النص المفهرس
صفحات 441-460
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث البيوت، سواء كانت النافلة من الرواتب أو كانت نفلاً مطلقاً، بخلاف أهل المدينة، فإن صلاتهم النفل المطلق في بيوتهم أفضل من فعله في المسجد، اهـ. نعم صرح الحنابلة في كتبهم بالعموم قال في ((نيل المآرب)): وفعله الكل - أي السنن كلها - ببيت أفضل من فعلها بالمسجد، أهـ. وتقدم قبيل (باب ما جاء في العتمة والصبح)): أن الأفضل في التطوع البيوت عند الحنفية مطلقاً، قال ابن نجيم في (البحر)): الأفضل في السنن أداؤها في المنزل إلا التراويح، وقيل: إن الفضيلة لا تختص بوجه دون وجه، وهو الأصح، لكن كل ما كان أبعد من الرياء وأجمع للخشوع والإخلاص فهو أفضل، كذا في ((النهاية)). وفي ((الخلاصة)) في سنة المغرب: إن خاف لو رجع إلى بيته شغله شأن آخر يأتي بها في المسجد، وإن كان لا يخاف صلاها في المنزل، وكذا في سائر السنن حتى الجمعة، والوتر في البيت أفضل، اهـ. وقال في ((الدر المختار))(١): الأفضل في النفل غير التراويح المنزل. قال ابن عابدين: شمل ما بعد الفريضة وما قبلها لحديث ((الصحيحين)): ((عليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)). وأخرج أبو داود: ((صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة))، اهـ. قال الحلبي: وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي: ((أنه عليه الصلاة والسلام أتى مسجد عبد الأشهل يصلي فيه المغرب، فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبحون، فقال: هذه صلاة البيوت)) ورواه ابن ماجه عن حديث رافع بن خديج وقال فيه: (اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم))، اهـ. (١) (٥٦٢/٢). ٤٤١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث قلت: وهذه كلها حجة للجمهور في قولهم: إن التطوع في البيت أفضل ولا كراهة في المسجد، وشتان ما بين المكروه وغير الأفضل، وقد أخرج أبو داود عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ((كان رسول الله وَل يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد))، وأخرج أيضاً عن عطاء قال: كان ابن عمر إذا صلى الجمعة بمكة تقدم، فصلى ركعتين، ثم يتقدم فيصلي أربعاً، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته فقيل له؟ فقال: كان رسول الله وسلم يفعله، ودخل النبي ◌َّ الكعبة وصلى فيها تطوعاً، كما ورد في عدة روايات. وعن أبي أمامة مرفوعاً: ((من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر))، الحديث. رواه أحمد وأبو داود، وتقدمت في الضحى الروايات فيمن قعد في مصلاه بعد الصبح حتى يسبح الضحى. وأخرج محمد بن نصر عن سعيد بن جبير قال: ((كان رسول الله وَليم يصلي الركعتين بعد المغرب، ويطيلهما حتى يكون آخر من يخرج في المسجد))، وفي ((جمع الفوائد))(١) عن ((الكبير)) بضعف عن ابن عمر - رضي الله. عنهما - رفعه: ((من صلى العشاء الآخرة في جماعة وصلى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد كان كعدل ليلة القدر)). وعن أبي هريرة رفعه: ((من كان مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً))، وفي رواية: ((فإن عجل بك شيء فصلٌ ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت))، لمسلم وأبي داود والترمذي، انتهى. فهذه النصوص كلها صريحة في إيقاع الرواتب في المسجد، والروايات في هذا الباب كثيرة جداً، وهذا القدر يكفي لهذا ((الأوجز)). (١) ((جمع الفوائد)) (٣١٤/١) والمراد بضعف أن في إسناد ذلك الحديث من ضعف من رواته، لأن الحديث ضعيف من كل وجه، كذا في مقدمة ((جمع الفوائد)). ٤٤٢ --------- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث هذا وقد قال ابن الملك: في زماننا إظهار السنة الراتبة أولى ليعلمها الناس، قال القاري(١): أي ليعلموا عملها أو لئلا ينسبوه إلى البدعة، ولا شك أن متابعة السنة أولى مع عدم الالتفات إلى غير المولى، انتهى. قلت: لا شك فيما قاله القاري لكن الضرورات تبيح المحظورات، فالوجه عندي في هذا الزمان إيقاع الرواتب في المساجد، سيما للمشايخ لأن الناس تبع لهم، فيتركون فعلها في المسجد اتباعاً لهم، ثم يتركونها رأساً للتواني في الأمور الدينية، سيما التطوعات، فليس فيما قاله ابن الملك إلا إشاعة السنة لا ترك المتابعة، وتقدم عن ((البحر)): أن الفضيلة لا تختص بوجه دون وجه، فتأمل. ولا بعد في أن هذا الاختلاف يتفرع على ما قال العيني: اختلف في السنن كالوتر وركعتي الفجر هل إعلانهما أفضل أم كتمانهما، حكاه ابن التين، انتھی . أما الثالثة: فقال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(٢): إن الفقهاء اختلفوا في التطوع بعد الجمعة خاصة، فقال مالك: ينبغي للإمام إذا سلم من الجمعة أن يدخل منزله ولا يركع في المسجد ويركع الركعتين في بيته إن شاء، وأما من خلف الإمام فأحبُّ إليّ أيضاً أن ينصرفوا إذا سلموا ولا يركعوا في المسجد، فإن ركعوا فذلك واسع، وقال الشافعي: ما أكثر المصلي من التطوع بعد الجمعة فهو أحب إليّ، وقال أبو حنيفة: يصلي بعد الجمعة أربعاً، وقال في موضع آخر: ستاً، وقال الثوري: إن صليت أربعاً أو ستاً فحسن، وقال أحمد بن حنبل: أحب إليّ أن يصلي بعد الجمعة ستاً، وإن أربعاً فحسنٌ. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١١٠/٣). (٢) (٢٦٨/٦). ٤٤٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وكل هذه الأقاويل مروية عن الصحابة قولاً وعملاً، وقد ذكرنا ذلك كله عنهم بالأسانيد في (التمهيد))(١)، ولا خلاف بين متقدمي العلماء ومتأخريهم أنه لا حرج على من لم يصلِّ بعد الجمعة، ولا على من فعل من الصلاة أكثر أو أقل مما اختاره كل واحد، وأن أقوالهم في ذلك الاختيار لا على غير ذلك، انتھی . وقال العيني في ((شرح البخاري)) (٢): اختلف العلماء في الصلاة بعد الجمعة، فقالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين في بيته كالتطوع بعد الظهر، روي ذلك عن عمر وعمران بن حصين والنخعي، وقال مالك: إذا صلى الإمام الجمعة فينبغي أن لا يركع في المسجد، لما روي عن رسول الله وَ لل أنه كان ينصرف بعد الجمعة ولم يركع في المسجد، قال: ومن خلفه أيضاً إذا سلّموا فأحب أن ينصرفوا، ولا يركعوا في المسجد، وإن ركعوا فذاك واسع. وقالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين ثم أربعاً، روي ذلك عن علي وابن عمر وأبي موسى، وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف، إلا أن أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: ما أكثر المصلي بعد الجمعة من التطوع فهو أحبُّ إليّ، وقالت طائفة: يصلي بعدها أربعاً لا يفصل بينهن بسلام، روي ذلك عن ابن مسعود وعلقمة والنخعي، وهو قول أبي حنيفة وإسحاق. حجة الأولين حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((أن رسول الله و كان لا يصلي بعد الجمعة إلا ركعتين في بيته))، قال المهلب: وهما الركعتان بعد الظهر، وحجة الطائفة الثانية ما رواه أبو إسحاق عن عطاء قال: ((صليت (١) (١٤/ ١٧٥). (٢) ((عمدة القاري)) (١٢٧/٥). ٤٤٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث مع ابن عمر - رضي الله عنهما - الجمعة، فلما سلّم قام فركع ركعتين، ثم صلى أربع ركعات، ثم انصرف))، وجه قول أبي يوسف - رضي الله عنه - ما رواه الأعمش عن إبراهيم عن سليمان بن مسهر عن حرشة بن الحر: أن عمر - رضي الله عنه - كره أن يصلي بعد صلاة مثلها . وحجة الطائفة الثالثة ما رواه ابن عيينة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصلِّ أربعاً)) انتهى. وقال ابن العربي في ((العارضة))(١): قد اختلف الناس في ذلك فأكد مالك ذلك على الإمام، ورأى أن ذلك للجماعة أفضل، أما تأكيده على الإمام فاقتداءً بالنبي وَلّره، وأما تأكيده على الجماعة فلتنفصل الجمعة من الظهر، وقال الشافعي - رضي الله عنه -: ما أكثر من التطوع بعد الجمعة فهو أفضل لأنه يوم مستجاب، وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: يصلي أربعاً أو ستاً ليخرج بذلك عن محاكاة الظهر، إن صلى ركعتين، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ فقد كان الصدر الأول لا يفعلون ذلك، فالاقتداء بهم أفضل، انتهى. وظاهره أنه لا يقول بالتطوع بعد الجمعة، لكنه صرح بعد ذلك في الجمعة أنه بقول مالك - رضي الله عنه - يقول، وقال الشوكاني(٢): قال العراقي: لم يُرِدِ الشافعي وأحمد بذلك إلا بيان أقل ما يستحب وإلا فقد استحبا أكثر من ذلك؛ فنص الشافعي في ((الأم)): على أنه يصلي بعد الجمعة أربعاً، ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه قال: إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين وإن شاء صلى أربعاً، وفي رواية عنه: وإن شاء ستاً، انتهى. واختار ابن القيم (١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٢٥/٢). (٢) (نيل الأوطار)) (٥٧٦/٢). ٤٤٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث تبعاً لابن تيمية: إن صلى في المسجد صلى أربعاً، وإن صلى في بيته صلى ركعتين . قلت: لا شك أن الصلاة قرة العيون، وخير موضوع، فما كثر فهو أحبُّ، لكن المرجح في الرواتب البعدية للجمعة عند الأئمة ما في فروعهم. ففي ((نيل المآرب)): أقل السنة الراتبة للجمعة بعدها ركعتان، نص عليه وأكثرها ستة. وفي ((الروض المربع))(١): أقل السنة الراتبة بعد الجمعة ركعتان، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بعد الجمعة ركعتين، متفق عليه من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، وأكثرها ستة لقول ابن عمر - رضي الله عنهما -: كان النبي ◌ّ﴾ل يفعله، رواه أبو داود، انتهى، هذا عند الحنابلة. وأما الموالك فلم يتعرضوا لراتبة الجمعة في فروعهم، والظاهر أن ذاك لما تقدم أن لا رغيبة عندهم إلا للصبح فقط، نعم المستحب بعدها ركعتان، قال في ((الشرح الكبير)) (٢): يكره التنفل بعد صلاتها إلى أن ينصرف الناس أو يأتي وقت انصرافهم ولم ينصرفوا، والأفضل أن يتنفل في بيته. وفي ((المدونة))(٣): قال ابن القاسم: قال مالك: بلغني أن النبي 8ّ- كان إذا صلى الجمعة انصرف ولم يركع في المسجد، قال: وإذا دخل بيته ركع ركعتين. قال مالك: وينبغي للأئمة اليوم إذا سلّموا من صلاة الجمعة أن يدخل الإمام منزله ويركع ركعتين، ولا يركع في المسجد، قال: ومن خلف الإمام إذا سلموا فأحبُّ إليّ أن ينصرفوا أيضاً، ولا يركعوا في المسجد، وقال: وإن رکعوا فذلك واسعٌ، انتهى. (١) (٢٩٨/١). (٢) (٣٨٦/١). (٣) (١٤٧/١). ٤٤٦ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث لكن تقدم عن ابن العربي تصريح التأكيد بالسُّنِّة بعد الجمعة، وهو صاحب المذهب، وأما عند الشافعية فما في ((شرح الإقناع))(١): الجمعة كالظهر فيصلي قبلها أربعاً وبعدها أربعاً، انتهى، أي مع غير المؤكد، ففي ((الأنوار لأعمال الأبرار)): سنة الجمعة كسنة الظهر، وفي ((هامشه)) في كون المؤكدة ركعتين قبلها وركعتين بعدها، وغيرها بزيادة ركعتين أخريين قبلها وبعدها، انتھی . وفي (روضة المحتاجين)): ركعتان قبل الظهر أو الجمعة، يقول في نيتهما: نويت أن أصلي ركعتين سنة الظهر القبلية، أو سنة الجمعة القبلية، وركعتان بعدها، ولا بد في النية من تمييز القبلية من البعدية، ومحل طلب سنة الجمعة البعدية إذا لم يُصَلِّ الظهرَ بعدها، فإن صلى بعدها كما يفعل الآن في الأمصار لم يطلب لها بعدية، لا مؤكدة ولا غيرها لقيام سنة الظهر مقامها، انتهى . وأما عندنا الحنفية فقال في ((الدر المختار)) (٢): سن مؤكداً أربع قبل الظهر وأربع قبل الجمعة وأربع بعدها بتسليمة، انتهى. وفي ((البدائع))(٣): أما السنة قبل الجمعة وبعدها، فقد ذكر في ((الأصل)): أربع قبل الجمعة وأربع بعدها، وكذا ذكر الكرخي، وذكر الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال: يصلي ستاً، وقيل: هو مذهب علي - رضي الله عنه -، وما ذكرنا أنه كان يصلي أربعاً مذهب ابن مسعود، وذكر محمد في ((كتاب الصوم)): أن المعتكف يمكث في المسجد الجامع مقدار ما يصلي أربع ركعات أو ست ركعات. (١) (٤١٥/١). (٢) (٥٤٥/٢). (٣) (١/ ١٤٧). ٤٤٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وجه قول أبي يوسف أن فيما قلنا جمعاً بين قول النبي وَّ وفعله، فإنه روي أنه لم أمر بالأربع بعد الجمعة، وروي أنه صلّى ركعتين، فجمعنا بين قوله وفعله، وقال أبو يوسف: ينبغي أن يصلي أربعاً ثم ركعتين، كذا روي عن علي - رضي الله عنه - كيلا يصير متطوعاً بعد صلاة الفرض بمثلها . ووجه ظاهر الرواية ما روي عن النبي ولو أنه قال: ((من كان مصلياً بعد الجمعة فليصلِّ أربعاً)) (١)، وما روي من فعله مَّ فليس فيه ما يدل على المواظبة، ونحن لا نمنع من يصلي بعدها كم شاء غير أنا نقول: السنة بعدها أربع ركعات لا غير لما روينا، انتهى. قال الحلبي: أما الأربع بعدها فلما روى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَل﴾: ((إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً))، وفي رواية للجماعة إلا البخاري: ((إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربعاً))، والأول يدل على الاستحباب، والثاني على الوجوب، فقلنا: بالسنية مؤكدة جمعاً بينهما . : ----- وعند أبي يوسف: السنة بعد الجمعة ست ركعات، وهو مروي عن علي - رضي الله عنه -، والأفضل أن يصلي أربعاً، ثم ركعتين للخروج عن الخلاف، انتهى. وفي هامش ((البحر)): قال في ((الذخيرة)) عن علي - رضي الله عنه -: إنه يصلي سناً، ركعتين، ثم أربعاً، وعنه - رضي الله عنه - رواية أخرى: أنه يصلي ستاً، أربعاً ثم ركعتين، وبه أخذ أبو يوسف والطحاوي وكثير من المشايخ، وعلى هذا قال شمس الأئمة الحلواني: الأصل أن يصلي أربعاً، ثم ركعتين، فأشار إلى أنه مخيّر بين تقديم الأربع وبين تقديم المثنى، ولكن الأفضل تقديم الأربع كي لا يصير متطوعاً بعد الفرض مثلها، انتهى. قال الشوكاني: وعن علي وأبي موسى (١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٤١/٢). ٤٤٨ ٠ - ۔ .- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث - رضي الله عنهما - وعطاء ومجاهد وحميد بن عبد الرحمن والثوري: أنه يصلي ستاً لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - المذكور في الباب، اهـ. وهو أنه - رضي الله عنه - إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم، فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً، الحديث. وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(١) عن أبي عبد الرحمن قال: قدم علينا ابن مسعود، فكان يأمرنا نصلي بعد الجمعة أربعاً فلما قدم علينا علي - رضي الله عنه - أمرنا أن نصلي ستاً، فأخذنا بقول علي - رضي الله عنه - وتركنا قول عبد الله، قال: كان يصلي ركعتين ثم أربعاً. وعن عبد الله بن حبيب قال: كان عبد الله يصلي أربعاً، فلما قدم علي صلى ستاً، ركعتين وأربعاً، وعن عطاء قال: كان ابن عمر - رضي الله عنهما - إذا صلى الجمعة، صلى بعدها ست ركعات، ركعتين، ثم أربعاً، وعن أبي بكير بن أبي موسى عن أبيه أنه كان يصلي بعد الجمعة ست ركعات، وعن مسروق قال: كان يصلي بعد الجمعة ستاً ركعتين وأربعاً، اهـ. بقي هناك أمران، لم يذكرهما المصنف، وتكثر حاجة طلبة الحديث إلى ذكرهما، الأول: السنة قبل الجمعة، والثاني: قضاء الرواتب مطلقاً غير ركعتي الفجر، فقد تقدم بيانهما فنذكرهما تكميلاً للفائدة، أما الأول، وهو التطوع والسنة قبل الجمعة. قال ابن القيم في ((الهدي))(٢): وكان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ النبي ◌ّ في الخطبة ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة، ولم يكن الأذان إلا واحداً، وهذا يدل على أن الجمعة كالعيد، لا سنة لها قبلها، وهذا أصح قولي (١) (٤١/٢). (٢) ((زاد المعاد)) (٤٠٧/١). ٤٤٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث العلماء، وعليه تدل السنة، فإن النبي 18َّ كان يخرج من بيته، فإذا رقي المنبر . أخذ بلال في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبي ◌َّ في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأيَ عينٍ فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم كانوا إذا فرغ بلال من الأذان قاموا كلهم، فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس بالسنة. وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سنة قبلها هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، اهـ. وبسط ابن القيم الكلام على هذا، وأورد على الروايات التي استدل بها القائلون بالسنة قبل الجمعة. وتعقب عليه ابن الهمام في ((الفتح))(١) في أواخر الجمعة . وقال الشوكاني(٢): اختلف العلماء هل للجمعة سنة قبلها أو لا؟ فأنكر جماعة أن لها سنة قبلها، وبالغوا في ذلك، قالوا: لأن النبي وَّ لم يكن يُؤَذن للجمعة إلا بين يديه، ولم يكن يصليها، وكذلك الصحابة لأنه إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة . وقد حكى ابن العربي(٣) عن الحنفية والشافعية: أنه لا يصلي قبل الجمعة، وعن مالك: أنه يصلي قبلها، واعترض عليه العراقي بأن الحنفية إنما يمنعون الصلاة قبل الجمعة وقت الاستواء، وبأن الشافعية تُجَوِّزُ الصلاة قبل الجمعة بعد الاستواء، ويقولون: إن وقت سنة الجمعة التي قبلها يدخل بعد الزوال، وبأن البيهقي نقل عن الشافعي أنه قال: من شأن الناس التهجير إلى الجمعة والصلاة إلى خروج الإمام، قال البيهقي: وهذا الذي أشار إليه الشافعي موجود في الأحاديث الصحيحة، اهـ. (١) انظر: ((فتح القدير)) (٣٩/٢). (٢) ((نيل الأوطار)) (٢/ ٥٤١). (٣) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٢٢٧/٢). ٤٥٠ - ----------- --- ---- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث قلت: الجمهور على إثبات السنة قبل الجمعة، وما قيل: إن النبي ◌َّ لم يكن يؤذن للجمعة إلا بين يديه، وإذا أكمل الأذان أخذ النبي ◌َّ في الخطبة من غير فصل مسلّمٌ، لكن لا حجة فيه أنه وَلّ يخرج من بيته قبل أداء السنة، ويكفي للحجة استحبابها عند الجمهور. أما عند المالكية فقد تقدم عن ابن العربي أن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - يصلي قبلها وهو صاحب المذهب، وقد عُلِم قبل ذلك أن رواتب غير الصبح عند المالكية تطوعات . وفي ((الشرح الكبير)) (١): كره تنفل إمام قبلها حيث دخل ليرقى المنبر، فإن دخل قبل وقته أو الانتظار الجماعة ندبتَ التحية، أو تنفلُّ جالس بالمسجد ممن يقتدى به عند الأذان الأول خوف اعتقاد العامة وجوبه، لا لداخل عنده، ولا لجالس تنفل قبل الأذان، واستمر على تنفله، ولا لغير من يقتدى به، اهـ. وأما عند الحنابلة ففي ((نيل المآرب)): ليس لها قبلها سنة راتبة بل يستحب أربع ركعات، اهـ. وفي ((الروض المربع)) (٢): ولا سنة قبلها أي راتبة، قال عبد الله: رأيت أبي يصلي في المسجد إذا أذن المؤذن ركعات، وفي (الأنوار)) من الحنابلة: اعلم أن صلاة الجمعة ركعتان فرضاً، ويستحب صلاة أربع ركعات قبلها فليس لها سنة راتبة قبلها، اهـ. فعُلِم بذلك استحباب أربع ركعات، وهي الراتبة لها، ونفي الراتبة معناه نفي التأكد لها . وتقدم مسلك الشافعية في ذلك من كتب فروعهم: أن الجمعة كالظهر في تأكد الركعتين قبلها، واستحباب أربع ركعات، وصرح به أهل فروعهم كلهم أنها كالظهر في الراتبة، وكذلك عند الحنفية كتب فروعهم صريحة في أنها كالظهر في تأكد أربع ركعات راتبة قبلها . (١) (٣٨٦/١). (٢) (٢٩٩/١). ٤٥١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث ففي (الدر المختار)) (١): وسن مؤكداً أربع قبل الظهر، وأربع قبل الجمعة، وأربع بعدها بتسليمة. قال ابن عابدين: لما عن أبي أيوب ((كان يصلي النبي ◌ّ بعد الزوال أربع ركعات، فقلت: ما هذه الصلاة التي تداوم عليها؟ فقال: هذه ساعة تفتح أبواب السماء فيها، فأحبّ أن يصعد لي فيها عمل صالح، فقلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: نعم، فقلت: بتسليمة واحدة أم بتسليمتين؟ فقال: بتسليمة واحدة)) رواه الطحاوي وأبو داود والترمذي وابن ماجه من غير فصل بين الجمعة والظهر، فيكون سنة كل واحدة منهما أربعاً، وروى ابن ماجه بإسناده عن ابن عباس: كان النبي ◌ُّ يركع قبل الجمعة أربعاً لا يفصل في شيء منهن، اهـ. وبوّب البخاري في (صحيحه)) ((باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها)) قال الحافظ في ((الفتح)) (٢): لم يذكر شيئاً في الصلاة قبلها. قال ابن المنير في ((الحاشية)): كأنه يقول: الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه لأن الجمعة بدل الظهر، وقال ابن التين: لم يقع ذكر الصلاة قبل الجمعة في هذا الباب، فلعل البخاري أراد إثباتها قياساً على الظهر، وقَوَّاه الزين بن المنير بأنه قصد التسوية بين الجمعة والظهر في حكم التنفل كما قصد التسوية بين الإمام والمأموم في الحكم، وذلك يقتضي أن النافلة لهما سواء، اهـ. قال الحافظ: والذي يظهر أن البخاري أشار إلى ما وقع في بعض طرق حديث الباب وهو ما رواه أبو داود وابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين، ويُحَدِّث أن رسول الله ◌َّ كان يفعل ذلك، احتجَّ به النووي في ((الخلاصة)) على إثبات سنة الجمعة التي قبلها . (١) (٢ /٥٤٥). (٢) (٤٢٦/٢). ٤٥٢ .--- - - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وتُعقّب بأن قوله: كان يفعل ذلك عائدٌ على قوله: يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، لرواية مسلم عن عبد الله: ((أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته ثم قال: كان رسول الله وَ * يفعل ذلك))، وأما قوله: ((كان يطيل الصلاة قبل الجمعة)) إن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعاً لأنه * كان يخرج إذا زالت الشمس فيشتغل بالخطبة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذاك مطلق نافلة، لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسنة الجمعة التي قبلها، اهـ. وأنت خبير بأن التعقب ليس في محله لأن اتصال هذه الجملة في رواية مسلم بأحد جزئي الرواية لا ينفي اتصالها بالجزء الآخر، بل الظاهر أن رواية مسلم مختصرة، وكذلك قوله: ((كان يخرج إذا زالت الشمس)) لا يدل على اتصال الخروج بالزوال، بل إذ كان يخرج قيم بعد أداء السنن يصدق عليه كان يخرج إذا زالت الشمس. وقال الحافظ في ((التلخيص))(١): وأصح ما فيه ما رواه ابن ماجه عن أبي صالح عن أبي هريرة وعن أبي سفيان عن جابر قال: جاء سليك الغطفاني ورسول الله وَ﴿ يخطب، فقال له: ((أصليت ركعتين قبل أن تجيء .. )) الحديث. قال المجد ابن تيمية في ((المنتقى)): قوله: ((قبل أن تجيء)) دليل على أنهما سنة الجمعة التي قبلها لا تحية المسجد، وتعقبه المزي بأن الصواب: أصليت ركعتين قبل أن تجلس؟ فصحفه بعض الرواة. وفي ابن ماجه عن ابن عباس: ((كان النبي ◌ّ يركع قبل الجمعة أربع ركعات لا يفصل بينهن بشيء)) وإسناده ضعيف جداً. وفي الباب عن ابن مسعود وعلي في الطبراني ((الأوسط))، وصح عن ابن مسعود من فعله رواه عبد الرزاق، (١) (٥٩٦/٢). ٤٥٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وفي الطبراني ((الأوسط)) عن أبي هريرة: أن النبي ◌َّ كان يصلي قبل الجمعة ركعتين وبعدها ركعتين، رواه في ترجمة أحمد بن عمرو، انتهى. وذكر في ((الفتح)) (١) عدة روايات أخرى، وتكلم عليها، ويؤيدها أيضاً ما روي عن أبي هريرة مرفوعاً: من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له، الحديث عند مسلم وغيره، وعن جبلة بن سحيم عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعاً لا يفصل بينهن بسلام، الحديث، رواه الطحاوي، وإسناده صحيح. وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كان عبد الله يأمرنا أن نصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً، رواه عبد الرزاق، وإسناده صحيح، قاله النيموي(٢). وأخرج ابن أبي شيبة(٣) عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: كان يصلي قبل الجمعة أربعاً، وعن نافع قال: كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يهجر يوم الجمعة فيطيل الصلاة قبل أن يخرج الإمام، وعن عمر بن عثمان قال: قال عمر بن عبد العزيز: صلِّ قبل الجمعة عشر ركعات، وعن إبراهيم قال: كانوا يصلون قبلها أربعاً، وعن أبي مجلز: أنه كان يصلي في بيته ركعتين يوم الجمعة، وعن ابن طاووس عن أبيه: أنه كان لا يأتي المسجد يوم الجمعة حتى يصلي في بيته ركعتين، قال العيني(٤): وللطبراني من حديث ابن عبيدة عن أبيه: أن النبي ◌ُّ كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً. وأما الثاني وهو قضاء الرواتب إذا فاتت عن محلها، قال الشوكاني(٥) (١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٢٦/٢). (٢) انظر: ((آثار السنن)) (٢ /٩٥ - ٩٦). (٣) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٠/٢ - ٤٢). (٤) ((عمدة القاري)) (١٢٧/٥). (٥) ((نيل الأوطار)) (٢٣١/٢). ٤٥٤ --------- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث بعد ذكر حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من لم يصلِّ ركعتي الفجر فليصلهما بعدما تطلع الشمس))، أخرجه الترمذي. وفي الحديث مشروعية قضاء النوافل الراتبة، وظاهره سواء فاتت لعذر أو لغير عذر. وقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال: أحدها: استحباب قضائها مطلقاً سواء كان الفوت لعذر أو لغيره، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -. ومن التابعين: عطاء وطاووس والقاسم بن محمد، ومن الأئمة: ابن جريج والأوزاعي والشافعي في الجديد، وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن والمزني . والثاني: أنها لا تقضى وهو قول أبي حنيفة ومالك وأبي يوسف في أشهر الروايتين عنه، وهو قول الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، والمشهور عن مالك قضاء ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس. والثالث: التفرقة بين ما هو مستقل بنفسه كالعيد والأضحى فتقضى، وبين ما هو تابع لغيره كالرواتب فلا تقضى، وهو أحد الأقوال عن الشافعي. والرابع: على التخيير إن شاء قضاها وإلا لا، وهو مروي عن أصحاب الرأي ومالك. والخامس: التفرقة بين الترك لعذر نوم أو نسيان فتقضى أو لغير عذر فلا تقضى، وهو قول ابن حزم، انتهى. وقال ابن العربي في ((العارضة)): اتفق الناس على أن النوافل لا تقضى إلا أن تتأكد كالوتر، وركعتي الفجر، وكذلك قيام الليل لتأكده، انتھی . وأنت خبير بأن العمدة في ذلك ما في ((الفروع))، قال ابن قدامة في ٤٥٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث (المغني))(١): فإن فات شيء من وقت هذه السنن فقال أحمد: لم يبلغنا أن النبي ◌َّ قضى شيئاً من التطوع غير ركعتي الفجر، والركعتين بعد العصر. وقال ابن حامد: تقضى جميع السنن الرواتب في جميع الأوقات إلا أوقات النهي؛ لأن النبي ◌َّ قضى بعضها، وقسنا الباقي عليه، وقال أحمد: أحبُّ أن يكون له شيء من النوافل يحافظ عليه إذا فات قضى، انتهى. وتقدم في الجزء الأول عن ((الروض))(٢): ومن فاته شيء منها - أي من الرواتب - سنّ له قضاؤه كالوتر؛ لأنه وَلّ قضى ركعتي الفجر، وقضى الركعتين قبل الظهر، وقس الباقي، لكن ما فات مع فرضه وكثر فالأولى تركه، انتهى. وكذا في ((النيل)) و ((الأنوار)) هذا عند الحنابلة. وأما عند المالكية فما في ((الشرح الكبير))(٣): ولا يُقضى غير فرض أي يحرم كما قال بعض إلا هي - أي ركعتا الفجر - فتقضى من حل النافلة إلى الزوال، قال الدسوقي: قوله: يحرم قال شيخنا العدوي: هذا بعيد جداً، وليس منقولاً لا سيما والإمام الشافعي يجوز القضاء، والظاهر أن قضاء غير الفرائض مكروه فقط، انتهى. وفي ((الأنوار)): ولا يقضى نفل خرج وقتها سواها، فإنها تقضى بعد حل النافلة للزوال سواء كان معه الصبح أو لا، كمن أقيمت عليه الصبح قبل أدائها، أو صلى الصبح لضيق الوقت أو تركها كسلاً، انتهى. : --- وأما عند الشافعية ففي ((الأنوار)) أيضاً: ويسن قضاء السنن الرواتب وهي التابعة للفرائض، وفي ((شرح الإقناع))(٤): ولو فات النفل المؤقت ندب قضاؤه، (١) (٥٤٤/٢). (٢) (٢٢٤/١). (٣) (٣١٩/١). (٤) (١/ ٤٢٢) . ٤٥٦ 1 ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث وفي (الأنوار لأعمال الأبرار)): والنوافل الموقتة كالعيد والضحى والرواتب تقضى أبداً والمتعلقة بسبب كالكسوف وتحية المسجد فلا، انتهى. وأما عند الحنفية فقال في ((البدائع)) (١): لا خلاف بين أصحابنا في سائر السنن سوى ركعتي الفجر، أنها إذا فاتت عن وقتها لا تقضى سواء فاتت وحدها أو مع الفريضة؛ لما روت أم سلمة - رضي الله عنها - أن النبي وَل دخل حجرتي بعد العصر فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله ما هاتان الركعتان؟ الحديث. وفيه: فقلت: أفأقضيهما إذا فاتتا؟ فقال: لا، وهذا نص على أن القضاء غير واجب على الأمة وإنما هو شيء اختص به النبي ◌َّ ولا شركة لنا في خصائصه، وقياس هذا الحديث أن لا يجب قضاء ركعتي الفجر أصلاً، إلا أنا استحسنا القضاء إذا فاتتا مع الفرض لحديث ليلة التعريس، ولأن سنة رسول الله ﴿ عبارة عن طريقته، وذلك بالفعل في وقت خاص على هيئة مخصوصة على ما فعله النبي 18، فالفعل في وقت آخر لا يكون سلوك طريقته، فلا يكون سُنَّةً بل يكون تطوعاً مطلقاً . وأما ركعتا الفجر إذا فاتتا مع الفرض فقد فعلهما النبي ◌َّ مع الفرض ليلة التعريس، فنحن نفعل ذلك لنكون على طريقته، وأما إذا فاتت وحدها لا تقضى عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: تقضى إذا ارتفعت الشمس الرواية ليلة التعريس. ولهما أن السنن شرعت توابع للفرض فلو قضيت في وقت لا أداء فيه للفرائض لصارت السنن أصلاً، وبطلت التبعية فلم تبق سنة مؤكدة، لأنها كانت سنة بوصف التبعية، وليلة التعريس فاتتا مع الفرض فقضيتا تبعاً للفرض، ولا كلام فيه، إنما الخلاف فيما إذا فاتتا وحدهما ولا وجه لقضائهما وحدهما، لما (١) (٦٤٣/١). ٤٥٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٦) حديث بيّنا، ولهذا لا يقضى غيرهما من السنن ولا هما يقضيان بعد الزوال، انتهى مختصراً . قلت: هذا هو مسلك الحنفية في ذلك إلا أن أصحاب الفروع ندبوا قضاء سنة الجمعة والظهر في وقته، قال في ((الدر المختار)): لا يقضيها إلا بطريق التبعية لقضاء فرضها قبل الزوال لا بعده في الأصح لورود الخبر بقضائها في الوقت المهمل بخلاف القياس، فغيره عليه لا يقاس بخلاف سنة الظهر، وكذا الجمعة فإنه إن خاف فوت ركعة من الفرض يتركها ثم يأتي بها على أنها سنة في وقت الظهر، وأما قبل العشاء فمندوب لا يقضى. قال ابن عابدين: قوله: بخلاف القياس وذلك؛ لأن القضاء مختص بالواجب، فلا يقضى غيره إلا بسمعي، وهو قد دل على قضاء سنة الفجر فقلنا به، وكذا ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - في سنة الظهر أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا فاتته الأربع قبل الظهر يصليهن بعد الركعتين، ولذا قلنا: لا تقضى سنة الظهر بعد الوقت، فيبقى ما وراء ذلك على العدم. -- وقوله: أما ما قبل العشاء فمندوب يعني قد علم حكم سنة الفجر والظهر والجمعة، ولم يبق من النوافل القبلية إلا سنة العصر، ومن المعلوم أنها لا تقضى لكراهة النفل بعد صلاة العصر، وكذا سنة العشاء لكن لا تقضى لأنها مندوبة . قال ابن عابدين: وفي هذا التعليل نظر؛ لأنه يوهم أن قضاء سنة الفجر والظهر لسنيتهما ولو كانتا مندوبتين لم تقضيا، وليس كذلك لأن قضاءهما ثبت بالنص على خلاف القياس فينبغي ما وراء النص على العدم حتى لو ورد نص بقضاء المندوب نقول به، انتهى. وفي ((البرهان)): ويقضي ما قبل الظهر من السنة في الصحيح عن أبي حنيفة وصاحبيه، وقيل: لا يقضي ويراه أبو يوسف بعد شفعه ومحمد قبله، ٤٥٨ 1 ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٧) حديث ٧٠/٣٨٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبَي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴿ قَالَ: ((أَتَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا؟ فَوَاللَّهِ، وقيل: الخلاف على العكس، وقيل: الخلاف بناء على أنها نفل مبتدأ، أو سنة، فمن قال: إنه نفل لا يقدمها على الشفع؛ لأنه لو بدأ بها لفاتت الركعتان، ومن قال: بأنها سنة يقدمها عليهما؛ لأن كلاً منهما سنة، وإحداهما فائتة والأخرى وقتية، ويقدم الفائتة على الوقتية، ولا يقضي سنة الفجر إن فاتت وحدها عندهما؛ وقال محمد: بالقضاء قبل الزوال لليلة التعريس، وقيل: يقضيهما تبعاً، ولو بعد الزوال، ولا يقضيهما مقصوداً إجماعاً؛ لأن الأصل أن السنة لا تقضى، لأن القضاء تسليم مثل الواجب فيختص به، إلا أن النص ورد في قضائهما تبعاً للفرض، فبقي ما وراءه على الأصل، ولأن السنة إحياء طريقته ور، وذا في التعمد بما فعله، وإنما فعله تبعاً، فلو فعله قصداً لا يكون استناناً بسنته، ولا يقضي غيرها من السنن بعد خروج الوقت وإن فاتت مع الفرض، لاختصاص القضاء بالواجب، انتهى. وبسط الكلام عليه ابن نجيم في ((البحر)) وابن عابدين في هامشه، وذكر الاختلاف في قضاء رواتب الجمعة القبلية. ٧٠/٣٨٧ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله وَبير قال: أترون) بفتح التاء والاستفهام إنكاري يعني أتظنون (قبلتي) وهو ما يستقبل إليه بوجهه أي مقابلتي ومواجهتي (هاهنا) أي إلى هذا الجانب فقط، وإنني لا أرى إلا ما في هذه الجهة؛ لأن من استقبل شيئاً استدبر ما وراءه (فوالله) قسم وجوابه قوله: ما يخفى، وقوله: إني أراكم بيان أو بدل، قاله العيني(١). (١) ((عمدة القاري)) (٤٠٤/٣). ٤٥٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٤) باب (٣٨٧) حديث مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلا رُكُوعُكُمْ، إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظهري)». أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٤٠ - باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة. ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٢٤ - باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها، حديث ١٠٩. (ما يخفى عليّ) بشدة الياء (خشوعكم) بالرفع على ما في جميع النسخ التي بأيدينا من الهندية والمصرية، وفي نسخة قديمة بزيادة من على أوله، وسيأتي تفسير الخشوع في آخر الحديث، والمراد في جميع أركان الصلاة ويحتمل أن يكون المراد به السجود فقط كما صرح به في رواية مسلم، عبره به لما فيه من غاية الخشوع، ويؤيده قوله: (ولا ركوعكم) وعلى الأول فذكر الركوع تخصيص بعد تعميم، وخصه بالذكر اهتماماً به لكونه أعظم الأركان، فالمسبوق يدرك به الركعة، والأوجه في تخصيصه كون التقصير فيه أكثر، ويحتمل لما قيل: إنه من خصائصنا . نقل القاري عن بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِعِينَ﴾ إنما قال ذلك لهم؛ لأن صلاتهم لا ركوع فيها، والراكعون محمد وَالّ وأمته، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَأَرْكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ صلّي مع المصلين، انتهى. وقيل: لأن الرجل ما دام في القيام لا يتحقق أنه في الصلاة، فإذا ركع تحقق أنه في الصلاة، فهو من أكبر عمد الصلاة، قاله العيني. . --- (إني لأراكم) بفتح الهمزة بدل من جواب القسم (من وراء ظهري) قال العيني(١): اختلف العلماء ههنا في موضعين: الأول في معنى الرؤية، فقيل: بمعنى العلم، وقيل غير ذلك. والثاني: في كيفية الرؤية، انتهى. ٠٠ (١) ((عمدة القاري)) (٤٠٤/٣). ٤٦٠