النص المفهرس
صفحات 321-340
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٧) باب (٣٦٦) حديث (١٧) باب النهي عن الصلاة والإنسان يريد حاجته ٤٩/٣٦٦ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، ◌َنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الأَرْقَمِ سند الإمام إذ ليس فيه محمد بن جابر، كما نبّه عليه في ((الجواهر المنيفة)) وهذا القدر يكفي لهذا ((الأوجز))، والبسط في المطولات، العيني وغيره. (١٧) النهي عن الصلاة والإنسان يريد حاجته والمراد بالحاجة ما يحتاج الإنسان إليه من البول والغائط، وإن كان لفظ الحاجة واقعاً على كل ما يحتاج إليه، إلا أن عرف اللغة جرى باستعمالها على هذا الوجه، يقال: ذهب فلان لحاجة الإنسان أي أتى الغائط. ٤٩/٣٦٦ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله(١) بن الأرقم) ابن عبد يغوث بفتح الياء المثناة التحتية وضم الغين المعجمة، وبالثاء المثلثة، ابن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، صحابي معروف، أسلم عام الفتح، وكتب للنبي ◌ّ ثم لأبي بكر وعمر - رضي الله عنهم - ولاه عمر - رضي الله عنه - بيت المال، وبعده عثمان ثم استعفى، فأعفاه عثمان، كذا في ((رجال جامع الأصول)). قال ابن الأثير: كانت آمنة بنت وهب أمه ◌َّ عمة أبيه الأرقم، ومات في خلافة عثمان - رضي الله عنه - هو الصحيح الصواب، وما في ((ثقات ابن حبان))(٢): أنه توفي سنة أربع وستين وهمٌّ، قال الخزرجي في ((الخلاصة))(٣): له أحاديث وعندهم - أي الأربعة - فرد حديث، وقال الحافظ: (١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (١٤٦/٥) و((طبقات ابن سعد)) (١٧٩/٥). (٢) (٢١٨/٣). (٣) (ص١٩١). ٣٢١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٧) باب (٣٦٦) حديث يقال: ليس له مسند غيره، وقال المنذري: روى عن النبي وَّل حديثاً واحداً، · ليس له في هذه الكتب سوى هذا الحديث. ثم قال ابن عبد البر في (الاستذكار))(١): لم يختلف الرواة ((للموطأ)) في إسناد هذا الحديث، وقد ذكر الاختلاف فيه على هشام في ((التمهيد))(٢)، اهـ. وذكر ابن العربي في ((شرح الترمذي)) فضائل عبد الله بن الأرقم، ثم قال: فالعلة التي لأجلها يسقط حديث عبد الله بن الأرقم، وثبت فيه حديث عائشة، فقال أبو عيسى: إنه اختلف على عروة، فروي عنه عن عبد الله بن الأرقم، وروي عنه عن رجل عن عبد الله بن الأرقم، فصار مقطوعاً، وخرج عن شرط الصحة، اهـ. قال الزرقاني(٣): قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في هذا الإسناد، وتابعه زهير بن معاوية وسفيان بن عيينة وحفص بن غياث ومحمد بن إسحاق وشجاع بن الوليد وحماد بن زيد ووكيع وأبو معاوية والمفضل بن فضالة ومحمد بن كنانة، كلهم رووه عن هشام، كما رواه مالك، ورواه وهيب بن خالد، وأنس بن عياض، وشعيب بن إسحاق عن هشام عن أبيه عن رجل حدَّثه عن عبد الله بن الأرقم. فأدخلوا بين عروة وبين عبد الله بن الأرقم رجلاً ذكره أبو داود، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن أيوب بن موسى عن هشام عن عروة، قال: ((خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم فأقام الصلاة)) الحديث. فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه متصلة، لتصريحه بأن عروة سمعه من عبد الله بن الأرقم، وابن جريج وأيوب ثقتان حافظان، اهـ. (١) (٢٠٤/٦). (٢) (٢٠٣/٢٢). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٣/١). ٣٢٢ -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٧) باب (٣٦٦) حدیث كَانَ يَؤُمُّ أَصْحَابَهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ يَوْماً، فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، قلت: ورجحه أيضاً أبو داود، إذ أخرج حديث زهير عن هشام بدون الواسطة، ثم قال: قال أبو داود(١): وروى وهيب بن خالد وشعيب وأبو ضمرة هذا الحديث عن هشام عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن الأرقم، والأكثر الذين رووه عن هشام قالوا كما قال زهير، اهـ. وإليه أشار الترمذي في ((سنته))(٢): إذ أخرج حديث أبي معاوية بدون الواسطة، ثم قال: قال أبو عيسى: حسن صحيح، هكذا روى مالك ويحيى القطان وغير واحد من الحفاظ عن هشام، وروى وهيب وغيره عن هشام عن أبيه عن رجل عن عبد الله بن الأرقم، اهـ وخالفهم الإمام البخاري، فرجح رواية الواسطة، قال الحافظ في (تهذيبه)): قال الترمذي في ((العلل الكبير)): سألت محمداً عنه فقال: رواه وهيب عن هشام عن أبيه عن رجل عن ابن أرقم وكان هذا أشبه عندي، اهـ. قلت: ويؤيد الجمهور متابعة أبي الأسود عن عروة عن عبد الله كما نقلها ابن الأثير، ومال الطحاوي في ((مشكله)) (٣) إلى الاضطراب في هذا الإسناد لأجل هذا الاختلاف، فتأمل. (أنه كان يؤم أصحابه) وفي رواية لابن عبد البر بسنده عن عبد الله بن الأرقم: أنه كان يسافر، فكان يؤذن لأصحابه ويؤمهم (فحضرت الصلاة يوماً) وفي رواية ابن عبد البر المذكورة: فثوب بالصلاة يوماً، فقال: ((ليؤمكم أحدكم)). ولفظ أبي داود: ((فلما كانت ذات يوم أقام الصلاة: صلاة الصبح، ثم قال: ليتقدم أحدكم)) (فذهب لحاجته) من الغائط، ولفظ أبي داود: ((وذهب (١) أخرجه أبو داود في (السنن)) ح (٨٨). (٢) ((سنن الترمذي)) ح (١٤٢)، باب: ((إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء)» . (٣) ((مشكل الآثار)) (٤٠٣/٢). ٣٢٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٧) باب (٣٦٦) حديث ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلهَ يَقُولُ: ((إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُم الْغَائِطَ، فَلْيَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ الصَّلاةِ». أخرجه أبو داود في: ١ - كتاب الطهارة، ٤٣ - باب أيصلّ الرجل وهو حاقن. والترمذيّ في: ١ - كتاب الطهارة، ١٠٨ - باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء، فليبدأ بالخلاء. والنسائيّ في: ١٠ - كتاب الإمامة، ٥١ - باب العذر في ترك الجماعة. وابن ماجه في: ١ - كتاب الطهارة، ١١٤ - باب ما جاء في النهي للحاقن أن يصلي . إلى الخلاء)) (ثم رجع) بعد الفراغ (فقال: إني سمعت رسول الله وَّلل يقول: إذا أراد أحدكم) الخطاب وإن كان خاصاً، لكن الحكم عام كما هو ظاهر (الغائط) بالنصب (فليبدأ به قبل الصلاة) ليفرغ نفسه، ثم يرجع فيصلي، لئلا يتشوش خشوعه ويختل حضوره. قال ابن عبد البر(١): أجمع العلماء على أنه لا ينبغي لأحد أن يصلي وهو حاقن، واختلفوا فيمن صلى حاقناً إلا أنه أكمل صلاته، فقال مالك فيما رواه ابن القاسم عنه: أحب أن يعيد في الوقت وبعده، وقال أبو حنيفة والشافعي وعبد الله بن الحسن: لا إعادة عليه إن لم يترك شيئاً من فرائضها، قال: وأجمعوا أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته ولم يترك من فرائضها شيئاً أن صلاته مجزية عنه، فكذلك إن صلى حاقناً فأكمل صلاته، انتهى مختصراً . وقال ابن رشد في ((البداية))(٢): اختلفوا في صلاة الحاقن، فأكثر العلماء يكرهون أن يصلي الرجل وهو حاقن، وذهب قوم إلى أن صلاته فاسدة، وأنه (١) ((الاستذكار)) (٢٠٥/٦). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٨٠/١). ٠٠ ٣٢٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٧) باب (٣٦٦) حديث يعيد، وروى ابن القاسم عن مالك ما يدل على أن صلاة الحاقن فاسدة، وذلك أنه روي عنه أنه أمره بالإعادة في الوقت وبعد الوقت، اهـ. قلت: لكن في فروع المالكية: تبطل بمشغل، أي مانع من حقن أو قرقرة أو غثيان عن فرض من فرائضها، كركوع أو سجود، ولو أشغله عن سنة مؤكدة يعيد في الوقت، انتهى ما في ((الشرح الكبير))(١). فعلم منه أنه - رضي الله عنه - موافق للجمهور. نعم، قال ابن العربي(٢): اتفقت الأمة على أن المصلي ينبغي أن يدخل في الصلاة حاضر القلب خاشع الجسد، ولا يتم له حضور القلب إلا بحذف العوائق وقطع العلائق، ومع حضور الحدث والجوع لا يتفق له ذلك، بل يكون في قلق إلا أن يكون يسيراً من شغل الجوع وقلق الحدث، فإنه لا يضره، فإن كان كثيراً فصلى به أعاد الصلاة أبداً . واختلف العلماء في تعليله فمنهم من علله بالشغل المؤدي إلى شرود القلب وإسقاط الخشوع، وقال أحمد بن حنبل: العلة فيه انتقال الحدث، وعنده: انتقال الحدث يوجب الوضوء، وانتقال المني يوجب الغسل وإن لم يظهر، وتعلق بأن الشهوة حصلت بانتقال المني وإن لم يظهر، فكان كالتقاء الختانين، وبأن انتقال الحدث سبب لخروجه، فلا يكون أقل من مسّ الذكر، وهذا لا يصح، فإن الأحداث تثبت بالأخبار، اهـ. وقال أيضاً في موضع آخر: أجمعت الأمة على منعه، واختلف في تعليله، فقيل: لأنه يشغل ولا يوفِّ الصلاة حقها من الخشوع، وقيل: لأنه حامل نجاسة، لأنها متدافعة للخروج، فإذا أمسكها قصداً فهو كالحامل لها، اهـ. (١) (٣٨٨/١). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٢٣٥/١). ٣٢٥ ---- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٧) باب (٣٦٧) حديث ٥٠/٣٦٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لا يُصَلََّنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ضَامٌّ بَيْنَ وَرِكَيْهِ . قلت: وبالأول علله أصحابنا في مؤلفاتهم، وما نقل عن الإمام أحمد ظاهره فساد الصلاة عنده، لأن الصلاة مع النجاسة لا تصح، فالظاهر أنه رواية منه، وإلا فالمرجح عنده ما في فروعه، قال أبو الفرج في ((الشرح الكبير)): يكره أن يصلي وهو حاقن، سواء خاف فوت الجماعة أو لا، لا نعلم فيه خلافاً، وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، لرواية عائشة عند مسلم، ولأن ذلك يشغله عن خشوع الصلاة، فإن خالف وفعل صحت صلاته، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وقال ابن أبي موسى: إن به من مدافعة الأخبثين ما يزعجه ويشغله عن الصلاة أعاد في الظاهر من قوله. وقال مالك: أحب إليّ أن يعيد إذا شغله ذلك، لظاهر الخبر، ولنا: أنه إن صلى بحضرة الطعام أو قلبه مشغول بشيء من الدنيا صحت صلاته، كذا هاهنا، وخبر عائشة أريد به الكراهة، بدليل ما لو صلى بحضرة الطعام. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته أن صلاته تجزئه، فكذلك إذا صلى حاقناً، اهـ. وسيأتي متمسك الجمهور. وفي ((شرح مواهب الرحمن)): تكره مع وجود نجاسة غير مانعة الاستحباب الخروج من الخلاف، إلا إذا خاف فوت الوقت أو فوت الجماعة، فحينئذ يصلي معها، لأن إخراجها عن وقتها حرام، ومع الجماعة سنة مؤكدة، وإن لم يخف فوتهما ندب قطعها، وإزالتها، والقطع إلى الإكمال مندوب، كقطع فرض شرع فيه وقد أقيم الجماعة، وكهدم المسجد ليبني أحسن مما كان، كما في مدافعة الأخبثين، اهـ. ٥٠/٣٦٧ _ (مالك، عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قال: لا يصلينّ أحدكم وهو ضام) بشد الميم، قال المجد: الضم قبض شيءٍ إلى شيءٍ مزدحم وجامع (بين وركيه) لشدة الحقن أو الريح، والورك بالفتح والكسر، ككتف ما ٣٢٦ -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٧) باب (٣٦٧) حديث فوق الفخذ، مؤنثة، نهى عن الصلاة في حال الحقن الذي يبلغ بالمصلي أن يضم وركيه من شدة حقنه. قال القاري (١): هذا إذا كان في الوقت سعة، فلو تضيق الوقت اشتغل بالصلاة على حاله حرمةً للوقت. قلت: ويؤيده ما روي عن جابر مرفوعاً: ((لا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره)) رواه في ((شرح السنة)) وأبو داود (٢). وقال ابن رشد(٣): والسبب في اختلافهم، اختلافهم في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم ليس يدل على فساده؟ وإنما يدل على تأثيم من فعله فقط إذا كان أصل الفعل الذي تعلق النهي به واجباً أو جائزاً، وقد تمسك القائلون بفساد صلاته بحديث رواه الشاميون، منهم من يجعله عن ثوبان، ومنهم من يجعله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: ((لا يحل لمؤمن أن يصلي وهو حاقن جداً)). قال أبو عمر (٤) بن عبد البر: وهو ضعيف السند، لا حجة فيه، اهـ. وقال الحلبي: ويكره أن يدخل في الصلاة، وقد أخذه غائط أو بول لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صلاة بحضرة الطعام)) الحديث. والمراد نفي الكمال كما في نظائره، وهو يقتضي الكراهة وإن كان الاهتمام بالبول والغائط يشغل قلبه عن الصلاة، ويذهب خشوعه يقطعها، وإن مضى عليها أجزأه وقد أساء، وكان آثماً لأدائه إياها مع الكراهة التحريمية، وكذلك الحكم إن أخذه البول أو الغائط بعد الافتتاح، فالحكم أنه يقطعها، وإن لم يقطعها أجزأه مع الإساءة، (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٥٥/٣). (٢) ((بداية المجتهد)) (١ / ١٨١). (٣) أخرجه أبو داود (٣٧٩٨). (٤) (الاستذكار)) (٢٠٦/٦) والحديث أخرجه أبو داود في الطهارة (٩١)، وأحمد في «مسنده)) (٢٥٠/٥). ٣٢٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٦٨) حديث (١٨) باب انتظار الصلاة والمشي إليها ٥١/٣٦٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ،﴿لَ قَالَ: ((الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ قال الطحاوي: لا خلاف أنه لو شغل قلبه شيء من الدنيا لم تستحب الإعادة، فكذا البول، قاله الزرقاني(١). (١٨) انتظار الصلاة والمشي إليها أي ذكر الفضل فيهما ٥١/٣٦٨ - (مالك، عن أبي الزناد) - بكسر الزاي وخفة النون - عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة أن رسول الله ال اله قال: إن الملائكة) الحفظة أو السيّارة، أو أعم منهما كل محتمل، قاله الحافظ(٢). وقال العيني (٣): الملائكة جمع محلى باللام، فيفيد الاستغراق (تصلي على أحدكم) أي تستغفر له، إذ الصلاة من الملائكة استغفار. قال ابن رسلان: ويبعده أن الملائكة حملة العرش يستغفرون للذين آمنوا فلا يبقى لمنتظر الصلاة خصوصية، فالصواب ما قاله ابن عبد البر: أنه قد بان من سياق الحديث معنى الصلاة، وذلك قوله: ((اللَّهم اغفر له اللَّهم ارحمه)) فمعنى تصلي على أحدكم يريد: يدعو له ويترحم عليه، اهـ. قلت: والأوجه عندي في الجواب أن الاستغفار إذا صادف محلاً مغفوراً يكون رافعاً للدرجات، فلا إشكال في أن حَمَلَةَ العرش تستغفر للمؤمنين جملة (١) ((شرح الزرقاني)) (١/ ٣٢٣). (٢) ((فتح الباري)) (١/ ٥٣٨). (٣) ((عمدة القاري)) (٤٦٨/٣). ٣٢٨ ------- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٦٨) حديث مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، ونوعاً من الملائكة لمنتظري الصلاة خاصة، فاجتمع لهم النوعان معاً. (ما دام في مصلاه) بضم الميم اسم المكان والبقعة التي صلى فيها (الذي يصلي فيه) وفي النسخ المصرية: صلى فيه، وزاد في رواية للبخاري: ((ينتظر الصلاة)) وذكر المصلى خرج مخرج العادة، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمراً على نية انتظار الصلاة كان كذلك، قاله الحافظ (١). قلت: وكذلك مسجد البيت؛ فيشمل المرأة أيضاً كما سيأتي في الحديث الآتي. وما قال الحافظ من أن التحول إلى البقعة الأخرى مثل الاستمرار في محله، يخالفه ظاهر حديث أبي هريرة الموقوف الآتي. قال الباجي (٢): يحتمل ذلك وجهين: أحدهما: تدعو له ما دام في مصلاه، قبل أن يصلي فيه منتظراً للصلاة حتى يصلي فيه إلا أن يحدث قبل صلاته، فيجب عليه القيام للوضوء، فلا يصلي عليه إذاً، والثاني: أن الملائكة تصلي عليه ما دام في مكانه الذي صلى فيه جالساً بعد صلاته فيه، إلا أن جلوسه فيه يكون إما للذكر بعد الصلاة، أو الانتظار صلاة أخرى، فهذا يعود إلى الوجه الأول، انتهى. قلت: وفي حديث معاذ الطويل: من الكفارات الجلوس في المساجد بعد الصلاة مطلق، لا يقيد بالذكر والانتظار، وقال عليه الصلاة: ((إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾)) رواه الترمذي(٣) من حديث الخدري . (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٦٨/٢) برقم (٦٤٧). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٣/١). (٣) أخرجه الترمذي برقم (٢٦١٧) باب ما جاء في حرمة الصلاة في كتاب الإيمان. ٣٢٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٦٨) حديث مَا لَمْ يُحْدِثْ. وأنت خبير بأن الجلوس بدون الذكر أو الانتظار لا يخلو من تعمير المسجد . وفي ((الاستذكار)): مصلاه المسجد، وهذا هو الأغلب في معنى انتظار الصلاة، ولو قعدت امرأة في مصلى بيتها تنتظر وقت صلاة أخرى لم يبعد أن تدخل في معنى الحديث. (ما لم يحدث) فيبطل ذلك الفضل، ولو استمر جالساً فإن الملائكة تتأذى منه، وسيأتي تفسير الحدث في قول يحيى. وفيه: أن الحدث في المسجد أشد من النخامة، لأن لها كفارة وهي الدفن، دون الحدث، فعومل بالحرمان. قال ابن بطال: من أراد أن تُحَطّ عنه ذنوبه من غير تعب فليغتنم ملازمة مصلاه بعد الصلاة ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجو إجابته، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى﴾ وبوّب البخاري على الحديث ((باب الحدث في المسجد)) قال المازري(١): أشار البخاري إلى الرد على منع المحدث أن يدخل المسجد أو يجلس فيه، وجعله كالجنب، وفي (الروضة)) من فروع الشافعية: يكره دخول المسجد بلا طهارة. قال العيني(٢): قد اختلف فيه السلف، فروي عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه خرج من المسجد، فبال ثم دخل فتحدث مع أصحابه ولم يمس ماء، وعن علي - رضي الله عنه - مثله، وروي ذلك عن عطاء والنخعي وابن جبير، وكره ابن المسيب والحسن البصري أن يتعمَّد الجلوس في المسجد على غير وضوء، انتهى. قال القاري(٣): يؤخذ من الحديث أن الحدث الأصغر وإن منع دعاء (١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٣٨/١). (٢) ((عمدة القاري)) (٤٦٩/٣). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٧/٢). ٣٣٠ -- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٦٨) حديث اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ. اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ)). أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٣٦ - باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة . ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد، ٤٩ - باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، حديث ٢٧٤. الملائكة، لا يمنع جواز الجلوس في المسجد، وادعى بعضهم فيه الإجماع، وفيه نظر، فقد حكي عن ابن المسيب والحسن أنه كالجنب يمر فيه ولا يجلس. ثم هل يجوز إخراج الريح في المسجد؟ قال القاري: قيل: لا يحرم، لكن الأولى اجتنابه، لأن الملائكة تتأذّى مما يتأذّى منه بنو آدم، وذكر في ((شرح المنية))، قال النووي في ((شرح المهذب)): لا يحرم للإنسان أن يخرج الريح من دبره فيه، وقال السروجي: وهذا عندنا مكروه، انتهى. وفي ((البحر)): اختلف المشايخ في كراهة إخراج الريح في المسجد، وأشار المصنف إلى أنه لا يجوز إدخال النجاسة المسجد، وهو مصرح به، ولذا ذكر العلامة قاسم في بعض فتاواه: أن قولهم: إن الدهن النجس يجوز الاستصباح به، مقيد بغير المسجد، انتهى. وقال ابن عابدين: لا يخرج فيه الريح من الدبر كما في ((الأشباه))، واختلف فيه السلف. فقيل: لا بأس، وقيل: يخرج إذا احتاج إليه، وهو الأصح ((حموي عن شرح الجامع الصغير))، انتهى. وقال ابن العربي(١): فيه دليل على جواز إرسال الريح في المسجد كما يرسله في بيته إذا احتاج إلى ذلك، فإن المساجد إنما تنزَّه عن نجاسة عينية. (اللَّهم اغفر له) بتقدير قائلين أو تقول، وهذا بيان لقوله: تصلي، والمعنى: يا الله اغفر له (اللّهم ارحمه) والفرق بين المغفرة والرحمة أن المغفرة (١) ((عارضة الأحوذي)) (١٦٢/٢). ٣٣١ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٦٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: لا أَرَى قَوْلَهُ: ((مَا لَمْ يُحْدِثْ)) إلَّا الإِحْدَاثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ. ستر الذنوب، والرحمة إفاضة الإحسان إليه، قاله العيني (١). زاد ابن ماجه: ((اللَّهم تب عليه)) وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه عوتب على تخلفه عن صلاة الجنائز، فقال: قعودي في المسجد أنتظر الصلاة أحبُّ إليّ، لأن الملائكة تصلي عليّ، تقول: اللَّهم اغفر لسعيد بن المسيب، قال ابن عبد البر (٢): وذكرنا في ((التمهيد)) من خالفه، لأن صلاة الجنائز فرض كفاية، وفرض الكفاية أفضل من التطوع بالنافلة، كذا في ((ابن رسلان)). (قال يحيى: قال مالك: لا أرى) المراد من (قوله: ما لم يحدث إلا) أن يكون (الإحداث الذي ينقض الوضوء) لأن القاعد على غير الوضوء لا يكون منتظر الصلاة، ويكون الإحداث في هذه الحالة إيذاء للملائكة أيضاً، وقيل: معناه ههنا الكلام القبيح. قال ابن عبد البر: هذا ضعيف، وقول مالك - رضي الله عنه - أولى؛ لأن من تكلم بما لا يصح لا يخرجه ذلك من أن یکون منتظراً للصلاة، قاله ابن رسلان. قلت: وقد ورد هذا التفسير من أبي هريرة بنفسه أيضاً، فقد أخرج أبو داود من طريق أبي رافع عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يزال العبد في صلاة)) الحديث. وفي آخره فقيل: ((وما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط)). وقال الحافظ: المراد بالحدث حدث الفرج، لكن يؤخذ منه أن اجتناب حدث اللسان واليد من باب أولى، لأن الأذى منهما يكون أشد. وفي ((الدر المختار)) فيما يكره في المسجد: وأكل نحو ثوم ويمنع منه، وكذا كل مؤذٍ ولو بلسانه، قال ابن عابدين: للحديث الصحيح في النهي عن (١) ((عمدة القاري)) (٤٦٨/٣). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢١٥/٦) و((التمهيد)) (٤٠/١٩). ٣٣٢ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٦٩) حديث ٥٢/٣٦٩ _ وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَلَ قَالَ: ((لا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ، لا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ ... قربان آكل الثوم والبصل، قال العيني(١): علة النهي أذى الملائكة وأذى المسلمين، ولا يختص بمسجده وَالر، بل الكل سواء، لرواية: ((مساجدنا)) بالجمع خلافاً لمن شذّ، وألحق بالحديث كل من آذى الناس بلسانه؛ وبه أفتى ابن عمر - رضي الله عنهما -، وهو أصل في نفي كل ما يتأذى به، انتهى. ٥٢/٣٦٩ - (مالك، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة) - رضي الله عنه _ (أن رسول الله والإ قال: لا يزال أحدكم) قلت: عمومه يشمل المرأة (٢) أيضاً إذا قعدت في مصلى بيتها تنتظر دخول وقت صلاة أخرى (في صلاة) أي في حكم الصلاة من كثرة الأجر، والامتناع من اللغو، وإن جاز له إلا أن الأفضل التجنب عنه. قال ابن رسلان: فإن قلت: لم عدل عن التعريف ولم يقل لا يزال أحدكم في الصلاة؟ أجاب عنه الكرماني: ليعلم أن المراد نوع صلاته التي ينتظرها، والتنكير للتنويع (ما كانت) أي ما دامت كما في رواية، ولفظ ((ما)) للمدة أي مدة دوام حبس المسجد إياه (الصلاة تحبسه) سواء انتظر وقتها أو إقامتها في الجماعة، قاله الباجي(٣). قلت: ولأجل هذا المعنى يقال: انتظار الصلاة رباط، لأن المرابط يحبس نفسه عن المكاسب والتصرف، إرصاداً للعدو، وهذا مثله مرصد لوقت الصلاة، وسيأتي في الحديث قريباً. (لا يمنعه) أي المصلي من (أن ينقلب) ويرجع (إلى أهله) أي لا يمنعه (١) ((عمدة القاري)) (٦٣٣/٤) برقم (٨٥٤). (٢) كذا في ((الاستذكار)) (٢١٠/٦)، و ((التمهيد)) (٣٩/٢٠). (٣) ((المنتقى)) (٢٨٤/١). ٣٣٣ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٦٩) حديث إِلَّ الصَّلاةُ)). أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٣٦ - باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة . ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد، ٤٩ - باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، حديث ٢٧٥. عن الخروج من المسجد (إلا الصلاة) لا غيرها، يعني يكون مخلصاً في نيته، لا يكون حابسه أمر آخر غير الصلاة، وهذا يقتضي أنه إذا صرف نيته عن ذلك صارف آخر انقطع عنه الثواب، وكذلك إذا شارك نية الانتظار أمر آخر، قاله الزرقاني(١). وهذا الحديث والذي قبله جعلهما البخاري حديثاً واحداً، وفي (الموطأ)) جعلهما حديثين كما ترى، قال الحافظ: ولا حجر في ذلك، وفي الحديث بيان فضيلة من انتظر الصلاة مطلقاً سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد، أو تحول إلى غيره. ولطيفة حكاها القاري(٢): أن عبداً استأذن سيده أن يدخل المسجد ويصلي فيه، فأذن له، ووقف خارج المسجد ينتظره، فأبطأ عليه العبد، فقال له: اخرج، فقال: ما يخليني أخرج، فقال: من هو؟ فقال: الذي لا يخليك تدخل، ولفظ البخاري في ((باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة)) عن أبي هريرة مرفوعاً (٣): ((الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة)). قال العيني: وقوله: ((لا يزال أحدكم)) أفرده مالك في ((موطئه)) عما قبله، وأكثر الرواة ضموه إلى الأول وجعلوه حديثاً واحداً، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٥/٢). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣/ ١٩٧). (٣) ((صحيح البخاري)) (٦٥٩) باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة إلخ. ٣٣٤ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٠) حديث ٣٧٠/ ٥٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ كَانَ يَقُولُ: مَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، لا يُرِيدُ غَيْرَهُ، لِيَتَعَلَّمَ خَيْراً أَوْ لِيُعَلِّمَهُ، ٥٣/٣٧٠ - (مالك، عن سمي) بضم السين المهملة، وفتح الميم وشدّ الياء (مولى أبي بكر أن) مولاه (أبا بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث المخزومي(١) (كان يقول: من غدا) أي ذهب وقت الغدوة، وهو أول النهار: ما بين طلوع الفجر إلى الزوال، قال ابن سيده: الغدوة: البكرة عَلَمٌ للوقت، وفي (الصحاح)): الغدوة: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس (أو راح) أي ذهب بعد الزوال، وفي ((المحكم)): الرواح: العشي، وقيل: من لدن زوال الشمس إلى الليل، قاله العيني (٢) (إلى المسجد لا يريد غيره) يعني يقصد المسجد لا أن يقصد غيره، فيمر بالمسجد أيضاً، قال القاري: إن جلس فيه لعبادة، كاعتكاف أو انتظار صلاة، أو ذكر كان مستحباً، وإلا فمباحاً، وقيل: يكره لخبر: ((إنما بُنَيتِ المساجد لذكر الله)»، انتهى. (ليتعلم خيراً) من غيره، والخير يتناول جميع أنواعه من الصلاة والعلم وغيرهما. ففيه إرشاد إلى تكثير النيات الصالحة عند دخول المسجد (أو ليعلمه) بشد اللام أي ليعلمَّ الخير أحداً . قال القاري(٣): فيه دلالة ظاهرة على جواز التدريس في المسجد، خلافاً لما روي عن الإمام مالك، ولعله منع رفع الصوت المشوش، انتهى. وقال أيضاً (٤): فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا، أي لنشدان الضالّة ونحوه، بل (١) هو أحد الفقهاء السبعة، انظر ترجمته في ((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص٢٤). (٢) ((عمدة القاري)) (٢٥٣/٤). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٢١/٢). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩٩/٢). ٣٣٥ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٠) حديث ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، رَجَعَ غَانِماً. لذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن والوعظ، حتى كره مالك البحث العلمي، وجوزه أبو حنيفة وغيره لأنه مما يحتاج إليه الناس لأن المسجد مجمعهم، انتھی . قال ابن رسلان: قال مالك وجماعة من العلماء: يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة، وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس، لأنه مجمعهم، ولا بد لهم منه، وكره بعض المالكية تعليم الصبيان في المسجد، وقال: إنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة، فإن كان بغير أجرة منع أيضاً من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرزون من القذر والوسخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، وقد أمر رسول الله وَ ل بتنظيفها وتطييبها، وقال: ((جنِّبُوا مساجدكم صبيانكم))، انتهى. وفي ((البحر)): ويجوز الجلوس في المسجد لغير الصلاة، ولا بأس به للقضاء كالتدريس والفتوى، انتهى. (ثم رجع إلى بيته) وذكر الرجوع إلى البيت ليس باحتراز بل خرج مخرج العادة (كان كالمجاهد في سبيل الله) من حيث إن كلاً منهما يريد إعلاء كلمة الله العليا، أو لأن كلاً منهما قد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية، أو لأن كلاً منهما عبادة نفعها متعدٍّ إلى المسلمين، قاله القاري(١). (رجع غانماً) قال ابن عبد البر (٢): ومعلوم أن هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد، انتهى. وقد ورد مرفوعاً نصاً عن سهل بن سعد، وأبي أمامة، أخرجهما الطبراني بإسناد حسن، وذكر لفظهما الزرقاني، أما حديث سهل فقال: ((من دخل مسجدي هذا ليتعلم خيراً أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله))، وأما حديث أبي أمامة فقال: ((من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيراً أو يعلمه كان كأجر حاج تاماً (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٢١/٢). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢١٧/٦). ٣٣٦ ------- ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧١) حديث ٣٧١/ ٥٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: حجه))، قال الزرقاني(١): وإسناد كل منهما حسن، كذا قال السيوطي (٢)، انتھی . قلت: وفي ((المشكاة)) عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((من جاء مسجدي هذا لم يأت إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره))، رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). قال القاري(٣): فهو متحسر محروم عما ينتفع به الناس في الدنيا من العلم والعمل والثناء الجميل، وفي العقبى من الدرجات والجزاء الجزيل، انتهى. قال الباجي(٤): لم يذكر في الحديث هل تعلم خيراً أو علّمه، وإنما ذكر قصده إلى ذلك فيحتمل أن بقصده حصل له الأجر فصار إذا رجع يكون أجر القصد الذي معه كالغانم، ويحتمل أن يراد أن ما رجع به من الأجر كأجر المجاهد، وغنيمته ما يعلمه، انتهى. يعني شبه تعلم الخير وتعليمه بالغنيمة حصل أم لا، وأجر مجرد القصد بمنزلة أجر المجاهد. ٥٤/٣٧١ - (مالك، عن نعيم) بضم النون وفتح العين المهملة مصغراً (ابن عبد الله المجمر) بضم الميم فسكون الجيم فكسر الميم (أنه سمع أبا هريرة يقول) كذا في ((الموطأ)) موقوفاً، ورواه عن مالك مرفوعاً ابن وهب عند ابن الجارود، وعثمان بن عمرو، والوليد بن مسلم عند النسائي، وأخرجه ابن (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٥/١). (٢) انظر: ((تنوير الحوالك)) (ص١٧٨). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٢٢/٢). (٤) ((المنتقى)) (٢٨٤/١). ٣٣٧ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٢) حديث إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، ثُمَّ جَلَسَ فِي مُصَلَاهِ، لَمْ تَزَلِ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، فَإِنْ قَامَ مِنْ مُصَلَاهُ، فَجَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ، لَمْ يَزَلْ فِي صَلاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ. ٥٥/٣٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ، عبد البر بطريق إسماعيل بن جعفر، عن مالك، عن نعيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقد صرح نعيم بسماعه أبا هريرة في ((الموطأ)) فكأنه سمع منه الموقوف، ومن أبي سلمة عنه المرفوع، قاله الزرقاني(١). (إذا صلى أحدكم) فرضاً أو نفلاً لأن حذف المفعول يفيد العموم (ثم جلس في مصلاه) كما تقدم (لم تزل الملائكة تصلي عليه) قائلين (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام من مصلاه) أي من تلك البقعة التي صلى فيها (فجلس في) محل آخر من (المسجد) والحال أنه (ينتظر الصلاة لم يزل في) حكم (صلاة) كما تقدم (حتى يصلي) ويفرغ منها، يعني انتظاره للصلاة وإن كان في غير مجلس صلاته الأولى بمنزلة الصلاة، وأن جلوسه في مصلاه بعد صلاته مما يقتضي صلاة الملائكة عليه، فلعله إن جلس في مصلاه ينتظر الصلاة يجتمع له الأمران، قاله الباجي(٢). قلت: ما قاله الباجي هو ظاهر السياق، فالظاهر أن صلاة الملائكة تختص بالجلوس في مصلاه الذي صلى فيه، وإذا جلس في مجلس آخر يكون في حكم الصلاة باعتبار الأجر لكن لا يتشرف بصلاة الملائكة، وهذا يخالف ما تقدم عن الحافظ، وتبعه جماعة من شراح الحديث أن لفظ: في مصلاه الذي صلى فيه خرج مخرج العادة وليس بقيد، فتأمل. ٥٥/٣٧٢ - (مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب) الحرقي (عن أبيه) (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٢٦/١) و((التمهيد)) (٢٠٥/١٦). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٤/١). ٣٣٨ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٢) حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴿ قَالَ: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عبد الرحمن بن يعقوب الجهني (عن أبي هريرة أن رسول الله ومخلال قال: ألا) بفتح الهمزة والتخفيف حرف تنبيه يفيد تحقيق ما بعده لتركيبها من الهمزة، ولا النافية، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي يفيد التحقيق، وقال القاري (١): الهمزة للاستفهام، ولا نافية، وليس إلا للتنبيه بدليل قولهم: بلى، فقول ابن حجر: إنه حرف استفتاح غفلة منه، انتهى. (أخبركم) بضم الهمزة (بما يمحو الله به الخطايا) كناية عن غفرانها، ويحتمل أن يكون على الحقيقة فيكون المحو من كتاب الحفظة دليلاً على عفوه تعالى، وقال ابن العربي(٢): هذا الحديث دليل على محو الخطايا بالحسنات من الصحف بأيدي الملائكة التي يكون فيها المحو أو الإثبات، لا من أمّ الكتاب التي هي عند الله تعالى قد ثبتت على ما هي عليه فلا يزاد فيها ولا ينقص منها أبداً، انتهى. (ويرفع به الدرجات)(٣) أي المنازل في الجنة، ويحتمل رفع درجته في الدنيا بالذكر الجميل، وفي الآخرة بالثواب الجزيل، زاد في رواية مسلم: بلى يا رسول الله، وفائدة السؤال والجواب أن يكون الكلام أوقع في النفس، قاله القاري. فبين رسول الله # ذلك الأعمال التي يحصل بها للمكلف ما ذكر من الفضيلة فقال: (إسباغ الوضوء) بضم الواو، وقيل: بالفتح، أي إكماله وإتمامه باستيعاب أعضائه بالماء، وتطويل الغرَّة، والتحجيل، وتكرار الغسل ثلاثاً . ((مرقاة المفاتيح)) (٣٢١/١). (١) (٢) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ٦٧). (٣) في ((التمهيد)) (٢٢٢/٢٠) وهذا الحديث من أحسن ما يروى عن النبي ◌َّ في فضائل الأعمال . ٣٣٩ ٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر (١٨) باب (٣٧٢) حديث عِنْدَ الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وفي ((هامش الترمذي)): الإسباغ على ثلاثة أنواع: فرض، وهو استيعاب المحل مرة، وسنة، وهو الغسل ثلاثاً، ومستحب، وهو الإطالة مع التثليث، كذا سمعته من أستاذنا المرحوم مولانا محمد إسحاق، انتهى. وأخرج البخاري في ((صحيحه)) عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: الإسباغ: الإنقاء، وقد روى ابن المنذر عنه - رضي الله عنه - أنه كان يغسل رجليه في الوضوء سبعاً، قلت: وذلك لأجل الإنقاء فإنها محل القذر. (عند المكاره) جمع مكرهة، بفتح الميم بمعنى الكره والمشقة، قال أبو عمر (١): هي شدة البرد وكل حال يكره المرء فيها نفسه على الوضوء، قال الباجي(٢): والمكاره على أنواعهن من شدة برد، وألم جسم، وقلة ماء، وحاجة إلى النوم، وعجلة إلى أمر، وغير ذلك. قال الأبي (٣): وهي تكون لشدة البرد وألم الجسم وفوت المحبوب وتكلف طلب الماء وابتياعه بثمن وغير ذلك، وتسخين الماء لدفع برده ليقوى على العبادة لا يمنع من حصول الثواب المذکور، انتهى. (وكثرة الخطا) بالضم، جمع خطوة، بالفتح المرة، وبالضم ما بين القدمين (إلى المساجد) وهو يكون ببعد الدار من المسجد وهو مختار اليعمري على الظاهر، إذ قال فيه: إن بعد الدار عن المسجد أفضل، انتهى. أو بكثرة المشي وتوالي الحضور إليها وهو الأوجه، فلا يخالف إذاً حديث: ((شؤم الدار بعده عن المسجد))، نعم الجمع بينه وبين حديث بني سلمة لما أرادوا أن يتحولوا قريباً من المسجد فقال لهم النبي ◌َلر: ((يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم))، إن الشآمة من حيث إنه ربما أدى إلى فوات الوقت، أو الجماعة، ---- (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢١٨/٦). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٤/١). (٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣١/٢). ٣٤٠