النص المفهرس

صفحات 581-600

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤١٠) حديث
وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد: لا بأس
بإنشاد الشعر الذي ليس فيه هجاء ولا نكب عرض أحد من المسلمين
ولا فحش.
وقال مسروق بن الأجدع، وإبراهيم النخعي، وسالم بن عبد الله،
والحسن البصري، وعمرو بن شعيب: يكره رواية الشعر وإنشاده، واحتجوا
بحديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن رسول الله وسلم: ((لأن يمتلئ
جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً))، رواه ابن أبي شيبة(١). وبمعناه
أخرجه مسلم وغيره عن سعد بن أبي وقاص مرفوعاً، وأخرجه البخاري نحوه
من رواية ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً .
وأجاب الأولون عن هذا: بأن الأحاديث وردت على خاص من الشعر،
وهو أن يكون فيه فحش وخَنَاء. وقال البيهقي عن الشعبي: إن المراد به الشعر
الذي ◌ُجِيَ به النبيِ بَّ، وقال أبو عبيد: الذي فيه عندي غير ذلك، لأن
ماهجي به النبي # لو كان شطر بيت لكان كفراً، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ
قلبه حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن والذكر، قيل: فيما قاله أبو عبيدة نظر،
لأن الذين هجوا النبي وسم# كانوا كفاراً، غاية ما في الباب زاد كفرهم وطغيانهم
بالهجو، وما قاله الشعبي أوجه.
وقال الطحاوي: لو كان أريد بذلك ماهجي به رسول الله * من الشعر
لم يكن لذكر الامتلاء معنى، لأن قليل ذلك وكثيره كفر، ولكن ذكر الامتلاء
يدل على معنى في الامتلاء ليس فيما دونه، فهو عندنا على الشعر الذي يملأ
الجوف، فلا يكون فيه قرآن ولا تسبيح ولا غيره، فأما من كان في جوفه القرآن
والشعر مع ذلك فليس ممن امتلأ جوفه شعراً، فهو خارج من قوله وَ له: (لأن
(١) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١٨٣).
٥٨١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤١٠) حديث
يمتلئ جوف أحدكم)) الحديث، انتهى. وتقدم في الإنشاد في المسجد ما أشار
إليه أبو عبد الملك من النسخ، وردّ عليه العيني.
وأما المسألة الثالثة: وهو رفع الصوت في المسجد، فقال القاري(١): قال
النووي: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، وقال ابن حجر: سئل
مالك عن رفع الصوت في المسجد بالعلم، فقال: لا خير فيه بعلم ولا بغيره،
ولقد أدركت الناس قديماً يعيبون ذلك على من يكون بمجلسه، وأنا أكره ذلك،
ولا أدري فيه خيراً. قال ابن حجر: وروى ابن أبي شيبة عن عمر - رضي الله
عنه - أنه سمع رجلاً رافعاً صوته في المسجد، فقال: أتدري أين أنت؟ قال:
وقال قوم: لا كراهة فيه، منهم أبو حنيفة، انتهى.
قال القاري: نسبة نفي مطلق الكراهة إلى الإمام الأعظم افتراء عليه، إذ
مذهبه كراهة رفع الصوت في المسجد ولو بالذكر، نعم جَوَّز التدريس في
المسجد والبحث فيه حيث لم يُشَوِّش على المصلين، أو لم يكن هناك
مصلون، انتهى.
قال العيني (٢) في حديث كعب بن مالك، أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً
كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله وَ ل وهو
في بيته، الحديث: دليلٌ على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش،
لعدم الإنكار منه ول#، وقد أفرد له البخاري باباً، فإن قيل: قد ورد في حديث
واثلة من عند ابن ماجه يرفعه: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم))
الحديث. وحديث مكحول عند أبي نعيم الأصبهاني عن معاذ مثله، وحديث
جبير بن مطعم ولفظه: ((لا ترفع فيه الأصوات))، وكذا حديث ابن عمر من عند
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٢٣/٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٠٤/٣).
٥٨٢

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤١٠) حديث
أبي أحمد، أجيب: بأن هذه الأحاديث ضعيفة، فبقي الأمر على الإباحة من
غير معارض .
قال العيني: هذا الجواب لا يعجبني، لأن الأحاديث الضعيفة تتعاضد
وتتقوى إذا اختلفت طرقها ومخارجها، والأولى أن يقال: أحاديث المنع
محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشاً، وحديث الإباحة على ما إذا كان
غير متفاحشٍ، وقال مالك: لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد ديناً، وأما
التجارة والصرف فلا أحبه، انتهى.
وصرح في ((الشرح الكبير)) للمالكية بكراهة رفع الصوت بالقراءة بمسجد،
وفي مكروهات ((الدر المختار)) (١) من فروع الحنفية: رفع صوت بذكر إلا
للمتفقهة .
قال ابن عابدين: اضطرب كلام صاحب ((البزازية)) في ذلك، فتارة قال:
إنه حرام، وتارة قال: إنه جائز. وفي ((فتاوى الخيرية)) من الكراهية
والاستحسان: جاء في الحديث ما اقتضى طلب الجهر به، نحو: ((إن ذكرني
في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)) رواه الشيخان، وهناك أحاديث اقتضت طلب
الإسرار، والجمع بينهما بأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، كما
جمع بذلك بين أحاديث الجهر والإخفاء بالقراءة.
وفي ((حاشية الحموي)) عن الإمام الشعراني: أجمع العلماء سلفاً وخلفاً
على استحباب ذكر الجماعة في المساجد وغيرها، إلا أن يشوش جهرهم على
نائم أو مصلٍّ أو قارئ، اهـ.
(١) (٥٢٤/١).
٥٨٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
(٢٦) باب جامع الترغيب في الصلاة
٩٤/٤١١ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ
مَالِكِ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ
(٢٦) جامع الترغيب في الصلاة
يعني الروايات التي وردت في فضل الصلاة
٩٤/٤١١ - (مالك) الإمام (عن عمه أبي سهيل) بضم السين نافع (بن
مالك) بن أبي عامر (عن أبيه) مالك بن أبي عامر الأصبحي التيمي، حليف
طلحة بن عبيد الله الآتي (أنه سمع طلحة (١) بن عبيد الله) بضم العين وفتح
الموحدة ابن عثمان القرشي أحد العشرة المبشّرة، أسلم قديماً، من السابقين
الأولين، شهد المشاهد كلها غير بدر لعذر، أسهم له النبي وَله ببدر لأنه وَلّ
بعثه مع سعيد بن زيد يتعرَّفان خبر العير لأبي سفيان فعادا يوم اللقاء ببدر،
ووقى النبي ◌ّ يوم أحد بيده فشلّت، وجُرح يومئذ أربعة وعشرين جراحة،
وكان أبو بكر - رضي الله عنه - إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك اليوم كله لطلحة،
روي عنه أنه قال: سَمّاني رسول الله ◌َ﴾ يوم أحد: ((طلحة الخير))، ويوم
العسرة: ((طلحة الفياض))، ويوم حنين: ((طلحة الجود))(٢).
قلت: ويخالفه ما قال الأصمعي: إن الطلحات المعروفين بالكرم خمسة،
كان - رضي الله عنه - أول قتيل يوم الجمل، وكانت وقعة الجمل بناحية
الطف، يوم الجمعة لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، أصابه
سهم غرب فقتله، وهو ابن ستين سنة، وقيل غير ذلك، ودفن بالبصرة.
قال ابن عبد البر: لا تختلف العلماء في أن مروان قتل طلحة. قال
(١) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (٤٩٠/٢).
(٢) أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٩٧/١) والحاكم في ((المستدرك)) في كتاب
معرفة الصحابة (٣٧٤/٣).
٥٨٤
-
... .- ⑈

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ
العيني(١): طلحة في الصحابة جماعة، وطلحة بن عبيد الله اثنان، هذا
أحدهما، وثانيهما التيمي، وكان يسمى أيضاً طلحة الخير، فأشكل على
الناس، اهـ.
قال الحافظ(٢): هذا الإسناد مسلسل بالبلدة، فإنهم مدنيون كلهم
وبالقرابة، فهو رواية مالك عن عمه عن أبيه عن حليفه، وطلحة يجتمع مع
النبي ◌ّ في الأب السابع.
(يقول جاء رجل) قال ابن عبد البر(٣) وابن بطال وعياض وابن العربي
والمنذري وغيرهم: هو ضمام بن ثعلبة، وافد بني سعد بن بكر. قال الحافظ :
والحامل لهم على ذلك إيراد مسلم قصته عقب حديث طلحة، ولأن في كل
منهما أنه بدري، وأن كلاً منهما قال في آخر حديثه: لا أزيد على هذا ولا
أنقص، وتعقبه القرطبي بأن سياقهما مختلف، وأسئلتهما متباينة، قال: ودعوى
أنهما قصة واحدة تكلفٌ من غير ضرورة. قال الحافظ في ((المقدمة)): وهو كما
قال، انتهى ما قاله الزرقاني (٤).
وإليه أشار العيني(6) إذ قال: هو ضمام بن ثعلبة، قاله القاضي مستدلاً
بأن البخاري سماه في (باب القراءة والعرض على المحدث)) عن أنس قال:
بينما نحن جلوس في المسجد إذ دخل رجل على جمل، فأناخه في المسجد،
وفيه: ثم قال: أيكم محمد؟ الحديث. وفيه: وأنا ضمام بن ثعلبة، وتبعه
ابن بطال، وفيه نظر لتباين ألفاظهما، كما نبَّه عليه القرطبي، وأيضاً فابن إسحاق
(١) ((عمدة القاري)) (٣٩١/١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠٦/١).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٣٥٩/٦)، و((التمهيد)) (١٦٨/١٦).
(٤) (شرح الزرقاني)) (٣٥٧/١).
(٥) ((عمدة القاري)) (٣٩٣/١).
٥٨٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ،
فمن كان بعده كابن سعد وابن عبد البر لم يذكروا لضمام غير حديث أنس.
(إلى رسول الله مَله) متعلق بجاء (من أهل نجد) صفة رجل، والنجد بفتح
النون وسكون الجيم ما ارتفع من الأرض ضد التهامة، وهو الغور، سميت به
الأرض الواقعة بين تهامة، أي مكة، وبين العراق، قاله القاري(١).
(ثائر الرأس) بالثاء المثلثة من ثار الغبار يثور، واوي، إذا ارتفع وانتشر،
أي منتشر شعر الرأس غير مُرَجِّله بحذف المضاف، أو سمى الشعور رأساً
مجازاً تسمية للحال بالمحل، أو مبالغة بجعل الرأس كله كأنه المنتشر، يعني
من عدم الارتفاق والرفاهية، وهو مرفوع على أنه صفة عند الأكثر، وقيل:
منصوب على الحالية من رجل لوصفه، وقيل: إنه الرواية ولا تضر إضافته لأنها
لفظية، قال عياض: فيه أن ذكر مثل هذا على غير وجه التنقيص ليس بغيبة.
قال الزرقاني: وفيه إشارة إلى قرب عهده والوفادة.
(يسمع) بضم الياء على صيغة المجهول، وفي رواية: بالنون، وهذه
الرواية هي المشهورة وعليها الاعتماد، وقال ابن رسلان: بالنون أشهر، قاله
العيني. قلت: وفي النسخ التي بأيدينا بالياء، وهكذا ضبطه الشيخ في (البذل)).
وقال القاري: بصيغة المتكلم المعلوم على الصحيح، وفي بعض النسخ على
الياء مجهولاً .
(دوي صوته) كلام إضافي بالرفع على النيابة، وبالنصب على صيغة
المتكلم، والدوي بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء كذا في عامة الروايات،
وقال عياض: جاء عندنا في البخاري بضم الدال، قال: والصواب الفتح،
وقال القاري: هو بفتح الدال، وضمّه رواية ضعيفة.
قال الخطابي: الدوي: صوت مرتفع متكرر لا يفهم منه، وإنما كان
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٨٦/١).
٥٨٦
:
-----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
وَلا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ،
كذلك لأنه نادى من بُعْد، ويقال: الدوي: بُعْد الصوت في الهواء وعُلُؤُّه،
ومعناه: صوت شديد لا يفهم منه شيء، كدوي النحل، ويقال: مأخوذ من
دوي الرعد. قال الجوهري: دوي الريح خفيفها، وكذلك دوي النحل والطائر،
والدوي أيضاً السحاب والرعد المرتجس، قاله العيني(١).
(ولا يفقه) بالياء والنون على كلا الوجهين من الفقه، وهو الفهم. قال
تعالى: ﴿يَفْقَهُوْ قَوْلِ (4)﴾ أي يفهموا (ما يقول) ناب عن الفاعل أو مفعول،
يعني أنهم يسمعون كلامه، لكنهم لا يفهمونه لضعف صوته، أو بُعْده.
ووجَّهه والدي المرحوم - نوّر الله مرقده - أن من دأب العامة أن من يأتي
في حضرة من له الجلالة والهيبة يجري سؤاله قبل ذلك على لسانه مراراً لكي
يحفظ أو لا يغلط في السؤال كما هو مشاهد في الناس.
(حتى) للغاية بمعنى إلى (دنا) من الدنو، وهو القرب أي إلى أن قرب
منه ◌َّ، ففهمنا كلامه (فإذا) للمفاجأة حرف عند الأخفش، واختاره ابن مالك.
وظرف مكان عند المبرد، واختاره ابن عصفور، وظرف زمان عند الزجاج،
واختاره الزمخشري، ((عيني)).
(هو) أي الرجل (يسأل عن الإسلام) أي عن أركانه وشرائعه، لا عن حقيقته،
ولذا لم يذكر الشهادتين، ولكون السائل متصفاً به، فلا حاجة إلى ذكره. قال
العيني: ولو كان السؤال عن نفس الإسلام كان الجواب غير ذلك، ويؤيده ما ورد
فأخبره بشرائع الإسلام، ويمكن أنه سأل عن ماهية الإسلام، وقد ذكر الشهادتين
ولم يسمعهما الراوي، أو نسيهما أو اختصرهما لكونهما معلومتين عند كل أحد،
وتعقبه العيني فقال: فيه نسبة الصحابي إلى التقصير، قلت: ولا تقصير في
الاختصار، ويؤيده رواية البخاري، ((فأخبره بشرائع الإسلام)).
(١) ((عمدة القاري)) (١/ ٣٩٢).
٥٨٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ))، قَالَ:
هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: ((لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ)).
(فقال له رسول الله وَله: خمس صلوات) فيه حذف، تقديره إقامة خمس
صلوات لأن عين الصلوات الخمس ليس عين الإسلام، بل إقامتها من شرائع
الإسلام، والخمس يجوز فيه الرفع والنصب والجر، قاله العيني.
وقال القاري (١): بالرفع على الصحيح، خبر مبتدأ محذوف، أي الإسلام،
أو مبتدأ أي من شرائعه أداء خمس صلوات، ويجوز النصب بتقدير خُذْ، أو اعمل،
أو صلِّ وهو أحسن، وأغرب من قال: بالجر بدلاً عن الإسلام، ولا يصح رواية
ودراية، أما الأول، فيظهر من تتبع النسخ المصححة. وأما الثاني؛ فلأن البدل
والمبدل لا یکونان إلا في كلام شخص واحد، اهـ.
وبدأ بالصلاة لأنها عمدة الدين (في اليوم والليلة) قال الزرقاني(٢): فلا
يجب شيء غيرها خلافاً لمن أوجب الوتر أو ركعتي الفجر أو صلاة الضحى أو
صلاة العيد أو الركعتين بعد المغرب، اهـ.
(قال) الرجل السائل: (هل) يجب (عليّ) بشدة الياء (غيرهن) أو الجار
خبر مقدم، وغيرهن مبتدأ مؤخر، وأراد السائل رفع الإشكال، ورفع احتمال
المجاز بسؤاله، هل عليّ غيرها (قال) النبي ◌َّ: (لا) أي لا يجب عليك
غيرها، قال القاري: وهذا قبل وجوب الوتر أو أنه تابع للعشاء، وصلاة العيد
ليست من الفرائض اليومية، بل من الواجبات السنوية، اهـ. قال العيني: لم
يكن الوتر واجباً حينئذ، يدل عليه أنه لم يذكر الحج (إلا) حرف استثناء (أن)
بفتح الهمزة (تطوّع) بتشديد الطاء والواو كليهما، أصله تتطوع بتائين، فأبدلت
وأدغمت، وروي بحذف إحداهما وتخفيف الطاء.
(١) ((عمدة القاري)) (٨٦/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٨/١).
٥٨٨

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
واختلف في أيهما حذف، فقيل: حذف التاء الزائدة أولى لزيادتها، وقال
الأكثرون: الأصلية أولى بالحذف، لأن الزائدة إنما دخلت لإظهار معنىً، فلا
تحذف لئلا يزول الغرض الذي لأجله دخلت، ويجوز إظهار التاءين أيضاً من
غير إدغام، وهذه ثلاثة أوجه في المضارع.
قال النووي: المشهور التشديد، وفي ماضيه لغتان تطوع واطوَّع،
وكلاهما تَفَعُّلٌ، إلا أن إدغام التاء في الطاء أوجبَ جلبَ ألف الوصل، ليتمكن
من النطق بالساكن، قاله العيني(١). وقال أيضاً: هذا الاستثناء يجوز أن يكون
منقطعاً، بمعنى لكن، ويجوز أن يكون متصلاً، واختارت الشافعية الانقطاع،
والمعنى: لكن يستحب لك أن تتطوع، واختارت الحنفية الاتصال، فإنه هو
الأصل، واستدل به على أن من شرع في صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه
إتمامه، وبقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ وبالاتفاق على أن حج التطوع يلزم
بالشروع، ولما حملت الشافعية على الانقطاع قالوا: لا يلزم النوافل بالشروع،
ولكن يستحب له إتمامه، اهـ.
وقال القاري(٢): والمعنى: إلا أن تشرع في التطوع، فإنه يجب عليك
إتمامه للآية، ولإجماع الصحابة على وجوب الإتمام، وقول ابن حجر: هذا
مجرد دعوى بلا سند مردودٌ، لأن ذكر السند ليس بشرط لصحة الإجماع، مع
أن الآية المذكورة سند معتمد لصحة الإجماع، وقوله: يلزم الحنفية أن يقولوا:
إن الإتمام فرض مدفوعٌ، بأن الآية قطعية، والدلالة ظنية، ثم هذا مطرد في
جميع العبادات عندنا حيث يلزم بالشروع، ووافقنا الشافعي في الحج والعمرة،
فعليه الفرق، وإلا فيكفينا قياس سائر العبادات عليهما أيضاً.
(١) ((عمدة القاري)) (١/ ٣٩٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٧٧).
٥٨٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
قال الباجي(١): قد اختلف العلماء في الرجل يشرع في النافلة، هل يلزمه
إتمامها أم لا؟ فذهب مالك إلى أن من دخل في نافلة لم يكن له أن يقطعها
عمداً، وإن فعل ذلك كان عليه القضاء، وإن غلبه على قطعها غالبٌ لم يكن
عليه القضاء، وقال أبو حنيفة: عليه القضاء في العمد والعذر، وقال الشافعي:
له أن يقطعها ولا قضاء عليه، انتهى.
قلت: وبه قالت الحنابلة، ففي صوم ((نيل المآرب)): ومن دخل في تطوع
صوم أو غيره غير حج أو عمرة، لم يجب عليه إتمامه، ويسن له إتمامه، وإن
فسد فلا قضاء، ويسن القضاء خروجاً للخلاف، انتهى.
قال الزرقاني: إن الشروع في التطوع يجب إتمامه لأن الاستثناء متصل، قال
القرطبي: لأنه نفي وجوب شيء آخر، والاستثناء من النفي إثبات، ولا قائل
بوجوب التطوع، فتعين أن المراد: إلا أن تشرع في تطوع، فيلزمك إتمامه .
قال ابن رسلان: هذا ظاهر، لأن أصل الاستثناء من الجنس، والاستثناء
من غير الجنس مختلف فيه، ثم هو مجاز عند القائل به، وإذا حملناه على
المتصل لزم منه أن يكون التطوع واجباً، ولا قائل به لاستحالته، فلم يبق إلا
ما قال مالك: إن التطوع يصير واجباً بالشروع، وحينئذ يكون معنى قوله: إلا
أن تطوع أي تشرع فيه، ومن ادّعى أنه استثناء من غير الجنس طولب بتصحيح
ما ادعاه، انتهى ..
وتعقب الطيبي كلام القرطبي المذكور بأنه مغالطة، لأن الاستثناء ههنا من
غير الجنس، لأن التطوع لا يقال فيه: عليك، وكأنه قال: لا يجب عليك
شيء، إلا أن تطوع فذلك لك، وقد علم أن التطوع لا يجب، فلا يجب شيء
آخر أصلاً، قال الحافظ: كذا قال، وحرف المسألة دائرة على الاستثناء، فمن
(١) ((المنتقى)) (٣١٣/١).
٥٩٠
------ - --

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
قال: إنه متصل تمسك بالأصل، ومن قال: إنه منقطع احتاج إلى دليل، ودليله
ما للنسائي وغيره ((أن النبي ﴿ ﴿ كان أحياناً ينوي صوم التطوع ثم يفطر))، وفي
البخاري: ((أنه ◌َ# أمر جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن
شرعت فيه)) فدل على أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام نصاً في الصوم،
وقياساً في الباقي، ولا يرد الحج لأنه امتاز عن غيره بالمضي في فاسده،
فکیف في صحيحه، انتهى(١).
قال الزرقاني(٢): فيه نظر، أما أمره لجويرية، فيحتمل أنها صامت بغير
إذنه، واحتاج لها وأما فعله ◌َّ فلعله فعله لعذر، وإذا احتمل ذلك سقط به
الاستدلال، لأن القصتين من وقائع الأحوال التي لا عموم لها، وقد قال
تعالى: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾، وفي ((الموطأ)) في الصيام و((مسند أحمد)) عن
عائشة: ((أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأهديت لنا شاة فأكلنا، فدخل علينا
النبي وَ﴾، فقال: اقضيا يوماً مكانه)) والأمر للوجوب، فدل على أن الشروع
ملزم، انتهى.
قال الحافظ: وفي استدلال الحنفية نظر، لأنهم لا يقولون بفرضية الإتمام
بل بوجوبه، واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتباينهما، وأيضاً فالاستثناء
عندهم من النفي ليس للإثبات، بل مسكوت عنه، انتهى.
قال القاري: ما قيل: إن الإتمام فرض وهم يقولون بالوجوب مدفوعٌ بأن
الآية قطعية، والدلالة ظنية، وما قيل: استثناء الواجب من الفرض منقطع،
ممنوع، فإن الواجب عندنا فرض عملي لا اعتقادي، وبهذا الاعتبار يطلق عليه
أنه فرض، فالمراد بالفرض في الحديث المعنى الأعم، مع أنه لا محذور في
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٠٧/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٨/١).
٥٩١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ))، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟
جعل الاستثناء منقطعاً لصحة الكلام، كما اختاروا في هذا المقام، وما
قيل: إنه من النفي لا يفيد الإثبات، بل الحكم مسكوت عنه عندهم
مدخول، فإن هذا إنما يرد عليهم لو استدلوا بهذا الحديث، وتقدم أن
دليلهم الآية والإجماع، وإنما حملوا لفظ الحديث على المعنى المستفاد
منهما، انتهى.
وتعقب العيني (١) أيضاً كلام الحافظ المتقدم، فقال: من العجب أن هذا
القائل كيف لم يذكر الأحاديث الدالة على استلزام الشروع في العبادة الإتمام،
وعلى القضاء بالإفساد؟ وقد روى أحمد في ((مسنده)) عن عائشة - رضي الله
عنها - قالت: ((أصبحت أنا وحفصة صائمتين)) الحديث، وفيه: صوما يوماً
مكانه، وفي لفظ آخر بدلاً، ((أمر بالقضاء))، والأمر للوجوب، فدل على أن
الشروع ملزم، والقضاء بالإفساد واجب.
وروى الدارقطني عن أم سلمة: أنها صامت يوماً تطوعاً فأفطرت، فأمرها
النبي ◌ُ ◌ّر أن تقضي يوماً مكانه، وحديث النسائي لا يدل على أنه ولو ترك
القضاء بعد الإفطار، وإفطاره ◌َ ل# ربما كان لعذر، وحديث جويرية إنما أمرها
بالإفطار عند تحقق واحد من الأعذار، كالضيافة، وكل ما جاء من أحاديث
هذا الباب محمول على مثل هذا، ولو وقع التعارض بين الأخبار فالترجيح
مضى(٢) لثلاثة أوجه، أحدها: إجماع الصحابة، والثاني: أن أحاديثنا مثتبة
وأحاديثهم نافية، والمثبت مقدم، والثالث: أنه احتياط في العبادة فافهم،
انتھی .
(قال رسول الله وَالر: وصيام شهر رمضان) كلام إضافي مرفوع، عطف على
خمس صلوات، وجملة السؤال والجواب معترضة (قال) السائل: (هل عليّ غيره؟)
(١) ((عمدة القاري)) (٣٩٤/١).
(٢) هكذا في الأصل، وفي ((عمدة القاري)) ((معنا))، هو الظاهر.
٥٩٢
--
..
1
i

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
قَالَ: ((لا. إِلَّا أَنْ تَطّوَّعَ))، قَالَ: وذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الزَّكَاةَ،
فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: ((لا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ)).
أي غير رمضان (قال) وَلّ: (لا إلا أن تطوع) فيه عدم وجوب صوم عاشوراء
وغيره سوى رمضان، وهذا اتفق عليه الآن، واختلفوا أن صوم عاشوراء كان
واجباً قبل رمضان أم لا؟ فعند الشافعي في الأظهر ما كان واجباً، وعند
أبي حنيفة - رضي الله عنه - كان واجباً، وهو وجهٌ للشافعي، قاله
العيني(١).
(قال) الراوي، وهو طلحة بن عبيد الله: (وذكر) له (رسول الله وجل- الزكاة)
ولفظ أبي داود: ((وذكر له رسول الله وَّر الصدقة)) والمراد منها أيضاً الزكاة كما
في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ الآية، والظاهر أن الراوي نسي ألفاظ
النبي ◌َل18 أو التبس عليه، فروى بلفظ: ذكر، وهذا يُؤْذن بأن مراعاة الألفاظ
معتبرة في الرواية، فإذا التبس عليه بعضها يشير إليه بما يُنْبئ عنه، كما فعل هذا
الراوي.
(فقال) السائل: (هل عليّ غيرها؟) أي غير الزكاة (قال: لا) يحتمل أن
النبي وَلّ فسر له الزكاة، وأخبره بما يجب منها في العين والماشية والحرث
فسأله هل تجب عليه زيادة على المقادير التي ذكر له منها؟ فقال: لا، ويحتمل
أن يكون أخبره بأن عليه زكاة لها مقدار ينتهي إليه، وحق في ماله، ولم يتبين
له جنسها ولا قدرها، فقال: هل عليّ زيادة على هذا الحق؟ فقال: ((لا، إلا
أن تطوع)) بالتزام ذلك بالقول، قاله الباجي(٢).
(إلا أن تطوع) يعلم منه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة بشروطها،
وهو ظاهر إن أريد به الحقوق الأصلية المتكررة تكررها، وإلا فحقوق المال
(١) ((عمدة القاري)) (٣٩٥/١).
(٢) ((المنتقى)) (٣١٤/١).
٥٩٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ! لا أَزِيدُ عَلَى هذَا، ولا أَنْقُصُ
منه ،
كثيرة كصدقة الفطر والأضحية ونفقة ذوي الأرحام، قاله القاري (١).
فإن قيل: لم يذكر في الرواية الحج، وأجيب: بأنه لم يفرض حينئذ، أو
لأن الرجل سأل عن حاله حيث قال: هل عليّ غيرها؟، فأجاب عليه الصلاة
والسلام بما عرف من حاله، ولعله ممن لم يكن الحج عليه واجباً، وقيل: لم
يأت في هذا الحديث بالحج كما لم يذكر في بعضها: الصوم، وفي بعضها :
الزكاة، وقد ذكر في بعضها: صلة الرحم، وفي بعضها: أداء الخمس،
فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادة ونقصاناً .
وسبب ذلك تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من اقتصر على
ما حفظه فأداه، ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وذلك لا يمنع من
إيراد الجميع في الصحيح لما عرفت أن زيادة الثقة مقبولة، قاله العيني.
ويؤيده رواية إسماعيل بن جعفر، قال: ((أخبرني بما فرض الله عليّ من
الزكاة؟ قال: فأخبره رسول الله وَلو بشرائع الإسلام)) (قال: فأدبر) من الإدبار
أي تولَّى (الرجل) السائل (وهو يقول) جملة حالية (والله) ولفظ رواية إسماعيل:
((والذي أكرمك بالحق)) وفيهما الحلف من غير استحلاف ولا ضرورة، وجواز
الحلف في الأمر المهم، قاله العيني(٢).
(لا أزيد على هذا) المذكور (ولا أنقص منه) شيئاً، وفي رواية للبخاري
في الصيام: لا أتطوع شيئاً، ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئاً، فإن قيل:
كيف أقره ◌َّر على الحلف، مع ورود النكير على من حلف لا يفعل خيراً،
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوْ اُلْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ الآية، وقال ◌َّ لمن حلف أن لا
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٨٧/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٩٥/١).
٥٩٤
-- -
-- --

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((أَفْلَحَ الرَّجُلُ، إِنْ صَدَقَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٢ - كتاب الإيمان، ٣٤ - باب الزكاة من الإسلام.
ومسلم في: ٢ - كتاب الإيمان. ٣ - باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان
الإسلام، حديث ٨.
يحط عن غريمه: (تألَّى على الله)). قال الباجي(١): لاحتمال أنه سُومح في
ذلك لأنه في أول الإسلام، وأجاب غيره بأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص
والأحوال.
(فقال رسول الله ير: أفلح الرجل) السائل أي فاز من الإفلاح(٢)، وهو
الدخول في الفلاح، وهو ضربان دنيوي، وهو الظفر بما يطيب معه الحياة
والأسباب. وأخروي وهو ما يحصل به النجاة من العذاب والفوز بالثواب،
قالوا: ولا كلمة أجمع للخيرات منه، ومن ثم فسر بأنه بقاء بلا فناء، وغنى بلا
فقر، وعِزّ بلا ذُلّ، وعلم بلا جهل (إن صدق) قال القاري(٣): بكسر الهمزة
على الصحيح، وفي نسخة بفتحها أي لصدقه ولا إشكال فيه.
وعلى الأول قيل: إنما حكم النبي ◌َّ بكونه من أهل الجنة في رواية
أبي هريرة مطلقاً، ولفظها، قال: أتى أعرابي النبي وقّ فقال: دلني على عمل
إذا عملته دخلت الجنة، قال: ((تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة
المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان)). قال: والذي نفسي بيده لا
أزيد على هذا شيئاً ولا أنقص منه، فلما ولّى قال النبيِ وَلّ: ((من سرّه أن ينظر
إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا))، متفق عليه.
(١) ((المنتقى)) (٣١٤/١).
(٢) معناه: فاز بالبقاء الدائم في الخير والنعيم وهي الجنة لا يبيد نعيمها، (الاستذكار)) (٦/
٣٦٦) .
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٨٨/١).
٥٩٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
وهاهنا علق الفلاح بالصدق، والحال أنه قيل: إن كلا الحديثين واحد،
فقيل: يحتمل أنه علق بحضور الأعرابي، لئلا يغترّ، ويحتمل أن يكون قبل أن
يطلعه الله على صدقه، ثم أطلعه الله عليه، وقيل: لا يلزم من كون الرجل من
أهل الجنة أن يكون مفلحاً، لأن المفلح هو الناجي من السخط والعذاب، فكل
مؤمن من أهل الجنة، وليس كل مؤمن مفلحاً، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾(١)، اهـ مختصراً.
فإن قيل: كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لم يذكر له جميع
الواجبات والمنهيات؟ وأجيب باحتمال أن ذلك قبل ورود فرائض النهي،
وتعجب الحافظ منه لما قيل: بأن السائل ضمام، وقد وفد سنة خمس، وقيل
بعد ذلك: وأكثر المنهيات وقع قبل ذلك، والصواب: أن ذلك داخل في عموم
قوله في رواية إسماعيل: فأخبره بشرائع الإسلام، وسبقه لذلك عياض قائلاً:
إن هذه الرواية ترفع الإشكال، وتعقبه الأبي برجوع لفظ الشرائع إلى ما ذكر
قبله، لأن العام المذكور عقب خاص يرجع إلى ذلك الخاص على الصحيح،
قاله الزرقاني(٢).
..
فإن قيل: أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح، وأما بأن لا يزيد فكيف
يصح؟ ولأن فيه تسويغ التمادي على ترك السنن وهو مذموم. أجاب عنه
النووي: بأنه أثبت له الفلاح، لأنه أتى بما عليه، وليس فيه أنه إذا زاد لا
يفلح، لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى، وبأنه لا إثم
على غير تارك الفرائض، فهو مفلح وإن غيره كان أكثر فلاحاً منه.
ورده الأبي(٣) بأنه ليس الإشكال في ثبوت الفلاح مع ترك السنن حتى
(١) سورة المؤمنون: الآيتان ١، ٢.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٩/١).
(٣) انظر: ((إكمال إكمال المعلم)) (٨٠/١).
٥٩٦

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١١) حديث
يجاب بأنه حاصل، إذ ليس بعاصٍ، وإنما الإشكال في أن ثبوته مع عدم الزيادة
على الفرض تسويغ لترك السنن، قال القرطبي: لم يسوّغ له تركها دائماً، ولكن
لقرب عهده بالإسلام اكتفى منه بالواجبات، وأخّره حتى يأنس، وينشرح صدره
ويحرص على الخير فيسهل عليه المندوبات.
وقال الطيبي: يحتمل أنه مبالغة في التصديق والقبول، أي قبلت كلامك
قبولاً لا مزيد عليه من جهة السؤال، ولا نقصان فيه من جهة القبول.
وقال ابن المنير: يحتمل تعلق الزيادة والنقص بالإبلاغ، لأنه كان وافد
قومه ليتعلم، ويعلمهم، وقال غيره: يحتمل لا أغير صفة الفرض كمن ينقص
الظهر مثلاً ركعة، أو يزيد المغرب، وردّ الحافظ الاحتمالات الثلاث برواية
إسماعيل: لا أتطوع شيئاً، ولا أنقص مما فرض الله عليّ.
وقال الباجي(١): يحتمل لا أزيد وجوباً، وإن زاد تطوعاً أو على اعتقاد
وجوب غيره، أو في البلاغ، قال: ورواية مالك أصح من رواية إسماعيل، لأنه
أحفظ، وقد تابعه الرواة، ولعل إسماعيل نقله بالمعنى، ولو صح احتمل
المعنى، لا أتطوع بشيء ألتزمه واجباً، اهـ.
قلت: والأوجه عندي لا أزيد على ذلك شيئاً من عند نفسي، ولا أنقص
في العمل مما سمعته، ويمكن أن يُوجَّه أن النوافل والسنن مكملات للفرائض،
لا زائدة عليها .
هذا، وقد وقع في رواية مسلم، وأبي داود وغيرهما: ((أفلح وأبيه إن
صدق)) وجمع بينه وبين النهي عن الحلف بالآباء بأنه كان قبل النهي أو بأنها كلمة
جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف كما جرى على لسانهم، عقرى حلقى،
وما أشبه ذلك، أو فيه إضمار اسم الرب، كأنه قال: ورب أبيه، وقيل: هو
(١) ((المنتقى)) (٣١٤/١).
٥٩٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١٢) حديث
٩٥/٤١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَله قَالَ: يَعْقِدُ
خاص بالنبي ◌َّ، لأن النهي عن الحلف بالآباء إنما هو لخوف تعظيم غير الله،
وهو رَّ لا يتوهم فيه ذلك، قال الحافظ(١): ويحتاج إلى دليل.
وحكى السهيلي عن بعض مشايخه أنه تصحيف، وإنما كان والله،
فقصرت اللامان، وأنكره القرطبي، وقال: إنه يخرم الثقة بالروايات الصحيحة،
وغفل القرافي، فادّعى أن الرواية بلفظ: ((وأبيه)) لم تصح، لأنها ليست في
((الموطأ))، وكأنه لم يرض الجواب، فعدل إلى رد الخبر، وهو صحيح لا مرية
فيه، وأقوى الأجوبة الأولان، قاله الزرقاني.
وقال القاري: ما قيل: إنه وقع بغير قصد فهو في غاية من البعد.
ثم قال الباجي(٢): أدخل مالك هذا الحديث في جامع الترغيب، ويحتمل
ذلك معنيين؛ أحدهما: أن يكون المعنى قوله: إلا أن تطوّع فيكون الترغيب في
النافلة، ويحتمل أن يريد قوله وهي: ((أفلح إن صدق .. )) فيكون الترغيب في
الصلوات الخمس، انتهى.
قال الزرقاني: الظاهر أنه أرادهما معاً فالترجمة مطلقة. قلت: والأوجه
عندي الثاني؛ فإنه ليس في الرواية ما يدل على الترغيب في التطوع، فتأمل.
٩٥/٤١٢ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج)
عبد الله بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لي قال: يعقد) اختلفوا في
العقد، فقال بعضهم: هو على الحقيقة بمعنى السحر للإنسان ومنعه من القيام.
كما يعقد الساحر من سحره، وأكثر ما يفعله النساء تأخذ إحداهن الخيط،
فتعقد منه عقداً، وتتكلم عليها بالكلمات، فيتأثر المسحور عند ذلك، قال
(١) ((فتح الباري)) (١٠٧/١).
(٢) ((المنتقى)) (٣١٤/١).
٥٩٨

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١٢) حديث
الشَّيْطَانُ
تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِىِ الْعُقَدِ ﴾﴾(١)، والدليل على كونه على
الحقيقة ما رواه ابن ماجه(٢) ومحمد بن نصر عن أبي هريرة مرفوعاً: ((على
قافية رأس أحدكم حبل فيه ثلاث عقد)).
واختلف في أن المعقود شيء عند قافية الرأس أو قافية الرأس بنفسها،
وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره؟ قال الزرقاني: الأقرب الثاني إذ ليس
لكل أحد شعر، ويؤيده رواية ابن ماجه المتقدم، ويؤيده رواية أحمد وغيره
المصرحة بالحبل على القافية.
وقال بعضهم: هو على المجاز، كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل
الساحر بالمسحور، وقيل: هو من عقد القلب وتصميمه، فكأنه يوسوس بأن
عليك ليلاً طويلاً، فيتأخر عن القيام بالليل، وقال صاحب ((النهاية)): المراد منه
تثقيله في النوم وإطالته(٣)، فكأنه قد سدّ عليه سداً وعقد عليه عقداً.
(الشيطان) يجوز أن يراد به الجنس ويكون العاقد القرين أو غيره من
أعوان الشيطان، وقال بعضهم: يحتمل أن يراد به رأسهم، وهو إبليس، قال
الحافظ (٤).
ولذا أورده البخاري في ((باب صفة إبليس)) من بدء الخلق، ويُعَكِّرُ عليه
شيئان؛ الأول: أن النائمين عن قيام الليل كثير لا يحصى عددهم، فإبليس لا
يلحقهم بذلك، إلا أن يكون جواز نسبة ذلك لكونه آمراً لأعوانه. والثاني: أن
مردة الشياطين يُصَفَّدُون في رمضان، وأكبرهم إبليس، ثم يخصص منه البعض
كما سيأتي في آخر الحديث.
(١) سورة الفلق: الآية ٤.
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٣٢٩).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٣٦٧/٦).
(٤) ((فتح الباري)) (٢٤/٣).
٥٩٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٦) باب
(٤١٢) حديث
عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ، إِذَا هُوَ نَامَ، ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ
عُقْدَةٍ،
(على قافية رأس أحدكم) أي مؤخر عنقه، وقافية كل شيء مؤخره، ومنه
قافية القصيدة، وفي ((النهاية)): القفاء قيل: مؤخر الرأس، وقيل: وسطه،
استعارة عن تسويل الشيطان عليه، ولعل تخصيص القفاء لأنه محل الواهمة،
وقوله: أحدكم، ظاهره التعميم، ويمكن أن يخص منهم من صلى العشاء (إذا
هو نام) أو لبعض رواة البخاري نائم بوزن فاعل، قال الحافظ: والأول
أصوب، وهو الذي في ((الموطأ)) انتهى.
ورجح العيني(١) الثاني، والظاهر أن عقده إنما يكون عند النوم، ثم
الروايات على اختصاص ذلك بنوم الليل، ولا يبعد مثل ذلك في نوم النهار،
وعند سعيد بن منصور بسند جيد عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((ما أصبح
رجل على غير وتر إلا أصبح على رأسه جرير(٢) قدر سبعين ذراعاً))(٣) (ثلاث)
بالنصب مفعول (عقد) بضم العين وفتح القاف: جمع عقدة، كلام إضافي،
والمراد عقد الكسل، وقيل: أراد تثقيله وإطالته، فكأنه قد شدّ عليه شداً،
والتخصيص بالثلاث للتأكيد، أو لأن الذي ينحلُّ به عقدُه ثلاثة أشياء: الذكر
والوضوء، والصلاة، فكأن الشيطان منعه عن كل واحدة منها بعقدة.
قال شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي (٤): إني جرّبتُ تلك العقد
الثلاث، وشاهدتُ ضربها، وتأثيرها مع علمي حينئذ بأنه من الشيطان، وذكري
هذا الحديث (يضرب مكان كل عقدة) متعلق بيضرب، وفي رواية: ((على مكان
كل عقد))، وفي أخرى: ((عند مكان كل عقدة))، قائلاً له:
(١) ((عمدة القاري)) (٤٧٩/٥).
(٢) الجرير: بفتح الجيم، الحبل.
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (٢٥/٣).
(٤) ((حجة الله البالغة)) (٤٠/٢).
٦٠٠
---