النص المفهرس

صفحات 221-240

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
الخامس: تستحب المواظبة عليها في البيوت للأمن من الخشية
المذكورة، السادس: أنها بدعة صح هذا من رواية عروة عن ابن عمر - رضي الله
عنهما -، وسئل أنس بن مالك عن صلاة الضحى؟ فقال: ((الصلوات خمس))،
وعن أبي بكرة: ((أنه رأى ناساً يصلون الضحى، فقال: ما صلّاها رسول الله وَل
ولا عامة أصحابه))، اهـ.
قلت: ورجح ابن القيم أحاديث الترك، وبسط الكلام على الروايات
المتضمنة بصلاة الضحى، وحكى القاري قولاً آخر بكراهة تركها، قلت:
والأئمة الأربعة على استحبابها كما بسط في فروعهم، إلا أن المرجح عند
متأخري الحنابلة من روايتي الإمام عدم المداومة.
قال ابن قدامة في ((المغني)) (١): صلاة الضحى مستحبة لرواية أبي هريرة:
((أوصاني خليلي بثلاث)) الحديث. ونحوه عن أبي الدرداء. فأقلها ركعتان
لرواية أبي ذر، وأكثرها ثمان في قول أصحابنا لرواية أم هانئ، وقال بعض
أصحابنا: لا تستحب المداومة لأنه عليه السلام لم يداوم عليها، وقال
أبو الخطاب: تستحب المداومة لأنه وَّل﴾ أوصى أصحابه، اهـ مختصراً.
وفي ((نيل المآرب))(٢): تسن صلاة الضحى غِبّاً، ونحوه في ((الروض(٣)
المربع))، وأما عند المالكية ففي ((الأنوار)): وتتأكد صلاة الضحى، وأقلها
ركعتين وأكثرها ثمان، كذا في ((الشرح الصغير))، وأما عند الشافعية ففي
((الأنوار)): ومن النفل الموقت صلاة الضحى، وهي سنة مؤكدة، ووقتها من
ارتفاع الشمس إلى الاستواء كما جزم به الرافعي.
(١) (٥٤٩/٢).
(٢) (٢٠٥/١).
(٣) (٢٢٧/١) .
٢٢١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
وهذا دعاء صلاة الضحى فيستحب أن يدعو بعدها به، فيقول: اللَّهم إن
الضحى ضحاؤك والبهاء بهاؤك، والجمال جمالك، والقوة قوتك، والقدرة
قدرتك، والعصمة عصمتك، اللَّهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان
في الأرض فأخرجه، وإن كان معسراً فيسِّره، وإن كان حراماً فطَهِّره، وإن كان
بعيداً فقربه، بحق ضحائك وبهائك وجمالك وقوتك، آتني ما آتيتَ عبادك
الصالحين، اهـ.
وأما عند الحنفية فما في ((الدر المختار)) (١): وندب أربع فصاعداً في
الضحى على الصحيح من بعد الطلوع إلى الزوال، ووقتها المختار بعد ربع
النهار، اهــ قال البيجوري في ((شرح الشمائل)): وبالجملة فقد قام الإجماع
على استحبابها وفي شأنها أحاديث كثيرة، اهـ.
ثم هي صلاة الإشراق، واحدة أو ثنتان؟ ظاهر أقوال الفقهاء والمحدثين
أنهما واحدة، إذ كلهم ذكروا وقتها من بعد الطلوع إلى الزوال، ولم يفصلوا
بينهما، لكن في ((الروضة)): والمعتمد أنها هي صلاة الإشراق، وقيل: صلاة
الإشراق غيرها، وعليه فوَقْتُ صلاةِ الإشراق وقت طلوع الشمس، اهـ.
وفي ((العرف)) عن السيوطي وعلي المتقي: أن صلاة الضحى غير صلاة
الإشراق، قال القاري في ((شرح الشمائل))(٢): والتحقيق أن أول وقت الضحى
إذا خرج وقت الكراهة وآخره قبيل الزوال، وإن ما وقع في أوائله يسمى صلاة
الإشراق أيضاً، وما وقع في آخره يسمى صلاة الزوال أيضاً، وما بينهما يختص
بصلاة الضحى، انتهى.
قلت: إلا أن صلاة الزوال تكون بعد الزوال كما ثبت في موضعه، وفيه
(١) (٥٦٣/٢).
(٢) (٨٥/٢).
٢٢٢
-----
... .. -

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
روايات عديدة، منها: حديث عبد الله بن السائب: ((كان يصلي أربعاً بعد أن
تزول الشمس قبل الظهر))، الحديث. وعن أبي أيوب: ((كان ◌َّ يدمن أربع
ركعات عند زوال الشمس، وغير ذلك))، فالأوجه عندي أنهما صلاتان:
الإشراق، وندب إليها النبي ◌ّر في الروايات التي رغّب فيها في الجلوس في
المسجد بعد الصبح حتى يصلي الركعتين، فقد أخرج أبو داود عن معاذ بن
أنس مرفوعاً: من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبّح
ركعتي الضحى، الحديث. وأخرج صاحب ((الحصن)) برواية الترمذي وغيره عن
أنس: ((من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى
ركعتين الحديث. قال القاري (١): وتسمى هذه صلاة الإشراق وهي أول صلاة
الضحى، انتهى.
وصريح رواية علي - رضي الله عنه -: التفريق بين صلاة الإشراق
والضحى، فقد روى الترمذي في ((شمائله))(٢) عن علي - رضي الله عنه - قال:
كان ◌َّ إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر صلى
ركعتين، وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلى أربعاً،
الحديث نص في التثنية، وسيأتي شيئ من البسط في ذكر الروايات الواردة في
الضحى، وهي مؤيدة لكلا الصلاتين إلا أنهما بمنزلة التقابل للظهر والعصر.
فكما يجوز الجمع بينهما للضرورة فكذلك لا بأس بالجمع بينهما، وهو
محمل الروايات التي وردت فيها ثنتا عشرة ركعة، أربع للإشراق وثمانية
للضحى، وجمع بينهما لاتحاد وقتهما، هذا ما أدى إليه نظري القاصر فلعله
يكون صواباً، والله ملهم الرشد والسداد.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٥/٢).
(٢) (٨٤/٢).
٢٢٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٤) حديث
٢٧/٣٤٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُوسىُ بْنِ مَيْسَرَةَ،
عَنْ أَبِي مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّ أَمَّ هَانِىءٍ، بِنْتَ
أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلّهِ صَلَّى عَامَ الْفَتْح،
٢٧/٣٤٤ - (مالك، عن موسى بن ميسرة) الديلي(١)، بكسر الدال
المهملة وسكون التحتية، مولاهم أبو عروة المدني ثقة مات سنة ١٣٣ هـ (عن
أبي مرة) بضم الميم وشد الراء، ((زر))(٢). اسمه يزيد بتحتية فزاء، وقيل:
عبد الرحمن المدني، ثقة، من رجال الجميع (مولى عقيل) بفتح العين (ابن
أبي طالب) الصحابي الشهير، ويقال: مولى أخته أم هانئ، قال ابن عبد البر
في ((التمهيد))(٣): الصحيح الأول، وقال الحافظ: الثاني حقيقة، ونسب إلى
عقيل مجازاً لأدنى ملابسة لأنه أخوها، أو لأنه يكثر ملازمته، وقال العيني:
قال الداودي: كان عبداً لهما فأعتقاه فينسب مرة لهذا ومرة لهذا، انتهى.
(أن أم هانئ) بكسر النون فهمزة (بنت أبي طالب) الهاشمية، اسمها فاختة
على الأشهر(٤)، وقيل: فاطمة، وقيل: هند، صحابية أسلمت يوم الفتح،
وماتت في خلافة معاوية - رضي الله عنه - (أخبرته) أي أبا مرة (أن رسول الله وَل
صلَّى) في بيتها بمكة (عام الفتح) وهو الثامنة من الهجرة.
وسببها أنه أعانت أشراف بني نفاثة على خزاعة، وهم أهل عهد النبي
وَشَيـ
فَبَيْتَنْهم بنو نفاثة، فاستنصر خزاعة النبي ◌َِّ، فقال ◌َّ: ((لا نصرت إن لم
أنصر بني كعب) وذلك في شعبان على رأس اثنين وعشرين شهراً عن صلح
الحديبية، فتجَهَّز ◌َّ مخفياً أمره، وحرّض العرب، فجاء أسلم، وغفار،
(١) انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) (٣٧٣/١٠).
(٢) (٣٠٤/١).
(٣) (١٨٦/٢١).
(٤) انظر: (الاستيعاب)) (١٩٦٣/٤ - ١٩٦٤)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٨١/١٢)، و(«أسد
الغابة)) (٥٠١/٥).
٢٢٤

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٤) حديث
ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفاً فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ .
ومزينة، وجهينة، وأشجع، وسليم، فخرج لعاشر رمضان في عشرة آلاف،
وخرج العباس بن عبد المطلب بعياله مهاجراً، فلقيه # بالجحفة، وقد كان
مقيماً بمكة على سقايته برضاه، ولقيه أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن
أبي أمية ببعض الطريق، فقال: ((لا حاجة لي بهما، فقد هتكا عرضي، وقالا
لي ما قالا))، فألحّا، وكلَّمته أم سلمة فيهما، فأذن لهما، فأسلما، وجاء
العباس بمرِّ الظهران بأبي سفيان بن حرب فأسلم.
ونهى رسول الله وَّر عن القتال إلا من قاتل، وأمر بقتل ستة رجال وأربع
نسوة، ولم يلقوا قتالاً إلا فوج خالد بن الوليد، فلقيه جماعة صفوان بن أمية،
وعكرمة بن جهل، فاقتتلوا، فقتل ثمانية وعشرون منهم، ورجلان من
المسلمين، وكان الفتح لعشرين من رمضان، فأقام بها خمسة عشر يوماً يبعث
السرايا حول مكة، ثم خرج إلى حنين لعاشر شوال، ملخص من ((المجمع))(١).
(ثماني ركعات) بكسر النون وفتح الياء مفعول صَلَّى، وسيأتي الكلام على
ركعات الضحى (ملتحفاً في ثوب واحد) وقد تقدم الكلام على الصلاة في
الثوب الواحد، وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أم هانئ: فلم أر
صلاةً قط أخفَّ منها غير أنه لنَّ يتم الركوع والسجود، نسبها في ((جمع
الفوائد)) إلى الستة.
قال العيني(٢): استدل به على استحباب التخفيف فيها، ورُدَّ بأن التخفيف
فيها كان لأجل اشتغاله وَلّل بمهمات الفتح من مجيئه إلى المسجد وخطبته، وقد
روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) من حديث حذيفة: أنه ◌ّ صلى الضحى ثماني
رکعات، طوّل فيهن، انتهى.
(١) انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٦٨/٥).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٤٦/٥).
٢٢٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٥) حديث
٢٨/٣٤٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى
عُمَرَ بْن عُبَيْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أَخْبَرَهُ
أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِىءٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه
عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَّوْبِ،
٢٨/٣٤٥ - (مالك، عن أبي النضر) بفتح النون والضاد المعجمة سالم بن
أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العين فيهما (أن أبا مرة) المذكور
مختلف في اسمه (مولى عقيل بن أبي طالب) وللقعنبي وغيره: مولى أم هانئ
وكلاهما صحيح كما تقدم (أخبره) أي سالماً (أنه سمع أم هانئ بنت) عم
النبي ◌َ ﴾ (أبي طالب تقول: ذهبت) بصيغة المتكلم (إلى رسول الله وَّو عام
الفتح) في رمضان سنة ثمان كما تقدم، قال عياض: هذا أصح من رواية
الصحيح، لأن نزوله وَ﴿ كان بالأبطح، وقد وقع مفسراً في حديث سعيد بن
أبي هند عن أبي مرة، مثل حديث مالك بلفظ: وهو في قبته بالأبطح، انتهى.
وفي رواية للصحيح عن أم هانئ: أن النبي وَلل دخل بيتها يوم فتح مكة،
واغتسل، وصلى ثمان ركعات، الحديث.
قال الحافظ(١): ويجمع بينهما بأن ذلك تكرر منه، ويؤيده ما رواه
ابن خزيمة عنها أن أبا ذر ستره لما اغتسل، وفي هذه الرواية كما سيأتي: أن
فاطمة تستره، ويحتمل أنه نزل في بيتها بأعلى مكة، وكانت هي في بيت آخر
بمكة، فجاءت إليه فوجدته يغتسل، ويحتمل أيضاً أنه وَّ دخل في ناحية من
بيتها، وهي كانت في ناحية أخرى، فذهبت إليه وَ ل# في تلك الناحية (فوجدتُه)
ببناء المتكلم (يغتسل) وَر (وفاطمة ابنته) وَل (تستره بثوب) وفيه ستر المحارم
عند الاغتسال، وذلك مباح، وتقدم عن رواية ابن خزيمة: ((أن أبا ذر ستره))
ويحتمل أن أحدهما ستره في ابتداء الغسل، والآخر في أثنائه، قاله الحافظ في
((الفتح)).
(١) ((فتح الباري)) (٥٣/٣) برقم (١١٧٦).
٢٢٦
----
.---

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٥) حدیث
قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟))، فَقُلْتُ: أَمُّ هَانِىٍ بِنْتُ
أَبِي طَالِب، فَقَالَ: ((مَرْحَباً بِأُمِّ هَانِىءٍ))، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ
فَصَنِّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفاً فِي تَوْبِ وَاحِدٍ،
قلت: أو يقال: إن فاطمة - رضي الله عنها - كانت تستره وَ ل من ناحية،
وأبا ذر - رضي الله عنه - من أخرى، هذا إذا صحت الروايتان، وإلا فأنت
خبير بأن ما اتفق عليه الأصول أولى (قالت) أم هانئ: (فسلمت عليه فقال):
بعد رد السلام، ولم نذكره للعلم به، قال أبو عمر (١): فيه جواز السلام على
من يغتسل ورَدُّه علیه، انتھی.
قلت: بشرط أن لا يكون عرياناً وإلا فالسلام على مكشوفِ عورةٍ يكره
كما صرح في ((الدر المختار))، فالجواب أولى، ولا يشكل بالحديث، لأن
المعلوم من عادته الشريفة و # أنه لا يغتسل عرياناً، بل متّزراً (مَنْ هذه) يدل
على أن الستر كان كثيفاً، وعلم أنها امرأة، واحتج به من ردَّ شهادة الأعمى؛
لأنه وَلّ لم يميز صوت أم هانئ مع علمه بها ومعرفته إياها (فقلت): أنا
(أم هانئ بنت أبي طالب) زادت الكنية إيضاحاً للجواب.
(فقال) بَله: (مرحباً بأم هانئ) بباء الجر عند الأكثر، وفي بعضها بياء
النداء أي لقيت رحباً وسعةً، قاله الأصمعي، وقال الفرّاء: نصب على
المصدر، وفيه معنى الدعاء بالرحب والسعة، وقيل: هو مفعول به أي لقيت
سعة، قاله العيني، كذا في ((الفتح الرحماني)).
(فلما فرغ من غسله) بضم الغين (قام فصلى ثمان ركعات) بكسر النون
وفتح الياء حال كونه (ملتحفاً) أي ملتفّاً نصب على الحال من الضمير الذي في
صلى (في ثوب واحد) زاد كريب عن أم هانئ: يُسَلِّم من كل ركعتين، أخرجه
ابن خزيمة، وفيه رَدٌّ على من تمسك به على ثماني ركعات موصولة، قاله
الحافظ في ((الفتح)).
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٣٨/٦).
٢٢٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٥) حديث
ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ، أَنَّهُ قَاتِلٌ.
قلت: حديث كريب أخرجه أبو داود أيضاً، قال العيني: إسناده صحيح
على شرط البخاري، فإن قلت: أخرج النسائي بسنده عن عطاء قال: حدثتني
أم هانئ أنها دخلت على النبي ◌َّ، الحديث. وفيه قالت: فصلى الضحى،
فما أدري كم صلى حين قضى غسله؟ قلت: جملة من رواها عن أم هانئ ذكر
ثماني ركعات، فالجازم قاضٍ على الشاك.
قال العيني(١): فإن قلت في حديث ابن أبي أوفى أن النبي ◌ُّ صلى يوم
الفتح ركعتين، فكيف الجمع بينه وبين حديث أم هانئ؟ قلت: من صلى ثمانياً
فصلى ركعتين، فلعل ابن أبي أوفى رأى من صلاته ركعتين، فأخبر بما شاهده،
وأخبرت أم هانئ بما شاهدت. قال الحافظ: هو محمول على أنه رأى من
صلاة النبي ◌َّ ركعتين، ورأت أم هانئ بقية الثمان، وهذا يقوي أنه وَال
صلاها مفصولة، انتهى.
(ثم انصرف) من صلاته، وفي تأخيرها سؤال حاجتها، حتى قضى صلاته
جميلُ أدب وحسن تناول (فقلت: يا رسول الله زعم) أي قال: وأراد (ابن أمي)
قال العيني: وفي رواية الحموي: ابن أبي، ولا تفاوت في المقصود لأنها
أخت علي - رضي الله عنه - من الأب والأم، انتهى. قلت: لكن المشهور في
الروايات ابن أمي (علي) بن أبي طالب، وهي شقيقته، أمهما فاطمة بنت أسد،
وتخص الأم بالذكر في محل الاستعطاف والشكوى، لأنها أشدُّ في الحنان،
قال هارون عليه السلام: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى﴾. وقال ابن عبد البر(٢): كانوا
يسمون كل شقيق بابن أم دون الأب، ليدُلَّوا على قرب المحل من النفس إذ
جمعهم بطن واحد، انتهى.
(أنه قاتل) بصيغة اسم الفاعل، وفيه إطلاق اسم الفاعل على من عزم
(١) ((عمدة القاري)) (٥٤٣/٥).
(٢) ((الاستذكار)) (١٤٠/٦).
٢٢٨
I ------
---

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٥) حديث
رَجُلاً أَجَرْتُهُ، فُلانُ بْنُ هُبَيْرَةَ،
على التلبس بالفعل (رجلاً) منصوب بقوله: قاتل، وسيأتي بيانه (أجرته)
بالراء أي أمنته (فلان) بالرفع على تقدير هو، وبالنصب بدل من رجلاً، أو
من الضمير المنصوب، قال الزمخشري: فلان وفلانة: كناية عن اسم
الأناسي، وإذا كنوا عن البهائم أدخلوا اللام، فقالوا: الفلان والفلانة،
انتهى. قال العيني: فلانة غير منصرف، لأنه كناية عن اسمها، كذا في
((الفتح الرحماني)).
(ابن هبيرة) بضم الهاء وفتح الموحدة وسكون الياء آخر الحروف،
وبالراء، قاله العيني، ابن أبي وهب بن عمر المخزومي زوج أم هانئ، ولدت
منه أولاداً منهم هانئ الذي كنيت به، هرب في فتح مكة إلى نجران، فلم يزل
بها مشركاً حتى مات كما سيأتي.
قال العيني(١): ثم قولها: فلان بن هبيرة، فيه اختلاف كثير من جهة
الرواية ومن جهة التفسير.
أما من جهة الرواية، ففي ((التمهيد)) من حديث محمد بن عجلان عن
سعيد بن أبي سعيد عن أبي مرة عن أم هانئ قالت: أتاني يوم الفتح حموان
لي فأجرتهما، فجاء علي يريد قتلهما، فأتيت النبي وقل﴾، الحديث. وفي
((معجم الطبراني)): ((إني أجرت حموي))، وفي رواية: حموي ابن هبيرة، وفي
رواية: حموي ابني هبيرة، وقال أبو عمر: في حديث أبي النضر ما يدل على
أن الذي أجرته، كان واحداً، وفي هذا اثنين، وقال العيني: لا يضر ذلك،
لأنه يحتمل أن يكون الراوي اقتصر على ذكر واحد منهما نسياناً، كما أبهم
اسمه نسياناً .
وأما الاختلاف الثاني من جهة التفسير، فقال الحافظ (٢): قال
(١) ((عمدة القاري)) (٢٧١/٣).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٠٥/١).
٢٢٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٥) حديث
أبو العباس بن شريح وغيره: هما جعدة بن هبيرة. ورجل آخر من بني
مخزوم، كانا فيمن قاتل خالد بن الوليد، ولم يقبلا الأمان، فأجارتهما
أم هانئ، وكانا من أحمائها. وقال ابن الجوزي: إن كان ابن هبيرة منهما
فهو جعدة، كذا قال، وجعدة معدود فيمن له رؤية، ولم تصح له صحبة، وقد
ذكره من حيث الرواية في التابعين البخاري وابن حبان وغيرهما، فكيف يتهيأ
لمن هذه سبيله في صغر السن أن يكون عام الفتح مقاتلاً حتى يحتاج إلى
الأمان، ثم لو كان ولد أم هانئ لم يهتم علي بقتله لأنها كانت قد أسلمت،
وهرب زوجها وترك ولدها عندها، وجوّز ابن عبد البر أن يكون ابناً لهبيرة
من غيرها مع نقله عن أهل النسب أنهم لم يذكروا لهبيرة ولداً من غير
أم هانئ.
وجزم ابن هشام في ((تهذيب السيرة)): بأن اللذين أجارتهما أم هانئ:
هما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية المخزوميان، وروى الأزرقي
بسند فيه الواقدي في حديث أم هانئ هذا، أنهما الحارث بن هشام
وعبد الله بن أبي ربيعة، وحكى بعضهم أنهما الحارث بن هشام وهبيرة بن
أبي وهب، وليس بشيء، لأن هبيرة هرب عند فتح مكة إلى نجران. فلم
يزل بها مشركاً حتى مات كذا جزم به ابن إسحاق وغيره فلا يصح ذكره في
من أجارته أم هانئ.
وقال الكرماني: قال الزبير بن بكار: فلان بن هبيرة هو الحارث بن
هشام، وقد تصرف في كلام الزبير بن بكار، وإنما وقع عند الزبير في هذه
القصة موضع فلان بن هبيرة الحارث بن هشام، والذي يظهر لي أن في رواية
الباب حذفاً، كأنه كان فيه فلان ابن عم هبيرة، فسقط لفظ عم أو كان فيه
((فلان قريب هبيرة)). فتغير لفظ قريب بلفط ابن، وكل من الحارث بن هشام
وزهير بن أبي أمية وعبد الله بن أبي ربيعة يصح وصفه بأنه ابن عم هبيرة
٢٣٠
٠

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٥) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: ((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِىءٍ))، قَالَتْ
◌ُمُّ هَانِیءٍ :
وقريبه، لكون الجميع من بني مخزوم، انتهى كلام الحافظ(١).
ولم يرتض العيني(٢) بمختار الحافظ، اختار قولاً آخر إذ قال: قال
الكرماني: أرادت أم هانئ أنها من هبيرة أو ربيبها، ثم ذكر الأقوال الأخر، ثم
قال: الأصوب والأقرب أن يكون المراد ابن هبيرة من غير أم هانئ، ويدل
على صحته رواية ابن عجلان في ((التمهيد))، وروايات الطبراني، أن الذي
أجارته أم هانئ هو حموها، انتهى.
(قال رسول الله وَ ل﴾: قد أجرنا من أجرتِ) بكسر التاء أي أمنًّا من أمنت
(يا أم هانئ) وفيه جواز أمان المرأة وإن لم تقاتل، وبه قال الجمهور، منهم
الأئمة الأربعة، وقال ابن الماجشون: إن أجازه الإمام جاز وإلا رُدَّ لقوله ◌َلَه :
((أجرنا من أجرت))، وأجاب الجمهور: بأنه قال ذلك تكميلاً للكلام وتطييباً
لقلبها، ويؤيده ما ورد في بعض ألفاظ الرواية ((ليس له ذلك، قد أجرنا من
أجرت))، ويؤيده حديث ((يسعى بذمتهم أدناهم)). وحكى ابن المنذر الإجماع
على جواز تأمين المرأة إلا ابن الماجشون وحكي عن سحنون أيضاً.
قال العيني(٣): على هذا جماعة الفقهاء بالحجاز والعراق، منهم: مالك
وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق، وهو قول الثوري والأوزاعي،
وشذّ عبد الملك بن الماجشون وسحنون عن الجماعة، فقالا: أمان المرأة
موقوف على إجازة الإمام، وقد أجارت زينب بنت رسول الله ور أبا العاص بن
الربيع، انتهى.
(قالت أم هانئ) هكذا في النسخ المصرية، وليس لفظ قالت أم هانئ في
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١ / ٤٧٠).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٧١/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٥٢١/١٠) برقم (٣١٧١).
٢٣١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٥) حديث
وذُلِكَ ضُحىّ.
هذان الحديثان أخرجهما البخاريّ فى: ٨ - كتاب الصلاة، ٤ - باب الصلاة
في الثوب الواحد ملتحفاً به.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١٣ - باب استحباب صلاة
الضحى، حديث ٨٢ و٨٣.
الهندية ولا ضير فيه (وذلك) أي الصلاة أو الوقت (ضحى) استدل بهما من
ذهب إلى استحباب صلاة الضحى، ومن أنكرها قال: لا دلالة فيه لأنها
أخبرت عن الوقت، وقالوا: إنما هي سنة الفتح، ويؤيده ما في رواية لمسلم
عن أم هانئ: لم يصلها قبل ولا بعد، وقد صلاها خالد بن الوليد في بعض
فتوحه، كذلك قال ابن القيم.
وذكر الطبري في (تاريخه)) عن الشعبي قال: لما فتح خالد بن الوليد
الحيرة صلى صلاة الفتح ثمان ركعات لم يسلم فيهن، ثم انصرف، انتهى.
وقال السهيلي: هذه الصلاة تعرف عند العلماء بصلاة الفتح، وكان
الأمراء يصلونها إذا فتحوا بلداً. قال: ومن سنتها أيضاً أن لا يجهر فيها
بالقراءة، والأصل فيها صلاته وهل يوم الفتح. قال ابن جرير: صلاها سعد بن
أبي وقاص حين افتتح المدائن في إيوان كسرى، قال: وهي ثمان ركعات،
لا يفصل بينها، وقال عياض أيضاً: ليس حديث أم هانئ بظاهر في أنه
قصد ◌َّة بها سنة الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته فقط،
انتھی .
وقيل: إنها كانت قضاءً عما شغل عنه تلك الليلة عن حِزْبه، وتعقبه
النووي بأن الصواب صحة الاستدلال لرواية أبي داود بطريق كريب عن أم هانئ
بلفظ: صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات، ولمسلم في ((كتاب
الطهارة)) بطريق أبي مرة عنها: ثم صلى ثمان ركعات السبحة الضحى، وأصرح
منهما ما أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) بسنده عنها فصلى ثمان ركعات،
٢٣٢

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٦) حديث
٢٩/٣٤٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ،
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهَ؛ أَنَّها قَالَتْ: مَا
يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قٌَ، وَإِنِّي لأَسَبِّحُهَا، ...
رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاة الضحى(١).
٢٩/٣٤٦ - (مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة زوج
النبي ﴾ أنها قالت: ما رأيت رسول الله وَّ﴾ يصلي سبحة) بضم السين وسكون
الموحدة أي نافلة (الضحى قط) تأكيد للنفي أي أبداً، قال الحافظ(٢): فيه دليل
على ضعف ما روي أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه وَلَه، وعدَّها لذلك
العلماء من خصائصه، ولم يثبت ذلك في خبر صحيح (وإني لأسبحها)(٣) كتب
في ((الحاشية)) عن ((المحلى)): كذا رواية يحيى من التسبيح ولغيرها من
الاستحباب، انتهى.
وقال الزرقاني (٤): بفتح الهمزة والفوقية وكسر الحاء المهملة، وبالموحدة
المشددة من الاستحباب، قال الباجي(6): كذا رواية يحيى ورواه غيره:
لأسبحها أي بضم الهمزة وكسر الموحدة الثقيلة أي أتنفل بها، انتهى، قاله
الزرقاني.
وفي النسخة التي بأيدينا من الباجي سياقه هكذا، قولها: وإني لأستحب،
هكذا رواية يحيى الليثي، ورواه غيره: وإني لأستحبها، تعني أنها تتنفل بها،
وأنها كانت تفعل ذلك، انتهى، فتأمل.
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٠٦/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٣/ ٧٠) رقم الحديث (١١٧٧).
(٣) في نسخة: لأستحبها .
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٧/١).
(٥) ((المنتقى)) (١/ ٢٧٢).
٢٣٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٦) حديث
وإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّه لَيَدَعُ الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ، خَشْيَةَ
أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.
أخرجه البخاريّ في: ١٩ - كتاب التهجد، ٥ - باب تحريض النبيّ وَّل على
صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١٣ - باب استحباب صلاة
الضحى، حديث ٧٧.
قلت: واختلفت نسخ ((الموطأ)) أيضاً ففي المصرية كلها بالتاء، وفي
الهندية كلها بدونها، واختلفت فيها روايات البخاري أيضاً. قال الحافظ في
((أبواب الضحى)): قولها: وإني لأسبحها، كذا ههنا من السبحة، وتقدم في قيام
الليل بلفظ: وإني لأستحبها من الاستحباب، وهو من رواية مالك، ولكل
منهما وجه، لكن الأول يقتضي الفعل، والثاني لا يستلزمه، انتهى.
(وإن) بكسر فسكون مخففة من الثقيلة أي وإنه (كان رسول الله وَ ل﴿ لَيَدع)
بفتح اللام أي يترك (العمل بالشيء وهو) أي والحال أنه (يحب أن يعمل به
خشية) بالنصب أي لأجل خشية (أن يعمل به الناس) بالرفع (فيفرض) بالنصب
عطفاً على يعمل (عليهم) كما مر في التراويح، وهذا من كمال رأفته وَليل على
الأمة.
والأثر أخرجه ابن أبي شيبة(١) برواية ابن جريج عن الزهري عن عروة
عن عائشة قالت: لم يكن النبي ◌َّليل يسبح سبحة الضحى، قالت: ((وكان يترك
أشياء كراهية أن يستنّ به فيها)) واختلفت الروايات عن عائشة - رضي الله عنها -
في سبحة الضحى أشد الاختلاف، فروي عنها ما تقدم، وأخرجه البخاري
ومسلم وأبو داود والنسائي، قاله العيني(٢).
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٩٧/٢).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٤٧/٥).
٢٣٤
- ------ - --

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٦) حديث
وأخرج مسلم بطريق عبد الله بن شقيق قلت لعائشة: أكان النبي
يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه، وعنده من طريق معاذة أنها
سألت عائشة: كم كان رسول الله وَّ يصلي الضحى؟ قالت: كان ◌َّ يصلي
الضحى أربعاً ويزيد ما شاء، أخرجه مسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه
والترمذي في ((الشمائل)) كذا في ((شرح الإحياء)) ففي الأولى النفي مطلقاً،
وضده الثالث فيه الإثبات مطلقاً، وبينهما الثاني فيه الإثبات مقيداً.
واختلف العلماء فيها، فذهب ابن عبد البر وجماعة إلى ترجيح الأول
لاتفاق الشيخين عليه حتى قال ابن عبد البر: حديث معاذة عن عائشة منكر.
وقال السيوطي: العجب من ابن عبد البر كيف قال: إنه حديث منكر غير
صحیح؟ انتھی.
ووجه الزرقاني(١) كلام ابن عبد البر فقال: معناه أي كصحة ما اتفق عليه
الشيخان، وليس مراده تضعيفه الحقيقي، فسقط تعجب السيوطي منه، انتهى.
لكن هذا التوجيه لا يتمشى في ألفاظ ابن عبد البر فإنها في غاية الشدة.
وذهب بعضهم إلى ترجيح الإثبات، وقالوا: إن عدم رؤيتها لذلك
لا يستلزم عدم الوقوع فيقدم من روى عنه # من الصحابة الإثبات، وقيل:
عدم رؤيتها لأنه # لا يكون عندها في وقت الضحى إلا في النادر لكونه أكثر
النهار في المسجد أو في موضع آخر.
وذهب بعضهم إلى الجمع، قال البيهقي: عندي المراد بقولها: ما رأيته
يسبحها أي يداوم عليها وإني لأسبحها أي أداوم عليها، وأنت خبير بأن ألفاظ
الروايتين تأبى هذا الجمع سيما قولها: ما رأيته قط، وجمع ابن حبان بين
الثاني والثالث بأن الثاني أي ما كان يصلي إلا أن يجيء من مغيبه مخصوص
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٠٧/١).
٢٣٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٧) حديث
٣٠/٣٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَائِشَةَ؛ أَنَّها كَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ تَقُولُ: لَوْ نُشِرَ
لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهُنَّ.
بالمسجد، والثالث أي كان يصلي أربعاً ويزيد محمول على البيت، وبقي
الإشكال بالأول، وجمع عياض بين الأول والثالث بأن المنفي في الأولى
الرؤية بنفسها، وفي الثالث إخبار الصلاة ولو برؤية غيرها، فأخبرت في الإنكار
برؤيتها وفي الإثبات برواية غيرها .
وجمع بينها الباجي بأن النفي في الأولى مقيد بدون السبب، والإثبات في
الثالث كذلك مقيد بالسبب. وهو المجيء من السفر. وإن لم يذكر فيهما كما
بينته الرواية الثانية، وقيل: يحتمل أن يكون نفت صلاة الضحى المعهودة حينئذ
من هيئة مخصوصة بعدد مخصوص في وقت مخصوص، وأنه وَ* إنما كان
يصليها إذا قدم من سفر، لا بعدد مخصوص.
والأوجه عندي أن النفي محمول على صلاة الإشراق فإنها ما رأته وحله
قط لأنه كان يصليها في المسجد، والحديث الثاني والثالث على الضحى،
فالنفي المقيد محمول على المسجد والإثبات المطلق على البيت، فتأمل.
٣٠/٣٤٧ - (مالك، عن زيد بن أسلم، عن عائشة) - رضي الله عنها -
(أنها كانت تصلي) سبحة (الضحى ثماني) بكسر النون وفتح الياء (ركعات ثم
تقول) بياناً لشدة الاهتمام: (لو نشر لي) بضم النون وكسر الشين المعجمة أي
أحيي لي (أبواي) أي أبو بكر وأم رومان (ما تركتهن) أي هذه الركعات فإن
لذتها أكثر من لذة إحيائهما. قال الباجي(١): يحتمل أنها تفعل ذلك بخبر منقول
عن النبي ◌ّ كخبر أم هانئ، ولذا اقتصرت على هذا العدد، ويحتمل أن هذا
القدر هو الذي كان يمكنها المداومة عليه، قال: وليست صلاة الضحى من
(١) (٢٧٣/١).
٢٣٦
---

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٧) حديث
الصلوات المحصورة بالعدد فلا يزاد عليها ولا ينقص منها، ولكنها من الرغائب
التي يفعل الإنسان منها ما أمكنه، انتهى.
قال الزرقاني (١): هذا مختار الباجي وإلا فالمذهب عندنا أكثرها ثمان،
لأن ذلك أكثر ما ورد من فعله وَّل، انتهى. قال السيوطي: وهذا الذي قاله
الباجي هو الصواب المختار فلم يرد في شيء من الأحاديث ما يدل على
حصرها في عدد مخصوص، قال الزرقاني: وإليه ذهب قوم، منهم ابن جرير
ومن الشافعية الحليمي والروياني.
وقد أخرج سعيد بن منصور في ((سننه)) عن الأسود: أن رجلاً سأله: كم
أصلي الضحى؟ قال: كم شئت، وأخرج عن الحسن أنه سئل: هل كان
أصحاب رسول الله ◌َ لر يصلون الضحى؟ قال: نعم، كان منهم من يصلي
ركعتين ومنهم من يصلي أربعاً ومنهم من يمد إلى نصف النهار، وأخرج أحمد
في ((الزهد)) عن الحسن: أن أبا سعيد الخدري كان من أشد الصحابة توخياً
للعبادة، وكان يصلي عامة الضحى، وأخرج أبو نعيم في ((الحلية)) عن عبد الله بن
غالب: أنه كان يصلي الضحى مائة ركعة. وقال العراقي في ((شرح الترمذي)):
لم أر أحداً من الصحابة والتابعين أنه حصرها في ثنتي عشرة ركعة ولا عن أحد
من أئمة المذاهب كالشافعي وأحمد، إنما ذكر ذلك الروياني فقط، فتبعه
الرافعي والنووي، قاله السيوطي (٢).
قلت: لكنها محصورة في فروع الأئمة كما سيأتي، وحكى العيني عن
الروياني: أكثرها ثنتا عشرة ركعة، وعن الطبري: الصواب أن يصلي على غير
عدد، انتهى. قلت: ومختار الأئمة ما في فروعهم. قال ابن قدامة في
(١) (٣٠٨/١).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص١٧٠).
٢٣٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٧) حديث
((المغني))(١): فأقلها ركعتان وأكثرها ثمان في قول أصحابنا، انتهى. وفي ((نيل
المآرب))(٢): أقلها ركعتان وأكثرها ثمان، وفي ((الروض))(٣): أقلها ركعتان
لحديث أبي هريرة، وأكثرها ثمان لحديث أم هانئ، هذا عند الحنابلة. وأما
عند الشافعية، ففي ((شرح الإقناع)): أقلها ركعتان وأكثرها ثمان كما في
((المجموع)) عن الأكثرين وصححه في ((التحقيق))، وهذا هو المعتمد، وفي
((المنهاج)): إن أكثرها ثنتا عشرة ركعة، وقال في ((الروضة)): أفضلها ثمان
وأكثرها ثنتا عشرة، اهـ. وفي ((روضة المحتاجين)): أقلها ركعتان وأدنى الكمال
أربع وأفضل منه ست وأكثرها وأفضلها ثمان على المعتمد، فلو زاد على ذلك
لم ينعقد إحرامه المشتمل على الزيادة إن كان عامداً عالماً وإلا انعقد نفلاً
مطلقاً، اهـ.
وأما عند المالكية فتقدم قَوْلُ الزرقاني والباجي، وفي ((الشرح الكبير)):
أقله ركعتان وأكثره ثمانية وكره ما زاد عليها، وأورد عليه محشيه، ورجح قول
الباجي بعدم الحصر، وفي ((الأنوار الساطعة)): أقلها ركعتان وأكثرها ثمان كما
في ((الشرح الصغير))، اهـ.
وأما عندنا الحنفية، ففي ((الدر المختار)) (٤) عن ((المنية)): أقلها ركعتان،
وأكثرها اثنا عشر، وأوسطها ثمان وهو أفضلها، كما في ((الذخائر الأشرفية))
لثبوته بفعله وقوله، وأما أكثرها فبقوله فقط، وهذا لو صلى الأكثر بسلام واحد
أما لو فصل فكل ما زاد أفضل، اهـ، وهذا هو مختار الحافظ من الشافعية كما
(١) (٥٤٩/٣).
(٢) (٢٠٥/١).
(٣) ((الروض المربع)) (٢٢٧/١).
(٤) (٥٦٣/٢).
٢٣٨

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٧) حديث
بسطه في ((شرح البخاري)). قال العيني(١): وقد ورد فيها ركعتان وأربع وست
وثمان وعشر وثنتا عشرة، وليس منها حديث يرفع صاحبه.
قلت: وهذه الروايات مستدلات الأئمة في اختيار استحبابها، وإحصاؤها
عسير جداً، فنذكر نبذة منها كدأبنا في هذا الكتاب. قال العيني (٢): وفي هذا
الباب عن جماعة من الصحابة وهم: أنس، وأبو هريرة، ونعيم بن همار،
وأبو ذر، وعائشة، وأبو أمامة، وعتبة بن عبد السلمي، وابن أبي أوفى،
وأبو سعيد، وزيد بن أرقم، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وجبير بن مطعم،
وحذيفة بن اليمان، وعائذ بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو،
وأبو موسى، وعتبان بن مالك، وعقبة بن عامر، وعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن
أنس، والنواس بن سمعان، وأبو بكرة، وأبو مرة الطائفي.
قلت: وغيرهم كما سيأتي في كلام ابن عبد البر.
فحديث أنس عند الترمذي(٣) وابن ماجه مرفوعاً: ((من صلى الضحى ثنتي
عشرة ركعة بنى الله له قصراً من ذهب في الجنة)).
وحديث أبي هريرة عند مسلم (٤): أوصاني خليلي بثلاث، الحديث.
وحديث نعيم بن همار عند أبي داود(٥) والنسائي في ((الكبرى)) مرفوعاً:
يقول تبارك وتعالى: ((يا ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعات في أول النهار
أكفك آخره)) وسيأتي نحوه من حديث معاذ.
(١) ((عمدة القاري)) (٥٤٥/٥).
(٢) المصدر السابق (٥٤٣/٥).
(٣) (٣٣٧/٢)، وابن ماجه (٢١٥/١).
(٤) باب استحباب صلاة الضحى (٣/ ٧٧).
(٥) برقم (١٢٨٩).
٢٣٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٨) باب
(٣٤٧) حديث
وحديث أبي ذر سيأتي في كلام ابن عبد البر، وتقدم حديث عائشة بطريق
معاذة .
وحديث أبي أمامة عند الطبراني مرفوعاً: يقول تبارك وتعالى: (اركع لي
أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره)).
وحديث عتبة بن عبد عند الطبراني من حديث عبد الله بن عامر: أن
أبا أمامة وعتبة حدثاه مرفوعاً: ((من صلى الصبح في جماعة ثم ثبت حتى يسبح
سبحة الضحى كان له كأجر حاج ومعتمر)) ..
وحديث ابن أبي أوفى عند الطبراني في ((الكبير)»: أنه صلى الضحى
ركعتين، قالت له امرأته: إنما صليت ركعتين، فقال: صلى رسول الله صل* يوم
الفتح ركعتين.
وحديث أبي سعيد الخدري: كان النبي ◌ُّ يصلي الضحى حتى نقول:
لا يدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها، وسيأتي حديث زيد بن أرقم
وحديث ابن عباس عند الطبراني يرفعه: ((على كل سلامى بني آدم في كل يوم
صدقة))، الحديث.
وحديث جابر عند الطبراني: رأيته وَلّ صلى الضحى ست ركعات.
صَدَىلله
وحديث جبير بن مطعم عند الطبراني في ((الكبير)): أنه رأى النبي
وَسَيَّة
يصلي الضحى.
وحديث حذيفة عند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)): خرجت مع رسول الله وَل
إلى حرة بني معاوية فصلى الضحى ثماني ركعات طول فيهن.
وحديث عائذ بن عمرو عند أحمد والطبراني وفيه قصة قال: ثم صلى بنا
رسول الله وَق الضحى.
وحديث ابن عمر عند الطبراني مرفوعاً: يقول تبارك وتعالى: ((ابن آدم
اضمن لي ركعتين من أول النهار أكفك آخره)).
٢٤٠