النص المفهرس

صفحات 161-180

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٤ ٣٢) حديث
أَنَّه سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، إِنَّا نَجِدُ صَلاةَ
الْخَوْفِ وَصلاةَ الْحَضَرِ فِي الْقُرْآنِ، ولَا نَجِدُ صَلاةَ السَّفَر؟
قلت: والساقط هو عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن كما صرَّح به
الزرقاني(١)، وهكذا أخرجه النسائي(٢) وابن ماجه، فما في ((التعجيل)): أن
الساقط هو ثمامة بن أبي بكر، فهو وهم، من المصنف أو الناسخ، ويؤيِّد
الوهم أن الحافظ ذكر في تلامذة أمية عبد الله المذكور دون ثمامة.
(أنه سأل عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (فقال: يا أبا عبد الرحمن)
كنية لابن عمر - رضي الله عنهما - (إنا نجد صلاة) السفر بسبب (الخوف وصلاة
الحضر في القرآن، ولا نجد) قصر (صلاة السفر؟) قال الزرقاني: يعني الذي
يشمل الأمن وغيره، لأن الله عز وجل قال: ﴿وَإِذَا ضَرَيُّّ فِ الْأَرْضِ﴾(٣) الآية،
انتهى. أباح قصر الصلاة للمسافر الخائف.
قلت: هذا محتمل، وبه جزم الزرقاني، والظاهر عندي أنه أراد نفي
صلاة السفر مطلقاً، وتوضيح ذلك أنهم اختلفوا في أن الآية المذكورة في صلاة
السفر أو صلاة الخوف، قال الرازي في ((تفسيره)): اعلم أن لفظ القصر مُشْعرٌ
بالتخفيف، لأنه ليس صريحاً في أن المراد هو القصر في كمية الركعات أو في
كيفية أدائها، فلا جرم حصل في الآية قولان: الأول، وهو قول الجمهور: أن
المراد منه القصر في عدد الركعات.
ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً على قولين: الأول: أن المراد منه
صلاة المسافر، الثاني: المراد منه صلاة الخوف، وهو قول ابن عباس وجابر بن
عبد الله وجماعة، القول الثاني: أن المراد من القصر إدخال التخفيف في كيفية
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٤٢/٦) و((التمهيد)) (١٦١/١١ - ١٦٤).
(٢) ((سنن النسائي)) (١١٧/٣) و((سنن ابن ماجه)) (١٠٦٦).
(٣) سورة النساء: الآية ١٠١.
١٦١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٤) حديث
أداء الركعات، وهو أن يكتفي في الصلاة بالإيماء والإشارة بدل الركوع
والسجود، انتهى مختصراً.
ومال البخاري إلى أن الآية في الخوف، إذ أوردها في (صحيحه)) في
((كتاب الخوف)).
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(١): وأولى المعاني وأشبهها بظاهر
الآية ما روي عن ابن عباس وطاووس أنه قصر في صفة الصلاة بترك الركوع
والسجود إلى الإيماء وترك القيام إلى الركوب، وجائز أن يسمى المشي في
الصلاة قصراً إذ كان مثله في غير الخوف يفسدها، والدليل على ذلك ما روى
مجاهد: أن رجلاً جاء إلى ابن عباس، فقال: إني وصاحب لي خرجنا في
سفر، فكنت أُتِمُّ، وكان صاحبي يقصر، فقال ابن عباس: أنت الذي تقصر،
وصاحبك الذي كان يُتم، فأخبر ابن عباس: أن القصر ليس في عدد الركعات،
وأن الركعتين في السفر ليستا بقصر.
ويدل على ذلك ما روى سفيان عن زبير اليامي عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى عن عمر - رضي الله عنه - قال: ((صلاة السفر ركعتان وصلاة الفطر
والأضحى ركعتان تمامٌ غير قصر، على لسان نبيكم عليه السلام»، وقد دخل
في ذلك صلاة الخوف في السفر، لأنه ذكر جميع هذه الصلوات، وأخبر أنها
تمامٌ غير قصر، على لسان النبيِ وَس18، فثبت بذلك أن القصر المذكور في الآية
هو على ما وصفنا، دون أعداد ركعات الصلاة، انتهى.
---
وقال ابن حبيب وغيره: إن المراد بالقصر في الآية الترتيب والتخفيف في
الركوع والسجود والقراءة، فعلى هذا لا تتناول الآية حكم السفر أصلاً، بل هو
مبدأ لذكر صلاة الخوف، كما نقله الباجي(٢).
(١) (٢٥٢/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٥٩/١).
١٦٢
-----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٥) حديث
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ إِلَيْنَا
مُحَمَّداً فَلَ، وَلا نَعْلَمُ شَيئاً، فَإِنَّمَا نَفْعَلُ، كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ.
٨/٣٢٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَالِح
فعلم بذلك كله أن السلف مختلف في محمل الآية جداً، فيحتمل أن
أمية بن عبد الله حمل الآية على صلاة الخوف مثل البخاري وغيره، فيكون
منشأ السؤال عدم وجدان حكم صلاة السفر في القرآن مطلقاً (فقال عبد الله بن
عمر: يا ابن أخي إن الله) عز وجل (بعث إلينا) رسوله (محمداً ﴾ ولا نعلم
شيئاً) فعلّمنا الشرائع بقوله وفعله (فإنما) نتبع قوله و (نفعل) مقتدين بفعله (كما
رأيناه) وَلِّ (يفعل)(١).
وحاصل الجواب على الأول، وهو مختار الزرقاني أن الأحكام ثبت
بعضها بالقرآن وبعضها بالسنة قولاً وفعلاً، فهذا القصر في الأمن رأيناه وليد
يفعله فنتبعه و 18، وفي رواية: فقال ابن عمر: سنة رسول الله وَّل، فثبت القصر
بشرط السفر والخوف عن القرآن، وبدون الخوف عن السنة، فإنه مَّلّ قصر في
حجة الوداع وكان آمناً فكان فيه زيادة على ما في القرآن (٢).
وأجيب أيضاً عن هذا الإشكال أن الشرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْثُ﴾
ليس للاحتراز، وهذا كله إذا كان منشأ السؤال عدم الوجدان في القرآن حكم
السفر في الأمن، وأما إذا يكون السؤال بعدم وجدانه مطلقاً كما هو ظاهر
سياق الحديث، فالجواب ظاهر، أن إثباته بالحديث دون القرآن، فإنه وَّي لم
يتم في سفر قط .
٨/٣٢٥ - (مالك، عن صالح)(٣) بدون لفظ الكنية في النسخ والشروح
(١) انظر: ((التمهيد)) (١٦١/١١ - ١٦٤).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٤٣/٦)، و((زاد المعاد)) (٤٦٤/١).
(٣) انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٤٥٤/٥).
١٦٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٥) حديث
ابْن كَيْسَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبيِّ
قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلاةُ ..
وَّ؛ أَنَّها
وهو الصواب، فما في بعض النسخ المصرية بلفظ: ((أبي)) من تصحيف النساخ
(ابن كيسان) بفتح الكاف وسكون التحتانية، المدني، مؤدبُ ولد عمر بن
عبد العزيز، ثقة ثبت فقيه، مات بعد سنة ١٣٠ أو سنة ١٤٠هـ، له في ((الموطأ))
حديثان مسندان، ثم مما يجب التنبيه عليه ما قال الحاكم: مات صالح بن
كيسان وهو ابن مائة ونيف وستين سنة، وكان لقي جماعة من الصحابة ثم تلمذ
للزهري وهو ابن سبعين سنة، ابتدأ بالعلم وهو ابن سبعين سنة، انتهى.
قال الحافظ في ((تهذيبه))(١): هذه مجازفة قبيحة، مقتضاها أن يكون
صالح بن كيسان ولد قبل بعثة النبي وَّة، وما أدري من أين وقع ذلك للحاكم،
ولو كان طلب العلم كما حدد الحاكم لكان قد أخذ عن سعد بن أبي وقاص
وعائشة، وقد قال علي بن المديني: إنه لم يلق عقبة بن عامر كان يروي عن
رجل عنه، وقرأت بخط الذهبي: الذي يظهر أنه ما أكمل التسعين، وقال
ابن حبان في ((الثقات)): قد قيل: إنه سمع من ابن عمر، وما أُراه محفوظاً،
وقال الخليلي في ((الإرشاد)): كان حافظاً إماماً روى عنه من هو أقدم منه
عمرو بن دينار، وكان موسى بن عقبة يحكي عنه، وهو من أقرانه، انتهى.
(عن عروة بن الزبير، عن عائشة) قال ابن عبد البر: هكذا رواه مالك
(زوج النبي ◌ّل﴿ أنها قالت: فرضت الصلاة) قال أبو عمر: كل من رواه عن
عائشة قال فيه: ((فرضت الصلاة)) إلا ما حدث به أبو إسحاق الحربي بسنده عن
عروة عن عائشة قالت: فرض رسول الله وسلّر الصلاة ركعتين ركعتين، الحديث،
قال العيني(٢): وفي ((مسند ابن وهب)) بسند صحيح عن عروة عن عائشة:
((فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين)) وعند السراج بسند صحيح: فرض
(١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٤٠٠/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٩٥/٥).
١٦٤

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٥) حديث
رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُفِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي
صَلاةِ الْحَضَرِ .
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ١ - باب كيف فرضت الصلوات في
الإسراء .
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١ - باب صلاة المسافرين وقصرها،
حديث ١.
الصلاة على رسول الله ﴾ أول ما فرضها ركعتين ((ح)) وفي لفظ: كان أول
ما افترض على رسول الله 8# من الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب، وسنده
صحیح، انتھی.
(ركعتين ركعتين) بالتكرار لإفادة عموم التثنية لكل صلاة (في الحضر
والسفر) زاد ابن إسحاق عن صالح بهذا الإسناد: إلا المغرب فإنها كانت
ثلاثاً، أخرجه أحمد (فأقرت صلاة السفر) يعني بقيت على ما كانت من كونها
ركعتين ركعتين، وهذا يرد ما حكى العيني(١) في معنى الحديث عن أبي إسحاق
الحربي ويحيى بن سلام: أن الصلاة أول ما بدأت قبل الإسراء كانت ركعتان
ركعتان قبل طلوع الشمس وقبل غروبها لقوله تعالى: ﴿ وَسَبِّحْ بِالْعَشِّ
وَالْإِبْكَرِ﴾ (٢) ثم زيدت ليلة الإسراء حتى كملت خمساً لأنه لو كان هذا المعنى
اقتصرت صلاة السفر على الصلاتين فقط (وزيد في صلاة الحضر) بعد الهجرة.
ففي البخاري من رواية الزهري عن عروة عن عائشة: فرضت الصلاة
ركعتين ثم هاجر النبي ◌َ* ففرضت أربعاً(٣)، وروى ابن خزيمة وابن حبان
والبيهقي من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: فرضت صلاة الحضر
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٥٦/٣).
(٢) سورة آل عمران: الآية ٤١.
(٣) أخرجه البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥)، والنسائي (٢٢٥/١ - ٢٢٦).
١٦٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٥) حديث
والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم ◌َّر واطمأن زِيد في صلاة الحضر ركعتان
ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار،
قاله الزرقاني(١).
ثم قال الدولابي: نزل إتمام صلاة المقيم في الظهر يوم الثلاثاء اثنتي
عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر بعد مقدمه مح له بشهر، وأقرت صلاة السفر
ركعتين، وقال المهلب: إلا المغرب، فرضت وحدها ثلاثاً، وما عداها ركعتين
ركعتين، كذا في ((العيني))(٢). وفي ((تاريخ الخميس)): وبعد شهر من مقدمه وَال
لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وفي ((سيرة مغلطاي)): من ربيع الآخر،
قال الدولابي: يوم الثلاثاء، وقال السهيلي: بعد الهجرة بعام أو نحوه زيد في
صلاة الحضر، اهـ
وفي ((الحاشية)) عن ((المحلى)) تبعاً للحافظ: والذي يظهر لي وبه تجتمع
الأدلة أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ركعتين إلا المغرب، ثم زيد عقيب
الهجرة إلا الصبح، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية نصف منها في السفر عند
نزول قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ﴾ الآية، اهـ.
قال الحافظ(٣): ذكر ابن الأثير في ((شرح المسند)): أن قصر الصلاة كان
في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره غيره أن نزول آية الخوف
كان فيها، وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره
الدولابي، وأورده السهيلي بلفظ: بعد الهجرة بعام أو نحوه، وقيل: بعد
الهجرة بأربعين يوماً، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٧/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٩٥/٥).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٦٥/١) برقم (٣٥٠).
١٦٦

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٥) حديث
ثم هل كانت قبل الإسراء صلاة مفروضة؟ قال الحافظ: ذهب جماعة إلى
أنه لم تكن إلا ما كان وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد. وذهب
الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وذكر
الشافعي عن بعض أهل العلم أن صلاة الليل كانت مفروضة ثم نسخت بقوله
تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَشَرَ مِنْهُ﴾ فصار الفرض قيام الليل ثم نسخ ذلك بالصلوات
الخمس واستنكر محمد بن نصر المروزي ذلك، اهـ. وفي ((تاريخ الخميس)) عن
(سيرة مغلطاي)): كانت الصلاة قبل الإسراء صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة
قبل غروبها، اهـ.
ثم أشكل على حديث الباب بوجهين: الأول: أنه يخالف نظم القرآن فإن
قوله تعالى: ﴿أَن نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ﴾ يدل على أن الصلاة قصرت، والحديث
صريح في أنها لم تقصر، قال الحافظ (١): وأجابوا عن حديث الباب بأنه من
قول عائشة غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، قاله الخطابي
وغيره .
وفي هذا الجواب نظر، أما أولاً: فهو مما لا مجال للرأي فيه فهو في
حكم المرفوع، وأما ثانياً: فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل
صحابي، وهو حجة؛ لأنه يحتمل أنها أخذته عن النبي وَل أو عن صحابي آخر
أدرك ذلك، وأما قول إمام الحرمين لو كان ثابتاً لنقل متواتراً ففيه أيضاً نظر،
لأن التواتر في هذا غير لازم، انتهى.
وأجاب عن هذا الإشكال الشيخ في ((البذل)) (٢) بثلاثة أجوبة؛ الأول: أن
الآية نزلت في الخوف دون السفر كما تقدم مبسوطاً، الثاني: لو سلم أنها نزلت
(١) ((فتح الباري)) (٤٦٤/١) برقم (٣٥٠).
(٢) (٢٦٩/٦).
١٦٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٥) حديث
في السفر فإطلاق القصر عليه باعتبار ما زيد في الصلاة لا باعتبار أصل
الصلاة، يعني فإطلاق القصر مجاز باعتبار الزيادة، والثالث: ليس المراد في
الآية تقصير الركعات بل تقصير الكيفية كتخفيف أركان الصلاة من القيام
والركوع، اهـ.
قلت: وهذه أقوال المفسرين في تفسير الآية كما تقدم، ويمكن أن يجاب
بما اختاره الحافظ (١) إذ قال: والذي يظهر لي وبه تجتمع الأدلة السابقة أن
الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيدت بعد
الهجرة إلا الفجر والمغرب، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في
السفر عند نزول الآية، ويؤيده ما تقدم أن قصر الصلاة كانت في السنة
الرابعة، اهـ. فعلى هذا قول عائشة - رضي الله عنها -: أقرت صلاة السفر
باعتبار ما آل إليه الأمر.
والإشكال الثاني: أن الحديث يخالف فعل عائشة - رضي الله عنها -
بنفسها، والجواب عنه مذكور في الحديث، فقد أخرجه عن الزهري عن عروة
عن عائشة قالت: الصلاة أول ما فرضت ركعتان الحديث، وفي آخره قال
الزهري: قلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأوَّلَتْ، كما تأوّل عثمان.
قال الحافظ في (الفتح))(٢): وألزموا الحنفية على قاعدتهم فيما إذا عارض
رأي الصحابي روايته بأنهم يقولون: العبرة بما رأى لا بما روى، وخالفوا ذلك
هاهنا، فقد ثبت عن عائشة أنها تتم، والجواب عنهم: أن عروة الراوي عنها
قال لما سئل عن إتمامها أنها تأوّلت كما تأوّل عثمان، فعلى هذا لا تعارض
بين روايتها وبين رأيها، فروايتها صحيحة ورأيها مبني على ما تأوّلت، اهـ.
وسيأتي البسط في تأويلاتهما في كتاب ((الحج)) في صلاة منى.
(١) ((فتح الباري)) (٤٦٤/١).
(٢) (٤٦٤/١).
١٦٨
--

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٥) حديث
واستدل الحنفية في إيجاب القصر بحديث عائشة المتقدم، أخرجه
البخاري في (صحيحه)) في فرض الصلاة والسفر والهجرة، وأخرجه مسلم
وأبو داود والنسائي وغيرهم.
حكى العيني عن ابن عبد البر: أن طرقه عن عائشة متواترة وهو عنها
صحيح ليس في إسناده مقال، قلت: وفي معنى حديث الباب أحاديث كثيرة
كلها صريحة في أن الركعتين للسفر كالأربع للحضر.
منها: ما رواه مسلم بسنده عن ابن عباس قال: ((فرض الله الصلاة على
لسان نبيكم وير في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف
ركعة))، ورواه الطبراني في ((معجمه)) بلفظ: افترض رسول الله وقلّ ركعتين في
السفر كما افترض في الحضر أربعاً، قاله العيني (١).
ومنها: حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: صلاة السفر ركعتان
تمام غير قصر على لسان نبيكم ◌َلير، قال العيني: رواه النسائي بسند صحيح،
وقال أيضاً في موضع آخر: روى النسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى عن عمر - رضي الله عنه - قال: صلاة السفر ركعتان وصلاة الأضحى
ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان
نبيكم محمد رسول الله ◌َ ◌ّ، ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) ولم يقدحه بشيء،
فإن قلت: قال النسائي: فيه انقطاع لأن ابن أبي ليلى لم يسمعه من عمر،
قلت: أثبت العيني اتصاله بوجوه، ولو سلم فالمنقطع المؤيد بالروايات الكثيرة
ليس بضعيف .
قلت: ومستدل الحنفية في ذلك أكثر من أن يُحصى، والعمدة في ذلك
أن فرض الصلاة مجمل في الكتاب مفتقر إلى البيان، وفعله و # إذا ورد على
(١) ((عمدة القاري)) (٢٥٦/٣).
١٦٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٥) حديث
وجه البيان فهو كبيانه بالقول يقتضي الإيجاب، ففي فعله ◌َ﴾و صلاة السفر
ركعتين بيان منه * أن ذلك مراد الله تعالى كفعله لصلاة الفجر والجمعة
والأضحى وسائر الصلوات، ولم يختلف الناس في قصر النبي ◌ّ في أسفاره
كلها في حال الأمن والخوف، فثبت أن فرض المسافر ركعتان بفعل النبي وَال
وبيانه لمراد الله تعالى.
والوجه الثاني: لو كان مراد الله تعالى الإتمام أو القصر على ما يختاره
المسافر لما جاز للنبي ولو أن يقتصر بالبيان على أحد الوجهين دون الآخر،
وكان بيانه للإتمام في وزن بيانه للقصر، فلما ورد البيان إلينا في القصر دون
الإتمام دلَّ ذلك على أنه مراد الله تعالى دون غيره، ألا ترى أنه لما كان
مراد الله تعالى في رخصة المسافر في الإفطار أحد شيئين ورد البيان من
النبي ◌َّ تارة بالإفطار وتارة بالصوم فبطل ما قيل: إن مجرد فعله وَليل أو
ملازمته لا يوجب الوجوب.
والوجه الثالث: لما صلى عثمان - رضي الله عنه - بمنى أربعاً أنكرت
عليه الصحابة ذلك، فقال عبد الله بن مسعود: صليت مع النبي ◌َّل ركعتين ومع
أبي بكر ركعتين ومع عمر - رضي الله عنهم - ركعتين ثم تفرقت بكم الطرق
فلوددت أن حظي من أربع ركعتان متقبلتان. كذا في ((أحكام القرآن))
للجصاص، قال ملك العلماء(١): لما أنكرت عليه الصحابة فكان ذلك إجماعاً
من الصحابة - رضي الله عنهم - على ما قلنا .
والوجه الرابع: أن عائشة - رضي الله عنها - لما أتمت تأوَّلت كما تأوَّل
عثمان، ولا يحتاج الرجل إلى التأويل في إتيان المباح؛ لا سيما إذ يكون
المأتي عزيمة والمتروك رخصة، قال ملك العلماء: فدل إنكار الصحابة واعتذار
(١) (بدائع الصنائع)) (٢٥٩/١).
١٧٠
----
-----

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٥) حديث
عثمان - رضي الله عنه - أن الفرض ما قلنا، إذ لو كان الأربع عزيمة لما
أنكرت عليه الصحابة ولما اعتذر هو، إذ لا يُلام على العزائم ولا يعتذر عنها.
والوجه الخامس: أن عمر - رضي الله عنه - لما سئل عن القصر في حالة
الأمن، فحكى عن النبي وَل صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته،
أخرجه الجماعة إلا البخاري، وفيه الحجة بوجهين، الأول: بصيغة الأمر في
لفظ: فاقبلوا، وأصله للوجوب، والثاني: صدقة الله عز وجل فيما لا يحتمل
التمليك يكون عبارة عن الإسقاط، فلا يبقى خيار الرد شرعاً .
واستدل الحنفية أيضاً بعد ذلك بروايات كثيرة.
منها: حديث ابن عباس: ((كان رسول الله وَّ إذا خرج مسافراً صلى
رکعتین حتى يرجع)).
ومنها: حديث عمران بن حصين قال: ((حججت مع النبي ◌َّلل فكان
يصلي ركعتين حتى يرجع إلى المدينة وأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا
ركعتين)) .
ومنها: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((صحبت رسول الله وَ ل في
السفر فلم يزد على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعثمان فلم يزيدوا على ركعتين))
أخرجه الشيخان وغيرهما .
ومنها: حديث عمر بن الخطاب مرفوعاً: ((صلاة المسافر ركعتان حتى
يقرب إلى أهله أو يموت))، وقال عبد الله بن مسعود: ((صليت مع النبي وَل
بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين)). وقال مورق العجلي:
سئل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن الصلاة في السفر؟ فقال: ركعتين
ركعتين، من خالف السنة فقد كفر، قال العيني (١): وعند ابن حزم صحيحاً عن
(١) ((عمدة القاري)) (٣٩٦/٥).
١٧١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٥) حديث
ابن عمر - رضي الله عنهما - قال رسول الله ◌َلة: ((صلاة السفر ركعتان من ترك
السنة كفر)). قال ملك العلماء في ((البدائع))(١): أي خالف السنة اعتقاداً لا
عملاً. فهذه أخبار متواترة عن النبي ◌ّة والصحابة في فعل ركعتين في السفر لا
زيادة عليهما، قاله الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢) وتركنا الكلام على تخريج
هذه الروايات للاختصار، ومحله المطولات، لا يسعه هذا المختصر.
ويكفي للحنفية حجة: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن
عبد الله بن مسعود قال: ((كان رسول الله و ◌ّل يصلي في السفر ركعتين وأبو بكر
وعمر - رضي الله عنهما - لا يزيدون على ذلك))، كذا في ((الجواهر))، قال
العيني: وعن ابن عباس: ((من صلى في السفر أربعاً كمن صلى في الحضر
رکعتین)) .
قال الشوكاني(٣) بعد ذكر أدلة الفريقين: وقد لاح من مجموع ما ذكرنا
رجحان القول بالوجوب، وأما دعوى أن التمام أفضل، فمدفوعة بملازمته وَل
للقصر في جميع أسفاره، وعدم صدور التمام عنه كما تقدم، ويبعد أن يلازم
طول عمره المفضول ويدع الأفضل، انتهى.
ثم قد اختلف الأئمة فيمن يجوز له القصر، قال ابن العربي في ((شرح
الترمذي)) (٤) وابن رشد في ((البداية))(٥): اختلف الناس في السفر الذي تقصر فيه
الصلاة على ثلاثة أقوال، الأول: أنه تقصر في كل سفر من غير تفصيل، طاعة
أو معصية، مباح أو قربة، مكروه أو مندوب، قاله الأوزاعي وأبو حنيفة
(١) (٢٥٩/١).
(٢) (٢٥٤/٢).
(٣) ((نيل الأوطار)) (٤٧٣/٢).
(٤) ((عارضة الأحوذي)) (١٧/٣) ..
(٥) (بداية المجتهد)) (١٦٨/١).
----
١٧٢
-----------!- 1
---

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٥) حديث
وأصحابه وأبو ثور والثوري. الثاني: لا يجوز إلا في سفر قربة، قاله عطاء
وابن مسعود، واختاره أحمد بن حنبل في مشهور قوليه، الثالث: أنه لا يجوز
إلا في مباح، قاله مالك في المشهور من قوليه، والشافعي قولاً واحداً، ومن
أصحاب مالك من يجوز القصر في سفر المعصية، وكره مالك القصر لمن خرج
متصيداً للهو، انتهى.
وقال ابن عبد البر: قال مالك: لا يقصر الصلاة مسافر إلا أن يكون
سفره في طاعة أو فيما أباح الله له، فسئل عن المسافر في الصيد؟ فقال: إن
كان معاشه يقصر، وإن كان متلذذاً لا أستحب له أن يقصر، قال: ومن سافر
في معصية لم يجز له أن يقصر، وقال الشافعي: إن سافر في معصية لم يقصر،
ولم يمسح مسح المسافر، وهو قول الطبري، وقال أحمد بن حنبل: لا تقصر
إلا في حج أو عمرة، وقد روي عنه: أنه يقصر الصلاة في كل سفر مباح،
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يقصر المسافر عاصياً كان أو غير عاص، وهو قول
الثوري وحجتهم قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِى الْأَرْضِ﴾ ولم يخص ضرباً من
ضربٍ، وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان يقصر الصلاة إذا
خرج إلى ماله بخيبر وكذا بالآثار الكثيرة ذكرها ابن عبد البر في
((الاستذكار))(١) .
وقال ابن رشد في ((البداية))(٢): والسبب في اختلافهم معارضة المعنى
المعقول أو ظاهر اللفظ لدليل الفعل، وذلك أن من اعتبر المشقة أو ظاهر لفظ
السفر لم يفرق بين سفر وسفر، وأما من اعتبر دليل الفعل قال: إنه لا يجوز إلا
في السفر المتقرب به، لأن النبي ◌ّ لم يقصر قط إلا في سفر متقرب به، وأما
من فرق بين المباح والمعصية. فعلى جهة التغليظ، والأصل فيه هل تجوز
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٥٥/٦).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١٦٨/١).
١٧٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٦) حديث
٩/٣٢٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ
لِسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: مَا أَشَدَّ مَا رَأَيْتَ أَبَاكَ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ فِي السَّفَرِ؟
فَقَالَ سَائِمٌ: غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَنَحْنُ بِذَاتِ الْجَيْشِ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ
بِالْعَقِيقِ .
الرخص للعصاة أم لا؟ وهذه مسألة عارض فيها اللفظ المعنى، فاختلف فيها
الناس، انتهى.
قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(١): وجميع ما قدَّمنا في قصر الصلاة
للمسافر يدل على أن صلاة سائر المسافرين ركعتان في أي شيء كان سفرهم
من تجارة أو غيرها، وذلك لأن الآثار المروية فيه لم تفرق بين شيء من
الأسفار، وقد روى الأعمش عن إبراهيم: أن رجلاً كان يتَجِر إلى البحرين،
فقال للنبي وَله: كم أصلي؟ فقال: (ركعتين))، فإن قيل: لم يقصر النبي وَلّ إلا
في حج أو جهاد، قيل له: لأنه وَ لّ لم يسافر إلا في حج أو جهاد، وليس في
ذلك دليل على أن القصر مخصوص بالحج والجهاد، وقول عمر - رضي الله
عنه -: صلاة السفر ركعتان على لسان نبيكم 18 عموم في سائر الأسفار،
وكذلك عموم الروايات الواردة بلفظ السفر، فلما كان ذلك حكماً متعلقاً بالسفر
وجب أن لا يختلف حكم الأسفار فيه، انتهى مختصراً.
۔۔
-
٩/٣٢٦ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال لسالم بن
عبد الله: ما) استفهامية (أشد ما رأيت) ببناء الخطاب (أباك) أي ابن عمر
- رضي الله عنهما - (أخّر المغرب في السفر؟) يعني إلى أي وقت كان يؤخر
المغرب؟! (فقال سالم: غربت الشمس ونحن بذات الجيش فصلى المغرب
بالعقيق) والموضعان كانا معروفين عند السائل، وكان المسير المتعارف بينهما
أيضاً معلوماً، فعرف الجواب.
(١) (٢٥٥/٢).
١٧٤
---

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٦) حديث
۔
واختلف اليوم في المسافة بينهما جداً، فقيل: كانت المسافة بينهما اثني
عشر ميلاً، وقيل: عشرة، وقيل: سبعة، وقيل: ستة، وقيل: على بريد من
المدينة، وقيل: بينهما ميلان أو أكثر قليلاً، وذكر هذا الأثر في هذا الباب
لإثبات أن السفر كما يؤثر في قصر الصلاة كذلك يؤثر في التأخير عن الوقت
المستحب للضرورة .
وفي ((الاستذكار)): وقع هذا الأثر ههنا وهو من معنى الباب الذي قبله،
في شرحَي ((الموطأ)) لابن سحنون وابن حبيب عن ابن القاسم، وفي ((شرحه))
لابن الموّاز عن ابن وهب: إنما أخر ابن عمر المغرب لالتماس الماء، وهذا
يدل على أن ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يتيمم في أول الوقت إذا رجا
الماء، وما مَرَّ عنه أنه تيمم للعصر أول الوقت، فلأنه قدر أنه لا يدخل المدينة
إلا بعد الاصفرار، أو كان على وضوء وكان يستحب الوضوء لكل صلاة، فلما
عدم الماء تيمم، على ما ذكره سحنون، أو أنه يرى جواز التقديم التأخير
للراجي، قاله الزرقاني(١).
وفي ((الشرح الكبير))(٢): الآيس: أول المختار، والمتردد: أي الشاك في
وسطه، والراجي وهو الجازم، أو الغالب على ظنه وجود الماء يتيمم آخره
ندباً، وإنما لم يجب لأنه حين خوطب بالصلاة لم يكن واجداً للماء، فدخل
في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ﴾، وعن ((المدونة)) تأخيره أي الراجي المغرب
للشفق، اهـ.
قلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما في ((الهداية)): يستحب لعادم الماء،
وهو يرجوه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فإن وجد وإلا تيمَّم، وصلى ليقع
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٧/١).
(٢) (١/ ١٥٧).
١٧٥

(٣) باب
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٣) باب ما يجب فيه قصر الصلاة
الأداء بأكمل الطهارتين، فصار كالطامع في الجماعة، وعن أبي حنيفة
وأبي يوسف في غير رواية ((الأصول)): أن التأخير حَتْمٌ، لأن غالب الرأي
كالمتحقق، وجه الظاهر: أن العجز ثابت حقيقة، فلا يزول حكمه إلا بيقين
مثله ، اهـ.
(٣) ما يجب فيه قصر الصلاة
من المسافة، ولفظ يجب يؤيد قول أشهب عن مالك: إن القصر واجب،
ويؤوّل على قوله الثاني بما قاله الزرقاني: أي يُسَنُّ مؤكداً يقرب الواجب، اهـ
واختلف العلماء في مقدار السفر المبيح للقصر على ما قاله الزرقاني إلى نحو
عشرين قولا .
قال الحافظ في ((الفتح)) (١): هي من المواضع التي انتشر فيها الخلاف
جداً، فحكى ابن المنذر وغيره فيها نحواً من عشرين قولاً، اهـ.
قال ابن رشد في (البداية))(٢): والعلماء اختلفوا في ذلك اختلافاً كثيراً،
فذهب مالك والشافعي وأحمد وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة
بُرْد، وذلك مسيرة يوم بالسير الوسط، وقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون:
أقل ما تقصر فيه الصلاة ثلاثة أيام، وأن القصر إنما هو لمن سار من أفق إلى
أفق، وقال أهل الظاهر: القصر في كل سفر قريباً كان أو بعيداً.
قال الشوكاني(٣): أقل ما قيل في ذلك الميل، كما رواه ابن أبي شيبة
بإسناد صحيح عن ابن عمر، وإلى ذلك ذهب ابن حزم الظاهري، واحتج له
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٦٦) باب في كم يقصر الصلاة.
(٢) ((بداية المجتهد)) (١٦٧/١) وانظر في هذه المسألة: ((المهذب)) (١٠١/١ - ١٠٣)
و((مراقي الفلاح)) (ص٧١).
(٣) (نيل الأوطار)) (٤٧٨/٢).
١٧٦

(٣) باب
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
بإطلاق السفر في كتاب الله وسنة رسوله وَّر، فلم يخص الله ولا رسوله ولا
المسلمون بأجمعهم سفراً دون سفر، واحتجَّ على ترك القصر فيما دون الميل
بأنه ◌َّ قد خرج إلى البقيع لدفن الموتى، وخرج إلى الفضاء للغائط والناس
معه فلم يقصروا ولا أفطروا، وأخذ بظاهر حديث أنس الظاهرية كما قال
النووي، فذهبوا إلى أن أقل مسافة مسافر ثلاثة أميال، انتهى.
قال العيني: قال أبو عمر، وعن داود: يقصر في طويل السفر وقصيره،
زاد ابن حامد: حتى لو خرج إلى بستان له خارج البلد قصر، وزعم أبو محمد
أنه لا يقصر عندهم في أقل من ميل، انتهى.
وقال ابن عبد البر في (الاستذكار))(١): فذهب مالك والشافعي
وأصحابهما والأوزاعي والليث إلى أن الصلاة لا يقصرها المسافر إلا في مسيره
اليوم التام بالبغل الحسن السير، وهو قول أحمد وإسحاق والطبري، وقدّره
مالك بأربعة بُرْد: ثمانية وأربعون ميلاً، وقال الشافعي والطبري: ستة وأربعون
ميلاً، والأمر متقارب، وقال الكوفيون الثوري والحسن بن صالح وشريك
وأبو حنيفة وأصحابه: لا يقصر المسافر إلا في المسافة البعيدة المحتاجة إلى
الزاد من الأفق إلى الأفق، قال سفيان وأبو حنيفة: أقل ذلك ثلاثة أيام، لا
يقصر مسافر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام.
ثم ذكر الآثار الدالة على ذلك، ثم قال: وقال الحسن والزهري: يقصر
الصلاة في مسيرة يومين، وقالت طائفة من أهل الظاهر: يقصر الصلاة كل
مسافر في كل سفر قصيراً كان أو طويلاً، ولو ثلاثة أميال، انتهى.
قال العيني(٢): قال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون: المسافة التي تقصر
(١) (٨٦/٦) .
(٢) (عمدة القاري)) (٣٧٦/٥).
١٧٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٣) باب
(٣٢٧) حديث
١٠/٣٢٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، كَانَ إِذَا خَرَجَ حَاجَّاً، أَوْ مُعْتَمِراً، قَصَرَ الَّصَّلاةَ
بِذِي الْحُلَيْفَةِ .
فيها الصلاة ثلاثة أيام ولياليهن بسير الإبل ومشي الأقدام، وقال أبو يوسف:
يومان وأكثر الثالث، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة، ورواية ابن سماعة عن
محمد، ولم يريدوا به السير ليلاً ونهاراً، لأنهم جعلوا النهار للسير والليل
للاستراحة، ولو سلك طريقاً هي مسيرة ثلاثة أيام، وأمكنه أن يصل إليها في
يوم من طريق أخرى قصر، ثم قدروا ذلك بالفراسخ، فقيل: أحد وعشرون
فرسخاً، وقيل: ثمانية عشر، وعليه الفتوى، وقيل: خمسة عشر.
وإلى ثلاثة أيام ذهب عثمان بن عفان، وابن مسعود - رضي الله عنهما -،
وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والثوري، وابن حيي، وأبو قلابة،
وشريك بن عبد الله، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن
عبد الله بن عمر، وعن مالك: لا يقصر في أقل من ثمانية وأربعين ميلاً
بالهاشمي، وذلك ستة عشر فرسخاً وهو قول أحمد، انتهى.
١٠/٣٢٧ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه -
(كان إذا خرج حاجاً أو معتمراً) قال الباجي: خصهما بالذكر، لأنهما مما
لا خلاف في القصر فيه، انتهى. قلت: بل خصهما بالذكر لأنه - رضي الله عنه
- كان يقصر بذي الحليفة لا قبلها إذا يخرج للحج والعمرة كما سيجيء (قصر
الصلاة بذي الحليفة) أحد المواقيت للحج، قال ياقوت الحموي: بالتصغير،
والفاء، قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وهو من مياه جشم، بينهم
وبين بني خفاجة من عقيل، انتهى.
قال أبو عمر (١): كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يتبرَّك بالمواضع
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٧٧/٦).
١٧٨
1
---------

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٣) باب
(٣٣٨) حديث
١١/٣٢٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ رَكِبَ إِلَى رِيم، فَقَصَرَ الصَّلاةَ، فِي
◌َسِيرِهِ ذلِكَ.
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدِ.
المأثورة بكل ما يمكنه، ولما علم أنه و لر قصر العصر بذي الحليفة حين خرج
إلى الحج فعل مثله، وأما إذا خرج ابن عمر في غير الحج والعمرة يقصر إذا
خرج من بيوت المدينة كما رواه عنه نافع، انتهى مختصراً. فَعُلِمَ بذلك أن
قصره - رضي الله عنه - بذي الحليفة كان لمجرد اتباعه مَ﴾، لا لأجل أنه
لا يبيح القصر قبل ذلك.
١١/٣٢٨ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله، عن
أبيه) ابن عمر - رضي الله عنهما - (أنه ركب إلى ريم) بكسر الراء وإسكان
التحتية آخره ميم، قاله الزرقاني(١). وقال ياقوت الحموي: بكسر أوله وهمز
ثانيه وسكونه، واحد الأرام، وقيل: بالياء غير مهموزة، وهي الظباء الخالصة
البياض، وهو وادٍ لمزينة قرب المدينة يصب فيه ورقان، له ذِكْرٌ في المغازي،
وفي أشعارهم، قيل: على ثلاثين ميلاً من المدينة، وفي رواية كيسان: على
أربعة برد، وفي ((مصنف عبد الرزاق)): ثلاثة برد، انتهى.
(فقصر الصلاة في مسيره ذلك) ليس فيه دليل على أقل مقادير القصر،
وإنما فيه بيان القصر في تلك المسافة، وإنما يخبر كل إنسان بما يشاهد من
ذلك، وتختلف عباراتهم، فبعضهم يحُدُّ ما رواه بالمسافة، وبعضهم بالزمان،
وبعضهم بالأميال، والمرجح واحد، قاله الباجي(٢)، ويشكل على هذا الأثر
ما سيأتي من قصره إلى خيبر.
(قال يحيى: قال مالك: وذلك) أي الريم (نحو) أي قريب (من أربعة برد)
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٨/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٦٢/١).
١٧٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٣) باب
(٣٢٨) حديث
بضم الموحدة جمع بريد وسيأتي الكلام عليه، أي من المدينة، وروى
عبد الرزاق عن مالك ثلاثون ميلاً من المدينة.
قال ابن عبد البر: أُراها وهماً، قال الباجي: وما رواه جماعة رواة
((الموطأ)) عن مالك أولى، انتهى. لكن روى عقيل عن الزهري عن سالم: أن
ريم من المدينة على نحو ثلاثين ميلاً، نقله الباجي، وجعل الزرقاني(١) هذا
قول الزهري، وأجاب: بأنه يحتمل أن ريم موضع متّسع كالإقليم، فيكون تقدير
مالك عند آخره وعقيل عند أوله، انتهى.
والأوجه أن يقال: إن كليهما تقريب، ففيه لا يبعد مثل هذا الاختلاف.
قلت: واختلفت نقلة المذاهب في توضيح المسالك للأئمة في ذلك جداً،
وإحصاؤه لا يليق بهذا المختصر، فنقتصر منها كدأبنا في هذا الوجيز على
مسلك صاحب الكتاب ومسلك الحنفية، أما الأول فسيأتي قريباً، وأما الثاني
فتقدم عن العيني: أن الفتوى على ثمانية عشر فرسخاً، وأصل مذهب الحنفية
أنه لا اعتبار بالفراسخ، وهو الصحيح، لكن المتأخرين أفتوا على الفراسخ
تسهيلاً على الأمة، وفي ((البحر)) عن ((النهاية)): الفتوى على ثمانية عشر
فرسخاً، وفي ((المجتبى)): فتوى أكثر أئمة خوارزم على خمسة عشر فرسخاً.
وفي ((الدر المختار)) (٢): مسيرة ثلاثة أيام ولياليها من أقصر أيام السنة،
ولا يشترط سفر كل يوم بل إلى الزوال، ولا اعتبار بالفراسخ على المذهب،
قال ابن عابدين: والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع، اهـ.
قلت: اختلفت المشايخ وأهل الحساب في تقدير الميل، لكنهم اتفقوا
على أنه ثلث الفرسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل عند القدماء: ثلاثة
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٨/١).
(٢) (٧٢٤/٢).
١٨٠
-----