النص المفهرس

صفحات 281-300

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٧) حديث
شيطان، وقد علم أن الشيطان لو مر بين يدي المصلي لم يفسد صلاته، قاله
الزرقاني(١). قال العيني: هذا جيد فيما إذا كانت الأحاديث التي رويت في هذا
الباب مستوية الأقدام، أما إذا قلنا: أحاديث الجمهور أقوى وأصح من
أحاديث من خالفهم، فالأخذ بالأقوى أولى، اهـ.
والثالث الترجيح، كما قاله العيني، والرابع مسلك أبي داود: إذا تنازع
الخبران يعمل بما عمل به الصحابة، وقال قوم بظاهر أحاديث القطع فأبطلوا
الصلاة بها، وممن قال بذلك من الصحابة أبوهريرة وأنس وابن عباس في
رواية، وحكى أيضاً عن أبي ذر وابن عمر، وجاء عنه: أنه قال به في الكلب،
وقال به الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار، وعن ابن عباس وعطاء بن
أبي رباح: يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض، وممن قال من
التابعين بقطع الثلاثة المذكورة، الحسن البصري وأبو الأحوص، ومن الأئمة:
أحمد بن حنبل فيما حكاه عنه ابن حزم الظاهري، وحكى الترمذي عنه؛ أنه
يخصصه بالكلب الأسود، ويتوقف في الحمار والمرأة، قال ابن دقيق العيد:
هو أجود مما دل عليه كلام الأثرم من جزم القول عن أحمد: بأنه لا يقطع
المرأة والحمار.
وذهب أهل الظاهر إلى القطع بالثلاثة المذكورة إذا كان الكلب والحمار
بين يديه، سواء كانا مارين أو غير مارين، صغيرين أو كبيرين، حيين أو ميتين،
وكون المرأة بين يدي الرجل مارة أو غير مارة، صغيرة أو كبيرة إلا أن تكون
(٢)
مضطجعة معترضة، قاله الشوكانى
.
وفي ((الشرح الكبير)) (٣) للحنابلة: إن لم يكن سترة فمر بين يديه الكلب
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣١٧/١).
(٢) انظر: ((نيل الأوطار)) (٢١٠/٢).
(٣) ((المغني مع الشرح الكبير)) (٦٢٩/١ - ٦٣٠).
٢٨١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٧) حديث
الأسود البهيم - وهو الذي ليس في لونه شيء سوى السواد - بطلت صلاته بغير
خلاف في المذهب، وفي المرأة والحمار روايتان، إحداهما: لا يقطع إلا
الكلب، نقلها عنه الجماعة، والثانية: أنهما يقطعان الصلاة، وقال مالك
والثوري وأصحاب الرأي والشافعي: لا يقطع الصلاة شيء، لما ذكرنا من
الأحاديث، ولحديث أبي سعيد عند أبي داود مرفوعاً: ((لا يقطع الصلاة
شيء))، ولا يقطع الصلاة غير ما ذكرنا، لأن تخصيص النبي صل# لها بالذكر
يدل على عدمه فیما سواها .
وقال ابن حامد: هل يقطع الصلاة مرور الشيطان؟ على وجهين:
أحدهما: يقطع، وهو قول بعض أصحابنا لتعليل النبي وقلّ قطع الكلب للصلاة
بكونه شيطاناً، والثاني: لا يقطع، اختاره القاضي، انتهى ملخصاً.
وفي ((الروض المربع)) (١): وتبطل الصلاة بمرور كلب أسود بهيم فقط لا
امرأة وحمار وشيطان وغيرها، اهـ. فعلم بذلك أن المرجح عند الحنابلة هو
الجزم بعدم قطعها .
:
ومستدل الأئمة الثلاثة والجمهور في ذلك ما روي عن الفضل بن عباس
قال: أتانا رسول الله وَل﴿ ونحن في بادية لنا ومعه عباس، فصلى في صحراء
ليس بين يديه سترة، وحمارة لنا وكلبة تعبثان بين يديه، فما بالى بذلك، رواه
أبو داود(٢)، والنسائي نحوه، وإسناده صحيح، ولم يصب من قال: في إسناده
مقال .
وعن ابن عباس قال: جئت أنا وغلام من بني هاشم على حمار، فمررنا
بين يدي النبي ◌َّ﴾ وهو يصلي، فنزلنا عنه وتركنا الحمار يأكل من بقل الأرض
(١) (١/ ١٩٢).
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٥/١) والنسائي (٥١/٢).
٢٨٢

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٧) حديث
أو قال: نبات الأرض، فدخلنا معه في الصلاة، فقال رجل: كان بين يديه وَل
عنزة؟ قال: لا، رواه أبو يعلى (١)، ورجاله رجال الصحيح، قاله النيموي.
وتقدم الآثار عن ابن عمر وغيره.
قال الزيلعي(٢): حديث: لا يقطع الصلاة مرور شيء، روي من حديث
الخدري وابن عمر وأبي أمامة وأنس وجابر - رضي الله عنهم أجمعين -، أما
حديث الخدري فرواه أبو داود في ((سننه)) مرفوعاً: ((لا يقطع الصلاة شيء،
وادرؤوا ما استطعتم، فإنما هو شيطان))، ومجالد بن سعد الراوي فيه مقال،
وأخرج له مسلم مقروناً، وأخرجه الدارقطني، ثم البيهقي، قلت: مجالد، وثقه
ابن معين، وقال النسائي: صالح، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، كذا في
((البذل))(٣).
وأما حديث ابن عمر فأخرجه الدارقطني(٤): أن رسول الله وَ ل وأبا بكر
وعمر قالوا: ((لا يقطع الصلاة شيء ممن مر بين يدي المصلي))، وأخرج مالك
في ((الموطأ)) عن ابن عمر قال: ((لا يقطع الصلاة)) الحديث، وأما حديث
أبي أمامة فرواه الدارقطني مرفوعاً: لا يقطع الصلاة شيء، وأما حديث أنس
فأخرجه الدارقطني، ثم بسط الزيلعي (٥) الكلام على تضعيف هذه الروايات.
وأنت خبير بأن الروايات إذا كثرت وتأيدت بالأفعال والآثار ينجبر
ضعفها، قال الحافظ في ((الدراية)): أخرج الدارقطني عن أنس: أن رسول الله وَل
(١) أخرجه أبو يعلى (٢٤٢٣) وأحمد (٣٤١/١) وأبو داود (٧١٦ - ٧١٧) والنسائي
(٦٥/٢).
(٢) ((نصب الراية)) (٧٦/٢).
(٣) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٩٣/٤).
(٤) (سنن الدارقطني)) (٣٦٨/١).
(٥) ((نصب الراية)) (٧٧/٣).
٢٨٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١١) باب
(٣٥٧) حديث
صلى بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله،
فلما سلم قال: ((من المسبِّح؟)) قال: أنا يا رسول الله، إني سمعت أن الحمار
يقطع الصلاة، فقال ◌َ: ((لا يقطع الصلاة شيء))، وإسناده حسن، اهـ.
وقد ورد بطرق: أن عائشة أنكرت على من قال: يقطع الصلاة المرأة،
قال الحافظ في ((الدراية)): وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي جحيفة: أتيت
النبي ﴿ وهو بالأبطح، فقام وتوضأ فأذن بلال، ثم ركزت له عنزة، ثم قام
فصلى العصر ركعتين يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع.
وقال العيني(١) في شرح حديث عائشة ((شبّهتمونا بالحمر والكلب))،
الحديث: قال الطحاوي: دل حديث عائشة على أن مرور بني آدم بين يدي
المصلي لا يقطع الصلاة، وكذلك دل حديث أم سلمة وميمونة بنت الحارث،
فأخرج الطحاوي حديث أم سلمة، قالت: كان يفرش لي حيال مصلى
رسول الله وَ﴾، كان يصلي وأنا حياله، وأخرج أيضاً حديث ميمونة قالت: كان
فراشي حيال مصلى رسول الله وَالر، الحديث.
قال الطحاوي(٢): فقد تواترت الآثار عن رسول الله وَ ل* بما يدل على
أن بني آدم لا يقطعون الصلاة، وقد جعل كل ما بين يدي المصلي في
حديث ابن عمر وأبي سعيد شيطاناً، وأخبر أبو ذر: ((أن الكلب الأسود إنما
يقطع الصلاة، لأنه شيطان))، فكانت العلة التي جعلت لقطع الصلاة قد
جعلت في بني آدم أيضاً، وقد ثبت عن النبي وسلم أنهم لا يقطعون الصلاة،
فدل على أن كل مارِّ بين يدي المصلي مما سوى بني آدم أيضاً لا يقطع
الصلاة .
(١) ((عمدة القاري)) (٦٠١/٣).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٦٠٢/٣).
٢٨٤

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٢) باب
(١٢) باب سترة المصلي في السفر
والدليل على صحة ما ذكرنا أن ابن عمر مع روايته حديث القطع قد روي
عنه من بعده عن سالم، قيل لابن عمر: إن عبد الله بن عيّاش يقول: يقطع
الصلاة الكلب والحمار، فقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: لا يقطع صلاة
المسلم شيءٌ، وقد دل هذا على ثبوت نسخ ما كان سمعه حتى صار ما قال به
أولى عنده من ذلك.
لا يقال: إن النسخ لا يصار إليه إلا إذا علم التاريخ، وتعذر الجمع،
والتاريخ هاهنا لم يتحقق، والجمع لم يتعذر، لأن ابن عمر بعدما روى أن
المرور يقطع، أفتى بأنه لا يقطع صلاة المسلم شيء، وكذلك ابن عباس
- رضي الله عنهما - الذي هو أحد رواة القطع، روي عنه أنه حمله على
الكراهة، فقد أخرج البيهقي عن عكرمة، قيل لابن عباس: أتقطع الصلاة المرأة
والكلب والحمار؟ قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُمْ﴾(١) فما
يقطع هذا، ولكن يكره.
قال الطحاوي: وقد روي عن نفر من أصحاب رسول الله وَ لّ أن مرور
بني آدم وغيرهم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، ثم أخرج عن سعيد بن
المسيب بإسناد صحيح: ((أن علياً وعثمان - رضي الله عنهما - قالا: لا يقطع
صلاة المسلم شيء، وادرؤوا ما استطعتم)). وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عنهما،
وأخرج الطحاوي عن حذيفة يقول: ((لا يقطع الصلاة شيء، وأخرجه ابن
أبي شيبة)) . اهـ ملخصاً.
(١٢) سترة المصلي في السفر
قيده بالسفر لأن الحضر لا يحتاج فيه الرجل إلى السترة غالباً، لأن
الظاهر من حال المصلي أن يصلي في المسجد مع الجماعة، والأوجه عندي
(١) سورة فاطر: الآية ١٠.
٢٨٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٢) باب
في غرض المصنف بيان أن السترة في السفر ليست من المؤكدات، ويظهر هذا
الغرض من الروايتين في الباب، فإن الأولى تدل على وجود السترة، والثانية
على عدمها فتساوى الأمران.
ويوضحه ما في ((المدونة))(١): قال مالك: من كان في سفر فلا بأس أن
يصلي إلى غير سترة، أما في الحضر فلا يصلي إلا إلى سترة، قال ابن القاسم:
إلا أن يكون في الحضر بموضع يأمن أن لا يمر بين يديه أحد، اهـ. فعلم
بذلك أن السترة في السفر غير مؤكدة عند الإمام مالك.
ثم ذكر ابن نجيم في ((البحر))(٢) في السترة سبعة عشر بحثاً نعرض عن
الكلام عنها اختصاراً، وسيجيء بعض منها في كلام ابن عبد البر إذ قال في
((الاستذكار))(٣): أما قدر السترة وصفتها في ارتفاعها وغلظها، فقد اختلف
العلماء في ذلك، فقال مالك: أقل ما يجزئ المصلي فيها غلظ الرمح، وكذلك
السوط إن كان قائماً، والعصا، وارتفاعها قدر عظم الذراع، ومثله قول
الشافعي، وقال الثوري وأبو حنيفة: أقل السترة قدر مُؤخّرة الرحل ويكون
ارتفاعها على ظهر الأرض ذراعاً، وهو قول عطاء، اهـ.
وقال ابن رسلان: قدر السترة يكون على التقريب لا التحديد، لأن
النبي وَلّ قدرها بمؤخرة الرحل وهي تختلف في الطول والقصر، اهـ.
وقال ابن عبد البر: ويجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، هكذا رواه
القاسم وجماعة عن مالك، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، يستحبان ثلاثة أذرع
ولا يوجبان ذلك.
(١) (١٠٨/١).
(٢) انظر: ((البحر الرائق)) (٢٦/٢ -٢٧) وما بعدها.
(٣) (١٧٣/٦).
٢٨٦
-- . .

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٢) باب
(٣٥٨) حديث
٣٥٨/ ٤١ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَسْتَِرُ بِرَاحِلَتِهِ إِذَا صَلَّى.
قلت: وبه قالت الحنفية. قال ابن نجيم(١): التاسع أن السنة القرب منها
لحديث أبي داود مرفوعاً: ((إذا صلى أحدكم فليصلِّ إلى سترة وليدنُ منها))، وذكر
العلامة الحلبي: أن السنة أن لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع، انتهى.
وقال ابن عبد البر (٢): وأما استقبال السترة والصمد إليها، ففي حديث
المقداد بن الأسود قال: ((ما رأيت رسول الله وَّه صلّى إلى عود ولا إلى عمود
ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له صمداً))، وكل
العلماء يستحسنون هذا، ولا يوجبونه خوفاً من الحد فيما لم يحده الله
ورسوله، انتهى.
وقال ابن نجيم: العاشر أن السنة أن يجعلها على أحد حاجبيه لحديث
أبي داود عن المقداد بن الأسود، فذكره.
٤١/٣٥٨ - (مالك، أنه بلغه) وصله الشيخان وغيرهما (أن عبد الله بن
عمر) - رضي الله عنه - (كان يستتر براحلته إذا صلى) اتباعاً لفعله، وَلّ، وفي
(الصحيحين)) من رواية ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه ◌َّر كان يعرض راحلته
فيصلي إليها، الحديث. قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٣): أما الاستتار
بالراحلة فلا أعلم فيه خلافاً، قلت: لعله أراد الجواز والكفاية وإلا فهو
مختلف بين الأئمة بل مخالف للمالكية أيضاً، ولذا حمله الزرقاني(٤) على
الضرورة كما سيأتي، وفي ((الشرح الكبير))(٥) للمالكية: وسترةٌ لإمام وفَذِّ بطاهرٍ
(١) ((البحر الرائق)) (٣١/٢).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٧٢/٦).
(٣) (١٨٢/٦).
(٤) (٣١٧/١).
(٥) انظر: (٢٤٤/١ - ٢٤٥).
٢٨٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٢) باب
(٣٥٨) حديث
ثابتٍ لا دابة، إما لنجاسة فضلتها كالبغال، وإما لخوف زوالها، وإما لهما.
قال الدسوقي: فلا تحصل السنة أو المندوب بالاستتار بها، وقال الشافعي
- رضي الله عنه -: لا يستتر بامرأة ولا دابة، قال ابن رسلان: فيحمل صلاته
عليه الصلاة والسلام في السفر إلى البعير على حالة الضرورة، انتهى.
وقال العيني(١): وجوّز في ((العتبية)): السترة بالحيوان الطاهر، بخلاف
الخيل والبغال والحمير، وجوّز بظهر الرجل، ومنع بوجهه، وتردّد في جنبه،
ومنع بالمرأة، واختلفوا في المحارم، ولا يستتر بنائم، ولا مجنون، ومأبون في
دبره، ولا كافر، انتهى.
قال القرطبي: فيه دليل على جواز الستر بما يستقرّ من الحيوان، ولا
يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، لأن المعاطن مواضع إقامتها عند
الماء، وكراهة الصلاة حينئذ إما لشدة نتنها، أو لأنّهم كانوا يتخلون بينها
مستترين بها، وقال غيره: علة النهي عن ذلك كونها خلقت من الشياطين،
فتحمل صلاته إليها في السفر على حالة الضرورة، قاله الزرقاني(٢).
قلت: فعلم مما سبق أن الصلاة إلى البعير والدابة لا يستحب عند
الشافعية والمالكية، ولا بأس به عند الحنابلة والحنفية، قال في ((الشرح الكبير))
للحنابلة: لا بأس أن يستتر ببعير أو حيوان، فعله ابن عمر وأنس، وقال
الشافعي: لا يستتر بدابة، انتهى.
وقال العيني(٣): وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن أنس: أنه صلّى
وبينه وبين القبلة بعير عليه محمله، وروى أيضاً الاستتار بالبعير عن سويد بن
(١) ((عمدة القاري)) (٥٧١/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١٧/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٤١/٣).
٢٨٨
** ***

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٢) باب
(٣٥٨) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْن عُرْوَةَ؛ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي
فِي الصَّحْرَاءِ، إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ.
غفلة والأسود بن يزيد وعطاء بن أبي رباح والقاسم وسالم، وعن الحسن:
لا بأس أن يستتر بالبعير، وقال ابن عبد البر: لا أعلم فيه خلافاً، وقال
ابن حزم: من منع الصلاة إلى البعير فهو مبطل، انتهى.
قلت: هذا كله على رواية ((الموطأ))، وقال ابن رسلان: روى عبد الرزاق
عن ابن عيينة عن عبد الله بن دينار: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يكره
أن يصلي إلى بعير وإلا وعليه رحله، انتهى. فعلى هذا تكون رواية ((الموطأ))
مقيدة على أنها مؤيدة برواية ((الصحيحين)).
(مالك، عن هشام بن عروة، أن أباه كان يصلي في الصحراء إلى غير
سترة) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١): أما الصلاة في الصحراء أو غيرها
إلى غير سترة، فهذا عند أهل العلم محمول على الموضع الذي يأمن فيه
المصلي أن يمر أحد بين يديه، فإن كان على غير ذلك فلا حرج على من فعله،
لأن الأصل في سترة المصلي استحباب وندب إلى اتباع السنة في ذلك،
وحسبك بما مضى بأنه لا يقطع صلاة المصلي شيء مما يمر بين يديه، انتهى.
وقال ابن العربي في ((العارضة))(٢): اختلف العلماء في وضع السترة على
ثلاثة أقوال: الأول: أنه واجب وإن لم يجد وضع خطاً، قاله أحمد وغيره.
الثاني: أنها مستحبة، قاله الشافعي وأبو حنيفة ومالك في ((العتبية))، وفي
((المدونة)) قولان: تركها هذا إذا كان في موضع يؤمن المرور فيه، فإن كان في
موضع لا يؤمن ذلك تأكد عند علمائنا وضع السترة، انتهى. وكذا حكاه العيني
ثلاثة مذاهب، الثالث: جواز تركها، روي ذلك عن مالك.
(١) (٦ / ١٨٢).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٢٩/٢).
٢٨٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٣) باب
(١٣) باب مسح الحصباء في الصلاة
قلت: ما حكي من الوجوب عن أحمد - رضي الله عنه - تأباه كتب
فروعه، قال في ((الشرح الكبير)): يستحب أن يصلي إلى سترة، ثم قال:
ولا نعلم في استحباب ذلك خلافاً، وفي ((الروض)): وتسن الصلاة إلى سترة
حضراً كان أو سفراً، انتهى.
قلت: وكذلك وضع السترة مندوب عندنا الحنفية كما في ((الفروع))، ففي
((الدر المختار))(١): ويغرز ندباً الإمام وكذا المنفرد. قال ابن عابدين: قوله:
ندباً لحديث: ((إذا صلى أحدكم فليصلِّ إلى سترة ولا يدع أحداً يمر)) الحديث،
رواه الحاكم وغيره، وصرح في ((المنية)) بكراهة تركها، وهي تنزيهية.
والصارف للأمر عن حقيقته ما رواه أبو داود عن الفضل والعباس رأينا
النبي * في بادية لنا يصلي في صحراء ليس بين يديه سترة، وما رواه أحمد:
((أن ابن عباس صلّى في فضاء ليس بين يديه شيء)) كما في ((الشرنبلالية))،
انتھی .
وقال العيني (٢): قال أصحابنا: الأصل في السترة أنها مستحبة، وقال
إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون إذا صلوا في الفضاء أن يكون بين أيديهم
ما يسترهم، وقال عطاء: لا بأس بترك السترة، وصلّى القاسم وسالم في
الصحراء إلى غير سترة، ذكر ذلك كله ابن أبي شيبة في ((مصنفه))، انتهى.
(١٣) مسح الحصباء في الصلاة
حكى النووي(٣) اتفاق العلماء على كراهة مسح الحصباء في الصلاة،
(١) (٦٨٦/١).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٩٠/٣).
(٣) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٣٧/٥).
٢٩٠
-----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٣) باب
وحكى الخطابي عن مالك أنه لم ير به بأساً، قلت: ولا تعارض بينهما لأن
ما قاله الخطابي لا ينافي الكراهة، وقال العيني في ((شرح البخاري))(١): لم
يبين المصنف، أي البخاري في الترجمة حكمه هل هو مباح أو مكروه أو غير
جائز للاختلاف الواقع فيه وممن رخص به أبو ذر وأبو هريرة وحذيفة، وكان
ابن مسعود وابن عمر يفعلانه في الصلاة، وبه قال من التابعين إبراهيم النخعي
وأبو صالح.
وحكى الخطابي في ((المعالم)) كراهته عن كثير من العلماء، وممن كرهه
من الصحابة عمر بن الخطاب وجابر، ومن التابعين الحسن البصري وجمهور
العلماء بعدهم.
وحكى النووي في ((شرح مسلم)) اتفاق العلماء على كراهته، لأنه ينافي
التواضع ويشغل قلب المصلي، قال العيني: وفي حكاية الاتفاق نظر، فإن
مالكاً لم ير به بأساً وكان يفعله، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على
المرة، وقال ابن حزم: فرض عليه أن لا يمسح الحصى وما يسجد عليه إلا
مرة واحدة، وتركها أفضل، لكن يسوّي موضع سجوده قبل الدخول في
الصلاة، وتعليل النهي في الحديث بكون الرحمة تواجهه يدل على أن الحكمة
أن لا يشتغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته حظه، وفي
معنى مسح الحصى: مسح الجبهة من التراب والطين في الصلاة، اهـ.
وقال الباجي(٢) من المالكية: مسح الحصباء في الصلاة ممنوع لوجهين:
أحدهما: الاشتغال عن الصلاة، والثاني: ترك التواضع لله عز وجل، اهـ.
قال القاري(٣): وفي ((شرح المنية)): ويكره أن يقلب الحصى إلا أن لا
(١) ((عمدة القاري)) (٦٠٨/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٢٧٩/١).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٦/٣).
٢٩١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٣) باب
(٣٥٩) حديث
٣٥٩/ ٤٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ
الْقَارِئِ؛
يمكنه الحصى من السجود بأن اختلف ارتفاعه وانخفاضه كثيراً، فلا يستقر عليه
قدر الفرض من الجبهة، فيسويه حينئذ مرة أو مرتين لأن فيه روايتين، وفي
رواية: تسويه مرة، وفي أخرى: مرتين، وفي أظهر الروايتين: أنه يسويه مرة
ولا يزيد عليها، اهـ.
وفي مكروهات ((الدر المختار)) (١): قلب الحصى للنهي إلا لسجوده التام،
فيرخص مرة، وتركها أولى. قال ابن عابدين: قوله: التام، بأن لا يمكنه
تمكين جبهته على وجه السنة إلا بذلك، وقيد بالتام لأنه لو كان لا يمكنه وضع
القدر الواجب من الجبهة إلا به تعين، ولو أكثر من مرة، قوله: وتركها أولى
لأنه إذا تردد الحكم بين سنة وبدعة، كان ترك السنة راجحاً على فعل البدعة
مع أنه كان يمكنه التسوية قبل الشروع، اهـ.
وسيأتي نحوه عن ((البدائع))، وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): الأولى أن
يفعل ذلك قبل الدخول فيها حتى لا يشغل باله وهو في الصلاة به، اهـ.
٤٢/٣٥٩ - (مالك، عن أبي جعفر القارئ) بالهمزة على ما ضبطه
الزرقاني، وقال السمعاني في ((الأنساب)): بفتح القاف وكسر الراء المهملة
وهمزة الياء، نسبة إلى القراءة وإقراء القرآن، أصله الهمزة في آخره، ويجوز
تركه للتخفيف، ولا يجوز تشديد الياء، المخزومي مولاهم المدني، اسمه
يزيد بن القعقاع، وقيل: جندب بن فيروز، وقيل غير ذلك. ثقة مات سنة
١٢٧ هـ، وقيل بعدها .
قال في ((الفتح الرحماني)): يُقْرِأ القرآن ويعلّمه الناس، وقال الزرقاني:
(١) (٢ /٤٩٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٩٩/٣).
٢٩٢
---
----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٣) باب
(٣٦٠) حديث
أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إِذَا أَهْوَى لِيَسْجُدَ، مَسَحَ الْحَصْبَاءَ
لِمَوْضِعِ جَبْهَتِهِ، مَسْحاً خَفِيفاً.
٤٣/٣٦٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَقُولُ: مَسْحُ الْحَصْبَاءِ، مَسْحَةً وَاحِدَةً، وتَرْكُهَا،
أحد القرّاء المشهورين، وقال السمعاني: في المشهورين بالقارئ أبو جعفر
يزيد بن القعقاع المدني مولى عبد الله بن عياش بن ربيعة المخزومي، من أهل
المدينة مات سنة ١٣٢هـ، وقيل: مات في ولاية مروان الحمار.
(أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (إذا أهوى) أي
انحطّ، وهبط إلى الأرض (ليسجد مسح الحصباء) بالنصب (لموضع جبهته
مسحاً خفيفاً) ليزيل شغله عن الصلاة بما يتأذى به.
قال في ((البدائع))(١) بعدما ذكر حديث أبي ذر وغيره في ترك المسح إلا
مرة: رخص مرة واحدة، إذا كانت الحصباء لا يمكنه السجود لحاجته إلى
السجود المسنون، وهو وضع الجبهة والأنف، وتركه أولى لما روينا، وهو
أقرب إلى الخشوع، وتقدم نحوه عن القاري وغيره، فيحتمل أن ابن عمر (٢)
- رضي الله عنهما - كان يمسح الحصباء لما أنه لا يمكنه السجود المفروض
بدونه، ولا بعد في أنه يختار إباحته مطلقاً .
٤٣/٣٦٠ - (مالك، عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن أبا ذر) - رضي الله
عنه - (كان يقول: مسح الحصباء) أي في الصلاة، يعني تسوية الموضع الذي
يسجد عليه، والتقييد بالحصى وبالتراب في الروايات خرج مخرج الغالب لكونه
كان الموجود في فرش المساجد إذ ذاك، فلا يدل تعليق الحكم به على نفيه عن
غيره مما يصلي عليه (مسحة واحدة) أي إنما يجوز مرة واحدة فقط (وتركها) أي
(١) (بدائع الصنائع)) (٥٠٥/١).
(٢) قال أبو عمر: أما فعل ابن عمر فإن عنده من الفعل الخفيف الذي لا يشغله عن صلاته،
انظر: ((الاستذكار)) (١٨٤/٦).
٢٩٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٤) باب
(٣٦٠) حديث
خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ.
(١٤) باب ما جاء في تسوية الصفوف
تلك المسحة والإقبال على الصلاة (خير من حمر النعم) بسكون الميم لا غير،
قاله الزرقاني. وفي ((المجمع)): بضم حاء وسكون ميم، قال الزرقاني: هي
الحمر من الإبل، وهي أحسن ألوانها، وفي ((المجمع)): أي أقواها وأجلدها،
والنعم - بفتحتين - واحد الأنعام، وهي الأموال الراعية، وأكثر ما يقع على
الإبل .
قال في ((المجمع)): الإبل الحمر هي أنفس أموال العرب، فجعلت كناية
عن خير الدنيا كله، اهـ. والمعنى: أن تركه أعظم أجراً مما لو كانت له حمر
النعم، فتصدق بها أو حمل عليها في سبيل الله، وقيل: الثواب الذي يحصل له
بتركه أشدّ سروراً منه بحمر النعم لو كانت ملكاً له دائماً .
وقد أخرج أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي ذر
مرفوعاً (١): ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة
تواجهه))، قال القاري(٢): أي تنزل عليه وتقبل إليه فلا يليق لعاقل تَلَقَّى شكر
تلك النعمة الخطيرة بهذه الفعلة الحقيرة، أو لا ينبغي فوت تلك النعمة والرحمة
بمزاولة هذه الفعلة والزَلَّةِ إلا حالة الضرورة، اهـ.
(١٤) ما جاء في تسوية الصفوف
قال العيني: هو اعتدال القائمين للصلاة على سمت واحد ويراد بها أيضاً
. ...--
(١) أخرجه أحمد (١٥٠/٥) والترمذي في الصلاة (٣٧٩) وأبو داود (٩٤٥) والنسائي
(١١٩٠) وابن ماجه (١٠٢٧).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٦/٣).
٢٩٤
-

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٤) باب
سد الخلل الذي في الصف، قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١): والآثار فيها
متواترة من طرق شتى في أمره وَلّ بتسوية الصفوف وعمل الخلفاء الراشدين
بعده، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء، اهـ.
وتقدم أن تعديل الصفوف من سنة الصلاة، وليس بشرط في صحتها عند
الأئمة الثلاثة، وقال أحمد وأبو ثور: من صلّى خلف الصف وحده بطلت
صلاته .
وقال العيني (٢): تسوية الصفوف من سنة الصلاة عند أبي حنيفة
والشافعي ومالك، وزعم ابن حزم أنه فرض لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان
من الفرض هو فرض، وقال ◌َ#: ((فإن تسوية الصف من تمام الصلاة))، فإن
قلت: الأصل في الأمر الوجوب، ولا سيما فيه الوعيد على تركه، يجاب بأن
الوعيد من باب التغليظ والتشديد، تأكيداً وتحريضاً على فعلها، قاله الكرماني،
وليس بسديد، لأن الأمر المقرون بالوعيد يدل على الوجوب، بل الصواب أن
يقول: فلتكن التسوية واجبة بمقتضى الأمر، لكنها ليست من واجبات الصلاة
بحيث إنه إذا تركها فسدت صلاته أو نقصتها، غاية ما في الباب إذا تركها
یأثم.
وروى أبو داود من حديث النعمان، قال: ((كان رسول الله وَل يسوي
صفوفنا إذا قمنا للصلاة، وإذا استوينا كبر للصلاة))، ولفظ مسلم: ((كان
يسوِّي صفوفنا حتى كأنما يسوِّي بها القداح))، انتهى ما قاله العيني
مختصراً .
(١) (٦/ ١٨٧).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٣٥٤/٤).
٢٩٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٤) باب
(٣٦١ - ٣٦٢) حديث
٣٦١/ ٤٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ كَانَ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ، فَإِذَا جَاؤُوهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنْ قَدِ
اسْتَوَتْ، كَبَّرَ.
٤٥/٣٦٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ
مَالِكِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ،
قال الحافظ في ((الفتح))(١): ومع القول بالوجوب فصلاة من خالف ولم
يسوِّ صحيحة، وأفرط ابن حزم فجزم بالبطلان، ونازع من ادّعى الإجماع على
عدم الوجوب بما صح عن عمر - رضي الله عنه - أنه ضرب قدم أبي عثمان
النهدي لإقامة الصف، وبما صح عن سويد بن غفلة قال: ((كان بلال يسوِّي
مناكبنا ويضرب أقدامنا في الصلاة)) فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحداً
على ترك غير الواجب، وفيه نظر لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك
السنة، اهـ.
٤٤/٣٦١ - (مالك، عن نافع أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه -
(كان يأمر بتسوية الصفوف) أي يأمر أهل الصفوف بذلك، أو يأمر من وكَّله
بها، قاله الباجي. وقوله: (فإذا جاؤوه فأخبروه) يؤيد الاحتمال الثاني يعني إذا
أتى الناس الموكَّلون بتسوية الصفوف، وأخبروا عمر - رضي الله عنه - (أن
قد استوت) الصفوف (كبّر) قال الباجي(٢): مقتضاه أنه وكّل من يسوِّي
الصفوف.
٤٥/٣٦٢ - (مالك عن عمه أبي سهيل) بضم السين المهملة نافع (بن مالك
عن أبيه) مالك بن أبي عامر الأصبحي (أنه قال: كنت مع عثمان بن عفان) في زمن
(١) (فتح الباري)) (٢١٠/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٧٩/١).
٢٩٦
---
1
-.
:

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٤) باب
(٣٦٢) حديث
فَقَامَتِ الصَّلاةُ، وَأَنَا أُكَلِّمُهُ فِي أَنْ يَفْرِضَ لِي، فَلَمْ أَزَلْ أُكَلِّمُهُ، وَهُوَ
يُسَوِّي الْحَصْبَاءَ بِنَعْلَيْهِ، حَتَّى جَاءَهُ رِجَالٌ، قَدْ كَانَ وَكَلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ
الصُّفُوفِ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الصُّفُوِفَ قَدِ اسْتَوَتْ، فَقَالَ لِي: أَسْتَوِ فِي
الصَّفِّ، ثُمَّ كَبَّرَ .
خلافته كما هو ظاهر السياق (فقامت الصلاة وأنا أكلمه) أي أسأل منه - رضي الله
عنه - (في أن يفرض) بفتح أوله وكسر الراء، قال المجد: الفرض: التوقيت،
والعطية الموسومة، اهـ. والمعنى: أي يوقت ويقدر (لي) في العطاء من بيت
المال شيئاً (فلم أزل أكلمه) أي عثمان - رضي الله عنه - في ذلك الأمر (وهو
يسوي) ويعتدل (الحصباء بنعليه) لسجود أو غيره (حتى جاءه رجال قد كان)
عثمان (وكَلهم) بخفة الكاف وشدّها أي عيَّنهم بتسوية الصفوف، وفي ((الدر
المختار)): يصُفهم الإمام بأن يأمرهم بذلك، قال الشُّمُنِّي: وينبغي أن يأمرهم
بأن يتراصوا ويسدوا الخلل ويسووا مناكبهم، اهـ.
(فأخبروه أن الصفوف قد استوت فقال لي: استَوِفي الصف ثم كبر) أي
عثمان بأثر ذلك، لأنه كان التأخير لانتظار تسوية الصفوف فقد كملت. قال
الزرقاني(١): كبر بكسر الباء أمر، وبفتحها خبر.
قلت: وتقدم في الجملة أن عثمان بعد الخطبة لا يكبر حتى يأتيه رجال
قد وكلهم بتسوية الصفوف، فيخبرونه أن قد استوت، فيكبر، أي بعد ذلك،
فهذا يؤيد الخبر. قال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(٢): وفيه جواز الكلام بين
الإقامة والإحرام، خلاف ما ذهب إليه العراقيون، اهـ.
قال صاحب ((التلويح)): فيه جواز الكلام بعد الإقامة، وإن كان إبراهيم
والزهري وتبعهما الحنفيون كرهوا ذلك، حتى قال بعض أصحاب أبي حنيفة:
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٠/١).
(٢) (٦/ ١٨٧).
٢٩٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٥) باب
(١٥) باب وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة
إذا قال المؤذن: ((قد قامت الصلاة)) وجب على الإمام التكبير، وقال مالك: إذا
بعدت الإقامة رأيت أن تعاد الإقامة استحباباً، كذا في ((العيني))(١).
قلت: بل صرح في ((الشرح الكبير)) ببطلان الإقامة بطول الفصل، قال
العيني: إنما كره الحنفية الكلام بين الإقامة والإحرام إذا كان لغير ضرورة،
وأما إذا كان لأمر من أمور الدين فلا يكره، انتهى.
وفي ((المراقي)): من الأدب شروع الإمام إحرامه عند قول المقيم: قد
قامت الصلاة عندهما، وقال أبو يوسف: يشرع إذا فرغ من الإقامة، فلو أخّر
حتى يفرغ من الإقامة لا بأس به في قولهم جميعاً، وقال الطحطاوي في
((حاشيته)) عليه: قوله: إذا فرغ من الإقامة، أي بدون فصل، وبه قالت الأئمة
الثلاثة، وهو أعدل المذاهب، اهـ.
قلت: وأخرج أبو داود، عن حميد، قال: سألت ثابتاً البناني عن الرجل
يتكلم بعدما تقام الصلاة؟ فحدثني عن أنس، قال: أقيمت الصلاة فعرض
لرسول الله وي رجل فحبسه بعدما أقيمت الصلاة.
قال ابن رسلان: فيه إشعار بأن الاختلاف في حكم المسألة كان قديماً،
وفيه دليل أيضاً على أن اتصال الإقامة بالصلاة ليس من تأكيد السنن، بل من
مستحباتها، وكره قوم الكلام بعد الإقامة، والحديث حجة عليهم وعلى كل من
كرهه مطلقاً، انتهى.
(١٥) وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة
اختلف الرواة عن مالك في مسألة اليدين، والمرجح عند المالكية في
فروعهم الإرسال، ذكر في ((المدونة))(٢): قال مالك في وضع اليمنى على
(١) ((عمدة القاري)) (٢٢١/٤).
(٢) (٧٦/١).
٢٩٨

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٥) باب
اليسرى، قال: لا أعرف ذلك في الفريضة، وكان يكرهه، ولكن في النوافل إذا
طال القيام، فلا بأس بذلك يُعِيْن به نفسه، اهـ. وفي ((مختصر خليل))(١): عدَّ
من مندوبات الصلاة سدل يديه، وفي ((الشرح الكبير)): وندب لكل مصلٍّ إرسال
يديه، وكره القبض بفرض، وهل يجوز القبض في النفل طوّل أو لا؟ أو يجوز
إن طوّل ويكره إن قصّر تأويلان، وهل كراهته في الفرض للاعتماد إذ هو شبيه
بالمستند، فلو فعله لا للاعتماد، بل استناناً لم يكره؟ وهو المعتمد، وعليه
فيجوز في النفل مطلقاً لجواز الاعتماد فيه بلا ضرورة، أو كراهته خيفة اعتقاد
وجوبه على العوام، واستبعد وضُعِّفَ أو خيفة إظهار خشوع، وليس بخاشع في
الباطن، وعليه فلا تختص الكراهة بالفرض، تأويلات، اهـ.
وقال ابن رشد في ((البداية))(٢): اختلف العلماء في وضع اليدين إحداهما
على الأخرى في الصلاة، فكره ذلك مالك في الفرض، وأجازه في النفل، ورأى
قوم أن هذا من سنن الصلاة، وهم الجمهور، والسبب في اختلافهم أنه قد جاءت
آثار ثابتة نقلت فيها صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، ولم ينقل فيها أنه كان يضع
يده اليمنى على اليسرى، وثبت أيضاً أن الناس كانوا يؤمرون بذلك.
وورد أيضاً من صفة صلاته عليه الصلاة والسلام في حديث أبي حميد،
فرأى قوم أن الآثار التي أثبتت ذلك اقتضت زيادة على الآثار التي لم تنقل فيها
هذه الزيادة، وأن الزيادة يجب أن يصار إليها، ورأى قوم أن الأوجب المصير
إلى الآثار التي ليس فيها هذه الزيادة، لأنها أكثر، ولكون هذه ليست مناسبة
لأفعال الصلاة، وإنما هي من باب الاستعانة، ولذلك أجازها مالك في النفل،
ولم يُجزها في الفرض، وقد يظهر من أمرها أنها هيئة تقتضي الخضوع، وهو
الأولى بها، اهـ.
(١) ((مختصر خليل مع الخرشي)) (٢٨٦/١) و((الشرح الصغير)) (٣٢٤/١).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١/ ١٣٧).
٢٩٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١٥) باب
قال الزرقاني: (١) وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر
الصحابة، اهـ. قال العيني (٢): وحكى ابن المنذر عن عبد الله بن الزبير
والحسن البصري وابن سيرين: أنه يرسلهما، وكذلك عند مالك في المشهور:
يرسلهما وإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة، قاله
الليث بن سعد. وقال الأوزاعي: هو مخيّر بين الوضع والإرسال، اهـ.
وذكر الباجي(٣) في الباب أربع روايات عن الإمام مالك - رضي الله
عنه -: منها: رواية مطرف وابن الماجشون عنه أنه استحسنه، اهـ، أي وضع
اليدين، قلت: وعلى وفق هذه الرواية جاءت روايات ((الموطأ))، وقال
الزرقاني(٤): قال ابن عبد البر: لم يأتِ عن النبي ◌َّ فيه خلاف، وهو قول
جمهور الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في ((الموطأ)»، ولم يحكِ
ابن المنذر وغيره عن مالك غيره، اهـ.
وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار))(٥): وهو قول المدنيين من أصحابه،
وقال الأوزاعي: من شاء فعل ومن شاء ترك، وهو قول عطاء، وقال الثوري
وأبو حنيفة والشافعي - رضي الله عنهم - وأصحابهم والحسن بن صالح
وابن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود والطبري: يضع المصلي يمينه
على شماله في الفريضة والنافلة، اهـ.
قال العيني(٦): الكلام في وضع اليد على اليد في الصلاة على وجوه:
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢١/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٨٨/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٧٩/١).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٢١/١).
(٥) (١٩٦/٦).
(٦) ((عمدة القاري)) (٣٨٨/٤).
٣٠٠