النص المفهرس
صفحات 81-100
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٧) باب
(٣٠٢) حديث
المسألتين، قال العيني (١): جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من
قعود، هو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وعامة العلماء، وسواء في ذلك
قام ثم قعد أو قعد ثم قام، ومنعه بعض السلف، وهو غلط، ولو نوى القيام ثم
أراد أن يجلس جاز عند الجمهور، وجوّزه من المالكية ابن القاسم، ومنعه
أشهب، اهـ.
وقال الشوكاني(٢): يجوز فعل بعض الصلاة من قعود، وبعضها من قيام،
وبعض الركعة من قعود، وبعضها من قيام، قال العراقي: وهو كذلك، سواء
قام ثم قعد، أو قعد ثم قام، وهو قول جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك
والشافعي وأحمد وإسحاق، وحكاه الثوري عن عامة العلماء، وحكي عن بعض
السلف منعه؛ قال: وهو غلط، وحكى القاضي عياض عن أبي يوسف
ومحمد(٣) في آخرين كراهة القعود بعد القيام، ومنع أشهب من المالكية
الجلوس بعد أن ينوي القيام، وجوّزه ابن القاسم والجمهور، اهـ.
وأخرج ابن أبي شيبة عن هلال بن يساف قال: ربما صليتُ وأنا قاعد،
فإذا أردتُ أن أركع قمتُ فقرأت ثم ركعت، وأخرج عن محمد قال: من قرأ
وهو قاعد، ومن قرأ وهو قائم، فإنه يركع ويسجد وهو قائم، وقال الحسن:
هو بالخيار أيّ ذلك شاء فعل. وأخرج عن الحسن أيضاً قال: لا بأس أن
يصلي الرجل ركعة قائماً، وركعة قاعداً، وعن الحكم وحماد قالا: لا بأس أن
يصلي الرجل ركعة قائماً وركعة قاعداً.
(١) ((عمدة القاري)) (٤٣٧/٥).
(٢) (نيل الأوطار)) (٣١١/٢) رقم الحديث (٩٨٣).
(٣) في ((الاستذكار)) (٤١٢/٥): قال الحسن بن حيّ وأبو يوسف ومحمد: ((يصلي قائماً ولا
يجلس إلا من ضرورة لأنه افتتحها قائماً)).
٨١
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٧) باب
(٣٠٣) حديث
٢٤/٣٠٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ
الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، كَانَا يُصَلِّيَانِ النَّافِلَةَ، وَهُمَا مُحْتَبِيَانِ.
٢٤/٣٠٣ - (مالك، أنه بلغه أن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب كانا
يصليان النافلة) دون الفريضة (وهما محتبيان) الاحتباء أن يضم رجليه إلى بطنه
بثوب يجمعها به مع ظهره ويشدّه عليها، وقد يكون باليدين بحيث يكون ركبتاه
منصوبتين، وبطنا قدميه موضوعين على الأرض، ويداه موضوعتين على ساقيه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن: أنه كان لا يرى بأساً أن يصلي الرجل وهو
محتبٍ، وابن سيرين كان يكره، وعن إبراهيم: أنه كان يصلي محتبياً، وعن
أبي بكر بن عبد الرحمن: أنه كان يصلي محتبياً، وعن طلحة قال: رأيت
عيسى بن طلحة يصلي محتبياً خلف المقام تطوعاً، وعن الحسن بن عمرو قال:
رأيت سعيد بن جبير يصلي محتبياً، فإذا أراد أن يركع حلَّ حبوته، ثم قام
فركع، وعن سعيد بن المسيّب: أنه كان يصلي محتبياً، وعن عمرو بن دينار
قال: رأيت عبيد بن العمير يصلي محتبياً، وعن الربيع قال: رأيت عطاء يصلي
محتبياً .
قال الباجي(١): والأصل أن الجلوس في الصلاة في موضع القيام ليس له
صورة مخصوصة لا تجزئ إلا عليها، بل تجزئ على صفات الجلوس من
احتباء وتربُّع وتورك وغيرها، اهـ. وقال الزرقاني: لم تبين الأحاديث صفة
القعود، فيؤخذ من إطلاقه جوازه على أيّ صفة شاء المصلي.
واختلف في الأفضل، فعن الأئمة الثلاثة يصلي متربعاً، وقيل: يجلس
مفترشاً، وهو موافق لقول الشافعي في ((مختصر المزني))، وصححه الرافعي
ومن تبعه، وقيل: متوركاً، وفي كل منها أحاديث، اهـ.
قال الشوكاني(٢): ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد، وهو أحد القولين
(١) ((المنتقى)) (٢٤٤/١).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٣١١/٢).
٨٢
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٧) باب
(٣٠٣) حديث
للشافعي إلى أن المستحب لمن صلى قاعداً أن يتربّع، وذهب الشافعي في أحد
قوليه أنه يجلس مفترشاً كالجلوس بين السجدتين، وحكى صاحب ((النهاية)) عن
بعض المصنفين أنه يجلس متوركاً .
وقال القاضي حسين من الشافعية: إنه يجلس على فخذه اليسرى وينصب
ركبته اليمنى كجلسة القارئ بين يدي المقرئ، وهذا الخلاف إنما هو في
الأفضل، وقد وقع الاتفاق على أنه يجوز له أن يقعد على أي صفة شاء من
القعود، لما في حديثي عائشة وعمران من العموم، اهـ.
وفي ((نيل المآرب))(١): وسُنَّ تربُّعه بمحل قيام وثني رجليه بركوع
وسجود، اهـ. وفي ((الشرح الكبير)) (٢) للمالكية: وتربع المصلي جالساً في محل
قيامه المعجوز عنه ندباً كالمتنفل من جلوس، ليميز بين البدل وجلوس غير
البدل، وغير المتربع جلسته ندباً بين سجدتيه كالتشهد. قال الدسوقي: حاصله
أنه يقرأ متربعاً، ويركع كذلك واضعاً يديه على ركبتيه، ويرفع كذلك، ثم يغير
جلسته إذا أراد أن يسجد، يثني رجليه في السجود، وبين سجدتيه والسجدة
الثانية والرفع منها كذلك، ثم يرجع متربعاً للقراءة، ثم يفعل في الركعة الثانية
كما فعل في الأولى، اهـ.
فالمرجح عند الحنابلة والمالكية كما عليه كتب فروعهم: التربع، وأما
عند الشافعية فقال في «الروضة)): ويقعد كيف شاء من افتراشٍ أو تورك أو تربع
أو تمدد، وافتراشه أفضل من غيره، اهـ. وفي (شرح الإقناع)»: قعد كيف شاء،
وافتراشه أفضل من تربُّعه وغيره، لأنه قعود عبادة، اهـ.
وأما عندنا الحنفية فقال العيني: اختلفت الروايات عن أصحابنا في
(١) (٢٠٥/١).
(٢) (٢٥٨/١).
٨٣
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٧) باب
(٣٠٣) حديث
القعود، إذا عجز عن القيام كيف يقعد؟ فروى محمد عن أبي حنيفة: أنه إذا
افتتح الصلاة يجلس كيف ما شاء، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يتربَّع،
وإذا ركع يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها، وعن أبي يوسف يتربَّع في جميع
صلاته، وعن زفر: يفترش رجله اليسرى في جميع صلاته، والصحيح رواية
محمد، لأن عذر المرض يسقط الأركان عنه، فلأن يسقط عنه الهيئات
أولى، اهـ.
وفي ((البدائع)): إذا صلى المريض قاعداً بركوع وسجود أو بإيماء كيف
يقعد؟ أما في حال التشهد، فإنه يجلس كما يجلس للتشهد بالإجماع، وأما في
حال القراءة وفي حال الركوع روي عن أبي حنيفة يقعد كيف يشاء، وروي عن
أبي يوسف: إذا افتتح تربَّعَ، وإذا أراد أن يركع فرش رجله اليسرى وجلس
عليها، وروي عنه: أنه يتربع على حاله، وإنما ينقض ذلك إذا أراد السجدة،
وقال زفر: يفرش رجله اليسرى في جميع صلاته، والصحيح ما روي عن
أبي حنيفة، لأن عذر المرض أسقط عنه الأركان، فلأن يسقط عند الهيئات
أولى، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (١): صلى قاعداً كيف شاء على المذهب، وقال زفر:
كالمتشهد، قيل: وبه يُفتى، قال ابن عابدين: ينبغي أن يقال: إن كان جلوسه
كما يجلس للتشهد أيسر عليه من غيره أو مساوياً لغيره كان أولى، وإلا اختار
الأيسر في جميع الحالات، ولعل ذلك محمل القولين، اهـ.
قلت: وهو المرجح على الظاهر، ويؤيده ما في النوافل من ((الدر)):
ويقعد في كل نفله كما في التشهد على المختار، وفي ((البحر)): قال الفقيه
أبو الليث: عليه الفتوى، واختاره الإمام السرخسي، لأنه المعهود شرعاً في
(١) (٦٨٢/٢).
٨٤
--
-----
--
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٨) باب الصلاة الوسطى
الصلاة، وفي ((الخلاصة)) عن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات، فحينئذ فالإفتاء
على إحدى الروايات، ولا حاجة إلى أن تضاف إلى زفر كما لا يخفى، اهـ.
قلت: ويؤيده عموم ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - بعدة
طرق: سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى، أخرجه أبو داود
وغيره، لكن لم أر أحداً استدل به على ذلك، فتأمل.
وقال ابن عابدين في نوافل ((ردّ المحتار)): روي عن أبي حنيفة - رضي الله
عنه - تخييره بين القعود والتربع والاحتباء. وفي ((مراقي الفلاح)): يقعد المتنفل
جالساً كالمتشهد إذا لم يكن به عذر في المختار، وعليه الفتوى، لكن ذكر شيخ
الإسلام: الأفضل أن يقعد في موضع القيام محتبياً، لأن عامة صلاته وَ لّ في
آخر عمره كان محتبياً إلى آخر ما بسط، اهـ.
(٨) الصلاة الوسطى
الواردة في قوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالصَّلَوةِ اَلْوُسْطَى﴾(١)
الآية .
قال الزرقاني(٢): هي تأنيث الأوسط، وهو الأعدل من كل شيء، قال
أعرابي يمدح النبي ◌َلّم :
يا أوسط الناس طرّاً في مفاخرهم
وأكرم الناس أمّاً برة وأبا
وليس المراد التوسط بين شيئين، لأن فعلى صيغة التفضيل، ولا يبنى
منه إلا ما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما
بخلاف معنى التوسط، فلا يقبلهما فلا يبنى عليه أفعل تفضيل، انتهى.
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٨.
(٢) (٢٨٣/١).
٨٥
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
قلت: ويحتمل الفُعلى من التوسط أيضاً، كالوسطى من الأصابع،
واختاره الرازي في ((تفسيره))، وقال: والمراد من الوسطى ما تكون وسطى في
العدد، لا ما تكون وسطى بسبب الفضيلة، اهـ. قال ابن العربي: يحتمل أن
يراد بالوسطى الفضلى، ويحتمل أن يراد به من الوسط، وهو المساوي في
البعد لكل واحد من الطرفين.
واختلفوا في تعيين الصلاة الوسطى على أكثر من عشرين قولاً، قال
الباجي(١): ذهب مالك والشافعي وأكثر أهل المدينة إلى أنها الصبح، وقال
زيد بن ثابت وعروة: إنها الظهر، وقال جماعة من الصحابة: هي العصر، وبه
قال ابن حبيب وأبو حنيفة - رضي الله عنهما -، اهـ.
قلت: هذه الأقوال الثلاثة مشهورة عند العلماء، سيأتي ذكرها بشرحها
في ((الموطأ)). وأما الأقوال الباقية على ما نقله العيني عن الدمياطي في كتابه
(كشف المغطّ عن الصلاة الوسطى)) فقيل: المغرب، روي عن ابن عباس،
واختاره قبيصة، وقيل: جميع الصلوات، روي عن ابن عمر ومعاذ بن جبل،
وقيل: الجمعة، ذكره ابن حبيب من المالكية، وقيل: الظهر، في سائر الأيام
والجمعة يوم الجمعة، وقيل: العشاء، اختاره الواحدي، وقيل: الصبح،
والعشاء، به قال الأبهري من المالكية، وقيل: الصبح، والعصر، وقيل: صلاة
الجماعة، وقيل: الوتر، وصنف فيه علم الدين السخاوي جزءاً، قال
الشوكاني: وإليه ذهب أبو الحسن علي بن محمد السخاوي المقرئ.
وقيل: صلاة الخوف، وقيل: صلاة الأضحى، وقيل: صلاة الفطر،
وقيل: الضحى، وقيل: صلاة من الخمس غير معينة، قاله سعيد بن جبير
وشريح القاضي، وهو مختار إمام الحرمين من الشافعية، وقيل: الصبح أو
(١) ((المنتقى)) (٢٤٥/١).
٨٦
- .
----
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٤) حديث
٢٥/٣٠٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ
الْفَعْقَاعِ بْنِ حَكِيم، عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّهُ
قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفاً،
العصر على الترديد، وقيل: التوقف، وقيل: صلاة الليل، وزاد المجد على
بعضها أو الصلوات المتوسطة بين الطول والقصر أو كل من الخمس، اهـ.
وقيل: الأوّابين، وقيل: الجنازة، كذا في هامش ((المشكاة))، والفرق بين هذا
وبين ما روي عن ابن عمر وغيره كالفرق بين الكل الإفرادي والمجموعي.
٢٥/٣٠٤ - (مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم) مكبراً (عن
أبي يونس) لا يعرف اسمه، أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد)) ومسلم في
(صحيحه) و((أصحاب السنن)) إلا ابن ماجه (مولى عائشة أمّ المؤمنين) من
ثقات التابعين، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
له في ((صحيح مسلم)) وفي ((السنن)) حديثان عن عائشة، قاله الحافظ. قلت:
أخرجهما مالك في ((الموطأ)) أيضاً أحدهما هذا، والثاني يأتي في صيام
الجنب .
(أنه قال: أمرتني عائشة) أمّ المؤمنين (أن أكتب لها مصحفاً) قال
الزرقاني(١): مثلثة الميم والضم أشهر، وقال المجد: الصحيفة: الكتاب،
جمعه: صحائف وصحف ككتب نادرة، والمصحف مثلثة الميم من أصحف
بالضم، أي جعلت فيه الصحف، اهـ.
قال الباجي: هذا يقتضي أن يكون بعد جمع القرآن في مصحف، وقبل
أن تجمع المصاحف على المصاحف التي كتبها عثمان وأنفذها إلى الأمصار،
لأنه لم يكتب بعد ذلك في المصاحف إلا ما أجمع عليه وثبت بالتواتر، اهـ.
قلت: هذا إذا كان إملاء عائشة - رضي الله عنها - بطريق القراءة، وكونها
(١) (٢٨٣/١).
٨٧
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٤) حديث
ثُمَّ قَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هُذِهِ الْآيَةَ فَآَذِنِّي: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ
في القرآن، أما إذا كان بطريق التفسير، فلا إشكال في أن يكون منقولاً عن
مصحف عثمان، وكون أبي يونس في الطبقة الثانية يؤيد الثاني، وهو المرجح
عند شيخي الوالد - نور الله مرقده - عند الدرس .
لكن رواية الطحاوي وغيره بسنده عن أم حميد سألت عائشة - رضي الله
عنها - عن قول الله عز وجل: الصلاة الوسطى، فقالت: كنا نقرأها على
الحرف الأول على عهد رسول الله وَله: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَّلَوةِ
اُلْوُسْطَى﴾ وصلاة العصر، الحديث، فعلم أنها - رضي الله عنها - أملته بطريق
القرآن (ثم قالت: إذا بلغت) بالخطاب أي أتممت الكتابة إلى (هذه الآية) التي
يأتي بيانها (فآذني) بالمد، وذال مكسورة ونون ثقيلة أي أعلمني، أمرته بالإيذان
لما أرادت إملاء زيادة، سيأتي بيانها، ولم تكن فيما نقلت عنه، والآية هي
قوله تعالى: (حافظوا) بصيغة الأمر من المفاعلة للمبالغة في المداومة.
وقال الرازي: فإن قيل: المحافظة لا تكون إلا بين اثنين، فالجواب من
وجهين: أحدهما: أن المحافظة تكون بين العبد والرب، كأنه قيل: احفظ
الصلاة ليحفظك الإله الذي أمرك بها، والثاني: أن تكون المحافظة بين
المصلي والصلاة فكأنه قيل: احفظ الصلاة حتى تحفظ لك الصلاة، وحفظ
الصلاة للمصلي على ثلاثة أوجه، تحفظ عن المعاصي: ﴿إِنَ الصَّلَوَةَ تَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَّرِّ﴾(١) وتحفظه عن البلايا والمحن: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَوَةِ﴾(٢) وتحفظه بالشفاعة في المحشر قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ
وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنَّأْ وَمَا نُقَلِعُواْ لِأَنْفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾(٣)، اهـ بتغير. (على)
سائر (الصلوات) بأدائها في أوقاتها، قال الكرخي: أي راقبوها بأدائها في
(١) سورة العنكبوت: الآية ٤٥.
(٢) سورة البقرة: الآية ٤٥.
(٣) سورة المزمل: الآية ٢٠.
٨٨
-----------
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٤) حديث
وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا. فَأَمْلَتْ
عَلَيَّ :
أوقاتها كاملة الأركان والشروط، وقال الخازن: أي بجميع شروطها وحدودها،
وإتمام أركانها وفعلها في أوقاتها المختصة بها، اهـ.
وقال الرازي: الأمر بالمحافظة على الصلاة أمر بالمحافظة على جميع
شرائطها من طهارة البدن، والثوب، وستر العورة، واستقبال القبلة، وغيرها
وبالمحافظة على جميع الأركان والاحتراز عن جميع المبطلات، سواء كان من
أعمال القلوب أو من أعمال اللسان، أو من أعمال الجوارح، اهـ. (و)سيما
(الصلاة الوسطى) أفردها بالذكر لفضلها، أو اهتماماً بها وأخفاها كإخفاء ليلة
القدر، وساعة الإجابة في الجمعة، وإخفاء اسمه الأعظم، ووقت الموت
ليكون المكلف مهتماً بها غير مضيّع لغيرها .
(﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾) أي ساكتين لحديث زيد بن أرقم عند الشيخين
وغيرهما: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن
الكلام، وهذا المعنى مرجح عند المحققين.
وقال الرازي: فيه وجوه أحدها: القنوت: الدعاء والذكر، وهو قول
ابن عباس؛ والثاني: مطيعين؛ والثالث: ساكتين وهو قول ابن مسعود؛
والرابع: قول مجاهد: القنوت عبارة عن الخشوع وخفض الجناح وسكون
الأطراف وترك الالتفات؛ والخامس: القنوت: القيام؛ والسادس: اختيار
علي بن عيسى: أن القنوت عبارة عن الدوام على الشيء، اهـ.
(فلما بلغتها) أي هذه الآية (آذنتها) أي أخبرت عائشة - رضي الله تعالى
عنها - (فأملت) بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح اللام الخفيفة، من أملى،
وبفتح الميم واللام المشددة من أملل، يقال: أمللتُ الكتاب عليه أي ألقيته
عليه، وأمليته عليه إملاء، فالأولى لغة الحجاز وبني أسد، والثانية لغة بني تميم
وقيس، وقد جاء بهما الكتاب العزيز، قال تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ،
وقال تعالى: ﴿فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ﴾ قاله الزرقاني. (عَلَيّ) يعني أمرتني أن أكتب
٨٩
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٤) حديث
﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصََّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ وَصَلاةِ الْعَصْرِ ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَانِتِينَ﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ
أخرجه مسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٦ - باب الدليل
لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، حديث ٢٠٧.
(﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَاتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى وصلاة) بواو العطف (العصر وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَانِتِينَ ).
قال ابن عبد البر(١): ثبوت الواو الفاصلة التي لم يختلف في ثبوتها في
حديث عائشة هذا بخلاف حديث حفصة بعده، وثبوتها يدل على أنها ليست
الوسطى، قال الباجي(٢): لأن الشيء لا يعطف على نفسه، اهـ.
قلت: وأجاب من رجّح كونها العصر، بأن العطف قد يكون للتفسير كما
هو معروف عند النحاة، بل هو المتعين لرواية ابن أبي شيبة بسنده عن أبي أيوب
عن عائشة قالت: صلاة الوسطى صلاة العصر، وعن القاسم عن عائشة قالت:
صلاة الوسطى صلاة العصر، وأصرح من ذلك ما أخرجه ابن جرير عن عروة
كان في مصحف عائشة: والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر.
وأخرج وكيع عن حميدة قالت: قرأت في مصحف عائشة: (حافظوا على
الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) وأخرج سعيد بن منصور، وأبو عبيد
عن زياد بن أبي مريم: أن عائشة أمرت بمصحف لها أن يكتب، الحديث.
وفيه قالت: اكتبوها (صلاة الوسطى صلاة العصر) وأخرج ابن جرير من طرق
عن عائشة قالت: صلاة الوسطى صلاة العصر (ثم قالت: سمعتها من
رسول الله ◌َّلا) يحتمل أنها سمعت من رسول الله وهل كونها قرآناً، فعلى هذا لم
تسمع نسخها، وقد نسخت.
(١) انظر: ((التمهيد)) (٢٨٠/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٤٥/١).
٩٠
-----
-
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٥) حديث
٢٦/٣٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ رَافِع؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ مُصْحَفاً
أخرج مسلم عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية: (حافظوا على
الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت: ﴿حَفِظُواْ
عَلَى الصََّلَوَتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ الحديث، ويحتمل أن عائشة سمعتها على وجه
التفسير، ويؤيده الجمع بين الصلاة الوسطى وصلاة العصر، فأرادت إثباتها فيه
على وجه التفسير، كما أشار إليه الباجي وغيره، وحديث أم حميد عن عائشة
يؤيد الأول.
قال السيوطي: أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي داود في
(المصاحف))، وابن المنذر عن أم حميد: أنها سألت عائشة عن الصلاة
الوسطى؟ فقالت: كنا نقرأها في الحرف الأول على عهد النبي وَلّ: ((حافظوا
على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر)) الحديث.
٢٦/٣٠٥ - (مالك، عن زيد بن أسلم، عن عمرو) بفتح العين (ابن رافع)
العدوي مولاهم المدني مقبول. قال الحافظ في ((تهذيبه)) (١): عمرو بن رافع
مولى عمر، قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة، الحديث. ذكره ابن حبان في
((الثقات))، وأخرج الطحاوي بسنده عنه: أنه كان يكتب المصاحف على عهد
أزواج النبي ◌َّ، قال: استكتبتني حفصة، الحديث. قال السيوطي في
(الإسعاف))(٢): ليس له رواية في الستة ولا في ((مسند أحمد)).
قلت: لكن أخرج حديثه هذا أبو عبيد وعبد بن حميد وأبو يعلى
وابن جرير وابن الأنباري في ((المصاحف)) والبيهقي في ((سننه))، قاله السيوطي
في ((التفسير)). وأخرجه أيضاً الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (أنه قال: كنت
أكتب مصحفاً) قبل أن يجمعها عثمان - رضي الله عنه - كما تدل عليه الروايات
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٣٢/٨).
(٢) (ص١٩٦).
٩١
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٥) حدیث
لِحَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هُذِهِ الْآيَةَ فَاذِنِّي: ﴿حَفِظُواْ
عَلَى الضَلَوَتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾ فَلَمَّا بَلَغْتُهَا، آذَنْتُهَا .
فَأَمْلَتْ عَلَيَّ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَلَوْةِ الْوُسْطَى وصلوة العصر
وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾
٠
الآتية عن ((الدر المنثور)) (لحفصة أمّ المؤمنين) زوج النبي ◌ّ﴾، وكان يكتب
المصاحف على عهد أزواج النبي ◌ّ كما تقدم عن رواية الطحاوي (فقالت:
إذا بلغت هذه الآية) الآتية (فآذِنِّي) بالمد، أي أخبرني (﴿حَفِظُواْ عَلَى القَلَوَاتِ
وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلِتِينَ﴾ فلما بلغتها آذنتها) بالمد أخبرتها (فأملت) من
الإملاء أو من الإملال كما تقدم (عَلَيَّ) بلفظ (﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ) أي كلها
(وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى وصلاة العصر) بالواو، وروي بحذفها، وأياً ما كان فهي
تفسير للصلاة الوسطى لما قد روي عنها، وهي صلاة العصر، والروايات تفسر
بعضها بعضاً (وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾).
قال الزرقاني(١): روى مالك حديث حفصة موقوفاً، ورواه هشام بن
سعد عن زيد بن أسلم عن عمر، فذكره وزاد عن حفصة: هكذا سمعت من
رسول الله ، أخرجه ابن عبد البر، وروى إسماعيل بن إسحاق وابن المنذر
من طريق عبيد الله عن نافع: أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفاً،
فذكر مثله، وزاد: أنها قالت: سمعتُ رسول الله مَّ يقولها، قال نافع:
فقرأتُ ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو، قال أبو عمر: إسناده صحيح،
انتھی .
٠ ٠ ..
۔
وقال السيوطي في ((الدر)): أخرج عبد الرزاق والبخاري في ((تاريخه))
وابن جرير وابن أبي داود في ((المصاحف)) عن أبي رافع مولى حفصة قال:
استكتبتني حفصة مصحفاً، فقالت: إذا أتيت على هذه الآية، فتعال حتى أمليها
(١) (٢٨٤/١).
٩٢
--------
--
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٥) حدیث
عليك كما أقرئتها، فلما أتيت على هذه الآية قالت: اكتب: ﴿حَفِظُواْ عَلَى
الصَلَوَتِ وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ وصلاة العصر، فلقيت أبيّ بن كعب فقلت له:
فقال: هو كما قالت، أو ليس أشغل ما نكون عند صلاة الظهر (١) في عملنا
ونواضحنا(٢)، وأخرج مالك وأبو عبيد بن حميد، وأبو يعلى وابن جرير
وابن الأنباري في ((المصاحف))(٣)، والبيهقي عن عمرو بن رافع قال: كنت
أكتب مصحفاً لحفصة، الحديث. وفي آخره قالت: أشهد أني سمعتها من
رسول الله {آل﴾.
وأخرج ابن الأنباري في ((المصاحف)) من طريق سليمان بن أرقم عن
الحسن وابن سيرين وابن شهاب الزهري، وكان الزهري أشبعهم حديثاً، قالوا:
لما أسرع القتل في قُرَّاء القرآن يوم اليمامة، قتل معهم يومئذ أربعمائة رجل،
لقي زيد بن ثابت عمر بن الخطاب، فقال له: إن هذا القرآن هو الجامع لديننا،
فإن ذهب القرآن ذهب ديننا، وقد عزمت على أن أجمع القرآن في كتاب، فقال
له: انتظر حتى نسأل أبا بكر، فأخبراه بذلك، فقال: لا تعجل حتى أشاور
المسلمين، ثم قام خطيباً في الناس فأخبرهم بذلك فقالوا: أصبتَ، فجمعوا
القرآن، وأمر أبو بكر منادياً فنادى في الناس: من كان عنده من القرآن شيءٌ
فليجئ به. قالت حفصة: إذا انتهيتم إلى هذه الآية، فأخبروني ﴿حَفِظُواْ عَلَى
اُلْضَلَوَتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغوا إليها قالت: ((اكتبوا: والصلاة الوسطى
وهي صلاة العصر)) فقال لها عمر: ألك بهذا بينة؟ قالت: لا، قال: فوالله لا
ندخل في القرآن ما تشهد به امرأة بلا إقامة بينة، الحديث.
وأخرج ابن جرير والطحاوي والبيهقي عن عمرو بن رافع، قال: كان
(١) كذا في الأصل والصواب على الظاهر بدله العصر. اهـ ز.
(٢) قوله: نواضحنا: أي الإبل التي تحمل الماء لنا .
(٣) انظر: ((كتاب المصاحف)) لأبي داود السجستاني (ص٩٧) و((تفسير الطبري)) (٥٧٩/٢).
٩٣
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٥) حديث
مكتوباً في مصحف حفصة: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ وهي
صلاة العصر ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلِتِينَ﴾. وأخرج ابن جرير والبيهقي وابن المنذر
وغيرهم من طريق نافع عن حفصة: أنها قالت لكاتب مصحفها :....
الحديث، وفي آخره قالت: اكتب، فإني سمعت رسول الله وَله يقرأ: ﴿حَفِظُواْ
عَلَى الضَلَوَتِ وَالضَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ وهي صلاة العصر. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة
وغيرهما عن سالم أن حفصة قالت: ((الوسطى صلاة العصر)).
ثم العجب كل العجب من الحافظ (١) وتبعه الزرقاني إذا قالا: حديث
عائشة وحفصة من حجج من قال: إنها غير العصر، لأن العطف يقتضي
المغايرة فتكون العصر غير الوسطى، وأنت خبير بأنه تقدم في رواية كلتيهما من
لفظ: وهي صلاة العصر، فلا أدري كيف صار الحديثان حجة لمن قال بغير
العصر؟ بل هما حجتان لمن قال: هي العصر.
قلت: وهذا أحد الأقوال الثلاثة الشهيرة التي تقدمت الإشارة إليها،
وممن نقل عنه هذا المذهب: علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبو أيوب
وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعبيدة السلماني والحسن
البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وأبو حنيفة وأحمد
وداود وابن المنذر وغيرهم، قال الترمذي(٢): هو قول أكثر العلماء من الصحابة
فمن بعدهم، وقال الماوردي من الشافعية: هذا مذهب الشافعي لصحة
الأحاديث فيه، قاله النووي(٣) .
قال الحافظان ابن حجر والعيني: الجمهور على أنها العصر، وبه قال
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٩٨/٨).
(٢) ((جامع الترمذي)) (٣٤٢/١).
(٣) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٢٨/٥).
٩٤
--
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
ابن مسعود، وهو الصحيح من مذهب أبي حنيفة، وهو قول أحمد والذي صار
إليه معظم الشافعية، وقال النووي: هو قول أكثر علماء الصحابة، وقال
الماوردي: هو قول جمهور التابعين، وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهل
الأثر، وبه قال من المالكية ابن حبيب وابن العربي وابن عطية، اهـ.
قلت: لكن ابن العربي رجح في (شرح الترمذي)) قول الإبهام، وزاد
الشوكاني(١) على بعض المذكورين أَبيّ بن كعب وسمرة بن جندب وعبد الله بن
عمرو بن العاص وعائشة وحفصة وأم سلمة، وآثار هؤلاء الصحابة حجة قوية
في أنها العصر، وقد ورد مرفوعاً نصاً في عدة روايات بما لا يتطرق فيها
الاحتمال، منها حديث ابن مسعود، قال: حبس المشركون رسول الله وَل عن
صلاة العصر حتى احمرّت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله وَله: ((شغلونا
عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً)) رواه أحمد
ومسلم وابن ماجه وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله وَل: ((صلاة
الوسطى صلاة العصر)) رواه الترمذي(٢)، وقال: حسن صحيح، وأخرجه ابن
أبي شيبة وابن حبان من طرق، وعن سمرة بن جندب عن النبي ◌َّ أنه قال:
((الصلاة الوسطى صلاة العصر)) رواه أحمد وابن جرير والطبراني وابن أبي شيبة
والبيهقي والترمذي وغيرهم، وفي رواية لأحمد وابن جرير والطبراني: أن
النبي ول﴾ قال: ((حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)) وسماها لنا أنها
صلاة العصر كذا في ((المنتقى)) و ((الدر)).
قال السيوطي: وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير
(١) (نيل الأوطار)) (١ /٤٤٨).
(٢) ((سنن الترمذي)) (١٨١).
٩٥
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٦) حديث
٢٧/٣٠٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنِ
ابْنِ يَرْبُوعِ الْمَخْزُومِيِّ؛
وابن أبي داود في ((المصاحف)) وابن المنذر عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة
أنها أمرته أن يكتب لها مصحفاً، فلما بلغت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَّلَوةِ
اُلْوُسْطَى﴾ قالت: اكتب ﴿حَفِظُواْ عَلَى الضَلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ وصلاة العصر،
وسيأتي عن علي - رضي الله عنه - مفصلاً أنه كان يرى أنها الصبح حتى سمع
رسول الله ◌َ﴾ يوم الأحزاب.
وأخرج الدمياطي في كتاب ((الصلاة الوسطى)) عن الحسن البصري عن
علي عن النبي وَّل﴾ قال: ((صلاة الوسطى صلاة العصر))، وأخرج ابن منده عن
ابن عمر عن النبي ◌َّ: ((الموتور أهله وماله من وتر صلاة الوسطى في جماعة
وهي صلاة العصر))، وأخرج ابن جرير والبيهقي من طريق أبي صالح وهو
ميزان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((الصلاة الوسطى صلاة
العصر)) .
وأخرج ابن جرير والطبراني عن أبي مالك الأشعري، قال: قال
رسول الله : ((الصلاة الوسطى صلاة العصر))، وأخرج ابن أبي شيبة عن
الحسن: أن رسول الله وَ﴾ قال: ((صلاة الوسطى صلاة العصر))، وأخرج عبد بن
حميد والطحاوي من طرق أبي قلابة قال: كانت في مصحف أُبيّ بن كعب
﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾ وهي صلاة العصر، والآثار والروايات
في ذلك أكثر من أن تُحصر، ذكر أكثرها السيوطي في ((الدر المنثور)) فارجع
إليه، وما ذكرنا يكفي للترجيح على الأقوال الآتية.
٢٧/٣٠٦ - (مالك، عن داود بن الحصين) بمهملتين مصغراً (عن
ابن يربوع) كذا في النسخ، وفي نسخة محمد ((أبي يربوع)) والظاهر الأول، لأن
كنيته على ما في كتب الرجال أبو محمد (المخزومي) قال الزرقاني(١): هو
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٥/١).
٩٦
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٦) حديث
أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: الصَّلاةُ الْوُسْطَى صَلاةُ
الْغُّلَهْرِ .
عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع منسوب إلى جده، تابعي ثقة، وقيل: يربوع
أبوه، والصواب أنه جده، قاله الدارقطني، اهـ.
قلت: وعبد الرحمن بن يربوع المخزومي رجل آخر في الرواة، روى عن
أبي بكر - رضي الله عنه - في الحج. (أنه قال: سمعت زيد بن ثابت يقول:
الصلاة الوسطى صلاة الظهر) استدل عليه بنزول الآية إذ ذاك، أخرج أبو داود(١)
وغيره عن زيد بن ثابت قال: كان النبي ◌ّ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم تكن
صلاة أشد على أصحاب رسول الله وَّ منها، فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾
الآية، وزاد الطيالسي في روايته فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان،
والناس في قائلتهم وفي تجارتهم الحديث، قاله الزرقاني.
قلت: وذكر السيوطي في ((تفسيره)) بطرق عديدة عن زيد بن ثابت أنه
قال: هي صلاة الظهر، وكذلك روي عن أسامة بن زيد.
قال الشوكاني: والأثران استدل بهما من قال: إن الصلاة الوسطى هي
الظهر، وأنت خبير بأن مجرد كون صلاة كانت شديدة على الصحابة لا
يستلزم أن تكون الآية نازلة فيها، غاية ما في ذلك أن المناسب أن تكون
الوسطى هي الظهر، ومثل هذا لا يعارض تلك النصوص الصحيحة الصريحة
الثابتة في ((الصحيحين)) وغيرهما من طرق متعددة تقدم جملة منها، وعلى
فرض أن قول هذين الصحابيين تصريح ببيان سبب النزول، لا إبداء مناسبة،
فلا يشك من له أدنى إلمام بعلوم الاستدلال أن ذلك لا ينتهض لمعارضة
ما سلف، اهـ.
قلت: وهذا القول الثاني من الأقوال الثلاثة الشهيرة التي تقدم ذكرها،
(١) أخرجه أبو داود برقم (٤١١) باب في وقت صلاة العصر من كتاب الصلاة.
٩٧
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٧) حديث
٢٨/٣٠٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنِ
أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، كَانَا يَقُولانِ: الصَّلاةُ الْوُسْطَى
صَلاةُ الصُّبْحِ.
وكذا جاء عن أبي سعيد وعائشة: أنها الظهر، أخرجه ابن المنذر، وهو رواية
عن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -، قال الشوكاني(١): ونقله ابن المنذر
عن عبد الله بن شداد، وقال السيوطي: أخرج البيهقي(٢) وابن عساكر من طريق
سعيد بن المسيب أنه كان قاعداً وعروة بن الزبير وإبراهيم بن طلحة، فقال
ابن المسيب: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: ((صلاة الوسطى هي صلاة
الظهر)) قال: فمر علينا ابن عمر، فقال عروة: أرسلوا إلى ابن عمر - رضي الله
عنه - فاسألوه، فأرسلنا إليه غلاماً فسأله، ثم جاء الرسول فقال: هي صلاة
الظهر، فشككنا في قول الغلام، فقمنا جميعاً، فذهبنا إلى ابن عمر، فسألناه،
فقال: هي صلاة الظهر، وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عمر،
قال: ((صلاة الوسطى صلاة الظهر)).
٢٨/٣٠٧ - (مالك، أنه بلغه) هكذا أخرجه البيهقي عن مالك بلاغاً قال
ابن التركماني(٣): وفي ((التمهيد)) روي من حديث حسين بن عبد الله بن ضمرة عن
أبيه عن جده عن علي، قال: ((هي صلاة الصبح))، وحسين هذا متروك الحديث،
ولا يصح حديثه، وقال قوم: ما أرسله مالك في ((موطئه)) عن علي: ((أنها الصبح))
أخذه من حديث ابن ضمرة، لأنه لا يوجد عن علي إلا من حديثه، اهـ.
قلت: إن لم يجدوه عن غيره، فلا حجة فيه، أنه لم يجده مالك أيضاً،
وبلاغاته معتبرة (أن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس كانا يقولان:
الصلاة الوسطى صلاة الصبح) أما علي - رضي الله عنه - فقال الحافظ في
(١) (نيل الأوطار)) (٤٤٨/١).
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٥٨/١).
(٣) انظر: ((الجوهر النقي)) على هامش ((السنن الكبرى)) (٤٦١/١).
٩٨
۔۔
---
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٧) حديث
((الفتح)) (١): المعروف عنه خلافه، وقال الزرقاني: المعروف عنه أنها العصر.
. .
قلت: كان علي - رضي الله عنه - يقول أولاً: إنها الصبح، ثم رجع عنه،
قال السيوطي: أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد
والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير
وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن زرّ، قال: قلت لعبيدة: سل علياً
- رضي الله عنه - عن الصلاة الوسطى؟ فسأله، فقال: كنا نراها الفجر، حتى
سمعت رسول الله ◌َ# يقول يوم الأحزاب: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة
العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً))، وزاد في طريق آخر: ((فعرفنا يومئذ
أنها الصلاة الوسطى)). وأخرج عبد الرزاق عن علي قال: ((هي العصر))،
وأخرج الدمياطي في كتاب ((الصلاة الوسطى)) من طريق الحسن البصري عن
علي مرفوعاً: صلاة الوسطى صلاة العصر.
وأخرج وكيع وسفيان وسعيد بن منصور ومسدد في ((مسنده)) وابن أبي شيبة
وابن جرير والبيهقي في ((الشعب)) من طرق عن علي بن أبي طالب قال: ((صلاة
الوسطى صلاة العصر التي فرط فيها سليمان حتى توارت بالحجاب)) هذا، وقد
أخرج ابن المنذر من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن حسين عن علي بن
أبي طالب، قال: ((الصلاة الوسطى هي الظهر)) لكن الروايات التي رويت في
العصر أكثر من الكل.
وأما ابن عباس - رضي الله عنهما - فاختلفت الروايات عنه أيضاً فروى
ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس قال: ((صلاة الوسطى المغرب)) وروى
ابن جرير بسنده عن أبي رجاء العطاردي قال: ((صليت خلف ابن عباس
الصبح، فقنت فيها ورفع يديه))، ثم قال: ((هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن
(١) ((فتح الباري)) (١٩٦/٨).
٩٩
٨ - كتاب صلاة الجماعة
(٨) باب
(٣٠٧) حديث
قال يَحْيَىُ: قَالَ مَالِكٌ: وَقَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسِ أَحَبُّ مَا
سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذُلِكَ.
نقوم فيها قانتين))، وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق عكرمة عن
ابن عباس أنه كان يقول: ((الصلاة الوسطى صلاة الصبح، تصلى في سواد من
الليل وبياض من النهار، وهي أكثر الصلوات تفوت الناس))، وأخرج ابن
أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود والبيهقي في ((سننه)) من
طريق عمير بن مريم: أنه سمع ابن عباس قرأ هذا الحرف: (حافظوا على
الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر).
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال:
خرج رسول الله وَّ في غزوة له، فحبسه المشركون عن صلاة العصر حتى
أمسى بها فقال: ((اللهم املأ بيوتهم وأجوافهم ناراً كما حبسونا عن الصلاة
الوسطى))، وأخرج الطبراني عن ابن عباس: أن رسول الله وَّ نسي الظهر
والعصر يوم الأحزاب فذكر بعد المغرب، فقال: ((اللهم من حبسنا عن الصلاة
الوسطى فاملأ بيوتهم ناراً))، وأخرج البزار بسند صحيح عن ابن عباس أن
النبي وَلّ قال: ((صلاة الوسطى صلاة العصر))، وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد
والبخاري في ((تاريخه)) وابن جرير والطحاوي من طريق رزين بن عبيد: أنه
سمع ابن عباس يقرأنا: (والصلاة الوسطى صلاة العصر)، وأخرج وكيع
وسفيان وابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال: الصلاة الوسطى
صلاة العصر.
(قال يحيى: قال) الإمام (مالك:) - رضي الله عنه - (وقول علي بن
أبي طالب وعبد الله بن عباس) المذكور من أنها الصبح (أحب ما سمعت) من
الأقوال (إليّ) متعلق بأحب (في ذلك) يتعلق بسمعت وبه قال أُبيّ بن كعب
وأنس وجابر، قاله الزرقاني(١). قلت: وهذا هو القول الثالث من الأقوال
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٦/١).
١٠٠
-- --
..