النص المفهرس

صفحات 521-540

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٨) حديث
بأن الحديث قبل الهجرة، وقصة أمامة بعد الهجرة، ومنها: ما في ((البدائع)):
أنه لم يكره منه وَله، لأنه كان محتاجاً إليها لعدم من يحفظها أو للتشريع
بالفعل، أن هذا غير مفسد، ومثله أيضاً لا يكره في زماننا لواحد منا فعله عند
الحاجة، أما بدونها فمكروه، اهـ.
وقد أطال المحقق ابن أمير الحاج في ((الحلية)) في هذا المحل، ثم قال:
إن كونه للتشريع بالفعل هو الصواب الذي لا يعدل عنه كما ذكره النووي، فإنه
ذكر بعضهم أنه بالفعل أقوى من القول، ففعله ذلك لبيان الجواز، وأن الآدمي
طاهر، وما في جوفه من النجاسة معفوٌّ عنه، لكونه في معدته، وأن ثياب
الأطفال وأجسادهم طاهرة حتى تحقق نجاستها، وأن الأفعال إذا لم تكن
متوالية لا تبطل الصلاة فضلاً عن الفعل القليل، إلى غير ذلك وتمامه فيه،
انتھی .
وفي ((هامش الزيلعي على الكنز)): فيه ترك سنة الاعتماد، وفعله وصل كان
في وقت كان العمل مباحاً في الصلاة، أو لم يكن الاعتماد سنة فيها، انتهى.
وقال في ((البدائع)) (١) في مفسدات الصلاة: ومنها: العمل الكثير الذي
ليس من أعمال الصلاة في الصلاة من غير ضرورة، وأما القليل فغير مفسد.
واختلف في الحد الفاصل بين القليل والكثير، ثم ذكر الاختلاف فيه، وفرع
عليه المسائل وقال في آخره: وكذا لو اذَّهَن أو سرّح رأسه أو حملت امرأة
صبياً وأرضعته لوجود حد العمل الكثير، فأما حمل الصبي بدون الإرضاع فلا
يوجب فساد الصلاة، لما روي أن النبي 3 18 كان يصلي في بيته، وقد حمل
أمامة بنت أبي العاص على عاتقه، الحديث. ثم هذا الصنيع لم يكره منه وَل
إلى آخر ما تقدم في كلام ابن عابدين، انتهى.
(١) (٥٥٣/١).
٥٢١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٩) حدیث
٣٩٩/ ٨٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ل﴿ قَالَ: ((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ،
قال في ((المسوّئُ)) (١): اتفقوا على أن العمل اليسير لا يبطل الصلاة،
وفي ((العالمكَيرية))(٢): إن حمل صبياً أو ثوباً على عاتقه لم تفسد صلاته، وإن
حمل شيئاً يتكلف في حمله فسدت صلاته، انتهى. وتقدم ما في ((البدائع)): أن
الحمل بدون الإرضاع لا يفسد الصلاة.
قال العيني(٣): ومن فوائد الحديث جواز إدخال الصغار في المسجد،
ومنها: جواز صحة صلاة من حمل آدمياً، وكذا من حمل حيواناً طاهراً،
ومنها: أن فيه تواضع النبي وَلّر وشفقته على الصغار، انتهى.
٣٩٩/ ٨٢ - (مالك، عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون، عبد الله بن
ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه -
(أن رسول الله وَّل قال: يتعاقبون فيكم) قال الحافظ: أي المصلين أو مطلق
المؤمنين، وضعَّف العيني (٤) الثاني، وعيّن الأول للفظ: صلاة الفجر وصلاة
العصر، والمعنى: تأتي عندكم طائفة عقب طائفة، ثم تعود الأولى عقب
الثانية .
قال ابن عبد البر(6): وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين يأتي
هذا مرة ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش أن يجهز الأمير بعثاً إلى مدة، ثم
يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع
(١) (١٦٦/١).
(٢) أي الفتاوى الهندية.
(٣) ((عمدة القاري)) (٦٠٨/٣).
(٤) (عمدة القاري)) (٤٤/٥).
(٥) انظر: ((الاستذكار)) (٣٢١/٦)، و((التمهيد)) (٥١/١٩ -٥٢).
٥٢٢
ـبـ

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٩) حديث
مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ
بعد أن يجهز الأولين كذا في ((الفتح))(١).
وقال الأبي(٢) في ((شرح مسلم)): تعاقب الصنفين لا يمنع اجتماعهما،
لأن التعاقب أعم من أن يكون معه اجتماع كهذا أو لا يكون معه اجتماع
كتعاقب الضدين، وصيغة الجمع من باب («أكلوني البراغيث))، وقوله تعالى:
﴿وَأَسَرُواْ النَّجْوَى﴾ الآية، واختلف على أبي الزناد، فروي عنه هكذا، ولم يختلف
عليه ((الموطأ)) كما قاله الحافظ، وروى النسائي بطريق موسى بن عقبة عنه
بلفظ: الملائكة يتعاقبون فيكم، فالظاهر أنه كان يذكر تارة هكذا، ومرة هكذا
(ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) بالتنكير فيهما، لإفادة أن الثانية غير الأولى، كما
قالَ وَّه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾﴾ الآية، ((لن يغلب عسر يسرين)).
واختلف في المراد من الملائكة، فنقل عياض وغيره عن الجمهور، أنهم
الحفظة، وتردد فيه ابن بزيزة،. وقال القرطبي: الأظهر عندي أنهم غيرهم،
وقوّاه الحافظ بأنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غير
حفظة النهار، وبأنه لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن
حالة الترك دون غيرها .
وتعقّب السيوطي بأنه روي عن الحسن، قال: الحفظة أربعة، يتعقبونه
ملكان بالليل، وملكان بالنهار، وتجتمع هذه الأربعة عند صلاة الفجر، وروى
حسن بن المبارك، قال: وكّل به خمسة أملاك، ملكان بالليل، وملكان بالنهار
يجيئان ويذهبان، وملك خامس لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً.
(ويجتمعون) قال الزين بن المنير: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك
منزل على حالين، قال الحافظ (٣): وهو ظاهر، انتهى. ثم قال ابن عبد البر:
(١) (٣٤/٢).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣١٣/٢).
(٣) (فتح الباري)) (٣٥/٢).
٥٢٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٩) حديث
فِي صَلاةِ الْعَصْرِ، وَصَلاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ
الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة
وغيرها، انتهى. وكذا قال العيني: الظاهر اجتماعهم في الصلاة. (في صلاة
العصر) قيل: ذِكْرُ العصر وَهْمٌّ في الرواية لما ثبت في طرق كثيرة أن الاجتماع
في الفجر من غير ذكر العصر، كما في ((الصحيحين)) عن سعيد بن المسيب عن
أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه: ((ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار))،
قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾(١). وللنسائي
والترمذي بإسناد آخر عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ
مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده الملائكة، قال ابن عبد البر: ليس في هذا دفع للرواية
التي فيها ذكر العصر، فلا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية، والحديث الآخر
عدم اجتماعهم في العصر، قاله الزرقاني(٢).
(وصلاة الفجر) أي الصبح، قال عياض: الحكمة في اجتماعهم في هاتين
الصلاتين لطف من الله تعالى بالعباد، لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة،
قال الحافظ: فيه أنه رَجح أنهم الحفظة، ولا شك أن الذين يصعدون كانوا
مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال:
الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي تركوهم عليها .
ويحتمل أن يقال: إن الله تعالى يستر عنهم ما يعلمونه فيما بين الوقتين،
لكنه بناء على أنهم غير الحفظة، وفيه إشارة إلى الحديث الآخر: ((إن الصلاة
إلى الصلاة كفارة لما بينهما)) فمن ثم وقع السؤال من كل طائفة عن آخر شيء
فارقوهم عليه، كذا في ((الفتح))(٣).
(ثم يعرج) أي يصعد إلى السماء من عرج يعرج عروجاً من نصر ينصر،
(١) سورة الإسراء: الآية ٧٨.
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٤٦/١ - ٣٤٧).
(٣) (٣٥/٢).
٥٢٤
---
------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٣٩٩) حديث
الَّذِينِ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ
عِبَادِي؟
والعروج: الصعود، ويقال: عرج يعرج عرجاناً إذا عجز من شيء أصابه،
وعرج يعرج عرجاً إذا صار أعرج، وعرّج تعريجاً إذا أقام كذا في ((العيني)) (١).
(الذين باتوا فيكم فيسألهم) ربهم عز وجل (وهو) سبحانه وتعالى (أعلم بهم) أي
بالناس من الملائكة فحذف صلة أفعل التفضيل.
واختلف في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا،
فقيل: من الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿سَرَّبِيلَ
تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾(٢)، أي والبرد، وحكمة الاقتصار على الليل، لكونه مظنة
المعصية، فلما لم يقع فيه مع دواعي الفعل من الإخفاء ونحوه، كان النهار
أولى بذلك، وقيل: استعمل لفظ بات في محل أقام مجازاً، كما يدل عليه
رواية النسائي بطريق موسى بن عقبة عن أبي الزناد بلفظ: ((ثم يعرج الذين كانوا
فيكم))، فعلى هذا لم يقع في المتن اقتصار ولا اختصار.
ووجهه الحافظ في ((الفتح)) بوجوه كثيرة فارجع إليه إن شئت، وهذا
القدر يكفي لهذا ((الأوجز))، وقد روى الحديث ابن خزيمة، وفيه التصريح
بسؤال كل من الطائفتين، فيزول الإشكال أصلاً، ويحمل رواية الباب على
الاختصار.
(كيف تركتم عبادي) فيه إيماء إلى أن الأعمال بالخواتيم، ثم السؤال مع
أنه عز وجل أعلم بهم إظهاراً لمسرَّته، أو استدعاءً لشهادتهم لبني آدم بالخير،
أو إظهاراً للحكمة في خلق الإنسان في مقابلة من قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ
(١) ((عمدة القاري)) (٦٣/٤).
(٢) سورة النحل: الآية ٨١.
٥٢٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٠) حديث
فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ١٦ - باب فضل صلاة
العصر .
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٧ - باب فضل صلاتي
الصبح والعصر، والمحافظة عليهما، حديث ٢١٠.
٤٠٠ / ٨٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ؛
فِيهَا وَيَسْفُِ الدِّمَآءَ﴾(١) (فيقولون) أي الملائكة (تركناهم وهم يصلون) الواو
للحال .
وظاهر اللفظ: أنهم فارقوهم عند شروعهم في العصر، سواء تمت أم منع
مانع من إتمامها، وسواء شرع الجميع أم لا لأن المنتظر في حكم المصلي،
ويحتمل أن يكون المراد بقولهم وهم يصلون، أي ينتظرون صلاة المغرب،
وقال ابن التين: الواو للحال، أي تركناهم على هذه الحال، ولا يلزم منه أنهم
فارقوهم قبل انقضاء الصلاة .
(وآتيناهم وهم يصلون) زاد ابن خزيمة: ((فاغفر لهم يوم الدين))، ثم أجابت
الملائكة بأكثر مما سئلوا عنه، لعلمهم أن السؤال يستدعي التعطف، ولم يراعوا
الترتيب الوجودي، إذ بدءوا بالترك قبل الإتيان لأنهم طابقوا السؤال، إذ قال
تعالى: ((كيف تركتم)، ولأن المخبر به صلاة العباد، والأعمال بخواتيمها .
٤٠٠/ ٨٣ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن
عائشة) أمّ المؤمنين (زوج النبي ◌ٍّ﴾) هكذا في النسخ التي بأيدينا، قال
الزرقاني(٢): هكذا رواه جماعة عن مالك موصولاً، وهو في أكثر نسخ
((الموطأ)) مرسل، ليس فيه عن عائشة، انتهى.
(١) سورة البقرة: الآية ٣٠.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٨/١).
٥٢٦
------
------
-- ---
-------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٠) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ)). فَقَالَتْ
عَائِشَةُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِع
النَّاسَ، مِنَ الْبَّكَاءِ. فَمُرْ عُمَرَ، فَلِيُصَلِّي لِلنَّاسِ، قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرَ
فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ،
(أن رسول الله ◌َّ قال) في مرضه الذي تُوُفِّي فيه لما اشتد مرضه واستقر
في بيت عائشة (مروا) بضمتين بالتخفيف من غير همز، أمر من الأمر أصله:
أؤمروا، حذفت الهمزة للاستثقال، واستغني عن الألف، فحذفت، واختلف
أهل الأصول ههنا في مسألة، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بالشيء
أم لا؟ ومحل بحثه كتب الأصول (أبا بكر) الصديق عبد الله بن عثمان (فليصلٌ)
بسكون اللام الأولى، ويروى بكسرها مع زيادة ياء مفتوحة بعد الثانية، أي
بلغوا له قولي: فليصلِّ (للناس) باللام، وفي رواية: بالباء، والمعنى واحد.
قال الحافظ: والصلاة هي العشاء.
(فقالت عائشة: إن أبا بكر يا رسول الله) ((رجل أسيف))، كما في رواية
الصحيحين، أي كثير الحزن رقيق القلب لا يملك البكاء (إذا قام في مقامك)
أي للإمامة، وفي رواية في ((الصحيح)) فقالت عائشة: ((إنه رجل رقيق إذا قرأ
غلبه البكاء)) (لم يسمع) بضم الياء وإسكان السين، من الإسماع (الناس)
بالنصب على المفعولية أي لا يبلغهم صوته لكثرة البكاء (من البكاء) أي لرقة
قلبه، ولفظة من أجلية (فمر) أمر من الأمر (عمر) بن الخطاب - رضي الله عنه -
(فليصلي) بكسر اللام الأولى وبعد الثانية ياء مفتوحة، وفي رواية بلا ياء
وإسكان اللام الأولى، قلت: وأكثر النسخ على الثاني (للناس) باللام والباء
(فقال) وَلّ: (مروا أبا بكر فليصلّ للناس) يعني مثل مقالته الأولى.
(قالت عائشة) لما رأت النبي وَ* لا يقبل قولها، وكان يحملها على كثرة
المراجعة ما في مسلم، قالت: لقد راجعت رسول الله وَلّر في ذلك، وما حملني
على كثرة مراجعته، إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام
٥٢٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٠) حديث
فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ، قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ
النَّاسَ، مِنَ الْبُكَاءِ. فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ،
مقامه أبداً، وإلا أني كنت أرى أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به،
فأردت أن يعدل ذلك رسول الله وَلّر عن أبي بكر - رضي الله عنه - (فقلت
لحفصة) بنت عمر زوج النبي ◌َّ: (قولي له) وَّ: (إن أبا بكر إذا قام في
مقامك لم يسمع الناس) قراءته (من البكاء) كما تقدم (فَمُرْ عمر فليصلِّ) بسكون
اللام الأولى وحذف الياء (للناس ففعلت حفصة) ذلك.
(فقال رسول الله ◌َي) زاد البخاري: ((مه)) اسم فعل بمعنى اكففي (إنكن
لأنتن صواحب) جمع صاحبة على خلاف(١) القياس، ويحتمل أن يراد به زليخا
فقط، كما يقال: فلان يميل إلى النساء، وإن كان مال إلى واحدة، ويحتمل أن
يراد به من جمعتها زليخا كما سيأتي (يوسف) عليه السلام.
قال الحافظ(٢): والخطاب وإن كان بصيغة الجمع فالمراد به واحد وهي
عائشة فقط، كما أن صواحب صيغة جمع والمراد زليخا فقط، ووجه المشابهة
بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة، وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة،
ومرادها أن ينظرن إلى حسن يوسف، ويعذرنها في محبته، وأن عائشة أظهرت
أن صرف الإمامة عن أبيها لكونه لا يسمع القراءة لبكائه، ومرادها أن لا
يتشاءم الناس به كما صرحت هي فيما بعد ذلك، انتهى.
وقيل: إن المراد النسوة اللاتي أتين امرأة العزيز يظهرن تعنيفها،
ومقصودهن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن، فحينئذ يكون المشابهة بينهن وبين
حفصة وعائشة.
(١) كذا في ((العيني شرح البخاري)) (٢٦٤/٤). ((ش)).
(٢) ((فتح الباري)) (١٥٣/١).
٥٢٨
-------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٠) حدیث
مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاس)»، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ
لأَصِيبَ مِنْكِ خَيْراً .
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٤٦ - باب أهل العلم والفضل أحق
بالإمامة .
وقال العيني(١): أي مثل صواحبه في التظاهر على ما يردن من كثرة
الإلحاح فيما يمكن إليه، وذلك لأن عائشة وحفصة بالغتا في المعاودة إليه في
كونه أسيفاً لا يستطيع ذلك، انتهى. (مروا أبا بكر فليصلّ للناس) وهذه معاودة
منه ◌َّ مرة ثالثة (فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً) قال
الحافظ: وإنما قالت حفصة لأن كلامها صادف المرة الثالثة من المعاودة،
وكان النبي ◌ّلّ لا يراجع بعد ثلاث، فلما أنكر ◌ّله وجدت حفصة في نفسها
من ذلك لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها
أيضاً في قصة المغافير(٢)، انتهى.
ثم استدل الصحابة - رضي الله عنهم - بذلك على أنه أولى بالخلافة(٣)،
ولذا قال عمر - رضي الله عنه - يوم السقيفة للأنصار: أنشدكم الله هل تعلمون
أنه وَلّ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: نعم، قال: أيكم تطيب نفسه أن
يزيله عن مقام أقامه فيه وَ ل﴿ قالوا: كلنا لا تطيب نفسه بذلك، قال ابن مسعود:
فكان رجوع الأنصار لكلام عمر - رضي الله عنه -. قال العيني: واستدل
بالحديث على أن الأحق بالإمامة هو الأعلم.
واختلف العلماء فيمن أولى بالإمامة، فقالت طائفة: الأفقه، وبه قال
أبو حنيفة ومالك والجمهور، وقال أبو يوسف وأحمد وإسحاق: الأقرأ، وهو
قول ابن سيرين وبعض الشافعية، ولا شك في اجتماع هذين الوصفين في حق
(١) ((عمدة القاري)) (٢٦٤/٤).
(٢) ((المغافير)) جمع مغفور بالضم، وله ريح كريهة. ((مجمع بحار الأنوار)) (٤٨/٤).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٣٢٨/٦)، و((التمهيد)) (١٢٧/٢٢)، و((شرح الزرقاني)) (٣٥٠/١).
٥٢٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٠) حديث
الصديق - رضي الله عنه -، ثم بسط العيني الكلام على ذلك أشد البسط
ونحوه. قال الباجي وزاد: قال أهل الظاهر: يؤمهم أكبرهم.
وقال ابن رشد في ((البداية))(١): اختلفوا في من أولى بالإمامة، فقال
مالك: يؤم القوم أفقههم لا أقرأهم، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة
والثوري وأحمد: يؤمّ القوم أقرأهم، والسبب في هذا الاختلاف اختلافهم في
مفهوم قوله وقّلة: ((يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء
فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في
الهجرة سواء فأقدمهم إسلاماً)) الحديث. وهو متفق على صحته.
لكن اختلف العلماء في مفهومه، فمنهم من حمله على ظاهره، وهو
أبو حنيفة، ومنهم من فهم الأقرأ ههنا الأفقه؛ لأنه زعم أن الحاجة إلى الفقه
في الإمامة أمس من الحاجة إلى القراءة، وأيضاً فإن الأقرأ من الصحابة كان
هو الأفقه ضرورة، وذلك بخلاف ما عليه الناس اليوم، انتهى.
قلت: ما نقله عن أبي حنيفة مخالف لما تقدم عن العيني: قال في
((الكنز)): الأعلم أحق بالإمامة، ثم الأقرأ، ثم الأورع، ثم الأسنّ. قال في
((البحر)): قوله: ((الأعلم أحق بالإمامة)) أي أولى بها، ولم يبين المعلوم، وفسره
(بالمضمرات)) بأحكام الصلاة. وفي (السراج)) بما يصلح الصلاة ويفسدها،
وفي ((غاية البيان)) بالفقه وأحكام الشريعة، وقدم أبو يوسف الأقرأ لحديث
الصحيحين: (يؤم القوم أقرأهم))، الحديث. وأجاب عنه في ((الهداية)): بأن
أقرأهم كان أعلمهم؛ لأنهم كانوا يتلقّونه بأحكامه فقُدِّمَ في الحديث، ولا
كذلك في زماننا، فقدمنا الأعلم، ولأن القراءة يفتقر إليها لركن واحد، والعلم
لسائر الأركان.
(١) (١ / ١٤٤) .
٥٣٠
-.- ...
------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٠) حديث
وفي ((فتح القدير))(١): وأحسن ما يستدل به للمذهب حديث: ((مروا
أبا بكر - رضي الله عنه - فليصلِّ بالناس)) وكان ثمة من هو أقرأ منه بدليل
قوله وَله: ((أقرؤكم أبي))، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - أعلمهم بدليل قول
أبي سعيد: كان أبو بكر - رضي الله عنه - أعلمنا، وهذا آخر الأمر من
رسول الله وَ﴾، وفي ((الخلاصة)): الأكثر على تقديم الأعلم، فإن كان متبحراً
في علم الصلاة لكن لم يكن له حظ في غيره من العلوم فهو أولى، وقوله:
((الأقرأ)) محتمل لشيئين: أحدهما: أحفظهم للقرآن وهو المتبادر، والثاني:
أحسنهم تلاوة باعتبار التجويد، انتهى مختصراً.
قلت: وأخرج الحاكم من حديث عقبة بن عمر وأبي مسعود البدري
مرفوعاً: ((يؤم القوم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأفقههم في
الدين، فإن كانوا في الدين سواء فأقرؤهم))، الحديث. سكت عليه الحاكم
والذهبي، فلما اختلفت الروايات في من هو أحق بالإمامة رجح الجمهور
الأعلم؛ لأن العلم يحتاج إليه في جميع أركان الصلاة بخلاف القراءة، فإنها
تحتاج إليها في ركن.
وحكى ابن رسلان عن الطبراني عن مرثد الغنوي: إن سَرَّكم أن تقبل
صلاتكم فليؤمكم علماؤكم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم عز وجل،
واستدل في فروع الشافعية من ((روضة المحتاجين)) وغيره من إمامة الصديق
- رضي الله عنه -.
وقال ابن العربي في ((العارضة))(٢): لا خلاف أنه يؤم القوم أعلمهم،
وكان من تقدم لا يقرأ إلا ما يعلم، فلذلك جاء في الحديث: ((أقرؤهم))، وكان
(١) (٢٤٥/١) .
(٢) (٣٥/٢).
٥٣١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠١) حديث
٨٤/٤٠١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِّ،
سفيان وإسحاق وأحمد يقدمون القارئ أخذاً بظاهر الحديث، وليس كذلك فإن
الصلاة تفتقر إلى الفقه أكثر من القراءة، وإلى هذا وقعت الإشارة في قوله: وَله
فأعلمهم بالسنة، انتهى.
قلت: ما نقلوه عن الإمام أحمد هو المنصوص في بعض فروعه، لكن
المنصوص عن الإمام - رضي الله عنه - ما في ((كتاب الصلاة)) له إذ قال: ومن
الحق الواجب على المسلمين أن يقدموا خيارهم وأهل الدين، والأفضل منهم
أهل العلم بالله تعالى الذين يخافون الله ويراقبونه، وقد جاء الحديث: ((إذا أمّ
بالقوم رجل وخلفه من هو أفضل منه لم يزالوا في سِفَالٍ))، وجاء الحديث:
(اجعلوا أمر دينكم إلى فقهائكم، وأئمتكم قُرَّاءَكم))، وإنما معناه الفقهاء،
والقُرَّاء أهل الدين والفضل والعلم بالله تعالى والخوف من الله تعالى الذين
يعتنون بصلاتهم وصلاة من خلفهم ويتقون ما يلزمهم من وزر أنفسهم ووزر من
خلفهم إن أساءوا في صلاتهم.
ومعنى القُرَّاء ليس على حفظ القرآن فقد يحفظ القرآن من لا يعمل به ولا
يعبأ بدينه ولا بإقامة حدود القرآن وما فرض الله عز وجل عليه فيه، وقد جاء
الحديث: ((إن أحق الناس بهذا القرآن من كان يعمل به وإن كان لا يقرأ»
فالإمامة(١) بالناس المقدم بين أيديهم أعلمهم بالله وأخوفهم له، وذلك واجب
ولازم لهم، وإن تركوا ذلك لم يزالوا في سِفالٍ وإدبار وانتقاص في دينهم وبُعدِ
من الله ورضوانه ومن جنته، فرحم الله قوماً عُنوا بدينهم وعنوا بصلاتهم،
فقدموا خيارهم، واتبعوا في ذلك سنة نبيهم وَّةِ، وطلبوا بذلك القُرْبَةَ إلى
ربهم، انتهى .
٨٤/٤٠١ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عطاء بن يزيد الليثي)
(١) كذا في الأصل اهـ، ((ش)).
:
!
٥٣٢

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠١) حديث
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدَيِّ بْنِ الْخِيَارِ؛ أَنَّهُ قَالَ:
المدني (عن عبيد الله) بضم العين المهملة (ابن عدي بن الخيار) بكسر الخاء
المعجمة وخفة التحتانية، ابن عدي بن نوفل، القرشي النوفلي المدني، قتل
أبوه ببدر، وكان هو في الفتح مميزاً، فعُدَّ من الصحابة، وعدّه العجلي وغيره
في ثقات كبار التابعين من حيث الرواية، من رواة الستة إلا الترمذي
وابن ماجه، مات سنة ٩٠هـ، وقيل: في آخر خلافة الوليد بن عبد الملك ومات
الوليد سنة ٩٢ هـ (أنه قال) أرسله جميع رواة ((الموطأ))، وعبيد الله لم يدرك
النبي 18َّ كذا في ((التنوير))(١) إلا روح بن عبادة، فرواه عن مالك موصولاً
فقال: عن عبيد الله عن رجل من الأنصار، ورواه الليث وغيره عن الزهري مثل
ذلك سواء، وسمي المبهم صالح بن كيسان وغيره، فروى عن عبيد الله عن
عبد الله بن عدي الأنصاري.
ولا يذهب عليك أن أكثر الرواة أرسلوا الرواية كما تقدم، وجماعة منهم
رووها موصولاً بطريق الإبهام بلفظ: رجل من الأنصار، فقيل: هو عبد الله بن
عدي الأنصاري الصحابي وهو الصواب، وقيل: هو عبد الله بن عدي بن
الحمراء ولا يصح، قال ابن عبد البر(٢): قد جعلها بعض الناس واحداً، وذلك
خطأ وغلط، والصواب أنهما اثنان، وكذا فرق بينهما ابن حبان في الصحابة،
والمزي، كذا في ((الإسعاف)). وقال الحافظ: وسبق إلى التفريق بينهما علي بن
المديني، وكذا أفرده ابن منده وأبو نعيم.
قلت: ابن الحمراءله رواية عند الأربعة غير أبي داود في فضل مكة من
قوله وَله: ((والله إنك لخير أرض الله))، وأما عبد الله بن عدي الأنصاري الراوي
حديث الباب أخرج له أحمد في ((مسنده)) هذا الحديث، وليس له في الستة
حديث، قال الحافظ في ((الإصابة)): إسناده صحيح.
(١) (ص١٨٨).
(٢) ((التمهيد)) (١٦٨/١٠).
٥٣٣

---
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠١) حديث
بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ وَّ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَي النَّاسِ، إِذْ(١) جَاءَهُ رَجُلٌ
(بينما رسول الله و لو جالس بين ظهراني الناس) هكذا في النسخ الموجودة
من الهندية والمصرية والسيوطي والزرقاني إلا في هامش ((المنتقى))، ففيها: بين
ظهري الناس، قال الباجي(٢): قوله: بين ظهري الناس هكذا الرواية فيه،
والمعروف من كلام العرب بين ظهراني الناس، انتهى. وقال المجد: هو بين
ظهريهم وظهرانيهم، ولا تكسر النون، وبين أظهرهم أي وسطهم ومعظمهم،
انتھی .
وفي ((المجمع)): ((بين ظهرانيهم)) بفتح ظاء وسكون هاء وفتح نون، أي
أقام بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، زيدت ألف ونون مفتوحة
تأكيداً أي ظهر منهم قدّامه وظهر وراءه، فهو مكنوف من جانبيه وبجوانبه، إذا
قيل: بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقاً، انتهى.
(إذ جاءه رجل) قال الزرقاني: هو عتبان بن مالك، ورد عليه الحافظ في
((الفتح))(٣) فقال: قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٤): الرجل الذي سَارَّ النبيَّ وَّ
في قتل رجل من المنافقين هو: عتبان، والمنافق المشار إليه هو: مالك بن
الدُّخْشُم، ثم ساق حديث عتبان الذي أخرجه البخاري في ((باب المساجد في
البيوت)).
قال الحافظ: وليس فيه دليل على ما ادّعاه من أن السارَّ هو عتبان،
وأغرب بعض المتأخرين، فنقل عن ابن عبد البر أن الذي قال في هذا
الحديث: ذلك منافق، هو عتبان، أخذاً من كلامه هذا، وليس فيه تصريح بذلك،
(١) في نسخة: إذا .
(٢) ((المنتقى)) (٣٠٦/١).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٢١/١).
(٤) (١٥١/١٠).
1
٥٣٤
----- -

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠١) حديث
فَسَارَّهُ. فَلَمْ يُذْرَ مَا سَارَّهُ بِهِ، حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ إِلّ، فَإِذَا هُوَ
يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ.
انتهى. (فسارَّه) أي تكلم معه وَّ بالسر (فلم يدر) ببناء المجهول على ما ضبطه
الزرقاني، وفي النسخ الهندية: ((فلم ندر)) بصيغة المتكلم ببناء الفاعل
(ما سارَّه) وَّ (به حتى جهر رسول الله تَّ. فإذا هو) أي المتكلم بالسر
(يستأذنه) وَلّ (في قتل رجل من المنافقين) والنفاق هو إظهار الإيمان وإبطال
الكفر .
وفي تسميته بالمنافق ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه سُمِّي به لأنه يستتر كفره
ويُغَيِّبه، فشبه بالذي يدخل النفق وهو السرب يستتر فيه. والثاني: أنه نافق
كاليربوع، فشبه به لأنه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه.
والثالث: أنه سُمِّي به لإظهاره غير ما يضمر، ونافق اليربوع أخذ في نافقائه،
والنافقاء إحدى حجرتي اليربوع يكتمها ويظهر غيره، قاله العيني. قال
الزرقاني(١): الرجل هو مالك بن الدخشم على ما ذكره الباجي وابن عبد البر،
انتهى .
قلت: بل لفظ الباجي يقال: إنه مالك بن الدخشم بن غنم شهد بدراً،
ويختلف في شهوده العقبة، كان يتهم بالنفاق ولم يصح عنه، وقد ظهر من
حسن إسلامه ما ينفي ذلك عنه استأذنه هذا الرجل ولم يذكر لماذا شهد عليه
بالنفاق، ولا يحكم به على أحد ممن أظهر الشهادتين وأقام الصلاة، وقد روي
أنهم استدلوا على نفاقه بميله إلى أهل الكفر ونصحه لهم فلم يرد رسول الله وقلقه
ذلك يبيح دمه، انتهى. فهذا صريح في أن الباجي ذكره ليرد هذا القول.
وقال ابن عبد البر(٢): لم يختلف في شهود مالك بدراً وهو الذي أسر
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٠/١).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٢١/١) و((عمدة القاري)) (٤٢٠/٣).
٥٣٥

:
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠١) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّ حِينَ جَهَرَ: ((أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ،
وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ؟)) فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلَى، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ، فَقَالَ:
((أَلَيْسَ يُصَلِّي؟))، قَالَ: بَلَى، وَلَا صَلاةَ لَهُ، فَقَالَ مَ: ((أُولَئِكَ
الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ)).
سهيل بن عمر، ثم ساق بإسناد عن أبي هريرة: أن النبي ◌َّ قال لمن تكلم
فيه: ((أليس قد شهد بدراً؟)). قال الحافظ: وفي ((مغازي ابن إسحاق)): أن
النبي وسير بعث مالكاً هذا ومعن بن عدي، فحرَّقا مسجد الضرار، فدل على أنه
بريء مما اتّهم به من النفاق، أو كان قد أقلع عن ذلك، أو النفاق الذي اتهم
به ليس نفاق كفر، وإنما أنكر الصحابة عليه تودده للمنافقين، ولعل له عذراً في
ذلك كما وقع لحاطب، انتهى.
قلت: ويؤيد هذا الأخير ما في البخاري في حديث عتبان بن مالك فإنا
نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين (فقال له) أي للسارِّ (رسول الله وَل حين
جهر) في جوابه: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ فقال
الرجل) السار: (بلى) يشهد (و) لكن (لا شهادة له) لأنها بالظاهر فقط لا باعتبار
الحقيقة (فقال) وقال: (أليس يصلي؟ قال) الرجل السارّ: (بلى) يصلي (و) لكن
(لا صلاة له) حقيقة لأنها بالظاهر فقط، فقصد النبي ◌َّ بسؤاله المعاني المبيحة
لدمه من ترك إظهار الشهادتين وتأبيه عن الصلاة، فلما قال: إنه يظهر
الشهادتين ويقيم الصلاة، قال عمر: ((أولئك الذين نهاني الله عنهم)) ولم ينظر
إلى قوله: ولا شهادة له ولا صلاة له لأن القائل بذلك لا طريق له إلى معرفة
ما في قلبه، قاله الباجي.
(فقال ◌َّير: أولئك الذين نهاني الله عنهم)(١) أي عن قتلهم. قال الباجي:
أي لمعنى الإيمان وإن جاز أن يلزمهم القتل بعد ذلك بما يلزم سائر المسلمين
من وجوب القصاص والحدود، انتهى.
(١) انظر: ((التمهيد)) (١٥٠/١٠ -١٦١).
٥٣٦
-
-----
-----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠١) حديث
قلت: هذا على ما حملوه من كونه مسلماً، ولذا قيل في تفسيره: إنه
مالك بن دخشم، ولفظ البخاري في قصة مالك، فقال بعضهم: ذلك منافق لا
يحب الله ورسوله. فقال رسول الله ◌َله: ((لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا
إله إلا الله يريد بذلك وجه الله؟))، انتهى. فهذه شهادة من النبي محمّلة بإسلامه.
قال الباجي(١): قصد النبي ◌َلّ بسؤاله المعاني المبيحة لدمه من ترك
إظهار الشهادتين وتأبيه عن الصلاة، فلما قال: إنه يظهر الشهادتين ويقيم
الصلاة، قال النبي ◌ّر: ((أولئك الذين نهاني الله عنهم))، ولم ينظر إلى قوله:
ولا شهادة له ولا صلاة له؛ لأن القائل بذلك لا طريق إلى معرفة ما في قلبه،
ولا يعرف هل له شهادة أو صلاة، وإنما ذلك على حسب ما اعتقد فيه لما
رأى من ميله إلى أقاربه من المنافقين والمشركين، انتهى.
والأوجه عندي أن حديث الباب غير قصة مالك فمعنى قوله وله: ((أولئك
الذين نهاني الله عن قتلهم)) أن المنافقين نهيت عن قتلهم، وذلك معلوم أن
المنافقين كانوا يُعَامَلون في زمانه ◌َّر معاملة المسلمين، صرح بذلك جمع من
المشايخ، ولذا اضطر أهل التفسير في توجيه قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ
الْكُفَارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ (٢) الآية، أن المراد بالجهاد معهم الجهاد باللسان. وأخرج
البخاري في تفسير المنافقين، قال عبد الله بن أبي: والله ﴿لَبِن رَّجَعْنَا إِلَى
الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾(٣) فبلغ ذلك النبي ◌َّ، فقام عمر فقال:
يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي وَالر: ((لا، يتحدث
الناس أن محمداً يقتل أصحابه)).
(١) (٣٠٦/١).
(٢) سورة التوبة: الآية ٧٣.
(٣) سورة المنافقون: الآية ٨.
٥٣٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠١) حديث
وقال ابن القيم في ((الهدي)) (١): وأما سيرته بَّ في المنافقين فإنه أُمِرَ أن
يَقبل منهم علانيتَهم ويَكِلَ سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة،
وأمر أن يعرض عنهم ويغلِّظ عليهم، وأن يبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم، وقد
أخرج البخاري في ((صحيحه)) عن حذيفة قال: إنما كان النفاق على عهد
النبي ◌َ﴿، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان، وفي رواية: فإنما هو الكفر
أو الإيمان، قال ابن التين: كان المنافقون على عهد رسول الله وَل آمنوا
بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، وأما من جاء بعدهم فإنه ولد في الإسلام على
فطرته، فمن كفر منهم فهو مرتد، ولذلك اختلف أحكام المنافقين والمرتدين،
انتھی .
قال الحافظ (٢): والذي يظهر أن حذيفة لم يُرِدْ نفي الوقوع، وإنما أراد
نفي اتفاق الحكم، لأن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ووجود ذلك
ممكن في كل عصر، وإنما اختلف الحكم؛ لأن النبي ولو كان يتألفهم ويقبل
ما أظهروه من الإسلام، ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده فمن أظهر
شيئاً فإنه يؤاخذ به ولا يترك لمصلحة التأليف، لعدم الاحتياج إلى ذلك،
انتھی.
هذا وقد وقع الفراغ من تسويده في وسط ذي القعدة سنة خمس وأربعين،
بالبلدة الطاهرة الطيبة، ومن تبييضه بسهارنفور في آخر ذي القعدة سنة ثمان
وأربعين، وبدء تسويد ما سيأتي في آخر المحرم سنة تسع وأربعين، والله الموفق
لما يرضى، وبه تتم الصالحات.
-
(١) (١٤٥/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١٣ / ٧٤).
٥٣٨

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٢) حدیث
٤٠٢ / ٨٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: «اللَّهُمَّ! لا تَجْعَلْ قَبْرِي
وَثَّناً
٨٥/٤٠٢ - (مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله وعليه
قال) قال ابن عبد البر(١): لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وهو
حديث غريب لا يكاد يوجد، قال: وزعم البزار أن مالكاً لم يتابعه أحد على
هذا الحديث إلا عمر بن محمد عن زيد بن أسلم، وليس بمحفوظ عن النبي وصل
بوجه من الوجوه، إلا بهذا الوجه لا إسناد له غيره، إلا أن عمر بن محمد
أسنده عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَّر، وعمر بن محمد ثقة، وقوله:
(اشتد غضب الله)) الحديث محفوظ من طرق كثيرة صحاح، هذا كلام البزار.
قال ابن عبد البر: مالك عند جميعهم حجة فيما نقل، وقد أسند حديثه
هذا عمر بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو من ثقات أشراف
أهل المدينة، فالحديث صحيح عند من يحتج بالمراسيل وعند من قال
بالمسند، لإسناد عمر بن محمد، وهو ممن تقبل زيادته، وله شاهد عند العقيلي
من طريق سفيان عن حمزة بن المغيرة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - رفعه: ((اللّهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله
قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) كذا في ((الزرقاني)) و((التنوير))(٢).
(اللّهم لا تجعل قبري وثناً) قال المجد: الوثن محركة: الصنم، جمعه
وثن وأوثان، وفي ((المجمع))(٣): الوثن: هو كل ما له جثة معمولة من الجواهر
أو الخشب والحجارة، كصورة الآدمي، والصنم: الصورة بلا جثة، وقيل: هما
(١) انظر: ((التمهيد)) (٤٣/٥)، و((الاستذكار)) (٣٣٩/٦).
(٢) (ص١٨٩).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (١٢/٥).
٥٣٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢٥) باب
(٤٠٢) حديث
يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمِ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبَِائِهِمْ مَسَاجِدَ)) .
سواء، وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي: ((قدمت عليه وَله
وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: ألق هذا الوثن عنك))، اهـ.
وقال الراغب: الوثن: واحد الأوثان، هو حجارة كانت تعبد، اهـ.
(يعبد) ببناء المجهول أي لا تجعل قبري مثل الوثن في تعظيم الناس، وعودهم
للزيارة بعد البدء، واستقبالهم نحوه في السجود، قاله القاري(١).
قلت: والمراد هو ذاك الأخير لرواية ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن
ابن عجلان عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله وَله: ((اللّهم لا تجعل قبري
وثناً يُصَلى إليه، اشتد غضب الله)) الحديث. قال الباجي(٢): دعاؤه ◌َّ أن لا
يجعل قبره وثناً يعبد، تواضعاً والتزاماً للعبودية لله تعالى، وإقراراً بالعبودية،
وكراهية أن يشركه أحد في عبادته. وعن مالك: أنه كره لذلك أن يدفن في
المسجد .
(اشتد) استئناف، كأنه قيل: لِمَ تدعوا بهذا الدعاء؟ فأجاب بقوله: (اشتدَّ
غضب الله على قوم) وهم اليهود والنصارى، كما سيأتي، أراد بذلك عذاب قوم
(اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وفي المتفق عليه عن عائشة - رضي الله عنها -:
أن رسول الله ﴾ قال في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود والنصارى
اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، وفي مسلم عن جندب قال: سمعت النبي
يقول: ((ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد،
ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك)).
قال النووي(٣): قال العلماء: إنما نهى النبي وَلّ عن اتخاذ قبره وقبر
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٢/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٣٠٦/١).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٣/٥).
٥٤٠
---
--
..- .-