النص المفهرس

صفحات 141-160

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢١) حديث
الظهر والعصر، ثم صار حتى إذا اشتبكت النجوم، ثم قال للمؤذن: أقم فإذا
سلمت فأقم فصلى، ثم انصرف فالتفت إلينا، فقال: قال رسول الله وَ﴾: ((إذا
حضر أحدكم الأمر الذي يخاف فوته فليصلِّ هذه الصلاة))، رواه النسائي(١)
وإسناده صحيح.
وعن نافع وعبد الله بن واقد: أن مؤذن عمر قال: الصلاة، قال: سِرْ
سِرْ، حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب، ثم انتظر حتى غاب
الشفق فصلى العشاء، ثم قال: إن رسول الله 8* كان إذا عجّل به أمر صنع
مثل الذي صنعتُ، فسار في ذلك اليوم والليلة مسيرة ثلاث، رواه أبو داود(٢)
والدارقطني، وإسناده صحيح.
وعن نافع قال: خرجت مع عبد الله بن عمر في سفر يريد أرضاً له فأتاه
آتٍ، فقال: إن صفية بنت أبي عبيد لما بها، فانظر أن تدركها، فخرج مسرعاً
ومعه رجل من قريش يسايره، وغابت الشمس، فلم يصلِّ الصلاة، وكان عهدي
به وهو يحافظ على الصلاة، فلما أبطأ قلت: الصلاة - يرحمك الله - فالتفت
إليّ ومضى حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء
وقد توارى الشفق، فصلى بنا، ثم أقبل علينا فقال: إن رسول الله وَل# كان إذا
عجل به السير صنع هكذا، رواه النسائي وأبو داود والطحاوي والدارقطني
برواية ابن جابر عن نافع، وإسناده صحيح.
وقوله: حتى إذا كان في آخر الشفق تابعه على ذلك غير واحد من
أصحاب نافع، العطاف عند النسائي والطحاوي والدارقطني، وفضيل بن غزوان
عند الدارقطني وغيره، وعبد الله بن العلاء عند أبي داود، وأسامة بن زيد عند
(١) أخرجه النسائي برقم (٥٩٧) (٢٨٨/١).
(٢) أخرجه أبو داود برقم (١٢١٢).
١٤١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢١) حديث
٤/٣٢١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿َ الظّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً، فِي
غَيْرِ خَوْفٍ وَلا سَفَرٍ .
أخرجه مسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٦ - باب الجمع بين الصلاتين
في الحضر، حديث ٤٩.
الطحاوي، كلهم اتفقوا على أن نزول ابن عمر لصلاة المغرب كان قبل غيوب
الشفق، قاله النيموي(١) .
٤/٣٢١ - (مالك، عن أبي الزبير المكي) محمد بن مسلم (عن سعيد بن
جبير) بضم الجيم مصغراً (عن عبد الله بن عباس) - رضي الله عنه - (أنه قال:
صلى لنا رسول الله وَّل الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير
خوف ولا سفر) ظاهر الحديث يدل على جواز الجمع في الحضر من غير عذر،
ولم يقل به أحد من الأئمة، ولذا قال الترمذي في كتابه(٢): أجمعت الأمة على
ترك العمل به، لكن قال الحافظ في ((الفتح)) (٣): وقد ذهب جماعة من الأئمة
إلى الأخذ بظاهر الحديث فجوَّزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقاً بشرط أن
لا يتخذ ذلك خلقاً وعادة، وممن قال به ابن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر
والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث، اهـ. وذهب
الجمهور إلى أن الجمع من غير عذر لا يجوز.
-
قال ابن رشد في (البداية)): أما الجمع في الحضر بغير عذر، فإن مالكاً
وأكثر الفقهاء لا يجيزونه، وأجاز ذلك جماعة من أهل الظاهر، اهـ.
(١) ((آثار السنن)) (٧٣/٢).
(٢) ((كتاب العلل)) للترمذي (٧٣٦/٥).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٤/٢).
٠
١٤٢
--

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢١) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: أُرَى ذُلِكَ كَانَ فِي مَطَرِ.
وقال الخطابي على ما حكاه العيني: لا يقول به أكثر الفقهاء، وتقدم
قريباً عن الترمذي أجمعت الأمة على ترك العمل به، اهـ. فأجابوا عن حديث
الباب بوجوه؛ أحدها: ما في ((الموطأ)) أن الجمع المذكور كان للمطر.
(قال يحيى: قال مالك: أَرى) بضم الهمزة أي أظن (ذلك) الجمع (كان
في مطر) ووافقه على ذلك الظن جماعة، منهم الإمام الشافعي(١) وغيره كما
سيأتي لكن لفظ مسلم وأصحاب السنن: ((من غير خوف ولا مطر)) يأباه،
وأجاب البيهقي بأن الأولى رواية الجمهور، فهو أولى، وأجاب غيره بأن
المراد: ولا مطر كثير، أو ولا مطر مستدام، فلعله انقطع عند الثانية .
وأنت خبير بأن ظاهر لفظ: ((ولا مطر)) يأبى المطر ولو قليلاً، وستأتي
المذاهب في الجمع المطري قريباً في الأثر الآتي.
ويُشْكل على قول الإمام مالك - رضي الله عنه - المذكور أنه لا يأخذ
بهذا التأويل أيضاً لأنه لا يرى الجمع لعذر المطر إلا في العشاءين فقط دون
الظهرين كما هو مصرح في كتبه .
وأجاب عنه ابن رشد في ((البداية))(٢) فقال: وعذل الشافعي مالكاً في
تفريقه من صلاة النهار في ذلك وصلاة الليل لأنه روى الحديث وتأوله، أعني
خصص عمومه من جهة القياس، وذلك أنه قال في قول ابن عباس: جمع
رسول الله ﴾ الحديث، أرى ذلك كان في مطر فلم يأخذ بعمومه ولا
بتخصيصه، بل ردّ بعضه وتأول بعضه، وذلك لا يجوز بإجماع، فإنه لم يأخذ
بقوله: جمع بين الظهر والعصر، وأخذ بقوله: جمع بين المغرب والعشاء
وتأوله ((يعني بالمطر)).
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٩/٦).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١/ ١٧٣).
١٤٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢١) حديث
وأحسب أن مالكاً - رضي الله عنه - إنما ردّ بعضه لأنه عارضه العمل،
فأخذ منه بالبعض الذي لم يعارضه العمل، وهو الجمع بين العشاءين على
ما روي أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا جمع الأمراء بين المغرب
والعشاء جمع معهم.
لكن النظر في هذا الأصل الذي هو العمل كيف يكون دليلاً شرعياً فيه
نظر، فإن متقدمي شيوخ المالكية كانوا يقولون: إنه من باب الإجماع، وذلك
لا وجه له فإن إجماع البعض لا يحتج به، وكان متأخروهم يقولون: إنه من
باب نقل التواتر، ويحتجون في ذلك بالصاع وغيره مما نقله أهل المدينة خلفاً
عن سلف، والعمل إنما هو فعل، والفعل لا يفيد التواتر إلا أن يقترن بالقول،
فإن التواتر طريقه الخبر لا العمل، وبأن جعل الأفعال تفيد التواتر عسير بل
لعله ممنوع.
والأشبه عندي أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة،
وذلك أنه لا يجوز أن يكون أمثال هذه السنن مع تكررها وتكرر وقوع أسبابها
غير منسوخة، ويذهب العمل بها على أهل المدينة الذين تلقوا العمل بالسنن
خلفاً عن سلف، وهو أقوى من عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة؛ لأن
أهل المدينة أحرى أن لا يذهب ذلك عليهم من غيرهم من الناس الذين
يعتبرهم أبو حنيفة في طريق النقل.
وبالجملة العمل لا يشك أنه قرينة إذا اقترنت بالشيء المنقول، إن وافقته
أفادت به غلبة ظن، وإن خالفته أفادت به ضعف ظن، فأما هل تبلغ هذه القرينة
مبلغاً تُرَدُّ بها أخبار الآحاد، الثابتة ففيه نظر، وعسى أنها تبلغ في بعض ولا
تبلغ في بعض، لتفاضل الأشياء في شدة عموم البلوى بها .
وذلك أنه كلما كانت السنة الحاجة إليها أمس وهي كثيرة التكرار على
المكلفين كان نقلها من طريق الآحاد من غير أن ينتشر قولاً أو عملاً فيه
١٤٤

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢١) حديث
ضعف، وذلك أنه يوجب أحد أمرين: إما أنه منسوخ، وإما أن النقل فيه
اختلال، وقد بيَّن ذلك المتكلمون كأبي المعالي وغيره، انتهى.
وقد أوردنا هذا الكلام بتمامه لأنه أصل كلي عند المالكية، بُنِي عليه أكثر
مذهبه، فيجدي النظر على هذا الأصل الكلي في مواضع عديدة، تركوا العمل
بالروايات لعمل أهل المدينة على خلافها، فتأمل.
وثانيها: ما قيل: إن الجمع المذكور كان للمرض، وقوّاه النووي إذ قال :
هو قوي في الدليل، قال السيوطي(١): هو مختار السبكي والبلقيني والأسنوي،
وهو اختياري، انتهى.
قال الترمذي(٢) بعد حديث الباب: رخص بعض أهل العلم في الجمع
بين الصلاتين للمريض، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم:
يجمع بين الصلاتين في المطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم ير
الشافعي للمريض أن يجمع، انتهى.
قال النووي(٣): ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو
نحوه مما هو في معناه من الأعذار، وهذا قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين
من أصحابنا، واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا، وهو المختار
في تأويله لظاهر الحديث، ولفعل ابن عباس، وموافقة أبي هريرة، ولأن
المشقة فيه أشد من المطر، انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)): اختلف العلماء في الجمع للمريض، فجوّزه
أحمد وإسحاق مطلقاً، واختاره بعض الشافعية، وجوزه مالك بشرطه،
(١) انظر: ((تنوير الحوالك)) (ص١٦٣).
(٢) ((سنن الترمذي)) (٣٥٧/١).
(٣) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢١٨/٥).
١٤٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢١) حديث
والمشهور عن الشافعي وأصحابه المنع ولم أر في المسألة نقلاً عن أحد من
الصحابة، انتهى. وردّ هذا الجمع العيني إذ قال: هو ضعيف، وقال الحافظ
في ((الفتح)) (١): وفي هذا الجمع نظر، لأنه لو كان للمرض لما صلى معه إلا
من به نحو ذلك المرض والظاهر أنه مَلّ جمع بأصحابه، وقد صرح بذلك
ابن عباس في روايته، انتهى.
قلت: وحديث جابر بن عبد الله الآتي ذكره صريح في أن هذا الجمع لم
يكن لعلة، فليت شعري كيف قوّاه النووي واختاره السيوطي وغيره.
وثالثها: ما قيل: إنه كان في غيم فانكشف الغيم، فبان أنه دخل وقت
العصر، وأبطله النووي إذ قال: وهو باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في
الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء، انتهى.
قال الحافظ: وكان نفيه الاحتمال مبني على أن ليس للمغرب إلا وقت
واحد، والمختار أن وقتها يمتدُّ إلى العشاء فالاحتمال باقٍ، انتهى.
قلت: بطلان هذا الجمع ظاهر يأباه السياق والروايات الواردة في الباب،
وردّه الأُبيّ أيضاً في (الإكمال)).
ورابعها: أن الرواة اختلفوا في حديث ابن عباس هذا، فأخرجه أكثرهم
هكذا، ورواه مسلم في ((صحيحه)) من طريق قُرَّة عن أبي الزبير، نا سعيد بن
جبير نا ابن عباس: ((أن رسول الله وَّل جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في
غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال سعيد: فقلت
لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِجَ أمته)».
فهذا السياق بعينه سياق الروايات الواردة في الباب إلا أن فيه: أن قصة
(١) ((فتح الباري)) (٢٤/٢).
١٤٦
---
-

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢١) حديث
الحديث كانت في السفر ولم أر أحداً من الشراح تعرض له إلا أن البيهقي(١)
قال بعد حديث مالك: كذلك رواه ابن وهب بن معاوية وحماد بن سلمة عن
أبي الزبير في غير خوف ولا سفر إلا أنهما لم يذكرا المغرب والعشاء، وقالا :
بالمدينة، ورواه سفيان بن عيينة وهشام بن سعد عن أبي الزبير بمعنى رواية
مالك وخالفهم قرة بن خالد عن أبي الزبير فقال في الحديث: في سفرة سافرها
إلى تبوك، انتهى، ثم سرد طرقهم.
وخامسها: مختار الحافظ في ((الفتح))، والعيني في ((البناية))، والشوكاني
في ((النيل))، والشيخ في ((البذل))(٢)، والأُبيّ في ((الإكمال))؛ وهو الظاهر
الصواب الذي لا معدل عنه، أن الجمع صوري، وهو وإن قال النووي: إنه
ضعيف أو باطل، لكن قال الحافظ في ((الفتح))(٣): استحسنه القرطبي، ورجحه
قبله إمام الحرمين وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي، وقوّاه ابن
سيد الناس بأن أبا الشعثاء راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به.
وذلك فيما أخرجه الشيخان من طريق عمرو بن دينار، فذكر هذا الحديث
زاد في آخره، فقلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر
المغرب وعجّل العشاء، وقال: وأنا أظنه، وراوي الحديث أدرى بالمراد من
غيره، إلا أنه لم يجزم به، بل روى تجويزه، لأن يكون الجمع بعذر المطر، لكن
يقوي ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت
الجمع، فإما أن تحمل على مطلقها، فيلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بلا
عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة لا يستلزم إخراج الصلاة عن وقتها
فيجمع بها بين مفترق الأحاديث، والجمع الصوري أولى، اهـ.
(١) ((السنن الكبرى)) (١٦٦/٣).
(٢) ((بذل المجهول)) (٢٨٦/٦).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٤/٢).
١٤٧

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢١) حديث
قلت: بل حديث النسائي(١) صريح في الجمع الصوري، فأخرج عن
ابن عباس قال: ((صليت مع النبي وَل# بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً أخّر
الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء)).
قال الشوكاني(٢): فهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرح بأن
ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري، اهـ.
فعلم بذلك أن للمشايخ في حديث ابن عباس هذا سبعة مسالك: الأول:
أنه معمول به بشرط أن لا يعتاده؛ والثاني: أنه منسوخ بدلالة الإجماع،
والخمسة الباقية المذكورة، والصحيح ههنا القول الخامس بالجمع الصوري،
ويؤيده أيضاً حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: جمع رسول الله وَّل بين
الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة للرخص من غير خوف ولا علة،
أخرجه الطحاوي(٣)، فإنه ينفي العلل كلها، والجمع الحقيقي منتفٍ عند
الجمهور .
ويؤيده أيضاً حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أخرجه مالك والبخاري
وأبو داود والنسائي قال: ما رأيت رسول الله وَّله صلى صلاة لغير ميقاتها إلا
صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلى الفجر يومئذ قبل وقتها،
ورواية النسائي مصرحة بعرفات أيضاً، فنفى ابن مسعود الصلاة لغير وقتها في
غير هذين الموضعين، وقد روى حديث الجمع في المدينة على ما جزم به
الشوكاني، وإن لم أر في حديثه ذكر المدينة، بل فيما سيأتي في محله فيه
تصريح بالجمع في السفر، فهو في الحقيقة حجة لمن أنكر الجمع مطلقاً
الحضري والسفري معاً كما ترى.
(١) ((سنن النسائي)) (٢٨٦/١).
(٢) («نيل الأوطار)) (٤٩١/٢).
(٣) ((شرح معاني الآثار)) (١٦٠/١).
١٤٨

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢٢) حديث
٥/٣٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ، كَانَ إِذَا جَمَعَ الأَمَرَاء بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، فِي الْمَطَرِ، جَمَعَ
مَعَهُمْ .
ومن المؤيدات أيضاً ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر - رضي الله عنهما -
قال: خرج علينا رسول الله وَ# فكان يؤخر الظهر ويُعجِّل العصر فيجمع بينهما
الحديث، وابن عمر - رضي الله عنهما - ممن روى حديث الجمع بالمدينة كما
حكاه الشوكاني(١) عن عبد الرزاق، هذا وأمثال ذلك من المؤيدات تُعَيِّن المرادَ
من حديث الباب أنه جمع صوري لا غير، وهذا قرينة واضحة على أن ما ورد
في السفر هو أيضاً على هذا المنوال إذا كان ذاك هو المتعارف عنده وَلخير وعند
الصحابة - رضي الله عنهم -، وإلا فلا بد أنهم كانوا يصرحون بأن هذا الجمع
غير الجمع السفري، ويؤيده أيضاً أمره مليار للمستحاضة بالجمع، فإنه جمع
صوري لا غير.
٥/٣٢٢ - (مالك، عن نافع أن) وفي بعض النسخ بلفظة: عن (عبد الله بن
عمر كان إذا جمع الأمراء) جمع أمير مرفوع على الفاعلية (بين المغرب والعشاء
في المطر جمع معهم) لإدراك فضيلة الجماعة، وأخرج ابن أبي شيبة(٢) أثر
الباب مفصلاً، فروى من طريق عبيد الله عن نافع قال: كان أمراؤنا إذا كانت
ليلة مطيرة أبطأوا بالمغرب وعجّلوا بالعشاء قبل أن يغيب الشفق، فكان ابن عمر
- رضي الله عنهما - يصلي معهم لا يرى بذلك بأساً، قال عبيد الله: ورأيت
القاسم وسالماً يصلون معهم في مثل تلك الليلة.
والجمع بالمطر مختلف عند الأئمة، قال العيني(٣): قد اختلف الناس في
(١) انظر: ((نيل الأوطار)) (٤٩١/٢).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٣٨/٢).
(٣) (عمدة القاري)) (٤٣/٤).
١٤٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢٣) حديث
٦/٣٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ
سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ:
جواز الجمع بين الصلاتين للمطر في الحضر، فأجازه جماعة من السلف، روي
ذلك عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، وفعله عروة وابن المسيب وعمر بن
عبد العزيز وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة وفقهاء المدينة، وهو قول مالك
والشافعي وأحمد بن حنبل، غير أن الشافعي اشترط في ذلك أن يكون المطر
قائماً في وقت افتتاح الصلاتين معاً، وكذلك قال أبو ثور، ولم يشترط ذلك
غيرهما، وكان مالك يرى أن يجمع الممطور في الطين وفي حالة الظلمة، وهو
قول عمر بن عبد العزيز، وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي: يصلي الممطور كل
صلاة في وقتها، انتهى.
قلت: قد عرفت مسلك الحنفية في ذلك أنه لا يجوز الجمع عندهم
بحال، وتوضيح مسلك المالكية ما في ((الشرح الكبير)) إذ قال: ورخص ندباً
لمزيد المشقة في جمع العشاءين فقط جمع تقديم لا الظهرين لعدم المشقة فيهما
غالباً بكل مسجد ولو مسجد غير جمعة، خلافاً لمن خصه بمسجد المدينة أو به
وبمسجد مكة لمطر واقع أو متوقع من طين مع ظلمة للشهر لا ظلمة غيم لا
لطين فقط على المشهور أو ظلمة فقط اتفاقاً، انتهى.
فعلم بذلك أنه يجوز عندهم جمع العشاءين فقط جمع تقديم بالشرائط
المذكورة، ولم يقل الحنفية بغير جمع عرفة والمزدلفة لأنه ثبت عندهم توقيت
الصلاة بالدلائل المقطوعة المتواترة فلا تترك إلا بمثلها، كما تركت في هذين
الموضعين لاتفاق رواة النسك على ذلك، وسيأتي البسط في ذلك في آخر
الباب.
٦/٣٢٣ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (أنه سأل سالم بن عبد الله)
ابن عمر (هل يُجمَع) ببناء المجهول (بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال:
١٥٠

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢٣) حديث
نَعَمْ، لا بَأْسَ بِذْلِكَ، أَلَمْ تَرَ إِلَى صَلاةِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ؟ .
وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ، أَنَّهُ كَانَ
يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ و ◌َسِهِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسِيرَ يَوْمَهُ، جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ
وَالْعَصْرِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسِيرَ لَيْلَهُ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
نعم لا بأس بذلك) قال الزرقاني(١): أي يجوز بلا كراهة وأن الأفضل ترك ذلك
انتهى. ثم ذكر المستدل فيه فقال: (ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة؟) فقاس
الجمع السفري على الجمع النسكي، ولا يبعد أن يكون الجمع بعرفة عنده
أيضاً من باب الجمع السفري كما هو رأي جماعة، فيكون القياس لاشتراك
العلة، واختار ابن رشد في ((البداية)) أن سالماً أجاز الجمع قياساً على تلك،
ثم قال: لكن القياس في العبادات يضعف.
(مالك أنه بلغه) قال ابن عبد البر: هذا يتصل من رواية مالك عن معاذ بن
جبل وابن عمر معناه وهو عند جماعة من أصحابه مسنداً (٢)، انتهى.
قلت: وأخرج ابن أبي شيبة نحوه كما سيأتي (عن) زين العابدين
(علي بن) الإمام (الحسين) بن علي بن أبي طالب (أنه كان يقول: كان
رسول الله ( إذا أراد أن يسير يومه جمع بين الظهر والعصر) ظاهره أنه أراد
أنه ◌َ لّ إذا استوعب اليوم في السفر، جمع بين الظهر والعصر (وإذا أراد أن
يسير ليله) بطوله (جمع) بصيغة الماضي في أكثر النسخ وفي بعضها بالمضارع،
وجمع بين النسختين في بعض النسخ فاختلط الكلام (بين المغرب والعشاء).
وأخرج ابن أبي شيبة(٣) عن أبي أسامة عن عبد الله بن محمد بن عمر بن
علي عن أبيه عن جده: أن علياً - رضي الله عنه - كان يصلي المغرب في
(١) (٢٩٥/١).
(٢) ((التقصي)) (ص ١٥٠).
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٣٤٥/٢).
١٥١

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢٣) حديث
.-
السفر، ثم يتعشى ثم يصلي العشاء على أثرها ثم يقول: هكذا رأيت
رسول الله * يصنع.
وهذه الآثار تدل على الجمع بين الصلاتين، لكن أكثرها خال عن وقت
الجمع فكما أنها تصدق على الجمع الوقتي كذلك تدل على الجمع الفعلي،
لكن الروايات المفصلة الواردة في الباب نص في الجمع الفعلي فهي أولى،
ولأجل ذلك ما اختار الحنفية الجمع الوقتي.
قال ابن رشد في ((البداية))(١): وسبب اختلافهم أولاً اختلافهم في تأويل
الآثار التي رويت في الجمع، والاستدلال منها على جواز الجمع، لأنها كلها
أفعال وليست أقوالاً، والأفعال يتطرق الاحتمال إليها كثيراً أكثر من تطرقه إلى
اللفظ، وثانياً اختلافهم أيضاً في تصحيح بعضها، وثالثاً اختلافهم أيضاً في
إجازة القياس في ذلك، فهذه ثلاثة أسباب كما ترى.
أما الآثار التي اختلفوا في تأويلها فمنها حديث أنس الثابت باتفاق،
أخرجه البخاري ومسلم قال: ((كان رسول الله ◌َّ﴾ إذا ارتحل قبل أن تزيغ
الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما)) الحديث، ومنها
حديث ابن عمر أخرجه الشيخان أيضاً: ((رأيت رسول الله وَ له إذا عجّل به
السير في السفر يؤخّر المغرب)) الحديث، والثالث حديث ابن عباس في الجمع
في غير خوف ولا سفر.
فذهب القائلون بجواز الجمع في تأويل هذه الأحاديث إلى أنه أخّر الظهر
إلى وقت العصر المختص بها، وجمع بينهما، وذهب الكوفيون إلى أنه إنما
أوقع صلاة الظهر في آخر وقتها وصلاة العصر في أول وقتها على ما جاء في
حديث إمامة جبرئيل، قالوا: وعلى هذا يصحُّ حملُ حديث ابن عباس، لأنه قد
(١) ((بداية المجتهد)) (١٧١/١).
١٥٢

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢٣) حديث
انعقد الإجماع على أنه لا يجوز هذا في الحضر بغير عذر، أعني أن تُصَلّى
الصلاتان معاً في وقت إحداهما .
واحتجُّوا لتأويلهم أيضاً بحديث ابن مسعود(١) قال: ((والذي لا إله غيره
ما صلى رسول الله وَّل صلاة قط إلا في وقتها إلا صلاتين جمع بين الظهر
والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع)) قالوا: وأيضاً فهذه الآثار محتملة
أن تكون على ما تأوّلنا نحن أو تأوّلتموها أنتم، وقد صح توقيت الصلاة
وتبيانها في الأوقات، فلا يجوز أن تنتقل عن أصل ثابت بأمر محتمل.
وأما الأثر الذي اختلفوا في تصحيحه فما رواه مالك من حديث معاذ بن
جبل، فهذا الحديث لو صح لكان أظهر من تلك الأحاديث في إجازة الجمع
لأن ظاهره أنه قدم العشاء إلى وقت المغرب، وإن كان لهم أن يقولوا: إنه أخّر
المغرب إلى آخر وقتها وصلى العشاء في أول وقتها لأنه ليس في الحديث أمر
مقطوع به على ذلك، بل لفظ الراوي محتمل، انتهى مختصراً.
قلت: بل تقدم أن حديث معاذ عند الطبراني مصرِّح بالجمع الصوري،
قال العيني(٢): ما قلناه هو العمل بالآية والخبر، وما قالوه يؤدي إلى ترك
العمل بالآية ويلزمهم على ما قالوا من الجمع المعنوي رخصة أن يجمعوا لعذر
المطر أو الخوف في الحضر، ومع هذا لم يُجَوِّزوا ذلك، وأوَّلُوا حديث
ابن عباس في الجمع في الحضر بتأويلات مردودة، وفيما ذهبنا إليه العمل
بالكتاب وبكل حديث جاء في هذا الباب من غير تأويل، انتهى.
وقال في ((البدائع)) (٣): ولنا أن تأخير الصلاة عن وقتها من الكبائر فلا
(١) أخرجه البخاري (١٦٨٢) وأحمد (٣٨٤/١) ومسلم (١٢٨٩/٢٩٢) وأبو داود (١٩٣٤)
والنسائي (٢٩١/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٢٢/٥).
(٣) (١/ ٣٢٧).
١٥٣

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢٣) حديث
يباح بعذر السفر والمطر كسائر الكبائر، والدليل على أنه من الكبائر ما روي
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله وَل قال: ((من جمع بين
صلاتين في وقت واحد فقد أتى باباً من الكبائر))(١)، وعن عمر - رضي الله عنه
- قال: ((الجمع بين الصلاتين من الكبائر))، ولأن هذه الصلوات عرفت موقتة
بأوقاتها بالدلائل المقطوع بها من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع، فلا يجوز
تغييرها عن أوقاتها بضرب من الاستدلال أو بخبر الواحد مع أن الاستدلال
فاسد، لأن السفر والمطر لا أثر لهما في إباحة تفويت الصلاة عن وقتها .
ألا ترى أنه لا يجوز الجمع بين الفجر والظهر مع ما ذكرتم من العذر،
والجمع بعرفة ما كان لتعذر الجمع بين الوقوف والصلاة، بل ثبت غير معقول
المعنى بدليل الإجماع والتواتر عن النبي ◌َّة، فصلح معارضاً للدليل المقطوع
به، وما روي من الحديث في خبر الآحاد فلا يقبل في معارضة الدليل المقطوع
به مع أنه غريب ورد في حادثة تعم بها البلوى، ومثله غير مقبول عندنا .
ثم هو مؤوَّل، وتأويله: أنه جمع بينهما فعلاً لا وقتاً، كذا فعل ابن عمر
- رضي الله عنهما - في سفر، وقال: هكذا كان يفعل رسول الله وَّل، ودل عليه
ما روي عن ابن عباس من الجمع من غير مطر ولا سفر، وذلك لا يجوز إلا
فعلاً، وعن علي - رضي الله عنه - أنه جمع بينهما فعلاً، ثم قال: هكذا فعل
بنا رسول الله صل﴾، وهكذا روي عن أنس - رضي الله عنه -: أنه جمع بينهما
فعلاً، ثم قال: هكذا فعل بنا رسول الله وَله، انتهى مختصراً.
قلت: وسيأتي الكلام على هذه الآثار، قال الشيخ في ((البذل))(٢):
واستدل الحنفية على عدم جواز الجمع حقيقة في غير عرفات والمزدلفة، بقوله
(١) أخرجه الترمذي برقم (١٨٨) والحاكم في ((المستدرك)) (٢٧٥/١).
(٢) ((بذل المجهود)) (٢٨٣/٦).
١٥٤

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢٣) حديث
تعالى: ﴿حَفِظُوْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾(١) أي أدُّوها في أوقاتها، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ
الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾(٢) أي لها وقت معين له ابتداء، لا
يجوز التقدم عليه، وانتهاء لا يجوز التأخر عنه، وحملوا الروايات التي فيها
الجمع على الجمع الصوري، بأنه # صلى أول الصلاة في آخر وقتها لئلا
يعارض خبر الواحد الآية القطعية، انتهى.
قلت: ويؤيده أيضاً أن الروايات المفسرة كلها صريحة في الجمع
الصوري فلا بد أن يحمل عليها الروايات المجملة التي فيها ذكر الجمع فقط
بدون بيان الكيفية، والروايات المفصلة الواردة في الباب إحصاؤها ليس من
وظيفة هذا ((الأوجز)) لكن نكتفي على ذكر بعضها كدأبنا في أكثر المواضع.
منها: أحاديث ابن عمر - رضي الله عنهما - المفصلة كلها صريحة في
الجمع الصوري كما تقدم إلى بعضها الإشارة في ذيل حديثه، وتمامها في
المطولات.
ومنها: حديث ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة: أن النبي ◌ُّ جمع بين
الصلاتين في السفر، ولفظ الطبراني في ((الكبير)): كان يجمع بين المغرب
والعشاء يؤخّر هذه في آخر وقتها، ويعجِّل هذه في أول وقتها، قاله العيني.
قلت: وأخرج الطحاوي من فعله - رضي الله عنه - بسنده عن
عبد الرحمن بن يزيد يقول: صحبت عبد الله بن مسعود في حجه فكان يؤخّر
الظهر ويعجِّل العصر ويؤخّر المغرب ويعجِّل العشاء فهذا بعد روايته عن
النبي ◌َّ بالجمع نص في معناه.
ومنها: حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله السل في
(١) سورة البقرة: الآية ١٣٨.
(٢) سورة النساء: الآية ١٠٣.
١٥٥

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢٣) حديث
السفر يؤخّر الظهر ويقدم العصر ويؤخِّر المغرب ويقدم العشاء، رواه الطحاوي
وأحمد والحاكم وإسناده حسن، قاله النيموي(١).
ومنها : حديث عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه
عن جده: أن علياً - رضي الله عنه - كان إذا سافر سار بعدما تغرب الشمس
حتى تكاد أن تُظلم ثم ينزل، فيصلي المغرب، ثم يدعو بعشائه، فيتعشَّى، ثم
يصَلِّي العشاء ثم يرتحِلُ، ويقول: هكذا كان رسول الله ولم يصنع، رواه
أبو داود(٢). وإسناده صحيح.
ومنها: حديث أبي عثمان قال: وفدت أنا وسعد بن مالك ونحن نبادر
للحج فكنا نجمع بين الظهر والعصر نقدم من هذه ونؤخر من هذه، ونجمع بين
المغرب والعشاء، نقدم من هذه، ونؤخر من هذه حتى قدمنا مكة، رواه
الطحاوي(٣)، وإسناده صحيح.
ويؤيده أيضاً ما روي عن أبي قتادة مرفوعاً: ((أما إنه ليس في النوم
تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى))، رواه
مسلم وآخرون.
وأيضاً ما رُوِيَ عن أبي هريرة أنه سئل ما التفريط في الصلاة؟ قال: أن
تؤخر حتى يجيء وقت الأخرى، رواه الطحاوي، وإسناده صحيح.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: لا يفوت صلاة حتى يجيء
وقت الأخرى، رواه الطحاوي وإسناده صحيح.
ويؤيده أيضاً ما تقدم من حديث ابن مسعود - رضي الله عنهما - في حصر
(١) انظر: ((آثار السنن)) (٧٣/٢).
(٢) أخرجه أبو داود رقم (١٢٣٤).
(٣) ((آثار السنن)) (٢ / ٧٤).
١٥٦

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(١) باب
(٣٢٣) حديث
الجمع بعرفة والمزدلفة، وقد روي حديث الجمع بين الصلاتين، وهو بمنزلة
النص في الباب، إذ يروى عنه حديث الجمع أيضاً، وينكر صلاته وصّل في غير
وقتها إلا في هذين الموضعين: عرفة والمزدلفة .
ويؤيده أيضاً ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعاً: ((من
جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر))، أخرجه
الترمذي وغيره، وضعفه الترمذي بحنش الراوي، وحنش هذا هو حسين بن
قيس، ضعفه جماعة من المحدثين، لكن وثقه الحاكم في ((المستدرك)) وحَسَّن
هذا الحديث ابن كثير في ((تفسيره)). وهذا القدر يكفي للتأييد مع أن هذا
الحديث مؤيد بالآثار.
فقد أخرج محمد في ((موطئه)) (١) عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
أنه كتب في الآفاق ينهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين، ويُخبرهم أن الجمع بين
الصلاتين في وقت واحد كبيرة من الكبائر، وأخرجه البيهقي(٢) عنه بعدة طرق،
وتكلم على اتصالها، وادَّعى إرسالها، ورده ابن التركماني في ((الجوهر النقي))
فارجع إليهما لو شئت.
وقال الزيلعي (٣) بعد ذكر هذه الآثار: فإذا انضم هذا إلى الأول صار
قوياً، وما تقدم عن ابن عباس: ((لا يفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى))،
فهو أيضاً مؤيد لروايته المرفوعة، فازدادت قوة، وأخرج ابن أبي شيبة بسنده
عن أبي موسى أنه قال: ((الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر)).
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٥٧٢/١).
(٢) ((السنن الكبرى)) (١٦٩/٣).
(٣) انظر: ((نصب الراية)) (١٩٤/٢).
١٥٧

(٢) باب
٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب قصر الصلاة في السفر
(٢) قصر الصلاة في السفر
بفتح القاف مصدر، يقال: قَصَرت الصلاة، بفتحتين مخففاً قصراً،
وقَصَّرتها بالتشديد، وأقصرتها، والأول أشهر في الاستعمال، قال الرازي: قال
الواحدي: يقال: قصر فلان صلاته، وأقصرها، وقصّرها كل ذلك جائز، وقرأ
ابن عباس: تُقصِروا من أقصر، وقرأ الزهري: من قصر، وهذا دليل على
اللغات الثلاث، انتهى.
والمراد به تخفيف الرباعية إلى ركعتين، ولا قصر في الصبح والمغرب
إجماعاً .
قال ابن رشد في ((البداية))(١): السفر له تأثير في القصر باتفاق، فقد اتفق
العلماء على جواز القصر، إلا قول شاذٍّ، وهو قول عائشة - رضي الله عنها -
إن القصر لا يجوز إلا للخائف، لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُ﴾ الآية، وقالوا: إن
النبي ◌َ﴾ إنما قصر لأنه كان خائفاً، واختلفوا من ذلك في خمسة مواضع.
أحدها: في حكم القصر، والثاني: في المسافة التي يجب فيها القصر،
والثالث: في السفر الذي يجب فيه القصر، والرابع: في الموضع الذي يبدأ منه
المسافر التقصير، والخامس: في مقدار الزمان الذي يجوز للمسافر فيه إذا أقام
في موضع أن يقصر الصلاة.
أما حكم التقصير فاختلفوا فيه على أربعة أقوال؛ فمنهم: من رأى أن
القصر هو فرض للمسافر المتعين عليه، ومنهم: من رأى أن القصر والإتمام
كلاهما فرض مخيّر له كالخيار في واجب الكفارة، ومنهم: من رأى أن القصر
سنة، ومنهم: من رأى أنه رخصة، وأن الإتمام أفضل، وبالقول الأول قال
أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون بأسرهم أعني أنه فرض متعين، وبالثاني قال
(١) (بداية المجتهد)) (١٦٦/١).
١٥٨

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
بعض أصحاب الشافعي، وبالثالث أعني سنة، قال مالك في أشهر الروايات
عنه، وبالرابع أعني أنه رخصة، قال الشافعي في أشهر الروايات عنه وهو
المنصور عند أصحابه، انتهى.
وقال الباجي(١): اختلف أصحابنا في القصر في السفر هل هو واجب أو
مندوب إليه أو مباح؟ وقد اختلف قول مالك في ذلك فروى عنه أشهب أنه
فرض، وبه قال أبو حنيفة، وروى أبو مصعب عن مالك أنه سنة، وروي نحوه
عن الشافعي، انتهى.
قال في ((الاستذكار))(٢): وإلى الأول ذهب الكوفيون، سفيان الثوري
والحسن بن صالح، وهو قول عمر بن عبد العزيز وحماد بن أبي سليمان
وطائفة، وإليه ذهب إسماعيل بن إسحاق وأبو بكر بن الجهم، ثم قال: والذي
ذهب إليه أكثر العلماء من السلف والخلف أنه سنة مسنونة، وبعضهم يقول:
رخصة، فمن جعلها سنة رأى الإعادة منها في الوقت، وكره الإتمام، وهذا
تحصيل مذهب مالك وأكثر أصحابه، انتهى.
قلت: ومذهب الحنابلة في ذلك على ما في ((نيل المآرب)) أنه أفضل،
وكذا في ((الأنوار الساطعة))، وفي ((الروض المربع)) أنه مسنون، انتهى.
قال الحافظ في ((الفتح)): وافق الحنفية في ذلك القاضي إسماعيل من
المالكية وأحمد، وقال ابن قدامة: المشهور عن أحمد أنه على الاختيار،
والقصر عنده أفضل، انتهى.
قال العيني(٣): وأما قوله: المشهور عن أحمد أنه على الاختيار فيعارضه
(١) (المنتقى)) (٢٦٠/١).
(٢) (٦٢/٢).
(٣) ((عمدة القاري)) (٣٨٠/٥).
١٥٩

٩ - كتاب قصر الصلاة في السفر
(٢) باب
(٣٢٤) حديث
٣٢٤/ ٧ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
رَجُلِ مِنْ آلِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدِ؛
ما قاله الأثرم، قلت لأحمد: للرجل أن يصلي أربعاً في السفر؟ قال: لا،
ما يعجبني، وحكى ابن المنذر في ((الأشراف)): أن أحمد قال: أحبُّ العافية عن
هذه المسألة، وقال البغوي: هذا قول أكثر العلماء، وقال الخطابي: الأولى
القصر ليخرج عن الخلاف، وقال الترمذي: العمل على ما فعله رسول الله وَله
وأبو بكر وعمر، وهو قول محمد بن سحنون، ورواية عن مالك وأحمد، وهو
قول الثوري وحماد، وهو المنقول عن عمر وعلي وجابر وابن عباس وابن عمر.
وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان لا يصح غيرهما، وقال
الأوزاعي: إن قام إلى الثالثة، فإنه يلغيها، ويسجد سجدتي السهو، وقال الحسن بن
حي: إذا صلى أربعاً متعمداً أعادها، وكذا قال ابن أبي سليمان، انتهى.
٧/٣٢٤ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن رجل من آل خالد بن
أسيد) وهو أمية(١) بن عبد الله بن خالد بن أَسِيد بفتح الهمزة وكسر السين
المهملة على الأفصح، وقيل: بضم الهمزة وفتح السين، المكي، ثقة، مات
سنة سبع وثمانين، استعمله عبد الملك بن مروان على خراسان، قال
ابن الجارود: ليس له صحبة، انتهى.
روى له النسائي وابن ماجه، وأخرجا هذا الحديث من طريق الليث عن
الزهري عن عبد الله بن أبي بكر عن أمية بن عبد الله، وكذا رواه معمر ويونس
وجماعة عن الزهري، فأسقط في ((الموطأ)) راوياً، وأبهم السائل، قاله ابن
عبد البر، وحكى الزرقاني(٢) عنه: لم يقم مالك إسناد هذا الحديث الإبهام
الرجل، ولأنه أسقط منه رجلاً، انتهى.
(١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٣٧١/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٦/١) وانظر: ((التقصي)) (ص١٥٠).
١٦٠