النص المفهرس
صفحات 341-360
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٢) حديث والفضل من حيث كثرة الخطا فالحيثية مختلفة، وصرح ابن العماد بأن الدار البعيدة أفضل، قاله القاري(١). وقال ابن حجر: محل ذاك فيمن لم يفته ببعد دار مهم ديني، كتعليم علم، وتعلمه، ونحوهما من فروض الكفايات، وإلا فالقريبة أفضل في حقه كالضعيف عن المشي، انتهى. والأوجه عندي أن الدار القريبة من المسجد أفضل، وقد عرفت أنه لا يخالفه أحاديث كثرة الخطا إلى المسجد، بل يؤيده حديث شؤم الدار بعده عن المسجد، وأما حديث بني سلمة فكان لعارض وهو كراهة أن تعرى المدينة، فالمعنى: إن فات عنكم بعض الفوائد حصل لكم بعض العوائد وإليه أشار أنس - رضي الله عنه - إذ قال: فكره رسول الله وَّل أن يعرو المدينة. قال الحافظ(٢) في شرح حديث بني سلمة: وفي الحديث استحباب السكنى بقرب المسجد إلا لمن حصلت به منفعة أخرى، أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشي ما لم يحمل على نفسه، ووجهه أنهم طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذي علموا، فما أنكر عليهم النبي 0َّ ذلك بل رجح درء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة على المصلحة المذكورة، وأعلمهم بأن لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى بقرب المسجد أو يزيد علیه، انتهى. قلت: وروى أحمد بسنده عن حذيفة رفعه ((فضل الدار القريبة من المسجد على الدار الشاسعة، كفضل الغازي على القاعد»، كذا في ((جمع الفوائد)) [وكذا في أصل ((مسند أحمد))، ويشكل عليه ما في ((المرقاة))(٣) روى (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٤/٢، ١٩٥). (٢) ((فتح الباري)) (١٤٠/٢، ١٤١). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٥/٢). ٣٤١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٢) حديث وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، أحمد خبر: ((فضل الدار البعيدة عن المسجد على القريبة كفضل الفارس على القاعد))]، ولَيَّنَه على أن الحديث من باب الفضائل منجبرٌ بما تقدم. ويؤيده أيضاً أمره وَّ ببناء المساجد في الدور، ويؤيده أيضاً حديث أبيّ بن كعب عند مسلم، وأبي داود في قصة الأنصاري بعيد الدار من المسجد، فقيل له، فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، قال أُبيّ: فحملت به حملاً، الحديث. فهذه الشكوى من الصحابة، وتقريره عليه السلام على ذلك كالنص على أن فضل قرب المسجد كان معروفاً، فتأمل. هذا وقد بنى النبي ◌َّ حجراته حول المسجد وكفى به قدوة في الفضل. قال القاري(١): ولا دلالة في الحديث على فضل الدار البعيدة عن المسجد، كما ذكره ابن حجر فإنه لا فضلية للبعد في ذاته بل في تحمل المشقة المترتبة عليه، ولذا لو كان للدار طريقان إلى المسجد، ويأتي من الأبعد ليس له ثواب على قدر الزيادة، وإنما رغب في الحديث على كثرة الخطا تسلية لمن بعد داره، انتهى . وفي (الشرح الكبير)) من فقه الحنابلة: هل الأولى قصد الأبعد أو الأقرب؟ على روايتين، إحداهما: قصد الأبعد أفضل لتكثر خطاه في طلب الثواب فتكثر حسناته، ولرواية أبي موسى مرفوعاً: ((أعظم الناس أجراً بأبعدهم فأبعدهم ممشىً))، والثانية: قصد الأقرب؛ لأن له جواراً فكان أحق بصلاته، كما أن الجار أحق بهدية جاره، انتهى. قلت: ولأن بناء المساجد في الدور مأمور به، وامتثال الأمر أولى من اكتساب الفضائل . (وانتظار الصلاة بعد الصلاة) بأن يصلي في جماعة ثم يجلس في المسجد (١) المصدر السابق (٣٢٢/١). ٣٤٢ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٢) حديث ينتظر الصلاة الأخرى، قال الباجي(١): وهذا يختص بالصلاتين، يصلي الظهر فينتظر العصر، ويصلي المغرب فينتظر العشاء، أما انتظار الصبح بعد العشاء فلم يكن من عمل الناس، ولأنه وقت يتكرر فيه الحدث، وكذلك انتظار الظهر بعد الصبح، وأما انتظار المغرب بعد العصر فلا أذكر الآن فيه نصاً، وحكمه عندي حكم انتظار الظهر بعد الصبح، والذي يتقرر في نفسي أني رأيت فيه رواية عن مالك، ولا أذكر موضعها الآن، انتهى. قلت: والأوجه عندي إلحاقها بانتظار العشاء بعد المغرب؛ لأنه وقت لا يتكرر فيها الحدث، وهو مختار ابن العربي، كما سيأتي في كلامه، ويؤيده ما تقدم من حديث أبي هريرة في ساعة الجمعة، وقول عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله وَالر: ((من جلس مجلساً ينتظر فيه الصلاة))، الحديث. وقد توافق عبد الله بن سلام وأبو هريرة كلاهما في أن انتظار المغرب داخل في ذلك، ويؤيده أيضاً ما في ((الإحياء)) عن الحسن: أن رسول الله وَلو كان فيما يذكر من رحمة ربه يقول: ((إنه تعالى قال: يا ابن آدم اذكرني بعد صلاة الفجر ساعة وبعد صلاة العصر ساعة، أكفك ما بينهما)). وفي ((الأذكار)) للنووي عن ابن السني(٢) بإسناد ضعيف عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَلجر: ((لأن أجلس مع قوم يذكرون الله عز وجل من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحبُّ إليّ من أن أعتق ثمانياً من ولد إسماعيل)) . وفي ((الدر المنثور)): أخرج أحمد عن أبي أمامة: أن رسول الله وسلّم قال: ((لأن أقعد أذكر الله وأكبِّره وأحمده وأسبِّحه وأهلله حتى تطلع الشمس أحبُّ (١) ((المنتقى)) (٢٨٥/١). (٢) انظر: ((عمل اليوم والليلة)) لابن السني (ص ٦٢١) رقم الحديث (٦٧٠). ٣٤٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٢) حديث إليّ من أن أعتق رقبتين أو أكثر من ولد إسماعيل، ومنبعد العصر حتى تغرب الشمس))، الحديث. وقد ندب إلى التسبيح في المساء والعشي في عدة آيات، فيناسب قيام المساجد انتظار الصلاة ذاكراً لله تعالى، قال تعالى في سورة آل عمران(١): ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبْحَ بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ﴾، وفي سورة مريم(٢): ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُواْ بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، وفي سورة طه (٣): ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْ ءَنٍَّ الَّتْلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾، وفي سورة النور(٤): ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ )﴾، ١٧ وَاْأَصَالِ﴾، وفي سورة الروم(٥): ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وفي سورة الأحزاب (٦): ﴿وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَةً وَأَصِيلًا (3َ﴾﴾﴾، وفي سورة صّ(٧): ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، وفي سورة المؤمن(٨): ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ﴾، وفي سورة الفتح (٩): ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وفي سورة قّ(١٠): ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَيْكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ اَلْغُرُوبِ﴾ وهذا كله على رأي الباجي. وإلا فالأوجه عندي عموم الحكم لسائر الصلوات. وقال الأبي(١١): ليس في الحديث ما يدل على قصره على مشتركي الوقت لولا ما ذكر - أي الباجي - من أنه ليس من عمل الناس، انتهى. قلت: لكنه معتاد كما هو معلوم، وصرح به ابن العربي كما سيأتي من كلامه إذ قال في ((العارضة)): ويحتمل أن يراد به تعلق القلب بالصلاة فيعم الخمس، انتهى. قلت: وهكذا في ((الإكمال))، وسيأتي كلام ابن العربي بتمامه. (١) الآية: ٤١. (٢) الآية: ١١. (٣) الآية: ١٣٠. (٤) الآية: ٣٦. (٥) الآية: ١٧. (٦) الآية: ٤٢. (٧) الآية: ١٨. (٩) الآية: ٩. (١١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٢/٢). (٨) الآية: ٥٥. (١٠) الآية: ٣٩. ٣٤٤ .---- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٢) حديث فَذْلِكُمُ الرِّبَاطُ، والعموم هو الأوجه في نظري القاصر فإن النبي ◌َّ﴾ ندب إلى انتظار الصلاة بعد الصلاة مطلقاً في روايات كثيرة، ولم يخص صلاة دون صلاة، وحكى النووي في ((شرح مسلم)»(١) قول الباجي، ثم قال: وفيه نظر، ثم قال المظهري: إما أن ينتظر في المسجد، أو يكون في بيته، أو يشتغل بكسبه، وقلبه متعلق بها ينتظر حضورها فكل ذلك داخل في هذا الحكم، ويؤيده حديث: ((ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليها))، انتهى. واختاره القاري(٢) إذ قال: يعني إذا صلى جماعة أو منفرداً ثم ينتظر صلاة أخرى ويعلق فكره بها بأن يجلس في المسجد، أو في بيته ينتظرها، أو يكون في شغله، وقلبه معلق بها، انتهى. قلت: والحديث الذي أشار إليه المظهري يأتي في ((الموطأ)) بلفظ: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود)) الحديث. وقال ابن العربي (٣): قوله: انتظار الصلاة بعد الصلاة أراد به وجهين؛ أحدهما: الجلوس في المسجد، وذلك يتصور بالعادة في ثلاث صلوات: العصر والمغرب، والعشاء، وفي العبادة في أربع: في هذه، وفي الصبح، ولا تكون بين العتمة والصبح. والثاني: تعليق القلب بالصلاة، والاهتمام لها والتأهب لها، وذلك يتصور في الصلوات كلها، انتهى. (فذلكم) المذكور من الثلاثة عند الطيبي، وابن عرفة، والقاضي، كما حكى عنه القاري، أو الإشارة لانتظار الصلاة كما عليه ابن عبد البر، وقال الأبي: إنه الأظهر (الرباط) المرغب فيه، أو أفضل أنواعه، أو الرباط المتمكن (١) انظر: ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (١٤١/٣). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢٢/١). (٣) ((عارضة الأحوذي)) (٦٨/١). ٣٤٥ -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٣) حديث فَذْلِكُمُ الرَِّاطُ، فَذَلِكُم الرِّبَاطُ)). أخرجه مسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ١٤ - باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، حديث ٤١. ٥٦/٣٧٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّب قَالَ: يُقَالُ المتيسر، (فذلكم الرباط) أطلق عليه الرباط لأنه ربط نفسه على هذا العمل وحبسها عليه، يقال: رابطت أي لازمت الثغر (فذلكم الرباط) كرره ثلاثاً تأكيداً وتعظيماً لشأنه، وقال مسلم في ((صحيحه)) (١): ليس في حديث شعبة ذكر الرباط، وفي حديث مالك ردّد مرتين: فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، انتهى. وفي ((المشكاة)): وفي رواية الترمذي: ثلاثاً، وأخرج الترمذي أولاً برواية علي بن حجر، وذكر فيه: فذلكم الرباط، مرة واحدة، ثم قال: وقال قتيبة في حديثه: فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، ثلاثاً، انتهى. قال الزرقاني (٢): كذا قال مسلم بناء على رواية معن عنده، وإلا فأكثر ((الموطآت)) ثلاثاً، وكذا قال، أخرجه الشافعي والترمذي والنسائي كلهم من طريق مالك ثلاثاً، انتهى. قيل: أراد أن ثوابه كثواب الرباط، قال ابن العربي(٣): أراد به تفسير قوله تعالى: ﴿أَصْبُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ وقد بيناه في كتاب ((سراج المريدين)) من القسم الرابع، انتهى. قلت: وأخرج السيوطي عن جماعة من الصحابة أن الآية نزلت في انتظار الصلاة بعد الصلاة. ٥٦/٣٧٣ - (مالك، أنه بلغه) تقدم الكلام على بلاغات مالك في محله (أن سعيد بن المسيب قال: يقال) اختلف أهل الفن في أن مثل هذا الكلام (١) (٢١٩/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٧/١). (٣) ((عارضة الأحوذي)) (٦٨/١). ٣٤٦ ------------ - - ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٣) حديث لا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، بَعْدَ النِّدَاءِ، إِلَّا أَحَدٌ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ، إِلا مُنَافِقٌ. يكون موقوفاً أو مرفوعاً إذا كان من الصحابي، أو مقطوعاً أو غير ذلك، محل بحثه في أصول الحديث، وسيأتي عن ابن عبد البر: أن الحديث مما لا يدرك بالقياس، قلت: بل روي مرفوعاً نصاً، أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) عن سعيد بن المسيب أن النبي وَّير قال: ((لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق، إلا أحد أخرجته حاجة وهو يريد الرجوع))، قال الزيلعي(١): ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)): أخبرنا ابن عيينة ثني عبد الرحمن بن ديلم عن ابن المسيب، فذكره (لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء) أي الأذان، لأنه دعاء إلى صلاة الجماعة، فمن خرج فقصده خلافهم وتفريق جماعتهم وهذا ممنوع باتفاق، قاله الزرقاني. (إلا أحد يريد الرجوع إليه) أي إلى المسجد، ويخرج لضرورة قد حدثت له كالحدث وغيره (إلا منافق) يعني أن ذلك من أفعال المنافقين. قال ابن عبد البر(٢): هذا لا يقال مثله بالرأي، ولا يكون مثله إلا توقيفاً، وقد أخرج الطبراني هذا المعنى مرفوعاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َلي: ((لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق)) . وقريب منه ما في مسلم وأبي داود وأحمد عن أبي الشعثاء قال: كنا قعوداً في المسجد مع أبي هريرة فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة (٣): أما هذا فقد (١) ((نصب الراية)) (١٥٥/٢). (٢) انظر: ((التمهيد)) (٢١٢/٢٤). (٣) رواه مسلم (٦٥٥)، وأبو داود (٥٣٦)، والترمذي (٢٠٤)، والنسائي (٢٩/٢)، وابن ماجه (٧٣٣). ٣٤٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (١٩) باب النهي عن الجلوس لمن دخل المسجد قبل أن يصلي عصى أبا القاسم ( 14، زاد في رواية أحمد ثم قال أبو هريرة: أمرنا رسول الله وَلو إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي، قاله الزرقاني(١). قلت: وفي ((المشكاة)) أخرج هذا المعنى عن عائشة برواية أحمد، وعن عثمان برواية ابن ماجه، قال الباجي(٢): هذا في من لم يصل تلك الصلاة، فأما من صلاها فلا يخلو أن يكون صلاها في جماعة، فيخرج من المسجد عند النداء والإقامة، وإن صلاها فذاً. فقال ابن الماجشون: لأن يخرج من المسجد ما لم تقم عليه الصلاة، فإذا أقيمت لزمه أن يعيدها في الجماعة، انتهى. قلت: وكذلك عند الحنفية إلا أنهم قالوا: من صلاها منفرداً لا يعيد العصر والمغرب والفجر كما تقدم مفصلاً في محله لعدم جواز التطوع بها، وفي ((الهداية)) (٣): ومن دخل مسجداً قد أذن فيه يكره له أن يخرج حتى يصلي لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يخرج من المسجد بعد النداء))، الحديث. إلا إذا كان ينتظم به أمر جماعة، لأنه ترك صورة تكميل معنى، وإن كان قد صلى وكانت الظهر والعشاء فلا بأس بأن يخرج لأنه أجاب داعي الله مرة إلا إذا أخذ المؤذن في الإقامة، لأنه يتَّهم لمخالفة الجماعة عياناً، وإن كانت العصر أو المغرب أو الفجر خرج، وإن أخذ المؤذن في الإقامة لكراهية النفل بعدها، انتھی . (١٩) النهي عن الجلوس لمن دخل المسجد قبل أن يصلي اختلفت النسخ في ذكر هذه الترجمة، فلا توجد في النسخ المصرية (٤) (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٧/١). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٥/١). (٣) ((الهداية مع فتح القدير)) (٤١٣/١). (٤) هذه الترجمة لا توجد في نسخة ف. ٣٤٨ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (٣٧٤) حديث ٣٧٤/ ٥٧ - حَدّثني يَحْبَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴾ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، ولا الشروح من ((التنوير)) وغيره، وتوجد في النسخ الهندية، والأولى وجودها، وسيأتي الكلام على الفقه في الحديث. ٥٧/٣٧٤ - (مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي القرشي أبو الحارث المدني التابعي، ثقة عابد مات سنة ١٢١ هـ، وفي ((رجال جامع الأصول)): مات قبل هشام بن عبد الملك أو بعده بقليل، ومات هشام سنة ١٢٤ هـ (عن عمرو) بفتح العين (ابن سليم) بضم السين ابن خلدة بسكون اللام (الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء بعدها قاف، ثقة من كبار التابعين، ويقال: له رؤية، مات سنة ١٠٤ هـ. (عن أبي قتادة الأنصاري) فارس رسول الله وَّ (أن رسول الله وَل قال: إذا دخل أحدكم المسجد) بالنصب، وهو متوضٍ ولا يكون هناك مانع كما سيجيء، قال ابن رسلان: يدخل في عمومه المجتاز، ونازع في ذلك ابن دقيق العيد لقوله: لا يجلس فإنه علق النهي عن الجلوس بالصلاة، فإذا لم يكن جلوس، انتهى النهي. وقيل: فيه نظر لأن الجلوس بخصوصه ليس هو المقصود بالتعليق عليه، بل المقصود هو الحصول في بقعة كما نَبَّه عليه إمام الحرمين، والنهي عن الجلوس إنما ذكر للتنبيه على أنه لا يشتغل بشيء غير صلاة ركعتين، قال الرمادي: ويدل على ذلك أنه لو دخل ونام أو استمر قائماً فإنه يكره له ذلك حتى يصلي، وحديث أبي داود مصرح بذلك، فإنه أخرجه بلفظ: ((إذا جاء أحدكم المسجد فليصلِّ ركعتين)) انتهى. وفي العيني(١): فإن دخل مجتازاً خفّف في ذلك مالك، انتهى. وفي (١) ((عمدة القاري)) (٤٦٧/٣). ٣٤٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (٣٧٤) حديث فَلْیَرْکَعْ ((الشرح الكبير)) للمالكية: وندب تحية مسجدٍ لداخل يريد جلوساً، انتهى. وفي هامش ((روضة المحتاجين)): يندب لكل داخل أي وإن كان محدثاً، وغير مريد الجلوس في المسجد على المعتمد، انتهى. وقريب منه ما في ((نيل المآرب)) (١) للحنابلة إذ قال: وتسن تحية المسجد ركعتان فأكثر لمن دخله قصد الجلوس به أو لا، انتهى. (فليركع) أي فليصلِّ، أطلق الجزء وأراد الكل، واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر للندب، وقال الظاهرية: بالوجوب، قال ابن رشد: الجمهور على أنها مندوب إليها من غير إيجاب، وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها، انتهى. قال الحافظ: والذي صرح به ابن حزم عدمه، قال ابن عابدين(٢) تحت قول الماتن: ويسن تحية المسجد، كتب الشارح في هامش ((الخزائن)): إن هذا رد على صاحب ((الخلاصة)) حيث ذكر أنها مستحبة، انتهى. قال الحافظ: وذهب الجمهور إلى أنها سنة، وقال النووي: إنه إجماع المسلمين. قال ابن رشد (٣): وسبب الخلاف في ذلك هل الأمر محمول على الندب أو الوجوب؟ فإن الحديث متفق على صحته، فمن تمسّك في ذلك بما اتفق عليه الجمهور، من أن الأصل حمل الأوامر المطلقة على الوجوب، حتى يدل الدليل على الندب، ولم ينقدح عنده دليل ينقل الحكم من الوجوب إلى الندب، قال: الركعتان واجبتان، ومن انقدح عنده دليل على حمل الأوامر هاهنا على الندب، أو كان الأصل عنده في الأوامر أن تحمل على الندب حتى يدل الدليل على الوجوب، كما قال به قوم، قال: الركعتان غير واجبتين، لكن الجمهور إنما ذهبوا إلى حمل الأمر هاهنا على الندب لمكان التعارض بينه وبين (١) (٢٠٦/١). (٢) ((رد المحتار على الدر المختار)) (٥٥٥/٢). (٣) ((بداية المجتهد)) (٢٠٨/١). ٣٥٠ صفر ١ - -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (٣٧٤) حديث الأحاديث التي تقتضي بظاهرها، أو بنصها أن لا صلاة مفروضة إلا الصلوات الخمس، اهـ. وقال السفاقسي: وفقهاء الأمصار حملوا هذا على الندب لقوله عليه السلام: ((لا، إلا أن تطوّع)) لمن سأله عن الصلوات هل عليّ غيرها؟، ولو قلنا بوجوبهما لحرم على المحدث بالحدث الأصغر دخول المسجد حتى يتوضأ، ولا قائل به، فإذا جاز له دخول المسجد لزم منه أنه لا يجب عليه سجودها . قلت: ومن أدلة عدم الوجوب أيضاً قوله وَ لّ لمن تخطّى: ((اجلس فقد آذيت))، ولم يأمره بصلاة، كذا استدل به الطحاوي وغيره. وقال ابن عبد البر(١): جمهور الفقهاء في داخل المسجد على أن يركع ركعتين وإن شاء لم يركع، وأوجبها أهل الظاهر، والذي عليه السلف ما ذهب إليه الفقهاء. وذكر ابن أبي شيبة (٢) عن زيد بن أسلم كان أصحاب رسول الله الخالق يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون، وروى حماد بن زيد عن الجريري عن جابر بن زيد قال: ((إذا دخلت المسجد فصلِّ فيه، فإن لم تصلِّ فيه فاذكر الله فكأنك قد صليت)) كذا في ابن رسلان، مختصراً. قلت: زاد ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) في حديث زيد بن أسلم قال: ورأيت ابن عمر - رضي الله عنهما - يفعله، وأخرج عن نافع: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يمر في المسجد ولا يصلي فيه، وأخرج عن حنش قال: ((رأيت سويد بن غفلة يمر في مسجدنا فربما صلى وربما لم يصلِّ))، وعن خالد بن أبي بكر قال: ((رأيت سالماً يدخل من المسجد حتى يخرج من (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٢٣/٦). (٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٤٠/١). ٣٥١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (٣٧٤) حديث رَكْعَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ)). أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٦٠ - باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين . ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١١ - باب استحباب تحية المسجد بركعتين، حديث ٧٠. الخوخة فلا يصلي فيه)) (ركعتين) لا مفهوم لأكثره بالاتفاق، واختلف في أقله، والصحيح اعتباره فلا يتأدى هذا المستحب بأقل من ركعتين، قاله الحافظ(١)، وتبعه الزرقاني. وقال ابن رسلان: مقتضاه أن التحية لا تحصل بأقل من ركعتين على الصحيح، وفي وجه تحصل بركعة لحصول الإكرام، اهـ. قلت: لا صلاة أقل من ركعتين عندنا الحنفية والمالكية، خلافاً للشافعية والحنابلة، كما تقدم في صلاة الليل، فلا اعتبار بأقل من ركعتين عندنا، وهو ظاهر، وأما عند الشافعية فمع صحة التطوع بركعة واحدة عندهم لا يكفي لتحية المسجد أقل من ركعتين، كما تقدم من كلام الحافظ. وفي ((حاشية الإقناع)): أقلها ركعتان قبل أن يجلس، وفي ((روضة المحتاجين)): هي ركعتان فأكثر بنية واحدة في المسجد، فلا يحصل بأقل من ركعتين، اهـ. قال في ((هامشه)): الاقتصار عليهما أفضل من الزيادة الجائزة، قال في (حاشية الإقناع)): لأنه الوارد، اهـ. وكذلك عند الحنابلة، قال في ((نيل المآرب)) (٢): تسن تحية المسجد ركعتان فأكثر، لمن دخله قصد الجلوس به أو لا، غير خطيب دخل للخطبة، وقَيّمه، وغير ذلك، ولا تحصل بأقل من ركعتين، ولا بصلاة جنازة، وسجود تلاوة، وشكر، اهـ. (قبل أن يجلس) ذكر في ((روضة المحتاجين)): أنه خرج مخرج الغالب (١) انظر: ((فتح الباري)) (٦٧٠/١) رقم الحديث (٤٤٤). (٢) انظر: (٢٠٦/١). ٣٥٢ .- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (٣٧٤) حديث من فعل الصلاة من قيام، فلو جلس ليأتي بها وأتى بها فوراً من قعود جاز، وكذا لو أحرم بها قائماً ثم أراد القعود لإتمامها، اهـ. وقال ابن رسلان: المراد بالركعتين: الإحرام بهما، حتى لو صلاهما قاعداً كفى سواء أحرم قائماً ثم جلس، أو أحرم جالساً واتصل إحرامه بأول جلوسه، لأن النهي عن جلوس في غير صلاة، اهـ. ثم إن جلس قبل أن يركع، قالوا: لا تدارك له، وفيه نظر، لما رواه ابن حبان عن أبي ذر: أنه دخل المسجد فقال له النبي وَلّر: ((أركعت ركعتين))؟ قال: لا، قال: ((قم فاركعهما))، ترجم عليه ابن حبان في (صحيحه)): ((تحية المسجد لا تفوت بالجلوس))، ومثله في قصة سليك الغطفاني(١). وقيل: يحتمل أن وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعدها وقت جواز، وقال ابن عابدين: لا تسقط بالجلوس عندنا فإنهم قالوا في الحاكم، إذا دخل المسجد للحكم: إن شاء صلى التحية عند دخوله أو عند خروجه لحصول المقصود كما في ((الغاية))، وأما حديث ((الصحيحين)): لا يجلس حتى يصلي ركعتين فهو بيان للأولى، لحديث ابن حبان في ((صحيحه)): فقم فاركعهما، وتمامه في ((الحلية))، اهـ. وفي ((تقرير البخاري)): وما قاله بعضهم: أن يجلس أولاً بنية الاعتكاف ثم يصلي ليثاب على اعتكافه أيضاً ليس بشيء، لأن صحة الاعتكاف لا يتوقف على الجلوس، انتهى. قال القاري: فما يفعله بعض العوام من الجلوس أولاً ثم القيام للصلاة ثانياً باطل لا أصل له، اهـ. قلت: اللّهم إلا أن يقال: إن الأصل فيه أن لا ينبغي أن يصلي وقد حفزه (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٢٨/١) و((فتح الباري)) (٤٠٨/٢). ٣٥٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (٣٧٤) حديث النفس، فيبطل الخشوع، ثم جعل هذا عاماً لجهل الناس، هذا وتفوت بالجلوس عند الشافعية، ففي ((روضة المحتاجين)): وتفوت بالجلوس الطويل، وبالوقوف كذلك، وسواء كان عمداً أم سهواً أم جهلاً، وبالجلوس القصير عمداً مع التمكن أما إذا كان مستوفزاً فلا تفوت إلا مع طول الفصل، اهـ. وقريب منه ما في ((نيل المآرب)) من فروع الحنابلة إذ قال: فإن جلس قبل فعلها قام فأتى بها إن لم يطل الفصل، اهـ. وفي ((الشرح الكبير)) من فروع المالكية: كره الجلوس قبلها ولا تسقط به، اهـ. ثم اختلف الأئمة في مسائل تحت حديث الباب، ومن جملة ما اختلفوا فيه الداخل في المسجد قبل صلاة الفجر، قال ابن رشد (١): اختلف العلماء من هذا الباب فيمن جاء المسجد وقد ركع ركعتي الفجر في بيته هل يركع عند دخوله المسجد أم لا؟ فقال الشافعي: يركع، وهي رواية أشهب عن مالك، وقال أبو حنيفة: لا يركع، وهي رواية ابن القاسم عن مالك. وسبب اختلافهم معارضة عموم قوله عليه السلام: ((لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الصبح))، فهاهنا عمومان وخصوصان، أحدهما في الزمان، والآخر في الصلاة، وذلك أن حديث الأمر بالصلاة عام في الزمان، خاص في الصلاة، وحديث النهي عام في الصلاة، خاص في الزمان، فمن استثنى خاصَّ الصلاةِ من عامها رأى الركوع بعد ركعتي الفجر، ومن استثنى خاص الزمان من عامه لم يوجب ذلك، اهـ. وقال الطحاوي: جملة الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر داخلاً فيها، قال الحافظ: هما عمومان تعارضا الأمر بالصلاة لكل داخل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، فلا بد من تخصيص أحد (١) (بداية المجتهد)) (٢٠٩/١). ٣٥٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (٣٧٤) حدیث العمومين، فذهب جمعٌ إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر، وهو الأصح عند الشافعية، وذهب جمعٌ إلى عكسه وهو مذهب المالكية والحنفية، انتهى. وفي ((الشرح الكبير)) (١) للمالكية: وندب تحية مسجد لداخل متوضئ وقت جواز، اهـ. وهكذا مذهب الحنابلة، قال في ((نيل المآرب))(٢): أوقات النهي من طلوع الفجر الثاني إلى ارتفاع الشمس قيد رمح، ومن صلاة العصر إلى غروب الشمس، وعند قيامها حتى تزول، فتحرم صلاة التطوع في هذه الأوقات، ولا تنعقد ولو جاهلاً للوقت أو التحريم حتى ماله سبب كسجود تلاوة، وتحية مسجد سوى تحية مسجد حال خطبة جمعة، اهـ. قال العيني(٣): فإن قصد دخول المسجد ليصلي فيه في الأوقات المكروهة فلا يجوز ذلك عند الشافعي، وقال النووي: هي سنة بإجماع، فإن دخل وقت كراهة يكره له أن يصلي في قول أبي حنيفة وأصحابه، وحكي ذلك عن الشافعي، ومذهبه الصحيح أن لا كراهة، اهـ. قلت: ويؤيدهم أنه لا بد من تخصيص أحاديث الأمر بالاتفاق لأن الداخل والإمام يصلي المكتوبة لا يصلي عند أحد، لحديث: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))، فلم يبق الاحتياج إلى تخصيص النهي، ويخصص عنها عند الشافعية خاصة الخطيب، إذا دخل للخطبة، كما سيأتي، وكذا الداخل في آخر الخطبة، فهذه شواهد على تخصيص أحاديث الأمر بالصلاة، ويؤيده أيضاً تخصيص الداخل في المسجد بصلاة العيد، ويخصص عنها عندنا الحنفية الداخل عند الخطبة أيضاً . (١) (٣١٣/١). (٢) (٢٠٧/١ - ٢٠٩). (٣) ((عمدة القاري)) (٤٦٧/٣). ٣٥٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر · (١٩) باب (٣٧٤) حديث قال النووي بعد ذكر أحاديث سليك الغطفاني: هذه الأحاديث كلها صريحة في الدلالة لمذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين: أنه إذا دخل الجامع يوم الجمعة والإمام يخطب يستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ويكره الجلوس قبل أن يصليهما، وأنه يستحب أن يتجوّز فيهما ليسمع الخطبة، وحكي هذا المذهب أيضاً عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين، كذا في العيني (١). قلت: إلا أن عند الشافعية يجب أن يقتصر فيهما على أقل مجزئ كما صرح به أهل فروعهم، وحكاه في ((البذل))(٢)، ومقيد أيضاً بغير الخطيب ومن يفوت عنه أول الجمعة، وقال في ((روضة المحتاجين)): ولا تسن التحية للخطيب إذا خرج من مكانه للخطبة، ومثل الخطيب في عدم طلبها منه من دخل في آخر الخطبة بحيث لو فعلها فاته أول الجمعة مع الإمام، اهـ. وقال القاضي: قال مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين: لا يصليهما، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - كذا في العيني، وحكاه العراقي عن محمد بن سيرين وشريح القاضي والنخعي وقتادة والزهري، ورواه ابن أبي شيبة عن علي وابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - وابن المسيب ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعروة بن الزبير، ورواه النووي عن عثمان - رضي الله عنه -، كذا في ((النيل)»(٣). قال ابن العربي في ((شرح الترمذي))(٤): الجمهور على أنه لا تفعل، وهو (١) ((عمدة القاري)) (١٠١/٥). (٢) انظر: ((بذل المجهود)) (١٣٣/٦). (٣) انظر: ((نيل الأوطار)) (٥٤٤/٢ - ٥٤٥). (٤) ((عارضة الأحوذي)) (٢٩٩/٢). ٣٥٦ : -- ٠٠ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (٣٧٤) حديث الصحيح، أن الصلاة حرام إذا شرع الإمام في الخطبة بدليل من ثلاثة أوجه: الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾(١) فكيف يترك الفرض الذي شرع الإمام فيه إذا دخل عليه فيه ويشتغل بغير فرض؟. الثاني: صح عنه من كل طريق أنه وُّه قال: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت))، فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأصلان المفروضان الزكيان في الملة يحرمان في حال الخطبة فالنفل أولى أن يحرم. الثالث: أنه لو دخل والإمام في الصلاة لم يركع والخطبة صلاة إذ يحرم فيها من الكلام والعمل ما يحرم في الصلاة. وأما حديث سليك، فلا يعترض على هذه الأصول من أربعة أوجهٍ؛ الأول: أنه خبر واحد يعارضه أخبار أقوى منه، وأصول من القرآن والشريعة فوجب تركه. الثاني: يحتمل أنه يكون في وقت كان الكلام مباحاً فيه في الصلاة لأنه لا يعلم تاريخه فكان مباحاً في حال الخطبة، فلما حرم في الخطبة الأمر بالمعروف الذي هو آكد فرضية من الاستماع فأولى أن يحرم ما ليس بفرض. قاله ابن العربي. قلت: يؤيده نزعهم الثياب للصدقة ونزع الثياب أشد من مس الحصى، قال العيني: وقد أجمع المسلمون أن نزع الرجل ثوبه والإمام يخطب مكروه. الثالث: أن النبيِ وَّ كلم سليكاً، وقال له: صلِّ، فلما كلمه وأمره سقط عنه فرض الاستماع إذ لم يكن هنالك قول ذلك الوقت منه وَله إلا مخاطبته له وسؤاله وأمره، وهذا أقوى. الرابع: أن سليكاً كان ذا بذاذة وفقر فأراد النبي وَل أن يُشھِّره لتری حاله فیغیر منه، اهـ. (١) سورة الأعراف: الآية ٢٠٤. ٣٥٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (٣٧٤) حديث وفي ((البدائع))(١): لنا قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾، والصلاة تُفَوِّتُ الاستماع والإنصات، فلا يجوز ترك الفرض لإقامة السنة، والحديث منسوخ، كان ذلك قبل وجوب الاستماع ونزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ اَلْقُرْءَانُ﴾ الآية، دل عليه ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي وَّل أمر سليكاً أن يركع ركعتين ثم نهى الناس أن يصلوا والإمام يخطب، فصار منسوخاً أو كان سليك مخصوصاً بذلك، اهـ. وقال الحلبي(٢): يكره التطوع إذا خرج الإمام للخطبة لما أخرج ابن أبي شيبة عن علي وابن عباس وابن عمر: أنهم يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام. وذكر ابن عبد البر في ((شرح الموطأ)) والقاضي عياض في ((الإكمال)) عن أبي بكر وعمر وعثمان: أنهم كانوا يمنعون الصلاة عند الخطبة، ومذهب الصحابي حجة يجب تقليده عندنا إذا لم ينفه شيء آخر من السنة، وأخرج هو أيضاً عن عروة قال: إذا قعد الإمام على المنبر فلا صلاة، على أن ما رواه الستة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)) يفيد بدلالته منع صلاة السنة وتحية المسجد، لأن المنع من الأمر بالمعروف، وهو أعلى من السنة، وتحية المسجد منع منهما بالطريق الأولى. فإن قيل: العبارة مقدمة على الدلالة عند المعارضة، وقد روى مسلم عن جابر مرفوعاً: ((إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما))، قلنا: المعارضة غير ثابتة، لجواز أن يكون المراد منه إذا سكت الإمام عن الخطبة إلى أن يتم صلاته، كما ثبت في السنة، وهو ما رواه الدارقطني من حديث عبيد بن محمد العبدي بسنده عن أنس، قال: دخل رجل المسجد (١) (٥٩٣/١). (٢) ((غنية المتملي)) (ص ٥٦٠). ٣٥٨ ----- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (٣٧٤) حديث ورسول الله ◌َّ يخطب، فقال له النبي وَل﴾: ((قم فاركع ركعتين)) وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته، ثم قال: أسنده عبيد بن محمد العبدي، ووهم فيه، ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل ثنا معمر عن أبيه، قال: ((جاء رجل)) الحديث. وفيه: ثم انتظره حتى صلى، قال: وهذا المرسل هو الصواب، انتهى . ونحن نقول: المرسل حجة، ثم رفعه زيادة إذا لم تعارض ما قبلها، فإن غيره ساكت عن الإمساك عن الخطبة وعدمه، وزيادة الثقة مقبولة، ولا يجوز الحكم بوهمه بمجرد زيادة، وإلا لم تقبل زيادة قط، وإذا احتمل ما قلنا انتفت المعارضة إذ هي خلاف الأصل، فلا يحكم بها إلا عند عدم إمكان التوفيق، فسلمت الدلالة، كيف وقد قال ◌َّ لرجل جاء يتخطَّ رقاب الناس: ((اجلس فقد آذيت)) ذكره الحافظ أبو جعفر الطحاوي، وقد منعه الخلفاء الراشدون، ولا يمكن أن يخالفوا رسول الله وَّل في ذلك، اهـ. قلت: ويؤيد هذا المرسل أيضاً ما أخرجه ابن أبي شيبة بسنده عن محمد بن قيس: أن النبي ◌َلجر حيث أمره أن يصلي ركعتين أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى خطبته، هذا، وقد بوّب النسائي في ((سننه الكبرى)) على حديث سليك قال (باب الصلاة قبل الخطبة)) ثم أخرج عن أبي الزبير عن جابر، قال: جاء سليك ورسول الله وَ لّ جالس على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي، فقال له رسول الله وَّل : ((أركعت ركعتين؟)) قال: لا، قال: ((قم فاركعهما)) كذا في ((البذل))(١)، قلت: ويؤيده رواية الليث عند مسلم ((والنبي ◌ّ﴾ قاعد على المنبر)) وأيضاً لا حاجة إلى الجواب عنه على أصول الحنفية إذ هو خبر واحد في عموم البلوى. (١) (١٢٨/٦) وانظر ((عمدة القاري)) (١٠١/٥). ٣٥٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٩) باب (٣٧٤) حديث قال العيني(١): وقد قيل: إن ترك الركوع حالتئذ سنة ماضية وعمل مستفيض في زمن الخلفاء، وعولوا أيضاً على حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - يرفعه: ((لا تصلوا والإمام يخطب)) واستدلوا بإنكار عمر - رضي الله عنه - على عثمان في ترك الغسل، ولم ينقل أنه أمره بالركعتين، ولا نقل أنه صلاهما، وعلى تقدير التسليم لما يقول الإمام الشافعي، فحديث سليك ليس فيه دليل له - رضي الله عنه -، إذ مذهبه أن الركعتين تسقطان بالجلوس . ! وفي ((اللباب)): ((أن أبا قلابة جاء يوم الجمعة والإمام يخطب، فجلس ولم يصلِّ))، وعن عقبة بن عامر قال: الصلاة والإمام على المنبر معصية، وفي كتاب ((الأسرار)): لنا ما روى الشعبي عن ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي ◌َ﴾ أنه قال: ((إذا صعد الإمام المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ)) والصحيح من الرواية: إذا جاء أحدكم والإمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام، ورويت عن جماعة من الصحابة والتابعين منع الصلاة للداخل والإمام يخطب، أما الصحابة فهم: عقبة بن عامر الجهني، وثعلبة بن أبي مالك القرظي، وعبد الله بن صفوان بن أمية المكي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم -، وأما التابعون فهم: الشعبي، والزهري، وعلقمة، وأبو قلابة، ومجاهد، ثم بسط الكلام على آثارهم العيني لا يسعها هذا الأوجز، وحكى عنه الشيخ في ((البذل)) (٢) فارجع إليهما إن شئت. قال الزيلعي في ((نصب الراية))(٣): وروى أبو سعيد الماليني في كتابه عن محمد بن أبي مطيع بسنده عن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَله : ((لا تصلون والإمام يخطب))، اهـ. (١) ((عمدة القاري)) (١٠٢/٥). (٢) (٦ /١٣٠). (٣) (٢٠٤/٢). ٣٦٠