النص المفهرس
صفحات 21-40
١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٦) حديث صَلَاةَ الْخَوْفِ؛ أَنَّ طَائِفَةٌ صَفَّتْ مَعَهُ، وَصَفَّتْ طَائِفَةٌ ثم قال جمهور أهل المغازي: على أن غزوة ذات الرقاع هي غزوة محارب، كما جزم به ابن إسحاق، وعند الواقدي هما ثنتان، وتبعه القطب الحلبي في ((شرح السيرة))، انتهى. واختلفوا أيضاً في سبب تسميتها بذلك، فقيل: لما لَفُّوا في أرجلهم من الخرق، وقيل: لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجر فيها يقال له: ذات الرقاع نزلوا تحتها، وقيل: بل الأرض كانت ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: بل خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبان. وقيل: بجبل هناك فيه بقع، ولعل هذا مستند ابن حبان، وتصحف جبل بخيل، ورجح السهيلي والنووي الأول، ويحتمل أن تكون سميت بالمجموع، وأغرب الداودي فقال: سميت لصلاة الخوف فيها لما فيها من ترقيع الصلاة، كذا في ((الفتح)) (١). (صلاة الخوف) لا خلاف بين أهل السير والحديث والفقه في أنهمَ لده صلّى صلاة الخوف بذات الرقاع، نعم اختلفوا في أنها هي أول ما صليت أو صلى قبلها بموضع آخر، كما تقدم مبسوطاً في محله (أن طائفة) قال الأبّي(٢): قال الشافعي: لا ينبغي أن تكون الطائفة التي مع الإمام أقل من ثلاثة، وكذلك الباقية، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أعاد ضمير الجمع، وأقله ثلاثة، ثم ظاهر الحديث أن الإمام يقسم الجيش طائفتين متساويتين، وقال بعضهم: ينبغي أن تكون الطائفة الأولى أكثر، لأن العدو إنما يتمكن من الفرصة في ثاني حال، انتهى. (صفت) قال الزرقاني(٣): هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها صلت، قال النووي: هما صحيحان، انتهى. (معه) وَ﴾ (وصفت طائفة) بالرفع أي اصطفوا، يقال: صف القوم إذا صاروا صفاً . (١) ((فتح الباري)) (٤١٩/٧)، و((شرح الزرقاني)) (٣٧٠/١). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٤٢/٢). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٠/١). ٢١ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٦) حديث وُجَاهَ الْعَدُوِّ. فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً. ثُمَّ ثَبَتَ قَائِماً، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ انْصَرَفُوا. فَصَقُّوا وُجَاهَ الْعَدُوِّ. وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأَخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ قال العيني(١): لا فرق بين أن تكون إحدى الطائفتين أكثر من الأخرى عدداً أو تساوى عددهما، لأن الطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد، لكن قال الشافعي: أكره أن تكون كل طائفة أقل من ثلاثة، لأنه أعاد عليهم ضمير الجمع في الآية، انتهى. (وجاه) بكسر الواو وضمها (العدو) أي مقابلهم منصوب على الظرفية، وفي رواية: تجاه العدو، بالتاء بدل الواو، قاله القاري . (فصلّى بالتي معه) وَّ (ركعة ثم) لما قام إلى الركعة الثانية (ثبت) حال كونه (قائماً وأتموا) أي الذين صلّى بهم الركعة الأولى (لأنفسهم) ركعة أخرى (ثم انصرفوا) بعد سلامهم على الظاهر، ولم أر في رواية تصريح السلام ههنا بعد، نعم صرح بالسلام جمع من الشراح، وهو الوجه، ويؤيده أيضاً تبويب أبي داود على حديث الباب، إذ صرّح بالسلام، وأيضاً الشافعية والحنابلة اختاروا هذه الصفة من الصفات، وصرّحوا في فروعهم بالسلام للطائفة الأولى، وأيضاً فرق المشايخ بين هذا الحديث وبين حديث القاسم الآتي في سلام الإمام، هل هو منفرد أو مع الطائفة، ولم يفرقوا بغير ذلك، وسيأتي التصريح فيه بسلام الطائفة الأولى، فمن قال في حديث يزيد بن رومان هذا: انصرفوا بغير السلام وهم منه . - (فصفوا وجاه العدو) أي من غير صلاة، ولأجل ذلك رجحت الشافعية هذه الصفة لما فيها من وقوف الطائفتين قبالة العدو في غير صلاة. (وجاءت الطائفة الأخرى) التي كانت في وجاه العدو (فصلّى بهم الركعة التي بقيت من (١) ((عمدة القاري)) (١٣٨/٥). ٢٢ ----- ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٦) حديث صَلَاتِهِ. ثُمَّ ثَبَتَ جَالِساً، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. أخرجه البخاريّ في: ٦٤ - كتاب المغازي، ٣١ - باب غزوة ذات الرقاع. ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٥٧ - باب صلاة الخوف، حديث ٣١٠. صلاته) وَ ﴾ (ثم ثبت جالساً) في التشهد، ولم يخرج من صلاته (وأتموا) أي تلك الطائفة التي جاءت بعد (لأنفسهم) الركعة الأخرى (ثم سلم) النبي ◌َى له وسيع (بهم) أي بتلك الطائفة . فصلَّت كل طائفة ركعة مع الإمام وركعة لأنفسهم وحصلت للطائفة الأولى فضيلة الإحرام معه وَهلة، وحصلت للطائفة الثانية فضيلة السَّلام معه وَّ، وهذه الكيفية إحدى الصفات التي اختارتها الشافعية، فإنهم قالوا في فروعهم: إن كان العدو في غير جهة القبلة أو فيها، لكن هناك ساتر، وفي المسلمين كثرة بحيث تقاوم كل فرقة منهم العدو، فالمختار عندهم الصلاة التي ببطن نخل، وهي الصلاة مرتين، مع كل طائفة مرة، أو الصلاة التي بذات الرقاع، وهي حديث الباب، وهي الأولى من الأولى، لما فيه من الخروج عن الخلاف، صرح به في ((الأنوار لأعمال الأبرار وهامشه))، أو يكون العدو في القبلة ولا ساتر بيننا وبينهم، فالمختار صلاة عسفان، وهي الإحرام جميعاً، والسلام جميعاً، وتختلف الفرقتان في السجود، فهذه ثلاث صفات مختارة للشافعية. وفي هذه الثلاثة أيضاً صلاة حديث الباب أولى من غيرها كما صرَّح به في ((الأنوار))، ولذا أطلق من قال: مختار الشافعية حديث يزيد بن رومان، وهذا كله إذا لم يشتدّ الخوف. وأما في الشدّة ﴿فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ وهذا أيضاً مختار الإمام أحمد، وهو المراد بما تقدم من قوله: وأختار حديث سهل على ما فسره به في ((الروض المربع))(١). (١) (١/ ٢٨٢). ٢٣ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٧) حديث ٢/٤٢٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ؛ أَنَّ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةً حَدَّثَهُ؛ أَنَّ صَلاةَ الْخَوْفِ؛ أَنْ يَقُومَ الإِمَامُ وَمَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَطَائِفَةٌ مُوَاجِهَةٌ الْعَدُوَّ. فَيَرْكَعُ الإِمَامُ رَكْعَةً، وَيَسْجُدُ بِالَّذِينَ مَعَهُ. ثُمَّ يَقُومُ. فَإِذَا اسْتَوَى قَائِماً ثَبَتَ وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ. ثُمَّ يُسَلِّمُونَ، وَيَنْصَرِفُونَ. وَالإِمَامُ قَائِمٌ. ٢/٤٢٧ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن القاسم بن محمد) ابن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (عن صالح بن خوات) الأنصاري المتقدم (أن سهل بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة كما هو المشهور، وهكذا في النسخ والروايات، وكذا ضبط في ((رجال جامع الأصول)) وقال الحافظ في ((الفتح)): بسكون المثناة اسم أبي حثمة عبد الله، وقيل: عامر، وقيل: اسم أبيه عبد الله وأبو حثمة جده، واسمه عامر بن ساعدة الأنصاري الخزرجي، ولد سنة ٣هـ سكن الكوفة، وعداده في أهل المدينة، وبها كانت وفاته في زمن مصعب بن الزبير، كذا في ((رجال جامع الأصول)) وسيأتي في آخر الحديث: أن سهلاً لم يصلِّ صلاة الخوف مع النبي ◌ِّ. وبسط الكلام الحافظ في ((الفتح)) على ترجمته، وحقق أن روايته لصلاة الخوف مرسلة (حدثه) أي صالحاً وهذا موقوف (أن صلاة الخوف) أي صفتها (أن يقوم الإمام) زاد في رواية القطان عن يحيى بن سعيد الأنصاري بهذا السند مستقبل القبلة (ومعه طائفة من أصحابه) أي إحداهما معه (وطائفة) أخرى (مواجهة العدو، فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه) ولفظ رواية القطان: فيصلِّي بالذين معه ركعة (ثم يقوم) الإمام. (فإذا استوى قائماً ثبت) ساكتاً أو داعياً (وأتموا لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون) بعد أداء الركعتين (وينصرفون) من هذا المكان (والإمام قائم) في مكانه ٢٤ : ---- - ۔۔ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٧) حديث فَكُونُونَ وُجَاهِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ يُقْبِلُ الآخَرُونَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا، فَيُكَبِّرُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ، فَيَرْكَعُ بِهِمْ الرَّكْعَةَ وَيَسْجُدُ. ثُمَّ يُسَلِّمُ، فَيَقُومُونَ فَيَرْكَعُونَ لأَنْفُسِهِمُ الَرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ. ثُمَّ يُسَلِّمُونَ. أخرجه البخاريّ في: ٦٤ - كتاب المغازي، ٣١ - باب غزوة ذات الرقاع. ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٢٧ - باب صلاة الخوف، حديث ٣٠٩. (فيكونون وجاه) أي مقابل (العدو ثم يقبل الآخرون) أي الطائفة الثانية (الذين لم يصلّوا، فيكبِّرون وراءَ الإمام فيركع بهم) الإمام (الركعة) التي بقيت عليه (ويسجد) لهم (ثم يسلّم) الإمام منفرداً (فيقومون) أي هذه الطائفة الثانية (فيركعون لأنفسهم الركعة الثانية) وفي النسخة المصرية: الباقية أي عليهم (ثم يسلّمون) والفرق بين هذه الرواية والرواية السابقة أن في هذه الرواية يسلم الإمام منفرداً، وفي الرواية المتقدمة يسلم مع الطائفة الثانية بعد أدائهم الركعة الباقية. قال ابن عبد البر(١): وهذا الذي رجع إليه مالك بعد أن قال بحديث يزيد بن رومان، وإنما اختاره ورجع إليه للقياس على سائر الصلوات: أن الإمام لا ينتظر المأموم، وأن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام، قال: وهذا الحديث موقوف عند رواة ((الموطأ))، ومثله لا يقال بالرأي، وقد جاء مرفوعاً مسنداً، انتهى. قال الزرقاني (٢): وتابع مالكاً على وقفه يحيى القطان وعبد العزيز بن أبي حازم، كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ورفعه يحيى القطان في روايته عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله و 18 صلَّى بأصحابه صلاة الخوف، (١) ((الاستذكار)) (٦٩/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧١/١). ٢٥ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٨) حديث ٣/٤٢٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاةِ الْخَوْفِ قَالَ: يَتَقَدَّمُ الإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ الإِمَامُ رَكْعَةً، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلَّوا، فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا، وَلَا يُسَلِّمُونَ. وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَنْصَرِف الإِمَامُ، الحديث. قال ابن عبد البر: وعبد الرحمن بن القاسم أسنُّ من يحيى بن سعيد وأجل، انتهى. ثم الحديث مرسل صحابي قال الحافظ(١): لأن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن سهلاً كان صغيراً في زمان النبي وَّر، وتعقب بما ذكر ابن أبي حاتم عن رجل من ولد سهل، أنه حدثه أنه بايع تحت الشجرة وشهد المشاهد إلا بدراً، وكان الدليل ليلة أحد، بأن هذه الصفة لأبيه، أما هو فمات النبي 18 وهو ابن ثمان سنين، وبهذا جزم الطبري وابن حبان وابن السكن وغيرهم، انتهى. -- ٣/٤٢٨ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان إذا سئل) ببناء المجهول (عن) صفة (صلاة الخوف قال) وسيأتي الكلام على رفعه ووقفه في آخر الحديث. (يتقدم الإمام وطائفة من الناس) حيث لا يبلغهم سهام العدو (فيصلي بهم الإمام ركعة وتكون طائفة) أخرى (منهم بينه) أي بين الإمام ومن معه (وبين العدو لم يصلوا) لحرسهم العدو (فإذا صلى الذين معه) أي الإمام، وهي الطائفة الأولى (ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا) أي الطائفة الثانية فيكونون في وجه العدو (ولا يسلمون) بل يستمرون في صلاتهم (ويتقدم الذين لم يصلوا) إلى الإمام (فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام) من (١) ((فتح الباري)) (٤٢٥/٧). ٢٦ ---------- - ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٨) حديث وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَتَقُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَيُصَلُّونَ لأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةَ رَكْعَةً، بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الإِمَامُ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلُّوا رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ خَوْفاً هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، صلاته بالتسليم (وقد صلَّى ركعتين، فتقوم كل واحدة من الطائفتين، فيصلون لأنفسهم ركعة ركعة) بالتكرار (بعد أن ينصرف الإمام) من الصلاة (فيكون) الإمام و(كل واحدة من الطائفتين قد صلَّوا ركعتين). قال الحافظ(١): لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب، وهو الراجح من حيث المعنى، وإلا لزم ضياع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود عن ابن مسعود، ففيه أداء كل من الطائفتين على التعاقب، انتهى . قال القرطبي في ((شرح مسلم)): والفرق بين حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود: أن في حديث ابن عمر كان قضاؤهم في حالة واحدة، ويبقى الإمام كالحارس وحده، وفي حديث ابن مسعود كان قضاؤهم متفرقاً على صفة صلاتهم، وتأول بعضهم حديث ابن عمر على ما في حديث ابن مسعود، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه غير أبي يوسف، وهو نص أشهب من أصحابنا خلاف ما تأوله ابن حبيب، انتهى. قلت: وكذلك حمله على حديث ابن مسعود الجصاص في تفسيره. قال الزرقاني: واختار هذه الصفة أشهب والأوزاعي، ورجحها ابن عبد البر لقوة الإسناد، ولموافقة الأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه، انتهى. (فإن كان) الأمر (خوفاً) بالنصب في جميع النسخ. وفي البخاري بالرفع، أي إن كان هناك خوف (هو أشد من ذلك) الذي تقدم بأن لا يمكن معه (١) (فتح الباري)) (٤٣٠/٢ - ٤٣١) وانظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٧١/١). ٢٧ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٨) حديث صَلَّوْا رِجَالاً قِيَامَاً عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَاناً مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا . الاصطفاف وغير ذلك (صلوا) بحسب الإمكان (رجالاً) بكسر الراء وتخفيف الجيم جمع رجلان بضم الراء بمعنى الراجل ضد الراكب، وقيل: بضم الراء وتشديد الجيم جمع راجل والأظهر أن رجالاً بالتخفيف جمع راجل، قاله القاري(١). قال الرازي في تفسيره: الراجل الكائن على رجله ماشياً كان أو واقفاً، انتهى. (قياماً) جمع قائم، وقيل: مصدر بمعنى اسم الفاعل أي قائمين (على أقدامهم) تفسير لقوله: رجالاً، زاد مسلم في رواية له: تُومئ إيماءً (أو ركباناً) جمع راكب، وأو للتخيير أو الإباحة أو التنويع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها) قال الزرقاني(٢): وبهذا قال الجمهور، لكن قال المالكية: لا يصنعون ذلك حتى يخشوا فوات الوقت، انتهى. وقال الحافظ(٣): قال ابن المنذر: كل من أحفظ عليه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلِّي على دابته يُومىء إيماءً، وإن كان طالباً نزل فصلّى على الأرض، قال الشافعي: إلا أن ينقطع عن أصحابه فيخاف عود المطلوب، وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل بخلاف المطلوب، ووجه الفرق أن شدة الخوف في حق المطلوب ظاهر لتحقق السبب بخلاف الطالب، فلا يخاف استيلاء العدو، انتهى. --- وقال القسطلاني(٤): اتفقوا على صلاة المطلوب راكباً، واختلفوا في صلاة الطالب، فمنعه الشافعي وأحمد، وقال مالك: يصلي راكباً حيث توجهت دابّته، إذا خاف فوت العدو إن نزل، انتهى. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧٦/٣). (٢) (شرح الزرقاني)) (٣٧١/١). (٣) ((فتح الباري)) (٤٣٦/٢). (٤) ((إرشاد الساري)) (٢/ ٧١٢). ٢٨ ٠٠٠ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٨) حديث قلت: اختلفت نقلة المذاهب في ذلك، فرجعنا إلى أصل فروعهم لينكشف الغطاء عن حقيقة مسالكهم، فقالت الحنابلة: وإذا اشتد الخوف، ولم يمكن تفريق القوم صفين ولا صلاتهم على وجه من وجوهها، وحضر وقت الصلاة لم تؤخر، وصَلَّوا رجالاً وركباناً متوجهين للقبلة وغيرها، ولا يلزم افتتاحها إليها، يُومِئون بالركوع والسجود على طاقتهم، وكذا أي وكحالة شدة الخوف عند المسايفة، حكمها في حالة الهرب من عدو هرباً مباحاً بأن يكون الكفار أكثر من المسلمين، ولمصلّ الكرُّ والفر والطعن والضرب، ولا تبطل بطوله، كذا في ((نيل المآرب)) و ((الروض المربع)) (١)، وزاد: وكذا حالة هرب مباحٍ من عدوٍ، أو سَيْلٍ ونحوه أو خوف فوت عدو یطلبه، انتهى. فعلم بذلك أن عند الحنابلة يجوز الصلاة في الشدة راكباً وراجلاً، طالباً ومطلوباً، وقالت الشافعية كما في ((شرح المنهاج)): إن التَحَمَ القتال أو اشتدّ الخوف بلا التِحَام، بأن لم يأمنوا هجوم العدو، فيصلّي كيف أمكن راكباً وماشياً مستقبل القبلة وغير مستقبلها، ويُعْذَرُ في ترك القبلة لحاجة القتال، أما لو انحرف عنها لا لحاجة القتال، بل لجموح دابة مثلاً وطال الفصل تبطل صلاته، ويجوز اقتداء بعضهم ببعض، وإن اختلفت جهاتهم، كالمأمومين حول الكعبة، ويجوز التقدم ههنا على الإمام للضرورة، والجماعة أفضل حيث لم يكن الانفراد هو الحزم، ويجوز الأعمال الكثيرة، كضربات متوالية، وركض كثير وركوب، لا صياح أو نطق، والأصح منعه لمحرِم خاف فوت الحج، فلا يجوز له صلاة شدة الخوف، لأنه محصل لا خائف، وبه يعلم أنه لا يصلي كذلك طالب عدو إلا إِنْ خشي كَرَّهُم عليه، أو كميناً أو انقطاعاً عن رفقته (٢)، انتھی . (١) (٢٨٢/١). (٢) انظر: ((لا مع الدراري)) (١١٥/٤)، و((المغني)) (٣١٦/٣). ٢٩ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٨) حديث وعلم منه أن المستثنى عندهم طالب عدوٍ لا يخشى، وتجوز الصلاة في المسايفة، وكَذَا للمطلوب ماشياً وراكباً، وقالت المالكية كما في ((الشرح(١) الكبير)): وإن لم يمكن ترك القتال لبعض لكثرة العدو أخروا الصلاة ندباً لآخر الوقت الاختياري، فإن انكشف وإلا صلوا إيماء أفذاذاً، ويكون السجود أخفض من الركوع إن لم يمكنهم ركوع وسجود، قال الدسوقي: ركباناً أو مشاةً، انتهى. قال الباجي (٢) بعد ذكر جواز الصلاة رجالاً وركباناً: هذا إذا كان مطلوباً، أما إذا كان طالباً، فقال ابن عبد الحكم: لا يصلي إلا بالأرض صلاة الأمن، وقال ابن حبيب: هو في سعة من ذلك، وإن كان طالباً، وحكى ذلك عن مالك، ويحتمل أن ابن عبد الحكم رأى أن الذي قد بلغ بعدوه مبلغاً أمن رجوعه، ويحتمل أن يمنع ذلك الطالب بكل وجه، لأن أشد أحواله أن يمكنه إقامة الصف ومدافعة العدو، وهذه حالة لا تبيح الصلاة على الدابة، وإنما تبيح بالأرض صلاة الخوف، انتهى. وبسط الكلام في («المدونة» (٣) على صلاة المسايفة، وصرح بجوازها راكباً وماشياً وساعياً ومُومِئاً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها كيف ما يمكن. وقال ابن عابدين(٤): وإن اشتد خوفهم وعجزوا عن النزول صلوا ركباناً ولو مع السير مطلوبين، فالراكب لو طالباً لا تجوز صلاته لعدم ضرورة الخوف في حقه، وصلوا فرادى إلا إذا كان رديفاً للإمام فيصح الاقتداء به، وصلوا (١) (٣٩٣/١). (٢) ((المنتقى)) (٣٢٥/١). (٣) (١٥٠/١). (٤) ((حاشية ابن عابدين)) (٢٠٤/٢). ٣٠ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٨) حديث ٫٠٠٠ . بالإيماء إلى جهة قدرتهم، وفسدت بمشي لغير اصطفاف، وسبق حدث، ولا تصح صلاة الماشي والسائف فيؤخر، انتهى. وفي ((البدائع))(١): لو صلّى راكباً والدابة سائرة، فإن كان مطلوباً فلا بأس به، لأن السير فعل الدابة حقيقة، وإنما يضاف إليه من حيث المعنى، فإذا جاء العذر انقطعت الإضافة، بخلاف ما إذا صلّى ماشياً أو سابحاً حيث لا يجوز، وإن كان الراكب طالباً فلا يجوز، لأنه لا خوف في حقه، انتهى. وعلم منه أن الصلاة ماشياً لا تجوز عندهم مطلقاً، والصلاة راكباً بالإيماء تجوز للمطلوب دون الطالب، ولا يذهب عليك أن هناك مسألتين، مسألة الالتحام والمسايفة، ومسألة الطلب، فلا تختلط عليك إحداهما بالأخرى. قال الأُبِّي(٢): قوله: ((فإذا كان خوف أكثر من ذلك [فصلّ راكباً أو قائماً تومئ إيماءً])) الحديث، به قال مالك والشافعي وغيرهما أنه لا يترك ما يحتاج إليه من قول أو فعل، إلا أن الشافعي قال: إنما يجوز من ذلك الشيء اليسير، وما يكثر يبطل. ومنع أبو حنيفة وابن أبي ليلى وبعض أهل الشام ومكحول صلاة المسايفة، وقالوا: لا يصلي الخائف إلا إلى القبلة، فإن لم يقدر تركها حتى يأمن، واحتجوا بقصة الخندق، قالوا: لو جازت كيف تيسر لم يشغله ذلك، والحجة عليهم أن صلاة الخوف فرضت بعد، فهي ناسخة، ومن أجاز صلاة المسايفة اتفقوا على جوازها كذلك للمطلوب. واختلفوا في الطالب، فقال مالك والأكثرون: لا فرق، وقال الشافعي والأوزاعي وابن عبد الحكم: لا يصلي الطالب إلا بالأرض، وقال الشافعي: إلا أن ينقطع بأصحابه، وقال الأوزاعي: إلا أن يكون بقرب المطلوب، انتهى. (١) (٥٥٩/١ - ٥٦٠). (٢) انظر: ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٤٣/٢) و((المجموع)) (٢٨٠/٤ - ٢٨٦)، و((مغني المحتاج)) (٣٠٤/١). ٣١ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٨) حدیث قَالَ مَالِكٌ: قَالَ نَافِعُ: لَا أُرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ إِلَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهُ. أخرجه البخاريّ في: ٦٥ - كتاب التفسير، ٢ - سورة البقرة، ٤٤ - باب فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً. قال الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾(١): صلاة الخوف قسمان: أحدهما: أن تكون في حال القتال، وهو المراد بهذه الآية. والثاني: في غير حالة القتال، وهو المذكور في سورة النساء. إذا عرفت هذا فنقول: إذا التَحَمَ القتال فمذهب الشافعي أنهم يصلّون ركياناً على دوابهم، ومشاة على أقدامهم محتجاً بهذه الآية، وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي، بل يُؤخّر محتجاً بأنه عليه الصلاة والسلام أخّر الصلاة يوم الخندق، ثم بسط الكلام على تأييد الأول، والجواب عن الثاني، وكذا بسط الجصاص في ((أحكامه))(٢) الاستنباط بالآية، وأجاب عن الأول، واستنبط الثاني بالآية، وأطال في تأييده، تركنا الكلامين للاختصار، من شاء التفصيل فليرجع إلى الأصول. وكل من مفسري الحنفية والشافعية ادّعوا أن ظاهر القرآن يؤيدهم، ولا شك في أن قوله: قياماً على أقدامهم في الحديث المذكور يؤيد من نفى المشي، وإليه يظهر ميل البخاري إذ قال: ((باب صلاة الخوف رجالاً وركباناً، راجل: قائم)). قال الحافظ(٣): يريد أن المراد به ههنا القائم، ويطلق على الماشي أيضاً، وهو المراد في سورة الحج: ﴿يَأْتُكَ رِجَالًا﴾ الآية. (قال يحيى: قال مالك: قال نافع: لا أُرى) بضم الهمزة أي لا أظن (عبد الله) بن عمر (حدثه) أي حدث هذا الحديث (إلا عن رسول الله (وَ لة) هكذا (١) سورة البقرة: الآية ٢٣٩. (٢) ((أحكام القرآن)) للجصاص (٤٤٨/١ - ٩٤٩). (٣) ((فتح الباري)) (٤٣٢/٢). ٣٢ ------------- !! --- --- -- ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٩) حديث ٤/٤٢٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ قَالَ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَةِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ. جاء في معناه عن جابر مرفوعاً . أخرجه البخاريّ في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٣٦ - باب من صلى بالناس جماعة بعد فوات الوقت. ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٦ - باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، حديث ٢٠٩. بالشك، أخرجه البخاري في تفسير البقرة عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وقال ابن عبد البر(١): رواه عن نافع جماعة لم يشكوا في رفعه منهم ابن أبي ذئب وموسى بن عقبة وأيوب بن موسى، وكذا رواه الزهري عن سالم، عن ابن عمر مرفوعاً، ورواه خالد بن معدان عن ابن عمر مرفوعاً، انتهى. قال الحافظ(٢): واختلف في قوله: ((فإن كان خوفاً)) هل هو مرفوع أو موقوف؟ والراجح الرفع. ٤/٤٢٩ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب) مرسلاً (أنه قال: ما صلّى رسول الله وَّر الظهر والعصر يوم) غزوة (الخندق) وهي غزوة الأحزاب، جمهور أهل المغازي على أنها في شوال سنة خمس، والبخاري على أنها في شوال سنة أربع، وقَوَّى الحافظ قول أهل المغازي (حتى غابت الشمس) وقد أجمعوا على أنه وَّر قد فاته شيء من الصلوات في غزوة الأحزاب، واختلفوا هناك في موضعين: الأول: في تعيين الفوائت والجمع بين ما ورد في ذلك من الروايات المختلفة، والثاني: في سبب الفوات. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٧٤/٧). (٢) (فتح الباري)) (٤٣٢/٢). ٣٣ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٩) حديث أما الأول: فحديث الباب يدل على أن الفائت صلاتان: الظهر، والعصر، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد والنسائي أنهم شغلوه وَّ عن الظهر والعصر والمغرب، وصلّوا بعد هوي من الليل، وذلك قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف: ﴿فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. قال القاري(١): ورواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي والشافعي والدارمي وأبو يعلى الموصلي، وفي حديث ابن مسعود عند الترمذي والنسائي: ((أنهم شغلوه عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله)). قال الحافظ (٢): في قوله: أربع، تجوُّز لأن العشاء لم تفت، وقال العيني(٣): بل فات عن وقته المعهود، وفي حديث علي وجابر في ((الصحيحين)) وغيرهما: أنه لم يفت غير العصر، وسيأتي حديث علي، وأما لفظ حديث جابر في ((البخاري)): أن عمر جاء بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، قال النبي وَل﴾: ((والله ما صليتها)) الحديث. ----- فمال ابن العربي إلى الترجيح، فقال: إن الصحيح أن الصلاة التي شُغِل عنها واحدة، وهي العصر، قال الحافظ: ويؤيده حديث علي في مسلم ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر))، وجمع النووي بأن وقعة الخندق بقيت أياماً، فكان هذا في بعض الأيام، وهذا في بعضها، قال الحافظ: ويقويه أن في روايتي أبي سعيد وابن مسعود، ليس فيها تعرض لقصة عمر، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، انتهى .. (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٠/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٦٩/٢). (٣) ((عمدة القاري)) (١٢٨/٤). ٣٤ -.. -- ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٩) حديث وأما الثاني: فقيل: أَخَّرها نَّ نسياناً، ويؤيده ما روى أحمد من حديث ابن لهيعة عن أبي جمعة حبيب بن سباع، قال: إن رسول الله وَّل عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قال: ((هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟))، قالوا: لا يا رسول الله ما صليتها، فأمر المؤذن فأقام فصلّى العصر، ثم أعاد المغرب، كذا في العيني. قال الحافظ: وفي صحة هذا الحديث نظر، لأنه مخالف لما في (الصحيحين)) من قوله وَل﴾ لعمر: ((والله ما صليتها)) ويمكن الجمع بينهما بتكلف، انتهى. قلت: ويمكن أن يجمع بأنه وي# كان نسيها عند الأداء، ثم لما استفسر عن القوم وتحقق الفوت جاء إذ ذاك عمر - رضي الله عنه - فأخبر قصته، فقال ◌َله: ((والله ما صليتها))، وقيل: كان عمداً، فقيل: كانت قبل نزول صلاة الخوف، وإليه مال الحافظ في ((الفتح))، وصرَّح به في مواضع من كتابه، وبه جزم ابن القيم في ((الهدي))، والقرطبي في ((شرح مسلم))، والقاضي عياض في ((الشفاء)) وحكاه ابن رشد عن الجمهور، وتقدم البسط في ذلك في البحث الثاني من الأبحاث المتقدمة في بدء الخوف. وحكى العيني عن الطحاوي: قد يجوز أن النبي وَلّ لم يصل يومئذ، لأنه لم يكن أمر حينئذ أن يصلّي راكباً، دل على ذلك حديث الخدري، قال: حبسنا يوم الخندق، الحديث. وفيه: وذلك قبل أن ينزل الله عز وجل في الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فأخبر أبو سعيد أن تركهم للصلاة يومئذ ركباناً إنما كان قبل ( أن يباح لهم ذلك، انتهى. قلت: وهذا صريح الرواية التي أخرجها الطيالسي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وأبو يعلى والبيهقي في ((سننه)) والطحاوي عن أبي سعيد الخدري، قال: ((كنا مع رسول الله ◌َّل يوم الخندق ٣٥ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٩) حديث فشغلنا)) الحديث. وفي آخره: وذلك قبل أن ينزل عليه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكَبَاناً﴾ وهذا القول أوجه عندي، فإنه جامع للأقوال والروايات المختلفة، وهو المراد مما ورد قبل نزول الخوف، يعني الحكم الخاص في الخوف، وقيل: كان بعد نزول الخوف، لكنه لم يقع له الفراغ عن شدته. قال العيني(١) بعد سرد الأقوال في ذلك: والأحسن في ذلك مع مراعاة الأدب، هو الذي قاله الطحاوي: وقد يجوز أن يكون النبي وتقليل لم يصل يومئذ لأنه كان يقاتل، فالقتال عمل، والصلاة لا يكون فيها عمل، ويجوز أنه لم يكن أمر أن يصلي راكباً، انتهى. وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢): والنبي ◌َّ لم يصل يوم الخندق؛ لأنه كان مشغولاً بالقتال، والاشتغال بالقتال يمنع الصلاة، ولذلك قال ◌َله: ((ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى))، فإن قيل: إنما لم يصل؛ لأنه لم يكن نزلت صلاة الخوف، قيل له: قد ذكر محمد بن إسحاق والواقدي جميعاً أن غزوة ذات الرقاع قبل الخندق، فدَلَّ أن تركه لي صلاة الخوف إنما كان للقتال لأنه يمنع صحتها وينافيها، انتهى. وقال ابن العربي في ((العارضة)): وإنما ترك النبي ◌ّ لعدم الإمكان. قال الحافظ في ((الفتح))(٣): اختلف في سبب تأخير الصلاة يوم الخندق، هل كان نسياناً أو عمداً؟، وعلى الثاني هل كان للشغل بالقتال أو لتعذر الطهارة أو قبل نزول آية الخوف؟، وإلى الأول وهو الشغل جنح البخاري، وإلى الثاني جنح المالكية والحنابلة، لأن الصلاة لا تبطل عندهم بالشغل (١) انظر: ((عمدة القاري)) (١٤٥/٥). (٢) (٤٤٨/١). (٣) ((فتح الباري)) (٤٣٦/٢). ٣٦ ---- --- ----- ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي صَلاةِ الْخَوْفِ. الكثير، وإلى الثالث جنح الشافعية وعكس بعضهم، فقال: إن تأخيره وَ ل* يوم الخندق دال على نسخ صلاة الخوف. قال ابن القصار: وهذا قول من لا يعرف السنن، لأن صلاة الخوف نزلت بعد الخندق، فكيف ينسخ الأول الآخر، انتهى. وقال ابن الماجشون: إنما ترك النبي ◌َ﴾ صلاة الخوف يوم الخندق لأنه حضر، وحكمها أن تكون في السفر، قال ابن العربي في ((العارضة))(١): وهو نظر ضعيف . (قال يحيى: قال مالك: وحديث القاسم بن محمد) بن أبي بكر (عن صالح بن خوات) المذكور قبل ذلك (أحب ما سمعت إليّ في صلاة الخوف) وتقدم ما قال ابن عبد البر(١): أنه الذي رجع إليه مالك بعد أن قال بحديث يزيد بن رومان، وعلم منه أن ما في أبي داود، قال مالك: وحديث يزيد بن رومان أحب إليّ، قوله المرجوع عنه. قال الدارقطني بعدما أخرج حديث يزيد بن رومان: قال ابن وهب: قال مالك: أحب إليّ هذا ثم رجع وقال: يكون قضاؤهم بعد السلام أحب إليّ، انتهى. قال السهيلي: اختلف الفقهاء في الترجيح، فقالت طائفة: يعمل منها بما كان أشبه بظاهر القرآن، وقالت طائفة: يجتهد في طلب أخيرها، فإنه الناسخ لما قبله، وطائفة يؤخذ بأصحها نقلاً وأعلاها رواة، وطائفة بجميعها على حسب اختلاف الأحوال، انتهى. قاله الحافظ. وفي ((العيني)): قال ابن حزم: إن صفة صلاة الخوف في حديث أبي بكرة أفضل الصفات، لأنها آخر فعل رسول الله رحمة، انتهى. (١) انظر: ((الاستذكار)) (٦٨/٧). ٣٧ ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٩) حديث وقال الحافظ (١): رجَّح ابن عبد البر حديث ابن عمر على غيره لقوة الإسناد ولموافقة الأصول، وعن أحمد قال: ثبت في الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل، وكذا رجَّحَه الشافعي، ولم يختر إسحاق شيئاً على شيء، وبه قال الطبري وغير واحد، منهم ابن المنذر، وسرد ثمانية أوجهٍ، انتهى. وقال أيضاً: وما ذهب إليه مالك من ترجيح هذه الكيفية وافقه الشافعي وأحمد وداود على ترجيحها، لسلامتها من كثرة المخالفة، ولكونها أحوط لأمر الحرب، مع تجويزهم الكيفية التي في حديث ابن عمر، ونقل عن الشافعي أن الكيفية التي في حديث ابن عمر منسوخة، ولم يثبت ذلك عنه، وظاهر كلام المالكية عدم إجازة الكيفية في حديث ابن عمر. واختلفوا في كيفية رواية سهل بن أبي حثمة في موضع واحد، وهو أن الإمام هل يسلم قبل أن تأتي الطائفة الثانية بالركعة الثانية، أو ينتظرها في التشهد ليسلموا معه، فبالأول قال المالكية، وزعم ابن حزم أنه لم يرو عن أحد من السلف القول بذلك، انتهى. ولم تفرق المالكية والحنفية بين أن يكون العدو في جهة القبلة أو لا، وفرق الشافعي والجمهور، فحملوا حديث سهل على أن العدو كان في غير جهة القبلة، وأما إذا كان العدو في جهة القبلة فعلى حديث ابن عباس، انتهى. قلت: وكذلك الإمام أحمد لم يفرق بين كون العدو في القبلة وغيرها إذ قال: وأختار حديث سهل. وكذا لم يفرق فيها أهل فروعه، والمراد بحديث سهل في كلامه هو طريق يزيد بن رومان، كما تقدم في حديثه . قلت: وقد علمت مما تقدم مختار الأئمة الأربعة في صلاة الخوف من (١) ((فتح الباري)) (٤٣١/٢)، وانظر: ((الاستذكار)) (٧٨/٧). ٣٨ - - ١١ - كتاب صلاة الخوف (١) باب (٤٢٩) حديث ٠٠ ٠ أن الإمام مالكاً اختار حديث القاسم بن محمد، وأن الإمام أحمد - رضي الله عنه - اختار حديث يزيد بن رومان، وأن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - فرق بين كون العدو في القبلة وغيرها، واختار على الأول حديث قصة عسفان، وعلى الثاني حديث يزيد بن رومان، وأن الحنفية أخذوا في ذلك رواية ابن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهم -. قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(١): فاتفق ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وجابر وحذيفة وزيد بن ثابت: أن النبي ◌َّ صلّى بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهو العدو، ثم صلّى بالأخرى ركعة، وإن أحداً منهم لم يقض بقية صلاته قبل فراغ رسول الله وَاليه . (١) (٢٦٠/٢). ٣٩ ١٢ - كتاب صلاة الكسوف (١) باب ١٢ - كتاب صلاة الكسوف (١) باب العمل في صلاة الكسوف (١) العمل في صلاة كسوف الشمس هكذا في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية: ((العمل في صلاة الكسوف)) والمؤدى واحد، لأن المراد بالكسوف، هو كسوف الشمس، وفيه أيضاً عدة أبحاث: الأول: في لغته، فهو مصدر كسفت الشمس بفتح الكاف، وحكي ضمها، وهو نادر. وفي مسلم(١) عن عروة: ((لا تقولوا: كسفت الشمس، ولكن قولوا: خسفت))، لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه، لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه الأفصح، وقيل: هو متعين، وعن بعضهم عكسه، وغلطه عياض لقوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَّرُ وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث. وبَوَّب البخاري في (صحيحه)): ((هل يقول: كسفت الشمس أو خسفت)) وأورد فيه الرواية الدالة على استعمال كل منهما في كل منهما (٢). والكسوف لغة: التغير إلى السواد، والخسوف النقصان، أو الذل، وقيل: يقال: الكسوف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء، وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه، وقيل غير ذلك. قال ابن الهمام: يقال: كسف الله الشمس، يتعدى، وكسفت الشمس لا يتعدَّى، والإضافة من قبيل إضافة الشيء إلى سببه. (١) ((صحيح مسلم)) (٦١٨/٢). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٣٥/٢). ٤٠ ----- -------- --- : i ------ -- ----- -- : 11-