النص المفهرس
صفحات 381-400
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢١) باب (٣٧٨) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: ((مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمْ مِنَ التَّصْفِيحِ؟ قال ابن رسلان: وللصوفية كلام في الشيخ إذا أراد أن يفعل بتلميذه ما لا يليق بالأدب فعله، فيقولون: هل الأفضل امتثال الأمر أم سلوك الأدب؟ كما اتفق لبعض المشايخ حين أراد أن يغسل رجلي تلميذه في الحمام ويحكهما بالحجر، ويحملون على ذلك هل الأفضل أن يقال في الصلاة على النبي صَلى اللّه وسلم في التشهد: ((اللّهم صلِّ على سيدنا محمد)) أم يقتصر على ما أمر به النبي صَ لّه وَسَعم في قوله: ((اللّهم صلِّ على محمد)»، انتهى. وقال ابن رسلان: قد اشتهر زيادة سيدنا قبل محمد عند أكثر المصلين، وفي كون ذلك أفضل من تركها يطرق في حفظي قديماً أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام بناه على أن الأفضل سلوك الأدب أو امتثال الأمر؟ فعلى الأول يستحب دون الثاني، لقوله وَل﴾: ((قولوا: اللّهم صلِّ على محمد))، انتهى. وأكثر الأحاديث سلوك الأدب أولى كقول أبي بكر: ((ما كان ينبغي لابن أبي قحافة)) الحديث، وكقول علي - رضي الله عنه - لما أمره أن يمحو في صلح الحديبية محمداً رسول الله: ولا أمحو اسمك أبداً، انتهى مختصراً. (فقال رسول الله وَجم) متوجهاً إلى الجماعة (ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيخ) بالحاء المهملة كما سيأتي، ثم أنكر عليهم الإكثار فيه، والمراد إنكار جميعه لما سيأتي من قوله: من نابه. قال القسطلاني(١): فمن صفّق في صلاته لم تبطل، لأن الصحابة صَفَّقوا ولم يأمرهم النبي ◌ُّ بالإعادة، لكن ينبغي أن يقيد بالقليل، فلو فعل ذلك ثلاث مرات متواليات بطلت صلاته، لأنه ليس مأذوناً فيه، وأما قوله وَالآن: ((أكثرتم التصفيق)) مع أنهم لم يأمرهم بالإعادة، فلأنهم لم يكونوا علموا امتناعه، أو أراد إكثار التصفيق من مجموعه، ولا يضر ذلك إذا كان كل واحد منهم لم يفعله ثلاثاً، اهـ. (١) ((إرشاد الساري)) (٢/ ٣٧١). ٣٨١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢١) باب (٣٧٨) حديث مَنْ نَابَهُ شَيءٌ فِي صَلاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، قلت: وتقدم أن الفعل الكثير مفسد إجماعاً، مع الخلاف فيما بينهم في تحديد الكثير والقليل. (من نابه) أي أصابه (شيء) عارض (في صلاته فليسبح) أي فليقل: سبحان الله، كما في رواية البخاري، قال ابن رسلان: أي فليسبح الرجل، وكذا الخنثى كما هو ظاهر اللفظ، والقياس أن يُصَفِّقَ لاحتمال أن يكون امرأة، فلا يجهر بالتسبيح كما صرح به القاضي أبو الفتح في ((أحكام الخيالي))، واستنبط منه ابن عبد البر جواز الفتح على الإمام، لأن التسبيح إذا جاز جاز التلاوة بالأولى. وقال في ((الاستذكار))(١): ذكر الطحاوي أن الثوري وأبا حنيفة وأصحابهما كانوا يقولون: لا يفتح أحد على الإمام، قالوا: فإن فُتِحَ لم تفسُد صلاته، وروى الكرخي عن أصحاب أبي حنيفة: أنهم لا يكرهون الفتح على الإمام، وقال مالك والشافعي: لا بأس به، اهـ. وتقدم الكلام على الفتح في ((أبواب القراءة)). قال القسطلاني(٢): التسبيح للرجال، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف والجمهور، وقال أبو حنيفة ومحمد: متى أتى بالذكر جواباً بطلت صلاته وإن قصد به الإعلام بأنه في الصلاة لم تبطل، فحملا التسبيح المذكور على قصد الإعلام بأنه في الصلاة، وحملا قوله: ((من نابه))، على نائب مخصوص، والأصل عدم هذا التخصيص، انتهى. قلت: وتقدم قريباً عن العيني وغيره الكلام في ذلك. وما حكى القسطلاني عن الإمام الشافعي مع أنه شافعي صاحب المذهب مشكل جداً يأباه فروع الشافعية، قال في ((الأنوار الساطعة)) في مسلك الشافعية: ولا تبطل الصلاة بالقرآن والذكر والدعاء إلا إذا خاطب بالدعاء غير (١) (٦/ ٢٤٢). (٢) ((إرشاد الساري)) (٢/ ٣٧١). ٣٨٢ ---- ---------- - ----- ..--- - -.. 1 ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢١) باب (٣٧٨) حديث فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ، الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنَّسَاءِ». أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٤٨ - باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول، فتأخر الآخر. ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٢٢ - باب تقديم الجماعة من يصلّي بهم إذا تأخر الإمام، حديث ١٠٢. الله ورسوله، كقول العاطس: يرحمك الله، ولو نطق بالقرآن مع وجود صارف عن القراءة كأن استأذنه شخص في أخذ شيء، فقال: ﴿يَيَحْبَى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّةٍ﴾، أو استأذنه في الدخول، فقال: ﴿أَدْخُلُوهَا ◌ِسَلَمٍ ءَامِنِينَ﴾، أو قصد القراءة فقط قصد القراءة مع التفهيم لم تبطل صلاته، وإن قصد التفهيم فقط بطلت صلاته، وكذا إن أطلق ولم يقصد شيئاً على المعتمد كما في ((شرح الرملي))، اهـ. وكذا ما حكي عن المالكية: ليس على إطلاقه، بل صرح في ((الشرح الكبير)): أن القرآن لو قصد به التفهيم لا يبطل في محله، وأما لو قرأ جواباً في غير محله، كما لو كان في الفاتحة مثلاً فاستؤذن عليه، فقطعها إلى آية: ﴿أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ﴾ بطلت صلاته، لأنه في معنى المكالمة، انتهى. (فإنه إذا سبّح) أحد (التفت) بضم التاء الأولى على بناء المجهول (إليه) وفي رواية للبخاري: فإنه لا يسمعه أحد إلا التفت (وإنما التصفيح) هكذا في جميع النسخ الهندية الموجودة عندنا بالحاء المهملة هاهنا، وفيما تقدم من لفظ: أكثرتم في التصفيح، وهكذا ضبطه العلامة الزرقاني(١) بالحاء المهملة، وفي بعض النسخ المصرية بالقاف بدل الحاء، وهكذا في البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك، وذكر العيني(٢) اختلاف الرواة في ذلك، وهما بمعنى، فلا إشكال. (للنساء) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(٣): السنة لمن نابه شيء في (١) ((شرح الزرقاني)) (١/ ٣٣٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٢٩٢/٤). (٣) (٢٤٠/٦) وانظر: ((التمهيد)) (١٠٠/٢١) أيضاً. ٣٨٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢١) باب (٣٧٨) حديث صلاته أن يُسبِّح ولا يصفِّقَ، وهذا ما لا خلاف فيه للرجال، وأما النساء، فالعلماء اختلفوا فيه، فذهب مالك وأصحابه إلى أن التسبيح للرجال والنساء على ظاهر قوله: من نابه شيء وهذا على عمومه في الرجال والنساء، وتأوّلوا قوله: فإن التصفيح: أي التصفيح من أعمال النساء (خارج الصلاة) على جهة الذم له، وقال آخرون منهم الشافعي والحسن بن حي وجماعة: إن المرأة إذا نابها شيء تصفق، انتهى. قال الأبي في ((الإكمال))(١): قوله: إنما التصفيح للنساء، قيل: هو ذم له في الصلاة، لأنه من فعل النساء، ولهوهن في غيرها، وقيل: هو نص لجوازه فيها للنساء، والأول هو مشهور قول مالك، ورأى أن قوله: من نابه شيء فليسبح، ناسخ لفعلهن، وبالثاني قال الشافعي، والأوزاعي، ونحوه لمالك لهذا الحديث، وحديث أبي هريرة: ((التسبيح للرجال والتصفيق للنساء))، وفي حديث: (يسبح الرجال ويصفق النساء)) وكان الرجال والنساء يصفقون في الصلاة والطواف، فأنزل تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاءُهُمْ عِندَ اَلْبَيْتِ﴾ الآية، فنهي الجميع، ثم أبيح للنساء لما يعتريهن في الصلاة، اهـ. 1 وفي ((المدونة))(٢): قال ابن القاسم: كان مالك يضعف التصفيق للنساء، ويقول: قد جاء حديث التصفيق، ولكن قد جاء ما يدل على ضعفه قوله: ((من نابه شيء في صلاته فليسبح))، وكان يرى التسبيح للرجال والنساء جميعاً، اهـ. قلت: وهو المعتمد عند المالكية كما في ((الشرح الكبير))(٣)، ومستدل الجمهور ما أخرجه أبو داود وغيره في حديث الباب بلفظ: ((إذا نابكم شيء فليسبح الرجال ولتصفق النساء)). قال ابن عبد البر: هذا قاطع في موضع (١) (٢/ ١٧٧). (٢) (٩٨/١). (٣) انظر: (٨٢٢/١). ٣٨٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢١) باب (٣٧٩ - ٣٨٠) حديث ٣٧٩/ ٦٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَلْنَفِتُ فِي صَلاتِهِ. ٣٨٠/ ٦٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرِ الْقَارِىءِ؛ أَنَّهُ ..... ےو قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَرَائِي، وَلا أَشْعُرُ، الخلاف، يرفع الإشكال لأنه فرق بين حكم الرجال والنساء، وقال القرطبي: بمشروعية التصفيق للنساء هو الصحيح خبراً ونظراً، لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقاً لما يخشى من الافتتان، اهـ. ٦٢/٣٧٩ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (لم يكن يلتفت في صلاته) أخرج ابن عبد البر عن نافع قال: سئل ابن عمر - رضي الله عنهما - أكان النبي ◌ّلّ يلتفت في الصلاة؟ قال: لا ولا في غير الصلاة، اهـ. وابن عمر - رضي الله عنهما - كان شديد الاتباع له ول﴾. قال ابن العربي (١): قال النبي ◌َّل في المصلي: ((فإن الله تلقاء وجهه))، فإذا كان تلقاء وجهه وهو يناجيه فليس من الأدب مع المخلوق صرف وجهك عنه، وأنت تكلمه فكيف مع الخالق!؟ وقد كان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لا يلتفت اقتداء بالنبي ◌ّ﴾ في أنه كان لا يلتفت، وإذا اعتاد العبد ذلك في غير الصلاة سهل عليه إمساك ذلك في الصلاة، وإذا كان لفُوتاً عسُر عليه ضبط ذلك في العبادة، وإذا كان النبي ◌ّ يلتفت فإنما كان لما يحتاج إليه، ألا ترى لما أصابه ذلك فيما لا يحتاج إليه في شأن الخميصة أخرجها من ملكه ولم يجعلها في بيته، واقتدت به في ذلك الصحابة، فخرجوا عن أموالهم التي ألهتهم في صلاتهم غيرها وكذلك فعل في قِرام عائشة، اهـ. ٦٣/٣٨٠ - (مالك، عن أبي جعفر القارئ) بالهمزة أحد القراء (أنه قال: كنت أصلي وعبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (ورائي) أي خلفي (ولا أشعر به) (١) ((عارضة الأحوذي)) (٧٢/٣). ٣٨٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٢) باب (٣٨١) حديث فَالْتَفَتُّ فَغَمَزَنِي. (٢٢) باب ما يفعل من جاء والإمام راكع ٣٨١/ ٦٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفِ؛ يعني لا أعرف وجوده هناك (فالتفت) بصيغة المتكلم (فغمزني) وفي رواية مصعب: فوضع يده في قفاي، يعني أشار إليه منكراً لفعله وآمراً له بإقباله على الصلاة. قال الباجي(١): ولعل ابن عمر - رضي الله عنهما - لم يكن في الصلاة، وإنما كان جالساً وراءه وأبو جعفر يتنفّل، فأنكر عليه الالتفات، ولو كان ابن عمر في صلاة لاشتغل بها عن الإنكار عليه، اهـ. (٢٢) ما يفعل من جاء والإمام راكع والروايات الواردة فيه صريحة في أنه يشترك مع الإمام في الركوع، وتقدم أن مدرك الركوع مع الإمام مدرك لتلك الركعة عند الجمهور، وغرض الترجمة كما يظهر من ملاحظة الروايات أن مدرك الإمام في الركوع هل يبتدئ الصلاة خلف الصف أو يدخل في الصف، وإن فاتته الركعة. ------ ٦٤/٣٨١ - (مالك، عن ابن شهاب عن أبي أمامة) بضم الهمزة، اسمه أسعد، وهو المشهور، وقيل: سعد، وقيل: قتيبة مشهور بكنيته (ابن سهل) بفتح فسكون (ابن حنيف) بضم المهملة وفتح النون الأنصاري، معروف بكنيته، معدود في الصحابة لأن له رؤية، ولم يسمع من النبي ◌ََّ، سماه النبي ◌َّ لما ولد قبل موته بسنتين باسم جده لأمه أسعد بن زرارة، وكناه ومسح رأسه فهو صحابي رؤية، تابعي رواية، قاله الزرقاني (٢). (١) ((المنتقى)) (٢٩٤/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٣/٢). ٣٨٦ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٢) باب (٣٨٢) حديث أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدَ النَّاسَ رُكُوعاً، فَرَكَعَ، ثُمَّ دَبَّ حَتَّى وَصَلَ الصَّفَّ. ٦٥/٣٨٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَدِبُّ رَاكِعاً. قال الحافظ في ((التقريب)): معدود في الصحابة، له رؤية، ولم يسمع من النبي وَل، مات سنة ١٠٠هـ، وله ٩٢ سنة، وأبوه صحابي شهير من أهل بدر. (أنه قال: دخل زيد بن ثابت المسجد) بالنصب (فوجد الناس) في الصلاة (ركوعاً) جمع راكع (فركع) زيد قبل أن يصل إلى الصف لما خاف أن يسبقه الإمام بالركعة (ثم دب) قال المجد: دب يدب دباً ودبيباً: مشى على هينته، اهـ. (حتى وصل الصف) أي راكعاً يعني مشى في حالة الركوع دبيباً حتى وصل الصف . ٦٥/٣٨٢ - (مالك، أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يدب راكعاً) وروي عن أبي هريرة خلافه، أخرج ابن عبد البر عن الأعرج، قال: قلت لأبي هريرة: يركع الإمام ولم أَصِلْ إلى الصف أفأركع؟ فأخذ برجلي قال: لا، يا أعرج، حتى تأخذ مقامك من الصف، قال: وقد روي قول أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي ◌َّر قال: ((إذا جاء أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف)) الحديث، واستحبه الشافعي، وأجاز مالك والليث للرجل وحده أن يركع ويمشي إلى الصف إذا كان قريباً، وكرهه أبو حنيفة والثوري للواحد، وأجازه للجماعة، كذا في ((الاستذكار))(١)، ومعنى إجازة الإمام أبي حنيفة للجماعة أنها تكون صفاً لحالها . واختلفت الروايات عن الإمام مالك في المسألة كما ذكرها الباجي، قال ابن رشد في ((البداية))(٢): ذهب مالك وكثير من العلماء إلى أن الداخل وراء (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤٤/٦). (٢) ((بداية المجتهد)) (١/ ١٥٠). ٣٨٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٢) باب (٣٨٢) حديث الإمام إذا خاف فوت الركعة بأن يرفع الإمام رأسه منها إن تمادى حتى يصل إلى الصف الأول: أن له أن يركع دون الصف الأول، ثم يدب راكعاً، وكره ذلك الشافعي، وفرّق أبو حنيفة بين الجماعة والواحد، فكرهه للواحد وأجازه للجماعة، وما ذهب إليه مالك مروي عن زيد بن ثابت وابن مسعود. وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في تصحيح حديث أبي بكرة(١) وهو: ((أنه دخل المسجد ورسول الله وقّة يصلي بالناس وهم ركوع فركع ثم سعى إلى الصف، فلما انصرف رسول الله وَ﴿ قال: من الساعي؟ قال أبو بكرة: أنا، قال: زادك الله حرصاً ولا تعد))، اهـ. قال العيني(٢): وروي عن ابن مسعود وزيد بن ثابت أنهما فعلا ذلك، ركعا دون الصف، ومشيا إلى الصف ركوعاً، وفعله عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وأبو سلمة وعطاء، وقال مالك والليث: لا بأس بذلك إذا كان قريباً قدر ما يلحق. وحدُّ القرب فيما حكاه القاضي إسماعيل عن مالك أن يصل إلى الصف قبل سجود الإمام، وقيل: يدبّ قدر ما بين الفرجتين، وفي ((الغنية)): ثلاثة صفوف، وفي (الأوسط)) من حديث عطاء: أن ابن الزبير قال على المنبر: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل، ثم يدب راكعاً حين يدخل في الصف، فإن ذلك السنة؛ قال عطاء: ورأيته يصنع ذلك. : وفي ((المصنف)) بسند صحيح عن زيد بن وهب قال: خرجت مع عبد الله من داره فلما توسطنا المسجد ركع الإمام، فكبر عبد الله، ثم ركع وركعت معه، ثم مشينا إلى الصف راكعين حتى رفع القوم رؤوسهم، فلما قضى الإمام (١) أخرجه البخاري في الأذان رقم (٧٨٣) باب ((إذا ركع دون الصف)). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٠٨/٤). ٣٨٨ - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٢) باب (٣٨٢) حديث الصلاة قمت لأصلي، فأخذ بيدي عبد الله، فأجلسني، وقال: إنك قد أدركت. وروي في ((المصنف)) أيضاً: أن أبا أمامة فعل ذلك، وزيد بن ثابت وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ومجاهد والحسن، وقال أبو حنيفة: يكره ذلك للواحد، ولا يكره للجماعة، ذكره الطحاوي، انتهى. قلت: القول بالكراهة هو أعدل الأقوال، لأن النبي ◌َ# أنكر على المصلي خلف الصف وحده، ولذا ذهب به إلى بطلانها جماعة، كما سيأتي، وإن كان الجمهور على خلافه للروايات الآخر. لكن لا تنزل من أن تؤثر في الكراهة على أن فيها جمعاً بين الأقوال والروايات، وفي ((البدائع))(١): ولو انفرد ثم مشى ليلحق بالصف، ذكر في ((الفتاوى)) عن محمد بن سلمة: أنه إن مشى في صلاته مقدار صف واحد لا تفسد، وإن مشى أكثر من ذلك فسدت، وهو اختيار الفقيه أبي الليث، سواء كان في المسجد أو الصحراء، وقدر بعض أصحابنا بموضع سجوده، وبعضهم بمقدار الصفين، إن زاد على ذلك فسدت صلاته، انتهى. قلت: واستدل الحنفية في ذلك على ما تقدم من الروايات بآثار كثيرة، منها ما أخرجه ابن أبي شيبة (٢) بسنده عن أبي هريرة قال: لا تكبر حتى تأخذ مقامك من الصف، وعن أبي المعلى قال: سئل الحسن عن الرجل يركع قبل أن يصل إلى الصف؟ فقال: لا يركع، وعن المغيرة قلت لإبراهيم: إذا دخلت المسجد والإمام راكع أركع قبل أن أنتهي إلى الصف؟ قال: أنت لا تفعل ذلك، وعن الأعرج عن أبي هريرة قال: إذا ركعت والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مقامك من الصف، قال أبو بكر: إذا كان هو وآخر ركع دون الصف، وإذا كان وحده فلا يركع، انتهى مختصراً. (١) انظر: (بدائع الصنائع)) (٥١٢/١). (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٨٧/١ - ٢٨٨). ٣٨٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٢) باب (٣٨٢) حديث ثم قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١): وفي هذا الباب صلاة الرجل خلف الصف وحده، واختلف العلماء في ذلك قديماً واحتج من قال: بالإعادة بحديث وابصة بن معبد أمره رسول الله وَ ير بالإعادة، ومن أجازه احتجَّ بحديث أبي بكرة قال له رسول الله وَّير: ((زادك الله حرصاً ولا تعد))، وقالوا: ليس في حديث وابصة أن رسول الله وَ ل﴿ إنما أمره بالإعادة من أجل صلاته خلف الصف وحده، لعله قد أمره بالإعادة لشيء رآه منه، وهذا خلاف ظاهر ما سيق له الحديث، واحتجوا أيضاً بحديث ابن مسعود وزيد في ركوعهما دون الصف، والركوع ركن من أركان الصلاة، قالوا: فكذلك سائر الصلاة، انتهى. وتقدم شيء من ذلك في جامع سبحة الضحى. قال العيني(٢): ودخول أبي بكرة في الصلاة دون الصف لما كان صحيحاً كانت صلاة المصلي كلها دون الصف صلاة صحيحة، وهو صلاة المنفرد خلف الصف، وبه قال الثوري وعبد الله بن المبارك والحسن البصري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي ومالك وأبو يوسف ومحمد، ولكن يأثم، أما الجواز فلأنه يتعلق بالأركان، وقد وجدت، وأما الإساءة فلوجود النهي عن ذلك. وقال حماد بن أبي سليمان وإبراهيم النخعي وابن أبي ليلى ووكيع والحكم والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وابن المنذر: من صلى خلف صف منفرداً فصلاته باطلة، واحتجوا بقوله وَالر: ((لا صلاة لفرد خلف الصف)) ومعناه: لا صلاة كاملة، كما في قوله وَالر: ((لا وضوء لمن لم يسم الله))، وقوله وَل: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)). (١) (٢٤٧/٦). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٠٨/٤). ٣٩٠ ۔۔ ---- --- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب صَلى الله وسام (٢٣) باب ما جاء في الصلاة على النبي واحتجوا بحديث وابصة بن معبد الأشجعي، أن رسول الله وَ له رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد، قال سليمان: الصلاة، رواه أبو داود وغيره، وصححه أحمد وابن خزيمة، والجواب عنه أن في سنده اختلافاً ثم ذكره. وفي (البدائع)): أن الأمر بالإعادة شاذٌ . (٢٣) ما جاء في الصلاة على النبي ◌َهَا الله وسيا وقال المجد: الصلاة الدعاء والرحمة والاستغفار وحسن الثناء من الله عز وجل على رسوله و18َّ- وعبادة فيها ركوع وسجود، اسم يوضع موضع المصدر، صلى صلاة، لا تصلية: دعا، انتهى. قال الرازي في «تفسيره)): الصلاة الدعاء، وهذا المعنى غير معقول في حق الله تعالى فإنه لا يدعو، لأن الدعاء للغير طلب نفعه من ثالث، انتهى. وقال الراغب: أصل الصلي لإيقاد النار، ويقال: صَلِيَ بالنار، وبكذا : أي بلي بها، وصليت الشاة: شويتها. والصلاة، قال كثير من أهل اللغة: هي الدعاء والتبريك، والتمجيد، يقال: صلّيت عليه أي دعوت له، وزكّيت، وقال عليه السلام: ((إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، وإن كان صائماً فليصلِّ)) أي ليدع لأهله، ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾(١) ﴿يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ﴾ ﴿وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ﴾. وصلاة الله للمسلمين هو في التحقيق: تزكيته إياهم، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾(٢)، ومن الملائكة هي الدعاء والاستغفار كما هي من الناس قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَبِّكَتَهُ يُصَلُونَ (١) سورة التوبة: الآية ١٠٣. (٢) سورة البقرة: الآية ١٥٧. ٣٩١ ١٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب عَلَى النَّبِيِّ﴾(١) والصلاة التي هي العبادة المخصوصة، أصلها الدعاء، وسميت بها كتسمية الشيء باسم بعض ما يتضمنه، وقال بعضهم: أصل الصلاة من الصلاء، ومعنى صلى الرجل أي أزال عن نفسه بهذه العبادة الصلاء الذي هو نار الله، وبناء صَلَّى كبناء مَرَّض لإزالة المرض، انتهى. وقال الزرقاني: الصلاة لغة الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادع لهم، والدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، فالعابد داع كالسائل، وبهما فسر قوله تعالى: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(٢) أي أطيعوني أثّبكم، أو سلوني أعطكم، وترد بمعنى الاستغفار كقوله بَل9: ((إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم))، فسر في رواية: أمرت أن أستغفر لهم، وبمعنى القراءة قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾(٣) فيختلف حال الصلاة بحسب حال المصلي، والمصلى له والمصلى عليه. ونقل البخاري عن أبي العالية أحد كبار التابعين صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته، وصلاة الملائكة: الدعاء، ورجح الشهاب القرافي أنها من الله المغفرة، وقال الرازي والآمدي: الرحمة، وتُعقِّب بأنه غاير بينهما في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتُ مِنْ زَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ . .--- قال ابن الأعرابي: الصلاة من الله الرحمة، ومن الآدمين وغيرهم من الملائكة والجن: الركوع والسجود والدعاء والتسبيح، ومن الطير والهوام التسبيح، قال تعالى: ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِحَةٌ﴾(٤) انتهى. (١) سورة الأحزاب: الآية ٥٦. (٢) سورة غافر: الآية ٦٠. (٣) سورة الإسراء: الآية ١١٠. (٤) سورة النور: الآية ٤١. ٣٩٢ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٣) حديث ٦٦/٣٨٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِهِ، قال الحافظ في ((الفتح)) (١) بعد سرد الأقوال في ذلك: وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية، أن معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة، وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة، فصلاته على أنبيائه ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شيء. ونقل عياض عن بكر القشيري قال: الصلاة على النبي ◌ّ من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ◌َّه وبين سائر المؤمنين حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَبِّكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وقال قبل ذلك: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَبِكَتُهُ﴾ ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ◌ّر من ذلك أرفع مما يليق بغيره. قال الحليمي: والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، هذا ما يتعلق بلفظ الصلاة، وسيأتي الكلام في حكم الصلاة في آخر الباب. ٦٦/٣٨٣ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) هكذا في النسخ التي بأيدينا من النسخ الهندية، وأما في المصرية فبلفظ: عبد الله بن أبي بكر بن حزم، ويظهر من كلام العلامة الزرقاني أن رواية يحيى هكذا بنسبة أبيه إلى جده، وأما رواية ابن وضّاح وغيره فعلى الأصل بذكر سائر نسبه (عن أبيه) أبي بكر بن محمد، وروايته عن عمرو بن سليم من الأقران كذا في ((الفتح)). (١) ((فتح الباري)) (١٥٦/١١) باب الصلاة على النبي وَ ل. ٣٩٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٣) حديث عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدِ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ قَالُوا : (عن عمرو) بفتح العين (ابن سليم) بضم السين المهملة مصغراً (الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء وكسر القاف (أنه قال: أخبرني) بالإفراد (أبو حميد) بضم الحاء المهملة (الساعدي) الصحابي الشهير، اسمه المنذر بن سعد بن مالك، أو المنذر بن سعد بن المنذر، وقيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل : عمرو، شهد أحداً وما بعدها، عاش إلى أول سنة ٦٠هـ، قال الواقدي: توفي في آخر خلافة معاوية، أو أول خلافة يزيد. (أنهم) أي الصحابة (قالوا) قال الحافظ: وقع في معظم الروايات عن كعب بن عجرة قلنا بصيغة الجمع، وكذا وقع في حديث أبي سعيد عند البخاري والمراد الصحابة أو من حضر منهم، ووقع عند السراج والطبراني من رواية قيس بن سعد عن الحكم به: أن أصحاب رسول الله مَّلل قالوا، وقال الفاكهاني: الظاهر أن السؤال صدر من بعضهم لا من جميعهم، ففيه التعبير عن البعض بالكل . ثم قلنا: ويبعد جداً أن يكون كعب هو الذي باشر السؤال منفرداً، وأتى بالنون التي للتعظيم، بل لا يجوز ذلك، وأن النبي وَ# أجاب بقوله: ((قولوا))، فلو كان السائل واحداً لقال قل، اهـ. قال الحافظ(١): ولم يظهر لي وجه نفي الجواز، وما المانع أن يسأل الصحابي الواحد عن الحكم، فيجيب ◌َّله بصيغة الجمع إشارة إلى اشتراك الكل في الحكم، ويؤيده أن في نفس السؤال قد عرفنا كيف نسلم عليك؟ فكيف نصلي؟ كلها بصيغة الجمع، فدل على أنه سأل لنفسه ولغيره، فحسن الجواب بصيغة الجمع، اهـ. (١) (فتح الباري)) (١١/ ١٥٣). ٣٩٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٣) حديث يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ ثم قال الحافظ: ووقفت من تعيين من باشر السؤال على جماعة: أبيّ بن كعب في الطبراني، هكذا حكاه الزرقاني(١)، والأصل الذي بأيدينا من ((الفتح)) فيه وهم كعب بن عجرة عند الطبراني، اهـ. وبشير بن سعد عند مالك ومسلم، وزيد بن خارجة عند النسائي، وطلحة بن عبيد الله عند الطبراني، وأبو هريرة عند الشافعي، وعبد الرحمن بن بشير عند القاضي إسماعيل، وكعب بن عجرة عند ابن مردويه، كذا حكاه الزرقاني، وليس في الأصل الذي بأيدينا، ثم وجدته في كتاب ((التفسير)) ثم قال: إن تعدد السائل فواضح، وإن ثبت أنه واحد، فالتعبير بصيغة الجمع إشارة إلى أن السؤال لا يختص به، بل يريد نفسه ومن وافقه على ذلك، اهـ. قلت: ولفظ حديث أبي حميد أنهم قالوا صريح في سؤال الجمع، قال السيوطي في (الدر المنثور)): وأخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن مردويه عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا: يا رسول الله، الحديث (يا رسول الله: كيف نصلي عليك؟) أي كيف اللفظ الذي يليق بشأنك؟ وفي الترمذي وغيره عن كعب بن عجرة لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَّهُ﴾ الآية، قلنا: يا رسول الله قد علمنا السلام، فكيف الصلاة؟ الحديث. قال الحافظ: اختلفوا في المراد بقولهم: كيف؟ فقيل: المراد عن معنى الصلاة، وقيل: عن صفتها، قال ابن عبد البر: سألوه لما احتمل لفظ الصلاة من المعاني، وإليه مال عياض إذ قال: لما كان لفظ الصلاة المأمور بها يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم، سألوا بأي لفظ تؤدى، هكذا قال بعض المشايخ. كذا في ((الفتح)). وقال الباجي: الصلاة في كلام العرب الدعاء والرحمة إلا أن الصلاة التي أمرنا بها هي الدعاء، وإنما سألوه عن صفة الصلاة لا عن جنسها؛ لأنهم لا يؤمرون بالرحمة، وإنما يؤمرون بالدعاء إلا أن (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٤/١). ٣٩٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٣) حديث الدعاء بألفاظ كثيرة وعلى صفات مختلفة فسألوا هل لذلك صفة تختص به؟ فأعلمهم أن المشروع في ذلك صفة مخصوصة، اهـ. قال الحافظ (١): وهو أظهر لأن لفظ كيف ظاهر في الصفة، وأما الجنس فيسأل عنه بلفظ ما، وبه جزم القرطبي فقال: هذا سؤال من أشكلت عليه كيفية ما فهم أصله، اهـ. والحامل لهم على ذلك أن السلام لما كان بلفظ مخصوص فهموا منه أن الصلاة أيضاً تقع بلفظ مخصوص، فوقع الأمر كما فهموا، فإنه وَّ لم يقل لهم: قولوا: الصلاة عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا الصلاة والسلام عليك، بل علمهم صيغة أخرى كذا في ((الفتح)). قلت: سبب السؤال يحتمل أموراً متعددة، الأول: ما تقدم من كلام عياض وابن عبد البر: أن لفظ الصلاة كان مشتركاً بين المعاني. والثاني: ما أشار إليه كلام الباجي المتقدم. والثالث: ما أخرجه ابن جرير عن عبد الرحمن بن أبي كثير بن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَنَّهُ﴾ الآية، قالوا: يا رسول الله هذا السلام قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((قولوا: اللهم صلِّ على محمد))، الحديث. فعلم أنهم فهموا من لفظ الصلاة الاستغفار المرتب على الذنب وكان منفياً في حقه وَ﴾، فاحتاجوا إلى السؤال واختلفوا في معنى قولهم: هذا السلام قد عرفنا، فقيل: سلام التحليل، وقيل غير ذلك. والأوجه عندي وعليه الجمهور: أن المراد ما في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وقد علموا التشهد قبل ذلك، وسيأتي في الحديث الآتي. والرابع: ما قاله الطيبي إن معنى قول الصحابي: علمنا كيف السلام عليك؟ أي في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ الآية، (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٥/١١) باب الصلاة على النبي وَّل. ٣٩٦ ۔ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٣) حديث فَقَالَ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، فكان السؤال عن الصلاة على الآل تشريفاً لهم، حكاه الحافظ (١) ثم رده. (فقال) وَله: (قولوا: اللهم) قال الحافظ(٢): هذه كلمة كثر استعمالها في الدعاء، وهو بمعنى: يا الله، والميم عوض عن حرف النداء، وبسط الحافظ الكلام في لغته، وقال العيني: هذا من خصائص اسم الله تعالى كما اختص بالباء في القسم، وبقطع الهمزة في: ((يا الله)) وبغير ذلك، ثم بسط في ذلك (صلِّ على محمد) بسط القاري في تسميته بمحمد بنّره، واختلف في زيادة لفظ السيادة في أوله، وسيأتي الكلام عليه في الحديث الآتي. قال العيني(٣): معناه: عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وتضعيف أجره ومثوبته، وقيل: لما أمرنا الله بالصلاة عليه ولم نبلغ قدر الواجب في ذلك أحلنا على الله وقلنا: اللهم صلِّ على محمد، انتهى. (وأزواجه وذريته) قال الباجي(٤): أما الأزواج فهن معروفات، وأما الذرية فمن كانت للنبي مّ﴾ ولادة من ولده وولد ولده ممن تبع النبي وهلر وأطاعه، قال إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِ مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِى) الآية. وقال الحافظ: الذرية بضم المعجمة، وحكي كسرها هي النسل، وقد يختص بالنساء والأطفال، وقد يطلق على الأصل، وهي من ذرأ بالهمز، أي خلق إلا أن الهمزة سهلت لكثرة الاستعمال، وقيل: بل هي من الذر، أي خلقوا أمثال الذر، وعليه فليس مهموز الأصل، انتهى. قال القاري(٥): من الذرء وهو الأصل أو من ذر؛ أي فرق، أو من الذر، وهو النمل الصغير (١) انظر: ((فتح الباري)) (١١ / ١٥٧). (٢) المصدر السابق (١٥٥/١١). (٣) ((عمدة القاري)) (٨٣/١١). (٤) ((المنتقى)) (٢٩٥/١). (٥) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٩/٢). ٣٩٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٣) حديث كَمَا صَلَّيْتَ الخلقهم أولاً على صورته. قال ابن حجر: هي نسل الإنسان من ذكر وأنثى، وعند أبي حنيفة وغيره: لا يدخل فيه أولاد البنات إلا أولاد بناته وَّر، اهـ. قال السخاوي: فالذرية الأولاد وأولادهم، وهل يدخل أولاد البنات؟ فمذهب الشافعي ومالك وهو رواية عن أحمد: أنهم يدخلون لإجماع المسلمين على دخول أولاد فاطمة في ذرية النبي ◌َّر، وحكى ابن الحاجب الاتفاق على دخول ولد البنات، قال: لأن عيسى عليه السلام من ذرية إبراهيم عليه السلام، وسامحه الشراح في نقل الاتفاق، ومذهب أبي حنيفة ورواية أخرى عن أحمد: أنهم لا يدخلون؛ واستثنوا أولاد فاطمة - رضي الله عنها - لشرف هذا الأصل العظيم، اهـ. (كما صليت) أشكل في التشبيه لأن الأصل أن المشبه دون المشبه به، والواقع ههنا عكسه، لأن محمداً وسلّ وحده أفضل من إبراهيم وآله، وأجيب بأنه قد يكون عكسه كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كِشْكَوْمٍ فِهَا مِصْبَامٌ﴾ الآية، وأين نوره تعالى من نور المشكاة وبأنه قاله قبل علمه بأنه أفضل، كما بسطه الزرقاني، أو قاله تواضعاً أو التشبيه في أصل الصلاة لا القدر، ورجحه في ((المفهم))، أو باعتبار الشهرة في العالم، فهو من باب إلحاق ما لم يشتهر بما اشتهر، لا من باب إلحاق الناقص بالكامل، ويؤيده ختم الدعاء، فإنه لم يقع في العالمين إلا في ذكر إبراهيم دون ذكر آل محمد وَ له. وبسط الكلام عليه الحافظ في ((الفتح))(١) فقال: اشتهر السؤال عن موقع التشبيه مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به، والواقع هاهنا عكسه لأن محمداً وَّل وحده، أفضل من إبراهيم وآله، ولا سيما قد أضيف إليه آل محمد، ثم أجاب عنه بعشرة (٢) أجوبة فارجع إليه إن شئت. (١) (فتح الباري)) (١٥٩/١١ - ١٦١) باب الصلاة على النبي ◌َّثلل. (٢) بل بثلاثة عشر، اهـ، ((ش)). ٣٩٨ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٣) حديث عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وقال: وجدت في مصنف لمجد الدين الشيرازي اللغوي جواباً آخر نقله عن بعض أهل الكشف(١) حاصله: أن التشبيه بغير اللفظ المشبه به لا لعينه، وذلك أن المراد بقولنا: اللهم صلِّ على محمد اجعل من أتباعه من يبلغ النهاية في أمر الدين كالعلماء بشرعه بتقريرهم أمر الشريعة، كما صليت على إبراهيم بأن جعلت في أتباعه أنبياء يقررون أمر الشريعة، والمراد بقوله: وعلى آل محمد اجعل من أتباعه ناساً محدثين بالفتح، يخبرون بالمغيبات، كما صليت على آل إبراهيم بأن جعلت فيهم أنبياء يخبرون بالمغيبات، والمطلوب حصول صفات الأنبياء لآل محمد وهم أتباعه في الدين كما كانت حاصلة بسؤال إبراهيم، وهذا محصل ما ذكره وهو جيد، إن سلم أن المراد بالصلاة ما ادعاه، كذا في ((الفتح)). (على آل إبراهيم) هكذا في النسخ المصرية، ونسخة الزرقاني و ((التنوير)) بزيادة لفظ: الآل، وليست هذه الزيادة في النسخ الهندية، والظاهر سقوط من الناسخ لاتفاق الشروح عليها، وبسط الحافظ الكلام على لفظ الآل في ((الفتح))(٢) فارجع إليه إن شئت، والجملة قيل: أصل آل أهل قلبت الهاء همزة ثم سهلت، ولذا إذا صغر رد إلى الأصل فقالوا: أهيل، وقيل: بل أصله أول من آل إذا رجع، سمي بذلك من يؤول إلى الشخص ويضاف إليه، ويقويه أنه لا يضاف إلا إلى معظم، فيقال: آل القاضي، ولا يقال: آل الحجام. قال ابن رسلان: أصله عند بعضهم أول بحركة الواو فقلبت ألفاً مثل قال، انتهى. ثم قال ابن عبد البر: يدخل فيه إبراهيم، وآل محمد يدخل فيه محمد، ومن هنا جاءت الآثار مرة بإبراهيم، ومرة بآل إبراهيم، ومعلوم أن قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوْ ءَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اٌلْعَذَابِ﴾ إن فرعون داخل معهم، وسيأتي (١) وهو الشيخ الأكبر، اهـ، ((ش)). (٢) (١١/ ١٥٧). ٣٩٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (٢٣) باب (٣٨٣) حديث الكلام على ذكر لفظ الآل في الموضعين في الحديث الآتي، قال الباجي (١): وآل إبراهيم أتباعه، ويحتمل أن يريد بذلك أتباعه من ذريته، ويحتمل أن يريد أتباعه من كل من اتبعه، وإلى هذا ذهب مالك محتجاً بالآية المذكورة أن المراد أتباعه من رهطه وغيره. قال الباجي: والأظهر عندي أن الآل الأتباع والعشيرة. قال الحافظ في ((الفتح))(٢): واختلف في المراد بآل محمد في هذا الحديث فالراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة، وهذا نص عليه الشافعي، واختاره الجمهور، وقال أحمد: المراد بآل محمد في حديث التشهد أهل بيته، وعلى هذا فهل يجوز أن يقال: أهل عوض آل؟ روايتان عندهم، وقيل: المراد أزواجه وذريته لأن أكثر طرق الحديث جاء بلفظ آل محمد وجاء في حديث أبي حميد موضعه وأزواجه وذريته، فدل على أنهما المراد بآل. وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في حديث أبي هريرة، فيحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره، فالمراد بالآل في التشهد الأزواج ومن حرمت عليهم الصدقة، وقيل: المراد ذرية فاطمة خاصة، حكاه النووي في ((شرح المهذب)) وقيل: هم جميع قريش حكاه ابن الرفعة في ((الكفاية))، وقيل: المراد جميع الأمة أمة الإجابة، مال إلى ذلك مالك - رضي الله عنه -، واختاره الأزهري، وحكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الشافعية، ورجحه النووي في (شرح مسلم)) وقيده القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّ الْمُتَّقُونَ﴾، اهـ. وقال أيضاً: قوله: على آل إبراهيم هم ذريته من إسماعيل وإسحاق كما (١) ((المنتقى)) (٢٩٥/١). (٢) (١٦٠/١١). ٤٠٠