النص المفهرس

صفحات 601-620

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١٢) حديث
عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ. فَإِنِ اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ،
فَإِنْ تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ،
(عليك ليل طويل) هكذا في جميع روايات البخاري بالرفع فيهما، فعليك
خبر مقدَّم، وليل مبتدأ مؤخّر أو مرفوع بفعل محذوف، أي بقي عليك ليل
طويل، وقال عياض: رواية الأكثر عن مسلم بالنصب، قال العيني: هكذا رواية
المصعب في ((الموطأ)) منصوب على الإغراء. قال القرطبي: الرفع أولى من
جهة المعنى، لأنه الأمكن في الغرور، من حيث إنه يخبره عن طول الليل، ثم
يأمره بالرقاد فيقول: (فارقد) فهو تأكيد لما تقدم من تسويفه والإلباس عليه.
(فإن استيقظ) من نوم الغفلة (فذكر الله) عز وجل بقلبه أو بلسانه، ويدخل
فيه تلاوة القرآن وقراءة الحديث والاشتغال بالعلم (انحلت) أي انفتحت (عقدة)
واحدة من الثلاث، وهي عقدة الغفلة (فإن توضأ) ذكره باعتبار الغالب، وإلا
فالجنب لا تنحل عقدته إلا بالغسل، والظاهر إجزاء التيمم، ولا شك أن في
الوضوء عوناً على طرد النوم، لا يظهر مثله في التيمم (انحلّت عقدة) ثانية وهي
عقدة النجاسة (فإن صلى) فريضة أو وتراً أو نافلة.
قال الحافظ (١): والسر في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين،
المبادرة إلى حل العقد، إلا أن فيه: أنه ◌ّ منزَّةٌ عن الشيطان، نعم؛ فيه تعليم
للأمة (انحلت عقدة) بالإفراد في أكثر النسخ، وقال الزرقاني: الثلاث كلها
بالجمع، وهكذا رواية ابن وضّاح، قال في ((المشارق)): لا خلاف في العقد
في الأولى والثانية، أنه بالإفراد، واختلف في الثالثة فقيل: بالإفراد، وقيل:
بالجمع .
قال الحافظ في ((الفتح)): لا خلاف في أنه في رواية البخاري بلفظ
الجمع ويؤيده رواية بدء الخلق، ((انحلّت عقده كلها)). ولمسلم: ((انحلت
(١) (فتح الباري)) (٢٧/٣).
٦٠١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١٢) حديث
فَأَصْبَحَ نَشِيطاً، طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا، أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ
العقد))، ووقع في بعض روايات ((الموطأ)) بالإفراد، ويؤيده رواية أحمد، ((فإن
ذكر الله انحلت واحدة، فإن قام وتوضأ انحلت الثانية، فإن صلى أطلقت
الثالثة))، قال القاري(١): فينبغي أن يكون، في (المشكاة)) بالجمع، لقوله: متفق
عليه، لكن في جميع النسخ الموجودة بالإفراد، انتهى.
وذكر ابن قرقول: أنه اختلف في الأخيرة منها، فوقع في رواية ((الموطأ)»
لابن الوضّاح بالجمع، وهكذا في البخاري وفي غيرهما عقدة، وكلاهما
صحيح، والجمع أولى، وظاهر رواية الجمع أن العقد تنحلّ كلها بالصلاة،
وهو كذلك في حق من لم ينتقض وضوؤه بالنوم كمن نام متمكناً غير متكئ، ثم
انتبه فصلی، وإن كان من يحتاج إليه.
فالمعنى انحلت العُقَد بانحلال الأخيرة التي بها يتم انحلال العُقَد، فإن
أتى ببعض ذلك كذلك، لكن يختلف ذلك بالقوة والكثرة، وقال ابن العربي:
هذه العقدة تنحلّ بصلاة الصبح، ومال الحافظ إلى أن المراد صلاة العشاء،
والحديث لمن نام قبلها، والظاهر صلاة التهجد.
(فأصبح) أي دخل في الصباح أو صار (نشيطاً) لسروره بما وفقه الله تعالى
للعبادة (طيب النفس) لما بارك الله تعالى في نفسه من هذا التصرف، قال
الحافظ: والظاهر أن في صلاة الليل سراً في طيب النفس، وإن لم يحضر
المصلي شيئاً من ذلك، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَِّلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْفًا
وَأَقْوَمُ قِلًا
(٤)(٢) (وإلا) أي وإن لم يفعل كذلك بل أطاع الشيطان ونام حتى
تفوته صلاة الصبح أو التهجد أو العشاء (أصبح خبيث النفس) أي محزون
القلب كثير الهم.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٤١/٣).
(٢) سورة المزمل: الآية ٦.
٦٠٢
--------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١٢) حديث
كَسْلانَ)).
أخرجه البخاريّ في: ١٩ - كتاب التهجد، ١٢ - باب عقد الشيطان على قافية
الرأس إذا لم يصلّ بالليل.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٢٨ - باب ما روي فيمن نام الليل
أجمع حتى أصبح، حديث ٢٠٧.
قيل: يعارضه قوله ◌َ له: ((لا يقولنّ أحدكم خبثت نفسي)) الحديث، قال
ابن عبد البر(١): وليس كذلك، إنما ورد النهي عن إضافة المرء ذلك لنفسه
كراهة هذه الكلمة، وهذا الحديث وقع ذماً لفعله، ولكلٍّ من الحديثين وجه،
وقال الباجي(٢): إنما نهى عن ذلك لأن الخبث بمعنى فساد الدين، ووصف
بعض الأفعال بذلك تحذيراً وتنفيراً.
قال الحافظ (٣): وتقرير الإشكال أنه يَّ نهى عن إضافته إلى نفسه،
وكلما نهي الرجل أن يضيفه لنفسه نهي أن يضيفه إلى غيره، وقد وصف ولاية
المؤمن بهذه الصفة، والجواب: أن النهي محمول على ما إذا لم يكن هناك
حامل على هذه الصفة، كالتنفير والتحذير (كسلان) بمنع الصرف للوصفية
وزيادة الألف والنون، لبقاء تثبيط الشيطان، وشؤم تفريطه .
قال ابن عبد البر: هذا الذم يختص بمن لم يقم إلى صلاته وضيّعها، أما
من كانت عادته القيام فغلبته عينه، فقد ثبت أن الله يكتب له أجره، ونومه عليه
صدقة، فلا يقال: إن أبا بكر وأبا هريرة - رضي الله عنهما - كانا يوتران أول
الليل، وينامان آخره، لأن المراد الذي ينام ولا نية له، أما من صلى من النافل
ما قُدِّرَ له، ونام بنية القيام، فلا يدخل في ذلك، قاله العيني.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٦٨/٦).
(٢) ((المنتقى)) (٣١٥/١).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٧/٣).
٦٠٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١٢) حديث
فإن قيل: يشكل عليه ما ورد في ((الصحيح)) عن أبي هريرة: ((أن قارئ
آية الكرسي لا يقربه شيطان))، أجيب: بأن المراد من العقد إن كان أمراً معنوياً
وبالقرب أمراً حسياً، أو بالعكس فلا إشكال، وإن كان كلاهما معنوياً أو حسياً
فيكون أحد الحديثين مخصوصاً .
والأولى كون حديث الباب مخصوصاً بمن لم يقرأ آية الكرسي كما
خصصه ابن عبد البر بمن لم ينوِ القيام، قلت: فيخصص منه أيضاً من ورد في
حقه أنه لا يقرُبُه شيطان.
---
٦٠٤

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(١) باب
(١٠) كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(١) باب العمل في غسل العيدين والنداء فيهما والإقامة
(١) العمل في غسل العيدين
الفطر والأضحى
أصله عِوْد لاشتقاقه من العود، قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها، ويجمع
بالأعياد للزوم الياء في الواحد، أو للفرق بينه وبين أعواد الخشب، سميا بالعيدين،
لكثرة عوائد الله تعالى فيهما أو لتكررهما كل عام، أو لعود السرور بعودهما أو لعود
المغفرة فيهما أو لأنهم يعودون إليهما مرة بعد أخرى، وفي ((الأزهار)): كل اجتماع
للسرور فهو عند العرب عيد، يعود السرور بعوده، وقيل: تفاؤلاً بعوده على من
أدركه، كما سميت القافلة (١) تفاؤلاً برجوعها، وبسط في ((شرح الإحياء) في تسميته
بدقيقة، حاصلها: أنها سميت عيداً لعود المباحات فيها واجباً كالفطر.
وفي ((النيل))(٢): وقيل: سمي به لأن كل إنسان يعود فيه إلى قدره ومنزلته
فهذا يضيف وهذا يضاف، وهذا يرحم وهذا يرحم، وقيل: سمي به لشرفه،
مأخوذ من العيد، وهو محل كريم مشهور في العرب تنسب إليه الإبل العيدية.
وفي ((الدر المختار)) (٣): ويستعمل في كل يوم مسرة، ولذا قيل:
وجه الحبيب ويوم العيد والجمعة
عيد وعيد وعيد صرن مجتمعة
ويظهر من ((كتاب الشريعة)) للشيخ الأكبر أنه سمي به لما فيه من إعادة
التكبير مرات.
(١) انظر: ((لسان العرب)) (٣١٩/٣).
(٢) (٥٧٩/٢).
(٣) (٥٠/٣).
٦٠٥

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(١) باب
..-
:
قال ابن حبان وغيره: إن أول عيد صلاها النبي ◌َّ: عيد الفطر في
السنة الثانية من الهجرة، وهي التي فرض رمضان في شعبانها، ثم داوم وَلة إلى
أن توفاه الله عز وجل، اهـ.
وفي السنة الثانية من ((الخميس)): وفي أول شوال هذه السنة خرج إلى
المصلى، وحُمِلَت العنزة بين يديه وصلى إليها، وكذا ذكر فرضيتها في السنة
الثانية الشيخ في ((البذل))(١) آخذاً عن القاري في ((شرح المشكاة)) وكذا في
(شرح الإحياء)) و((الأنوار الساطعة)) و ((شرح الإقناع)) في مسالك الشافعية
و ((الدسوقي)) من مسالك المالكية، وكذا في ((المجمع))، وذكر في الثانية أيضاً
عيد الأضحى، وفي ((الدر المختار)): شرع في الأولى من الهجرة، وكذا في
((البحر)) وغيرهما، والأوجه الأول لما عليه جمهور أهل النقل.
ويمكن الجمع بين القولين: أن جمعاً من السلف كانوا يعدّون التاريخ من
المحرم الذي وقع بعد الهجرة، ويلغون الأشهر قبل ذلك، واختلفت الأئمة في
حكمها، واختلفت نقلة المذاهب في ذلك، وفي ((شرح الإحياء)): قال أصحابنا :
إنهما واجبتان على من تجب عليه الجمعة نصاً عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -
في روايته على الأصح، وبه قال الأكثرون وهو المذهب، ونقل ابن هبيرة في
(الإفصاح)) رواية ثانية عن الإمام، بأنها سنة، وقول محمد - رضي الله عنه - في
((الجامع الصغير)): عيدان اجتمعا في يوم واحد، الأول سُنَّة، والثاني فريضة؛
ولا يترك واحد منهما باعتبار أنها وجبت بالسُّنَّةِ ألا ترى إلى قوله: ولا يترك
واحد منهما، وقال مالك والشافعي - رضي الله عنهما -: سنة مؤكدة لرواية
الأعرابي، إلا أن تتطوع وأجاب عنه أصحابنا بأنه لا ينافي الوجوب، لأن
الأعرابي لا تجب عليه، إذ من شرائطها المصر، ونقل المزني عن الشافعي في
((المختصر)): من وجب عليه حضور الجمعة وجب عليه حضور العيد.
(١) ((بذل المجهود)) (١٥٨/٦).
٦٠٦
--- .

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(١) باب
وأجاب عنه أصحابه بأجوبة: منها: أنها مؤول، نقله القسطلاني في
((شرح البخاري)) أو الوجوب بمعنى الثبوت، وقيل غير ذلك. وقال أحمد
وجماعة: هي فرض كفاية كالجنائز، وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي.
قلت: هذا هو المرجح من مسالك الأئمة الأربعة، كما عليه أهل
فروعهم، صرح بكونه سنة مؤكدة صاحب ((شرح الإقناع)) و((التوشيح))
و ((الروضة)) وغيرها من مسالك الشافعية، وكذا في ((الشرح الكبير)) للمالكية،
قال الدسوقي: هذا هو المشهور، وقيل: إنه سنة كفاية، وقيل: فرض عين،
كما نقله ابن الحارث عن ابن حبيب، وقيل: فرض كفاية، حكاه ابن رشد في
((المقدمات))، وإليه كان يذهب الفقيه ابن رزق، اهـ.
وصرح بكونهما فرض كفاية صاحبُ ((نيل المآرب)) و ((الروض المربع))
من فروع الحنابلة، وفي ((الدر المختار)) (١) من فروع الحنفية: تجب صلاتها في
الأصح، قال ابن عابدين: مقابله القول بأنها سنة، وصححه النسفي في
((المنافع)) لكن الأول قول الأكثرين كما في ((المجتبى))، ونص على تصحيحه في
(الخانية)) و((البدائع)) و((البداية)) و((المحيط)) و((المختار)) و ((الكافي))
وغيرها، اهـ. قلت: ورجح السرخسي في ((المبسوط)) كونها سنة.
ثم قال أصحابنا: يشترط لها جميع ما يشترط للجمعة وجوباً وأداء إلا
الخطبة، فإنها ليست بشرط لها، بل هي سنة بعدها، وأجاز مالك والشافعي أن
يصليها منفرداً من شاء من الرجال والنساء، وعن أحمد روايتين كالقولين كذا
في ((شرح الإحياء)).
وفي ((شرح الإقناع)»: تشرع للمنفرد والعبد والمرأة، ولا تتوقف على
شروط الجمعة، وفي (نيل المآرب)): شروطها كشروط الجمعة، وفي ((الروض
(١) (٥١/٣)، و((البدائع)) (٢٧٤/١). وانظر: ((فتح القدير)) (٤٢٢/١ - ٤٢٣)، والبناية (٢/
٨٥٠).
٦٠٧

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(١) باب
(٤١٣) حديث
١/٤١٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ
عُلَمَائِهِمْ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ فِي عِيدِ الْفِطْرِ، وَلَا فِي الأَضْحَى، نِدَاءٌ،
ولا إِقَامَةٌ، مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ◌َّهِ إِلَى الْيَوْمِ.
أخرجه البخاريّ في: ١٣ - كتاب العيدين، ٧ - باب المشي والركوب إلى
العيد بغير أذان ولا إقامة.
ومسلم في: ٨ - كتاب صلاة العيدين، حديث ٥.
المربع))(١): ومن شرط صحة صلاة العيد الاستيطان وعدد الجمعة، فلا تقام إلا
حيث تقام الجمعة. وفي ((الدر المختار)): تجب على من تجب عليه الجمعة
بشرائطها المتقدمة سوى الخطبة .
هذا وفي ((شرح الإقناع))(٢): هي من خصائص هذه الأمة كما قاله المناوي
في ((شرح الخصائص)). قال السيوطي: العيدان، والاستسقاء، والخسوف،
والكسوف من خصائص هذه الأمة، وكذا في ((روضة المحتاجين)).
ثم اختلفوا أيضاً في أن أحدهما أفضل من الآخر أم لا؟ وجملة فروع
الشافعية على أن النحر أفضل من الفطر لثبوته عن القرآن، وفي ((الشرح الكبير))
للمالكية: ليس أحدهما أوكد من الآخر، وسيأتي الكلام على غسل العيدين في
الحديث (والنداء) أي الأذان (فيهما) أي في العيدين (والإقامة) فيهما، وسيأتي
البحث عليهما .
١/٤١٣ - (مالك، أنه سمع غير واحد من علمائهم) أي علماء المدينة قال
الباجي: هذا وإن لم يسنده مالك إلا أنه يجري مجرى التواتر، وهو أقوى من
المسند، لأنه لا يقول ذلك إلا من سمعه من عدد كثير (يقول: لم يكن في عيد
الفطر ولا في) عيد (الأضحى نداء) أي أذان لا عند الصلاة ولا عند صعود
الإمام المنبر (ولا إقامة منذ زمان رسول الله وَل﴾ إلى اليوم)
(١) (٣٠٦/١).
(٢) (٢١٧/٢).
٦٠٨
-- -
:

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(١) باب
(٤١٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَتِلْكَ السُّنَّةَ الَّنِى لا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا.
قال الباجي: العلماء الذين سمع ذلك منهم مالك هم التابعون شاهدوا
الصحابة، وصلوا معهم وأخذوا عنهم، وأضافوه إلى زمان النبي وَيّ فهم حققوا
الخبر بذلك، وأثبتوه باتصال العمل به إلى وقت إخبارهم، ثم أكد ذلك الإمام
فقال :
(قال مالك: وتلك السُّنَّةُ التي لا اختلاف فيها عندنا) بالمدينة المنورة،
وأفعال الصلاة المتكررة نقلها بالمدينة نقل المتواتر إذ اتصل العمل بها .
وفي البخاري عن ابن عباس وجابر: ((لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم
الأضحى))، ولمسلم عن جابر: ((فبدأ ◌َّر بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا
إقامة))، ولأبي داود عن ابن عباس: ((أنه يَّ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة))،
إسناده صحيح. وفي النسائي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((خرج
رسول الله وَليل يوم عيد فصلى بغير أذان ولا إقامة))، قاله الزرقاني(١).
قال الباجي(٢): لا أعلم في هذه المسألة خلافاً بين فقهاء الأمصار، وقد
قال مالك في ((المختصر)): لا أذان في نافلة ولا عيد ولا خسوف ولا
استسقاء، اهـ.
وقال العراقي: عليه عمل العلماء كافة، وقال ابن قدامة في ((المغني))(٣):
لا نعلم في هذا خلافاً ممن يعتدُّ به إلا أنه روي عن ابن الزبير: أنه أذن
وأقام، اهـ. وقال ابن رشد(٤): أجمع العلماء على أنهما بلا أذان ولا إقامة
لثبوت ذلك عن رسول الله مَ ل# إلا ما أحدث من ذلك معاوية في أصح
الأقاويل، اهـ.
(١) (٣٦٢/١)، انظر: ((التمهيد)) (٢٣٩/٢٤)، و((الاستذكار)) (١٩/٧).
(٢) ((المنتقى)) (٣١٥/١).
(٣) (٢٦٧/٣).
(٤) ((بداية المجتهد)) (٢١٦/١).
٦٠٩

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(١) باب
(٤١٣) حديث
قال الباجي(١): ودليلنا على ذلك من جهة المعنى أن الأذان والإقامة
شرعا للفرائض لا النوافل، وصلاة العيد نافلة، فكان ذلك حكمها. وفي
((البدائع)): لأنهما شرعا علماً للمكتوبة، وهذه ليست بمكتوبة.
وفي (شرح الإحياء)): والاعتبار في ذلك أنه لما توفرت الدواعي على
الخروج في هذا اليوم إلى المصلّى من الصغير والكبير سقط حكم الأذان
والإقامة لأنهما للإعلام لتنبيه الغافل، والتهيؤ ههنا حاصل، فحضور القلب
مع الله يُغني عن إعلام الملك بلِمَّته الذي هو بمنزلة الأذان والإقامة للإسماع،
والذي أحدثه معاوية مراعاة للنادر، وهو تنبيه الغافل، فإنه ليس ببعيد أن يغفل
عن الصلاة بما يراه من اللعب، اهـ.
واختلف في أول من أحدث الأذان فيهما، فقيل: معاوية، وقيل:
الحجّاج حين أمر على المدينة، وقيل: أول من أحدثه زياد بالبصرة، وقيل:
مروان، وقيل: هشام، قاله الزرقاني مخرجاً، وقيل: ابن الزبير كما في
((الفتح))(٢).
واختلف العلماء هل ينادى لهما بغير الأذان، فعند الشافعي وغيره
- رضي الله عنه - ينادى لهما ((الصلاة جامعة))، بنصب الأول على الإغراء
والثاني على الحال، وفي ((شرح الترمذي)) للحافظ زين الدين: قال الشافعي:
واجب أن يأمر الإمام المؤذن أن يقول في الأعياد وما جمع الناس من الصلاة:
((الصلاة جامعة)) أو ((الصلاة))، فإن قال: ((هلموا إلى الصلاة)) لم نكرهه، فإن
قال: ((حي على الصلاة)) فلا بأس، وفي ((الحاوي)): عن الشافعي إن قال:
((هلموا إلى الصلاة))، أو: ((حي على الصلاة))، أو: ((قد قامت الصلاة)) كرهنا
(١) ((المنتقى)) (٣١٥/١٠).
(٢). ((فتح الباري)) (٤٥٣/٢).
٦١٠

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(١) باب
(٤١٣) حديث
له ذلك وأجزأه، قاله العيني(١).
قال الزرقاني(٢): واحتج الشافعي على استحبابه بما رواه عن الثقة عن
الزهري: كان * يأمر المؤذن في العيدين فيقول: الصلاة جامعة، وهذا
مرسل. يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوت ذلك فيها، وفي مسلم عن
جابر قال: ((لا أذان للصلاة يوم العيد ولا إقامة ولا شيء))، وبه احتج المالكية
والجمهور على أنه لا يقال قبلها: ((الصلاة جامعة)) ولا ((الصلاة))، اهـ.
وقال القاري (٣): قوله: ولا نداء، ينبغي أن يفسر النداء بالأذان، لأنه
يستحب أن ينادى لها، الصلاة جامعة بالاتفاق، انتهى. وكذا حكى الشعراني
في (ميزانه)) اتفاق الأربعة على استحباب النداء بالصلاة جامعة، وهكذا حكى
اتفاق الأربعة سراج أحمد شارح الترمذي، ولم يتعرض العيني لمذهب
الحنفية، ولا ذكره في ((البحر)) ولا ((الكبیری)).
لكن قلت: نقل الاتفاق مشكل، فإنه صرح في ((الشرح الكبير)) (٤)
للمالكية: ولا ينادى لها ((الصلاة جامعة))، أي لا يسن ولا يندب، بل هو
مكروه أو خلاف الأولى، انتهى. وقد تقدم قريباً عن الزرقاني أنه نسب عدمه
إلى الجمهور.
وقال ابن القيم(٥): وكان النبي و 8* إذا انتهى إلى المصلى أخذ في
الصلاة من غير أذان ولا إقامة ولا قول: ((الصلاة جامعة))، والسنة أن لا يفعل
شيء من ذلك، اهـ.
(١) ((عمدة القاري)) (١٧٣/٥ - ١٧٤).
((شرح الزرقاني)) (٣٦٢/١).
(٢)
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٠/٣).
(٤) (٣٩٦/١).
(٥) ((زاد المعاد)) (٤٢٧/١).
٦١١

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(١) باب
(٤١٤) حديث
٢/٤١٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَغْنَسِلُ يَوْمَ الْفِظْرِ، قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ إِلَى الْمَّصَلَّى.
٢/٤١٤ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان
يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى) تابع مالكاً على روايته عن نافع
موسى بن عقبة، قاله الزرقاني تبعاً للباجي. قلت: وأخرج البيهقي أثر مالك
هذا برواية الشافعي وابن بكير، كلاهما عن مالك، وقال: رواه ابن عجلان
وغيره عن نافع فقال: في العيدين الفطر والأضحى، انتهى.
وقال الزرقاني والباجي: وروى أيوب عن نافع قال: ما رأيت ابن عمر
- رضي الله عنهما - اغتسل للعيد قط، كان يبيت في المسجد ليلة الفطر، ثم
يغدو منه إذا صلى الصبح إلى المصلى.
قال الباجي(١): يحتمل أن يكون رواية أيوب في فعل عبد الله بن عمر
- رضي الله عنهما - في اعتكافه، بَيَّنَ ذلك مبيتُه في المسجد لأنه لم يكن يبيت
في المسجد، إلا عند اعتكافه، وتُحمل رواية مالك ومن تابعه على غير
اعتكافه، ولو تعارض الخبران تعارضاً، لا يمكن الجمع بينهما لكانت رواية
مالك ومن تابعه أولى، انتهى.
وقال ابن القيم في ((الهدي))(٢): وكان ◌َل يغتسل للعيدين، صح الحديث
فيه، وفيه حديثان ضعيفان: حديث ابن عباس من رواية جبارة بن مغلس،
وحديث الفاكه بن سعد من رواية يوسف بن خالد السمتي، ولكن ثبت(٣) عن
ابن عمر - رضي الله عنهما - مع شدة اتباعه للسنة، انتهى.
قال الحافظ في ((التلخيص)) (٤): قال البزار: لا أعلم في الاغتسال في
(١) ((المنتقى)) (٣١٦/١).
(٢) ((زاد المعاد)) (٤٢٦/١).
(٣) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٣٠٨/٣).
(٤) (٢/ ٦٠٧).
٦١٢

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(١) باب
(٤١٤) حديث
٥ ٠ ٠٠
العيدين حديثاً صحيحاً. قلت: ومع ذلك أجمعت الفقهاء على استحباب الغسل
في العيدين .
قال ابن رشد في ((البداية)) (١): أجمع العلماء على استحسان الغسل لصلاة
العيدين، وقال الباجي: هو مستحب عند علماء المدينة وجماعة من أهل العراق
والشام، وقال غيرهم: إن فعله فحسن والطيب يجزئ منه، اهـ. وقال مالك:
لا أوجب غسل العيد كغسل الجمعة، وجه ذلك الاتفاق على غسل الجمعة
والاختلاف في غُسْل العيدين، اهـ.
وفي ((الشرح الكبير)) (٢) للمالكية: وندب غسل، ومبدأ وقته السدس
الأخير من الليل، وندب بعد صلاة الصبح، فهو مستحبٌ ثانٍ، قال الدسوقي:
ذكر في ((التوضيح)): أن المشهور استحبابه كما ههنا، وهو مقتضى نقل المواق
عن ابن رشد، ولم يشترط فيه اتصاله بالغدو، لأنه لليوم لا للصلاة، ورجح
اللخمي وسند سنيته، وقال الفاكهاني: إنه سنة، وقوله: السدس الأخير، فلو
اغتسل قبله كان كالعدم، ولا يكون كافياً في تحصيل المندوب أو السنة، اهـ.
وفي ((شرح الإقناع)» (٣) من فروع الشافعية: وسن غسل للعيدين وإن لم يرد
الحضور لأنه يوم زينة، ويدخل وقته بنصف الليل، قال في هامشه: ولو لغير
مميز فيغسل وليه، كما قيل به في غسل إسلام الكافر الصغير، وقوله: يوم زينة
مقتضاه أنه يطلب من الحائض والنفساء، كما في غسل الإحرام، وقوله: بنصف
الليل، لكن فعله بعد الفجر أفضل.
(١) (٢١٦/١).
(٢) (٣٩٨/١).
(٣) (١/ ٢٥٢).
٦١٣

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(٢) باب
(٢) باب الأمر بالصلاة قبل الخطبة في العيدين
وفي ((الدر المختار)) (١): وسن لصلاة جمعة وصلاة عيد هو الصحيح.
قال ابن عابدين: كونه للصلاة هو الصحيح، وهو ظاهر الرواية، وهو قول
أبي يوسف، وقال الحسن بن زياد: إنه لليوم، ونُسِب إلى محمد، والخلاف
المذكور جارٍ في غسل العيد أيضاً، اهـ.
وفي الطحطاوي على ((المراقي)) رجح كونه لليوم بخلاف الجمعة،
ويستوي فيه الذاهب إلى الصلاة والقاعد. قال السروجي: هذا صحيح، وبه
قالت المالكية والشافعية، اهـ. ورجح الحلبي تبعاً للهداية استحبابه.
(٢) الأمر بالصلاة قبل الخطبة في العيدين
وهذا أيضاً إجماع من الأئمة الأربعة، وخالفه بعض من مضى من السلف
كما سيأتي، لكن الفقهاء على الأول. قال ابن رشد(٢): أجمعوا على أن السنة
فيها تقديم الصلاة على الخطبة لثبوت ذلك أيضاً عن رسول الله وَله، إلا
ما روي عن عثمان بن عفان: أنه أخّر الصلاة، وقدّم الخطبة لئلا يفترق الناس
قبل الخطبة، انتهى.
وقال الباجي(٣): لا خلاف في هذا بين جماعة فقهاء الأمصار. وقال
ابن المنذر: أجمع الفقهاء على أنها بعد الصلاة، ولا يجزئ التقدم، وأما
الصلاة فصحيحة اتفاقاً، انتهى.
فلو خطب قبل الصلاة يكره عند الجمهور، ويحرم عند الشافعية. ففي
(١) (٣٣٩/١).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١/ ٢٧٠).
(٣) ((المنتقى)) (٣١٦/١).
٦١٤
:

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(٢) باب
(٤١٥) حديث
٣/٤١٥ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ مَهْ كَانَ
((الروضة)): يسن بعد الصلاة خطبتان، فلو قدمتا على الصلاة لا يعتدّ بهما،
وهما كخطبتي الجمعة في الأركان لا في الشروط، فإن من الشروط المتقدمة
ما يشترط هاهنا أيضاً، وهو أربعة والباقي منها مستحب، ومنها ما يحرم وهو
تقديمها على الصلاة، انتهى.
وفي ((نيل المآرب)): وإن صلى العيد كالنافلة صحّ، لأن التكبيرات
الزوائد والذكر بينها والخطبتين سنة، ولو وجبتا لوجب حضورهما .
وقال الباجي: من بدأ بالخطبة قبل الصلاة أعادها بعد الصلاة، فإن لم
يفعل فذلك مجزئ عنه وقد أساء لأن السنة في العيدين أن يؤتى بها بعد الصلاة
فإن لم يفعل فهو بمنزلة من لم يخطب، فصلاته صحيحة، وقد أساء في ترك
الخطبة .
وفي (الدر المختار)) (١): فلو خطب قبلها صح، وأساء لترك السنة، قال
ابن عابدين: كذا لو لم يخطب أصلاً، وحكى القاري عن ابن الهمام: لو
خطب قبل الصلاة خالف السنة ولا يعيد الخطبة، انتهى.
قال الباجي(٢): وما روي عن أبي سعيد - رضي الله عنه - إنكاره إنما
كان على وجه الكراهية، ولذلك شهد مع مروان العيد، ولو كان أمراً محرماً أو
شرطاً في صحة الصلاة لما شهده.
٣/٤١٥ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري مرسلاً (أن رسول الله
کان
صَلىالله
(١) (٦٦/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٣١٦/١).
٦١٥

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(٢) باب
(٤١٦) حديث
يُصَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
ورد مرفوعاً عن ابن عمر.
أخرجه البخاريّ في: ١٣ - كتاب العيدين، ٧ - باب المشي والركوب إلى
العيد بغير أذان ولا إقامة.
ومسلم في: ٨ - كتاب صلاة العيدين، حديث ٨.
٤/٤١٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ
كَانَا يَفْعَلانِ ذُلِكَ.
ورد مرفوعاً عن ابن عباس.
أخرجه البخاريّ في: ١٣ - كتاب العيدين، ٨ - باب الخطبة بعد العيد.
ومسلم في: ٨ - كتاب صلاة العيدين، حديث ١.
يصلي يوم الفطر ويوم الأضحى قبل الخطبة) وقد اتصل من وجوه كثيرة صحاح،
فأخرج الشيخان عن ابن عمر (١) - رضي الله عنهما - أن رسول الله وَلّ كان
يصلي في الفطر والأضحى، ثم يخطب بعد الصلاة، ولهما عن جابر(٢): ((أن
النبي وَثّر خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة)).
قال في ((الأزهار)): وجه الفرق بين الجمعة والعيد في تقديم الخطبة
وتأخيرها أن الجمعة فرض والعيد نفل، فخولف بينهما، ولا يرد خطبة عرفة لأنها
ليست للصلاة، وقيل: لأن خطبة الجمعة شرط لصحة الصلاة، فقُدِّمَتْ لتكميل
الشروط، بخلاف العيد، وقيل: لأن وقت العيد أوسع من وقت الجمعة، وقيل:
لأن خطبة الجمعة فرض ولو أخرت فربما ذهبوا فأتموا، قاله القاري (٣).
٤/٤١٦ - (مالك، أنه بلغه) وقد تقدم مراراً أن بلاغه صحيح (أن أبا بكر)
الصديق - رضي الله عنه - (وعمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (كانا يفعلان ذلك)
(١) أخرجه البخاري (٩٥٧)، و((فتح الباري)) (٤٥١/٢).
(٢) أخرجه البخاري (٩٦١).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٦/٣).
٦١٦

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(٢) باب
(٤١٦) حديث
،
٠
أي يصليان قبل الخطبة، وفي ((الصحيحين)) عن ابن عباس: شهدت العيد مع
رسول الله وَ﴾ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة، قال
التوربشتي: ذكرُ الشيخين - رضي الله عنهما - معه ◌َّ على وجه البيان لتلك
السنة بأنها ثابتةٌ معمول بها، قد عمل الشيخان بها بعده وَلّ بمحضر مشيخة
الصحابة، وليس ذكرهما على سبيل التشريك في الشريعة، انتهى.
واختلفوا في أول من غيّر ذلك، فروي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه
خطب قبل الصلاة، قال عياض ومن تبعه: هذا لا يصح عنه، قال الحافظ(١):
فيه نظر، لأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة روياه جميعاً بإسناد صحيح، لكن
يعارضه حديثا ابن عمر وابن عباس، فإن جمع بوقوع ذلك منه نادراً، وإلا فما
في ((الصحيح)) أصح. وفي مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي سعيد: أول من
بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان. وفي ابن المنذر بسند صحيح عن
الحسن البصري: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، صلى بالناس ثم خطبهم
على العادة، فرأى ناساً لم يدركوا الصلاة، ففعل ذلك أي صار يخطب قبل
الصلاة، وهذه العلة غير العلة التي اعتلَّ بها مروان، لأن عثمان - رضي الله
عنه - راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم
في إسماعهم الخطبة .
وقيل: إنهم في زمنه كانوا يتعمّدون ترك سماعهم لما فيها من سَبِّ من لا
يستحق السب، والإفراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى مصلحة
نفسه، ويحتمل أن عثمان - رضي الله عنه - فعل ذلك أحياناً بخلاف مروان
فواظب عليه، فلذا نُسِبَ إليه.
وأخرج الشافعي - رضي الله عنه - عن عبد الله بن يزيد نحو حديث
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٤٥٢).
٦١٧

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(٢) باب
-
(٤١٧) حديث
٥/٤١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ
أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ؛
ابن عباس، وزاد حتى قدم معاوية فقدّم الخطبة، وهذا يشير إلى أن مروان فعله
تبعاً لمعاوية، لأنه كان أمير المدينة من جهته، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج
عن الزهري: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية، وروى
ابن المنذر عن ابن سيرين: أول من فعل ذلك زياد بالبصرة، قال عياض: ولا
مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان، لأن كلاً من مروان وزياد كان عاملاً
لمعاوية، فيحمل على أنه ابتدأ ذلك، وتبعه عماله، قاله الحافظ، وتبعه
الزرقاني(١).
وحكى الشوكاني(٢) عن ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً بين المسلمين إلا
عن بني أمية، قال: وعن ابن عباس، وابن الزبير أنهما فعلاه، ولم يصح
عنهما، قال: ولا يعتدّ بخلاف بني أمية، لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان
قبلهم، ومخالف لسنة النبي ◌ّ الصحيحة، وقد أنكر عليهم فعله وعُدَّ بدعة
ومخالفاً للسنة.
وقال العراقي: إن تقديم الصلاة على الخطبة(٣) قول العلماء كافة، وقال:
إن ما روي عن عمر، وعثمان، وابن الزبير لم يصح عنهم، انتهى. ثم حكى
الكلام على الروايات عنهم.
٥/٤١٧ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي عبيد) بضم العين
وتنوين الدال المهملة مصغراً، اسمه: سعد بسكون العين ابن عبيد الزهري
(مولى) عبد الرحمن (ابن أزهر) بن عوف الزهري ابن أخي عبد الرحمن بن
(١) ((شرح الزرقاني)) (١/ ٣٦٣).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٥٩٤/٢).
(٣) قال مالك: السنة أن تقدم الصلاة قبل الخطبة، وبذلك عمل رسول الله وَلجه وأبو بكر
وعمر، وعثمان صدراً من خلافته. انظر: ((الاستذكار)) (٢٠/٧).
٦١٨
--
!

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(٢) باب
(٤١٧) حديث
قَالَ: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ،
عوف، وفي رواية جماعة: عن مالك عن الزهري مولى عبد الرحمن بن عوف،
قاله ابن عبد البر (١).
قلت: وفي رواية لمسلم وغيره: مولى بني أزهر، وفي البخاري: قال
ابن عيينة: من قال: مولى ابن أزهر فقد أصاب، ومن قال: مولى
عبد الرحمن بن عوف، فقد أصاب. قال ابن التين: وجه كون القولين صواباً
ما روي أنهما اشتركا في ولائه، وقيل: يحمل أحدهما على الحقيقة، والآخر
على المجاز بأنه يكثر ملازمة أحدهما للخدمة أو للأخذ عنه أو بانتقاله من ملك
أحدهما إلى ملك الآخر.
وفي العيني(٢): هو مولى ابن عبد الرحمن بن الأزهر بن عوف، وينسب
أيضاً إلى عبد الرحمن بن عوف، لأنهما ابنا عم.
وقال ابن الأثير: قد غلط من جعله ابن عم عبد الرحمن بن عوف، بل
هو عبد الرحمن بن أزهر بن عبد عوف، انتهى. وكان سعد من مشاهير التابعين
بالمدينة، مجمع على ثقته من رجال الستة، يقال له: إدراكٌ، وليس له سماع
منه ◌َّر، فمن صغار الصحابة توفي سنة ٩٨هـ(٣).
(أنه قال: شهدت العيد) زاد يونس عن الزهري في روايته: يوم
الأضحى، كذا في (الفتح)). قلت: أخرجه البخاري(٤) في الأضاحي (مع
عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (فصلى) زاد عبد الرزاق عن معمر عن
الزهري: قبل أن يخطب بلا أذان ولا إقامة (ثم انصرف) من الصلاة
(١) انظر: ((التمهيد)) (٢٣٦/١٠ - ٢٣٨).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٢٣/٨).
(٣) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٣٧٧/٣).
(٤) (٥٥٧١) باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي.
٦١٩

١٠ - كتاب العيدين (الفطر والأضحى)
(٢) باب
(٤١٧) حديث
فَخَطَبَ النَّاسَ. فَقَالَ: إِنَّ هُذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ مَ ﴿ عَنْ
صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ
نُسُكِكُمْ.
أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٦٦ - باب صوم يوم الفطر.
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٢٢ - باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم
الأضحى، حديث ١٣٨.
(فخطب الناس) زاد عبد الرزاق والبخاري، فقال: ((يا أيها الناس إن
رسول الله مَّ نهى أن تأكلوا نسككم بعد ثلاث، فلا تأكلوا بعد هذا»، قال
أبو عمر: أظن مالكاً إنما حذف هذا لأنه منسوخ.
(فقال) أي في خطبته: (إن هذين) فيه تغليب، إذ الحاضر يشار إليه بهذا
والغائب يشار إليه بذاك، فلما أن جمعهما اللفظ قال: هذان، تغليباً للحاضر
على الغائب (يومان نهى رسول الله وَّل عن صيامهما) نهي تحريم، ويحرم صوم
يومي العيد إجماعاً، وسواء النذر والكفارة والتطوع والقضاء والتمتع، قاله
الحافظ .
واختلفوا فيمن نذر صوم يوم العيد أو صوم يوم قدوم زيد فقدم يوم
العيد، هل ينعقد النذر أم لا؟ ومحل بحثه المطولات من ((الفتح)) و((العيني))
وغيرهما (يوم فطركم) بضم اليوم على أنه خبر محذوف أي أحدهما، وفي
رواية للبخاري: أما أحدهما فيوم فطركم (من صيامكم والآخر يوم تأكلون فيه
من نسككم) بضم السين، ويجوز إسكانها، أي من أضحيتكم.
قال ابن عبد البر(١): فيه أن الضحايا نسك، وأن الأكل منها مستحب،
قال تعالى: ﴿فَكُلُوْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَابِسَ الْفَقِيَرَ﴾ (٢)، و﴿ اَلْقَانِعَ وَالْمُعْثَرَّ﴾(٣)،
(١) ((الاستذكار)) (٢٢/٧).
(٢) سورة الحج: الآية ٢٨.
(٣) سورة الحج: الآية ٣٦.
٦٢٠