علمه
بفعلهم، ثم تقريره، بل اشتمل على ما هو ظاهر في عدم علمه به، وهو ما تقدم
من رواية: أنه إنما حول بعد تحويل ظهره إليهم، اهـ.
(١) ((عمدة القاري)) (٢٥/٧/٤).
١٤٣
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٢) باب
(٤٣٥) حديث
وَيَسْتَقْبِلُونَ الْقِبْلَةَ، وَهُمْ قُعُودٌ.
(٢) باب ما جاء في الاستسقاء
٢/٤٣٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّه
وفي ((البدائع))(١): ما روي من الحديث شاذ، على أنه يحتمل أنه وَ لّ
عرف ذلك فلم ينكر عليهم، فيكون تقريراً، ويحتمل أنه لم يعرف، لأنه مستقبل
القبلة مستديراً لهم، فلا يكون حجة مع الاحتمال، انتهى. (ويستقبلون) أي
الناس (القبلة وهم قعود). وفي ((المدونة)) (٢): الإمام يدعو وهو قائم، والناس
يدعون وهم جلوس.
(٢) ما جاء في الاستسقاء
قال الزرقاني(٣): أي دعائه. قلت: بل ما ورد في الاستسقاء من
الروايات المتفرقة فهو بمنزلة جامع الاستسقاء ولواحق الباب.
٢/٤٣٥ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، (عن عمرو) بفتح
العين (ابن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، تابعي، وثقه
جماعة من المحدثين، واختلفوا في روايته عن أبيه، عن جده، كما بسط في
موضعه، من رواة الأربعة مات سنة ١١٨، انتهى. (أن رسول الله وَلا) قال
الزرقاني: رواه مالك وجماعة عن يحيى عن عمرو مرسلاً، ورواه آخرون عن
يحيى عن عمرو عن أبيه عن جده مسنداً منهم الثوري عند أبي داود(٤)، انتهى.
(١) (٦٣٥/١).
(٢) (١٥٣/١).
(٣) (٣٨٥/١).
(٤) أخرجه أبو داود في: كتاب صلاة الاستسقاء (١١٧٦).
١٤٤
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٢) باب
(٤٣٦) حديث
كَانَ، إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وبَهِيمَتَكَ، وَانْشُرْ
رَحْمَتَكَ، وَأَحْي بَلَدَكَ الْمَيِّتَ)).
٣/٤٣٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ
(كان إذا استسقى قال) في دعائه: (اللهم اسق) بهمزة الوصل والقطع (عبادك)
من الرجال والنساء والعبيد والإماء والصغير والكبير، وفي الإضافة إليه تعالى
مزيد الاستعطاف (وبهيمتك) كل ذات أربع من الدواب وكل حيوان لا يميز من
الحشرات وغيرها، وفي ابن ماجه: لولا البهائم لم تمطروا .
(وانشر) بضم الشين أي ابسط (رحمتك) أي المطر ومنافعه، قال تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾(١). ذكر الزرقاني بعد
ذلك في المتن لفظ (على عبادك) ولا يوجد في النسخ الهندية ولا المصرية
(وأحي) بإنبات الأرض بعد موتها أي يُبْسها (بلدك) بالنصب (الميت) بالتخفيف
والتشديد لا نبات بها قال تعالى: ﴿وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا﴾(٢). قال الطيبي: يريد
به بعض البلاد المبعدين عن مظان الماء الذي لا ينبت فيها عشب للجدب
فسماه ميتاً على الاستعارة ثم فرع عليه الإحياء.
٤٣٦/ ٣ - (مالك، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر) بفتح النون وكسر
الميم (عن أنس بن مالك) - رضي الله عنه ــ (أنه قال: جاء رجل) قال
الحافظ(٣): لم أقف على اسمه في حديث أنس، وروى أحمد عن كعب بن مرة
ما يمكن أن يفسر هذا المبهم بأنه كعب المذكور، لكن رواية ابن ماجه عن
كعب أنه قال: جاء رجل إلى النبي ◌َل#، الحديث. الظاهر منه أنه غيره.
(١) سورة الشورى: الآية ٢٨.
(٢) سورة قّ: الآية ١١.
(٣) (فتح الباري)) (٥٠١/٢).
١٤٥
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٢) باب
:
(٤٣٦) حديث
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ
السُّبُلُ،
وللبيهقي في ((الدلائل)) مرسلاً ما يمكن أن يفسر بأنه خارجة بن حصن
الفزاري. وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس أنه أعرابي. ولا يعارض
ذلك قول ثابت عن أنس: ((فقام الناس فصاحوا)) لاحتمال أنهم سألوا بعد أن
سأل الرجل أو نسب إليهم لموافقة سؤال السائل. وزعم بعضهم أنه أبو سفيان بن
حرب، وهو وهم، بل قصة أنس قصة أخرى غير قصة كعب، بسطه الحافظ في
((الفتح)). (إلى رسول الله وَّل﴾) وفي ((الصحيحين)) من طريق إسماعيل عن
شريك: أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة وهو قائم يخطب فاستقبله.
ولأحمد عن ثابت عن أنس: إذ قال بعض أهل المسجد.
(فقال: يا رسول الله) قال الحافظ: هذا ينفي من فَسَّرَ المبهم بأبي سفيان
فإنه حين سؤاله لذلك لم يسلم كما في حديث ابن مسعود في البخاري.
(هلكت المواشي) لعدم وجود ما تعيش به من الأقوات لحبس المطر. وفي
رواية: الأموال، والمراد بها ههنا المواشي لا الصامت، وفي لفظ: الكُراع
بضم الكاف الخيل وغيرها (وتقطعت) بفوقية وشدِّ الطاء (السبل) بضمتين جمع
سبيل الطرق، لأن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر أو لأنها لا تجد في
طريقها من الكلأ ما يقيم أوَدَها. وقيل: المراد نفاد ما عند الناس من الطعام
أو قلته فلا يجدون ما يحملونه إلى الأسواق.
قال الحافظ(١): وفي رواية قتادة عن أنس: ((قحط المطر))، وفي رواية
ثابت: ((واحمر الشجر)) كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء، ولأحمد في
رواية: ((وأمحلت الأرض)). وهذه الألفاظ يحتمل أن الرجل قالَها كلها،
ويحتمل أن بعض الرواة روى شيئاً مما قاله بالمعنى، فإنها متقاربة. فلا يكون
غلطاً كما قال صاحب ((المطالع)) وغيره.
(١) ((فتح الباري)) (٥٠٣/٢).
١٤٦
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٢) باب
(٤٣٦) حديث
فَادْعُ اللَّهَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَّه. فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ.
قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ
وأخرج البيهقي في ((الدلائل)) عن أنس قال: جاء أعرابي إلى النبي
وَسـ
فقال: يا رسول الله، والله لقد أتيناك ولا لنا بعير يَئِظُ ولا صبي يغِطُ. ثم
أنشد :
وقد شُغِلَتْ أمُّ الصبي عن الطفل
أتيناك والعذراء يَدمى لبانُها
من الجوع ضعفاً ما يُمِرُّ وما يُخْلِي
وألقى بكفيه الصبي استكانةً
سوى الحنظل العاهي والعِلْهزِ الفَسْلِ
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا
وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
وليس لنا إلا إليك فرارنا
كذا في العيني(١) وشرح ألفاظ الأبيات.
(فادع الله) عز وجل يُغيثنا وأن يسقينا كما ورد (فدعا رسول الله(وَ﴾(1) وفي
رواية ابن جعفر: فرفع رسول الله { ل# يديه ثم قال: اللَّهم أغثنا ثلاث مرات،
زاد النسائي في رواية: فرفع الناس أيديهم. (فمطرنا) ببناء المجهول (من
الجمعة إلى الجمعة) وفي رواية ابن جعفر: قال أنس: ما نرى في السماء من
سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه
سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت فلا والله ما رأينا
الشمس سبتاً. وفي مسلم: حتى رأيت الرجل تهمُّه نفسه أن يأتي أهله.
ولابن خزيمة: حتى أَهَمَّ الشابَّ القريبَ الدارِ الرجوعُ إلى أهله.
(قال) أنس: (فجاء رجل إلى رسول الله (وَل18) ولفظ البخاري: ثم دخل
رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، قال الحافظ(٢): ظاهره أنه غير الأول
لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، وقد قال شريك في آخر هذا الحديث
في البخاري: سألت أنساً أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري، وهذا يقتضي أنه
(١) ((عمدة القاري)) (٣١/٧/٤ - ٣٢)، و((الاستذكار)) (٧ /١٤٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٠٤/٢).
١٤٧
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٢) باب
(٤٣٦) حديث
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَهَدَّمَتِ الْبَيُوتُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، وَهَلَكَتِ
الْمَوَاشِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «اللَّهُمَّ ظُهُورَ الْجِبَالِ وَالآَكَامِ،
لم يجزم بالتغاير، فالظاهر أن القاعدة المذكورة محمولة على الغالب لأن أنساً
من أهل اللسان.
وفي رواية إسحاق عن أنس: فقام ذاك الرجل أو غيره وهذا يقتضي أنه
يشك فيه. وفي رواية يحيى بن سعيد عن أنس: فجاء الرجل فقال:
يا رسول الله، ومثله لأبي عوانة بلفظ: فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الرجل
الأعرابي في الجمعة الأخرى، وأصله في مسلم، وهذا يقتضي الجزم بأنه
واحد، فلعل أنساً يتردد تارةً، ويجزم أخرى باعتبار ما يغلب على ظنه. ولفظ
البيهقي في ((الدلائل)) برواية عبيد السلمي قال: ((لما قفل رسول الله وَل من
غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة، وفيه خارجة بن حصن أخو عيينة، قدموا على
إبل عجاف، فقالوا: يا رسول الله، ادع لنا ربك أن يغيثنا))، فذكر الحديث نحو
حديث أنس بتمامه، وفيه: قال الرجل، يعني الذي سأله أن يستسقي لهم:
هلكت الأموال، الحديث. فالظاهر أن السائل هو خارجة المذكور لكونه كبير
الوفد، ولذلك سمي من بينهم، كذا في ((الفتح))(١) بتغير.
(فقال: يا رسول الله! تهدمت البيوت) من كثرة المطر (وانقطعت السبل)
لتعذر سلوك الطريق من كثرة الماء فهو سبب غير الأول (وهلكت المواشي) من
عدم المرعى أو لعدم ما يكنها من المطر (فقال رسول الله رير: اللهم أنزل
المطر) زادت هذه الكلمة في النسخ المصرية وحذفت من النسخ الهندية (ظهور
الجبال) بالنصب أي على ظهور الجبال (والآكام) بكسر الهمزة وقد تفتح وتمد
جمع أكمة بفتحات. قال ابن البرقي: هو التراب المجتمع، وقال الداودي: هو
أكبر من الكُذْية. وقال القزاز: هي التي من حجر واحد، وهو قول الخليل.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٠٥/٢).
١٤٨
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٢) باب
(٤٣٦) حديث
وَيُعُطُونَ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتَ الشَّجَرِ)). قالَ: فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ
أَنْجِيَابَ الثَّوْبِ.
أخرجه البخاريّ في: ١٥ - كتاب الاستسقاء، ٦ - باب الاستسقاء في
المسجد الجامع .
ومسلم في: ٩ - كتاب صلاة الاستسقاء، ٢ - باب الدعاء في الاستسقاء،
حديث ٨.
وقال الخطابي: هي الهضبة الضخمة. وقيل: الجبل الصغير. وقيل: ما ارتفع
من الأرض (وبطون الأودية) جمع واد أي ما يجتمع فيه الماء وينتفع به.
(ومنابت الشجر) جمع منبت بكسر الموحدة.
(قال) أي أنس: (فانجابت) بجيم وموحدة (عن المدينة انجياب الثوب) أي
خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه، قال الباجي(١)، عن ابن القاسم:
قال مالك: معناه: تدورت عن المدينة كما يدور جيب القميص. وقال
ابن وهب: يعني تقطعت عن المدينة كانقطاع الثوب الخلق، وقاله سحنون،
انتهى. ولمسلم: فلقد رأيت السحاب يتمزَّق كأنه الملا حين يُطْوَى، بضم
الميم والقصر وقد يمد، جمع ملاءة ثوب معروف. وفي رواية: فما هو إلا أن
تكلم ◌َّ تَمَزَّق السحاب حتى ما نرى منه شيئاً أي في المدينة. وللبخاري:
فلقد رأيت السحاب يتقطّعُ يميناً وشمالاً يمطرون أهل النواحي، ولا يمطر أهل
المدينة .
واستشكل بأن بقاء المطر فيما سواها يقتضي أنه لم يرتفع الإهلاك ولا
القطع وهو خلاف مطلوب السائل بقوله: تهدمت البيوت وانقطعت السبل؟
والجواب: أنه استمر فيما حولها من آكام وظراب لا في الطريق المسلوكة ولا
البيوت، فجاز أن يوجد للمواشي أماكن تُكِنُّها وترعى فيها. وفيه الأدب في
(١) ((المنتقى)) (٣٣٣/١).
١٤٩
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٣) باب
(٤٣٧) حدیث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ فَاتَتْهُ صَلاةُ الاسْتِسْقَاءِ وَأَدْرَكَ الْخُطْبَةَ،
فَأَرَادَ أَنْ يُصَلَِّهَا، فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَيْتِهِ، إِذَا رَجَعَ؟ قَالَ مَالِكٌ:
هُوَ مِنْ ذُلِكَ فِي سَعَةٍ، إِنْ شَاءَ فَعَلَ، أَوْ تَرَكَ .
(٣) باب الاستمطار بالنجوم
٤/٤٣٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ،
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ
الْجُهَنِيِّ؛
الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقاً لاحتمال الاحتياج. وفيه: أن الدعاء
برفع الضرر لا ينافي التوكل(١).
(قال يحيى: قال مالك في رجل فاتته صلاة الاستسقاء وأدرك الخطبة) أو
لم يدرك (فأراد أن يصليها في المسجد أو في بيته إذا رجع قال مالك) في
جوابه: (هو من ذلك في سعة) بالفتح أي فسحة يعني يجوز له (إن شاء فعل
وإن شاء ترك) إذ هي من النوافل، وشأن النوافل هكذا، فلا تختص بمكان ولا
زمان، قاله الباجي(٢). وخص الرجل بالذكر لأنهم المندوبون إلى ذلك أصالة.
(٣) الاستمطار بالنجوم
أي طلب المطر بأنواء النجوم.
٤/٤٣٧ - (مالك، عن صالح بن كيسان)، بفتح كاف وسكون ياء،
المدني عن عبيد الله بضم العين (ابن عبد الله) بفتح العين (ابن عتبة) بضم العين
وسكون المثناة الفوقية (ابن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني) بضم الجيم وفتح
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٠٦/٢ - ٥٠٧).
(٢) ((المنتقى)) (٣٣٣/١).
١٥٠
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٣) باب
(٤٣٧) حديث
أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَارَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ،
الهاء، والحديث هكذا أخرجه البخاري في ((صحيحه)) برواية إسماعيل عن
مالك. قال الحافظ(١): هكذا يقول صالح بن كيسان لم يختلف عليه. وخالفه
الزهري فرواه عن شيخهما عبيد الله، فقال: عن أبي هريرة أخرجه مسلم عقب
رواية صالح، فصَحَّح الطريقين، لأن عبيد الله سمع من زيد بن خالد وأبي هريرة
عدة أحاديث، فلعله سمع هذا منهما، فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا،
وإنما لم يجمعهما لاختلاف لفظهما، ثم قد صرح صالح بسماعه له من عبيد الله
عند أبي عوانة، وروى صالح عن عبيد الله بواسطة الزهري عدة أحاديث،
انتھی .
(أنه قال: صلى لنا) أي لأجلنا أو اللام بمعنى الباء أي صلى بنا
(رسول الله ◌َّ صلاة الصبح بالحديبية)، بضم الحاء المهملة وفتح الدال فياء
ساكنة فباء موحدة مكسورة فياء، اختلفوا فيها، فمنهم من شَدَّدها، ومنهم من
خَفَّفها، فروي عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال: الصواب تشديدها،
وخطّأ من نص على تخفيفها، وقيل: كلٌ صوابٌ. أهل المدينة يُثَقّلونها وأهل
العراق يخففونها كذا في ((معجم البلدان)).
وقال الزرقاني: مخففة الياء عند المحققين مشددة عند أكثر المحدثين.
وصوّب العيني التخفيف لأنه تصغير حدباء، وفي ((معجم ما استعجم)):
الحجازيون يُخَفِّفُونها، والعراقيون يُثَقِّلُونها ذكر ذلك ابن المديني، كذا في
((الخميس)) (٢). قرية متوسطة ليست بكبيرة على تسع مراحل من المدينة المنورة،
ومرحلة من مكة بينهما تسعة أميال، قيل: هي من الحرم، وقيل: بعضها من
الحرم، وعند مالك - رضي الله عنه - كلها من الحرم سميت ببئر هناك أو
لشجرة .
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٢٣).
(٢) (١٦/٢).
١٥١
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٣) باب
(٤٣٧) حديث
عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ،
فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟))، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ:
((قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي
وسبب الخروج إليها أنه ◌ّ أري في المنام أنه دخل هو وأصحابه
المسجد الحرام، وطافوا واعتمروا، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وفهموا أنهم
داخلو مكة عامهم ذلك، فأراد الاعتمار، وخرج يوم الاثنين غُرّة ذي القعدة من
السنة السادسة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم.
قال العيني(١): وكانت في ذي القعدة سنة ست من الهجرة بلا خلاف،
وقال أيضاً: وقعت الفتنة الأولى، يعني بقتل عثمان - رضي الله عنه - فلم تبق
من أصحاب بدر أحداً، ثم وقعت الثانية، يعني الحرة فلم تبق من أصحاب
الحديبية أحداً. (على إثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة على المشهور، ويروى
بفتح الهمزة وفتح الثاء أيضاً. وهو ما يعقب الشيء أي على عقب (سماء) أي
مطر، وأطلق عليها سماء لنزولها من جهة السماء، وكل جهة علو تسمى سماء.
وقال الراغب: وسمي المطر سماء لخروجه منها. (كانت) السماء أي المطر
(من الليل) كذا للأكثر، وفي بعض الروايات: من الليلة بالتاء.
(فلما انصرف) من الصلاة أو من المكان (أقبل على الناس) بوجهه الوجيه
الشريف (فقال) لهم: (أتدرون) وفي رواية: هل تدرون (ماذا قال ربكم؟) بلفظ
الاستفهام، ومعناه التنبيه، وللنسائي: ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ (قالوا:
الله ورسوله أعلم) وهذا حُسْن الأدب من الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين ..
(قال) النبي ◌َّ: (قال) ربكم عزّ وجلّ، وهذا من الأحاديث القدسية
يحتمل أنه وَل أخذها منه تعالى بواسطة أو بدون الواسطة (أصبح من عبادي)
إضافة تعميم بدليل تقسيمه لمؤمن وكافر بخلاف قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ
(١) ((عمدة القاري)) (١٣٦/٣).
١٥٢
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٣) باب
(٤٣٧) حديث
مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِي، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ.
.....
فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ
لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَرُ﴾ الآية، فإضافة تشريف (مؤمن بي وكافر بي) كفر إشراك
لمقابلته بالإيمان. ولرواية أحمد: فيصبحون مشركين يقولون: مطرنا بنوء كذا،
أو كفر نعمة لما في مسلم: قال الله عزّ وجلّ: ما أنعمت على عبادي من نعمة
إلا أصبح فريق منهم بها كافرين. وله في الأخرى: أصبح من الناس شاكر
وكافر. وفي رواية للنسائي: فأما من حمدني على سقياي وأثنى عليّ فذاك آمن
بي، وقال في الآخر: كفر بي أو كفر نعمتي.
(فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب)
بالإفراد. وفي رواية: بالكواكب بالجمع. (وأما من قال) وفي ((مغازي
الواقدي)): أن القائل ذلك الوقت مُطِرْنا بنوء الشعرى عبد الله بن أبيّ ابن سلول
المعروف بابن سلول (مطرنا بنوء) بفتح النون وسكون الواو آخره همزة، قال
الخطابي: النوء: الكوكب، ولذا سموا نجوم منازل القمر الأنواء. وقال
ابن الصلاح: النوء في أصله ليس نفس الكوكب، فإنه مصدر ناء النجم إذا
سقط. وقيل: نهض، قاله العيني(١).
وقال ابن قتيبة: (٢) معنى النوء: سقوط نجم في المغرب من النجوم
الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر، وهو مأخوذ من ناء إذا سقط. وقال
آخرون: بل النوء طلوع نجم منها، وهو مأخوذ من ناء إذا نهض. ولا تخالف
بين القولين في الوقت؛ لأن كل نجم إذا طلع في المشرق وقع حال طلوعه آخر
في المغرب، لا يزال ذلك مستمراً إلى أن تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء
السنة، فإن لكلّ واحدٍ منها ثلاثة عشر يوماً تقريباً، وكل النجوم المذكورة لها
نوء، غير أن بعضها أحمر وأغزر من بعض.
(١) ((عمدة القاري)) (١٣٧/٦/٣)، وانظر: ((الاستذكار)) (١٥٩/٧)، و((التمهيد)) (٢٨٦/١٦).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٢٣/٢).
١٥٣
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٣) باب
(٤٣٧) حديث
كَذَا وَكَذَا. فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ)).
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١٥٦ - باب يستقبل الإمام الناس إذا سلّم.
ومسلم في: ١ - كتاب الإيمان، ٣٠ - باب كفر من قال: مطرنا بالنوء،
حديث ١٢٥ .
وأول ما يبدؤون به منها الشرطان ثم يعدون البطين والثريا والدبران
والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء
- بالقصر والمد - والسماك الأعزل والغفر والزباني والإكليل والقلب والشولة
والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ
الأول والفرغ الثاني والرشاء. كذا في ((المخصص)).
(كذا وكذا) قال العيني(١): إن كذا يستعمل على ثلاثة أوجهٍ، ثم بسطها
لو شئت التفصيل فارجع إليه. وفي حديث أبي سعيد عند النسائي: مطرنا بنوء
المجدح - بكسر الميم وسكون الجيم وفتح الدال بعد حاء مهملة - ويقال:
بضم أوله هو الدبران بفتح المهملة والموحدة بعدها، سُمِّي بذلك لاستدباره
الثريًا، وهو نجم أحمر صغير منير. قاله الحافظ (٢).
وقال المجد: المجدح كمنبر وتضم الميم الدبران أو نجم صغير بينه وبين
الثريا. قال ابن قتيبة: نوء الدبران غير محمود عندهم. قال الحافظ: فكان ذلك
ورد في الحديث تنبيهاً على مبالغتهم في نسبة المطر إلى النوء، ولو لم يكن
محموداً أو اتفق وقوع المطر في ذاك الوقت إن كانت القصة واحدة وتقدم ما
في ((مغازي الواقدي)) من قول ابن سلول إذ قال: مطرنا بنوء الشعرى.
(فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب) بالإفراد.
قال الباجي(٣): أخبر تبارك وتعالى أن من عباده مؤمناً به، وهو من
(١) ((عمدة القاري)) (٦٢١/٤) طبع دار الفكر.
(٢) ((فتح الباري)) (٥٢٤/٢).
(٣) ((المنتقى)) (٣٣٤).
١٥٤
-- -
--------
----------
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٣) باب
(٤٣٧) حديث
أضاف المطر إلى فضل الله عزّ وجلّ ورحمته، وإن المنفرد بالقدرة على ذلك
هو الله تعالى دون سبب ولا تأثير لكوكب فيه ولا لغيره، فهذا المؤمن بالله تعالى
كافرٌ بالكوكب بمعنى أنه يكذب قدرته على شيء من ذلك ويجحد أن يكون له
فيه تأثير. وإن من عباده من أصبح كافراً به وهو من قال: مطرنا بنوء كذا
وكذا، فأضاف المطر إلى النوء، وجعل له في ذلك تأثيراً، انتهى.
وتقدم أن المراد بالكفر كفر الشرك أو كفر النعمة. وعلى الأول حمله
كثير من أهل العلم منهم القرطبي إذ قال: معناه الكفر الحقيقي لأنه قابله
بالإيمان حقيقة، قاله العيني(١).
ومنهم الإمام الشافعي - رضي الله عنه - إذ قال في ((الأم)): من قال:
مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى
أنه مطر بنوء كذا فذلك كفر، لأن النوء وقت والوقت مخلوق لا يملك لنفسه
ولا لغيره شيئاً، ومن قال: مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا في وقت كذا فلا
يكون كفراً، وغيره من الكلام أحبُّ إليّ منه يعني حسماً للمادة. وعلى ذلك
يحمل إطلاق الحديث.
وقال ابن قتيبة: إن العرب كانت في ذلك على مذهبين، وكانوا يظنون أن
نزول الغيث بواسطة النوء إما بصنعه على زعمهم، وإما بعلامته، فأبطل الشرع
قولهم، وجعله كفراً، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء صنعاً في ذلك فكفره كفر
تشريك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة فليس بشرك لكن يجوز إطلاق
الكفر عليه وإرادة كفر النعمة فيحمل الكفر على المعنيين ليتناول الأمرين، كذا
في ((الفتح))(٢).
(١) ((عمدة القاري)) (٦٢٠/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٢٣/٢).
١٥٥
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٣) باب
(٤٣٧) حديث
قلت: وقد خلط العلامةُ الزرقاني(١) بين كلامي الإمام الشافعي وابن قتيبة
مع الفرق بين مراديهما كما لا يخفى.
وقال العيني(٢): إذا اعتقد أن الله عزّ وجلّ هو الذي خلق المطر ثم تكلم
بهذا فهو مخطىء لا كافر. وخطؤه من وجهين؛ الأول: مخالفته للشرع،
والثاني: تشبهه بأهل الكفر، انتهى.
وشَدَّدَ الباجي في ذلك، فقال: إن ما يدعى للكوكب من التأثير على
قسمين، أحدهما: أن يكون الكوكب فاعلاً للمطر، والثاني: أن يكون دليلاً
عليه، وإذا حملنا لفظ الحديث على الوجهين لاحتماله لهما اقتضى ظاهره
تكفير من قال بأحدهما، فإن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والإنشاء، وقد نَبَّه
على ذلك بقوله عز وجل: ﴿هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيْرُ الَِّ﴾(٣)، وأن الباري تعالى هو
المنفرد بعلم ما يكون لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ﴾ (٤)
الآية، وقوله تعالى: ﴿لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ﴾(٥) الآية.
وقد اعترض من ذهب إلى تصحيح ذلك من الجُهَّال على الاستدلال
بالآية بأن هذا ليس من الإخبار عن الغيب، لأنه إنما يخبر بما يظهر إليه من
أدلة النجوم، وهذا قول من لا يعلم معنى الغيب؛ لأن الغيب هو المعدوم،
وما غاب عن الناس، ولو كان الأمر على ما ذهب إليه هذا القائل لما تصور
أن يكون غيب أن ينفرد الباري تعالى بعلمه؛ لأن على قولهم الفاسد ما من
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٨٩/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٦٢٠/٤).
(٣) سورة فاطر: الآية ٣.
(٤) سورة لقمان: الآية ٣٤.
(٥) سورة النمل: الآية ٦٥.
١٥٦
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٣) باب
(٤٣٧) حديث
شيء كان ويكون إلا والنجوم تدل عليه، ويتمدَّح تعالى بأنه المنفرد بعلم
الغيب، انتهى
(١)
قلت: وسيأتي من كلام الباجي أنه قال: لو جرت العادة بنزول المطر
عند نوء من الأنواء فاستبشر بذلك لما كفر، ومع ذلك لا يجوز إطلاقه لما فيه
من إيهام السامع، انتهى. فجعل الباجي القائلين به ثلاثة أنواع. ويشكل على
حديث الباب أولاً ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه خرج
ليستسقي، فلم يزد على الاستغفار فقيل له؟ فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح
السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾(٢)
الآية، ﴿وَأَسْتَغْفِرُوْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾(٣) الآية .
ويظهر جوابه بما في ((المجمع)): أن المجاديح جمع مجدح وهو نجم.
وقيل: هو الدَبران. وقيل: ثلاثة كواكب كالأثافي، وهو عند العرب من الأنواء
الدالّة على المطر، شَبَّهَ الاستغفار بها مخاطباً لهم بما يعرفونه لا قولاً بالأنواء،
وجَمَعَها إرادة جميع أنواع يزعمون أن من شأنها المطر، انتهى.
وقال الشوكاني(٤): المراد النجوم التي يحصل عندها المطر عادة شبه
الاستغفار بها، واستدل بالآيتين على أن الاستغفار الذي ظن أن الاقتصار عليه
لا يكون استسقاء من أعظم الأسباب التي يحصل عندها المطر لأنه تعالى قد
وعد عباده بذلك وهو لا يخلف الوعد، لكن إذا كان الاستغفار واقعاً من
صميم القلب، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٣٣٤/١).
(٢) سورة نوح: الآية ١٠.
(٣) سورة هود: الآية ٩٠.
(٤) ((نيل الأوطار)) (٢/ ٦٥١).
١٥٧
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٣) باب
(٤٣٨) حدیث
٥/٤٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ
وثانياً ما حكى الزرقاني عن ابن العربي: أن الناس أصابهم القحط في
زمان عمر - رضي الله عنه -، فقال للعباس: كم بقي من أنواء الثريا؟ فقال
العباس: زعموا أنها تعترض في الأفق سبعاً، فما مرت حتى نزل المطر، فانظر
إلى عمر والعباس - رضي الله عنهما - قد ذكرا الثريا ونوءها وتوقعا ذلك؟
وأجاب عنه ابن العربي: بأن من انتظر المطر من الأنواء على أنها فاعلة
له دون الله فهو كافر، ومن اعتقد أنها فاعلة بما جعل الله فيها فهو كافر، لأنه
لا يصح الخلق والأمر إلا للَّه، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ومن انتظرها
وتوكف المطر منها، على أنها عادة أجراها الله تعالى فلا شيء عليه لأن
الله تعالى أجرى العوائد في السحاب والرياح والأمطار لمعانٍ تترتب في
الخلقة، وجاءت على نسق في العادة، انتهى.
قلت: ولأجل ذلك ذكر الإمام مالك بعد ذلك حديث الغديقة. فتأمل،
ثم لا يذهب عليك أن العلامة العيني ذكر محادثة عمر والعباس - رضي الله
عنهما - على غير ما تقدم من السياق، فقال: قال عمر - رضي الله عنه - وهو
يستسقي بالناس: يا عم رسول الله وَّل كم بقي علينا من نوء الثريا؟ فإن العلماء
يزعمون أنها تعترض بالأفق سبعاً، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: لأمر
أخطأ الله نوعها يريد أخطأها الغيث، انتهى(١).
٥/٤٣٨ - (مالك، أنه بلغه أن رسول الله وَّلة) قال ابن عبد البر(٢): لا
أعرف هذا الحديث بوجهٍ من الوجوه في غير ((الموطأ)) إلا ما ذكره الإمام
الشافعي في ((الأم)) عن محمد بن إبراهيم بن أبي يحيى، عن إسحاق بن
عبد الله: أن النبي وَل* قال: ((إذا نشأت بحرية ثم استحالت شامية فهو أمطر
(١) انظر ((شرح الزرقاني)) (٣٨٩/١).
(٢) انظر ((شرح الزرقاني)) (٣٨٩/١)، و((الاستذكار)) (١٦١/٧).
١٥٨
---
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٣) باب
(٤٣٨) حديث
كَانَ يَقُولُ: ((إِذَا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً، ثُمَّ تَشَاءَمَتْ، فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ)).
لها»، قال: وابن أبي يحيى وإسحاق ضعيفان لا يحتج بهما، انتهى. وسبق في
المقدمة أنه أحد الأحاديث الأربعة التي لا توجد مسندة. قلت: عزاه في ((جمع
الفوائد)) إلى ((الأوسط)) عن عائشة - رضي الله عنها - رفعته وقال: تفرد به
الواقدي، انتهى.
(كان يقول إذا أنشأت) بفتح الهمزة وسكون النون أي ظهرت سحابة
(بحرية) أي من ناحية البحر، وهو من ناحية المدينة الغربي، ورواه الشافعي
بالنصب كما أفاده أبو عمر أي على الحال، (ثم تشاءمت) اختلفت النسخ في
هذا اللفظ ففي أكثرها بالألف والهمزة بعد الشين فهو من التفاعل، وفي بعضها
بحذف الألف فهو من التفعل، والمعنى على كليهما أخذت نحو الشام، قال
الزرقاني: والشام، من المدينة في جهة الشمال يعني إذا مالت السحابة من جهة
الغرب إلى جهة الشمال (فتلك) السحابة (عين) بالتنوين موصوف.
قال الباجي: العين: مطر أيام لا يُقْلَعُ، وقال سحنون في كتاب ((التفسير))
لابنه: معنى ذلك أنها بمنزلة ما يفور من العين، انتهى. وفي ((المجمع)): العين
اسمٌ لماءٍ عن يمين قبلة العراق، وذلك يكون أخلق للمطر عادة، يقال: مطرنا
العين، وقيل: العين من السحاب ما أقبل عن القبلة، انتهى.
(غديقة) بالتنوين صفة، قال الباجي: أهل بلدنا يروونه على التصغير،
وحدثنا به أبو عبد الله الصنوبري الحافظ، وضبطه بخطه غديقة بفتح الغين،
وقال: هكذا حدثني به الحافظ عبد الغني عن حمزة بن محمد الكناني، انتهى.
وقال أبو عمر (١): غديقة مصغر غدقة قال تعالى: ﴿مَّةً غَدَفًا﴾(٢) أي
كثيراً، انتهى. وفي ((المجمع)): عين غديقة أي كثيرة الماء وصُغِّر للتعظيم،
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٦٤/٧).
(٢) سورة الجن: الآية ١٦.
١٥٩
١٣ - كتاب الاستسقاء
(٣) باب
(٤٣٩) حديث
:
٦/٤٣٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ
يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ، وَقَدْ مُطِرَ النَّاسُ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ.
وهكذا في ((لسان العرب)). قال الباجي(١): قال ابن نافع، وعيسى بن دينار:
يعني إذا أنشأت السحابة من ناحية البحر، ثم استدارت، فصارت ناحية الشام،
فذلك سحاب يكون منه المطر الغزير. وروى ابن سحنون عن ابن نافع سمعت
مالكاً يقول: معنى ذلك إذا ضربت ريح بحرية، فأنشأت سَحابة، ثم ضربت
ريح من ناحية الشام فتلك علامة المطر الغزير.
قال الباجي(٢): وإنما أدخل مالك هذا الحديث بإثر حديث زيد بن خالد
ليبين ما يجوز للقائل أن يقول لما جرت به العادة في كثير من البلاد: بأن
يمطروا بالريح الغربية وفي بلاد بالريح الشرقية، فيستبشر منتظر المطر إذا رأى
الريح التي جرت عادة ذلك البلد أن يُمطروا بها مع اعتقاده أن الريح لا تأثير
لها في ذلك، ولا فعل ولا سبب، وإنما الله تعالى هو المنزل للغيث.
وقد أجرى العادات بإنزاله عند أحوال يريها عباده ولو جرت العادة بنزول
المطر عند نوء من الأنواء، فاستبشر أحدٌ لنزوله عند ذلك النوء على معنى أن
العادة جارية به، وإن ذلك النوء لا تأثير له في نزول المطر ولا هو فاعل له
ولا أثر له، وإن المنفرد بإنزاله هو الله تعالى لما كفر بذلك، وإنما كفر من
قال: مطرنا بنوء كذا لإضافة المطر إلى النوء واعتقاده أن له فيه تأثيراً مع أن
هذا اللفظ لا يجوز إطلاقه بوجهٍ، وإن لم يعتقد قائله ما ذكرنا لورود الشرع
بالمنع ولما فيه من إيهام السامع، انتهى.
٦/٤٣٩ - (مالك أنه بلغه أن أبا هريرة) - رضي الله عنه - (كان يقول إذا
أصبح وقد مطر الناس: مطرنا) ببناء المجهول فيهما (بنوء الفتح) أي فتح ربنا
(١) و (٢) ((المنتقى)) (٣٣٥/١).
١٦٠
۔