النص المفهرس
صفحات 61-80
٨ - كتاب صلاة الجماعة (٥) باب (٢٩٦) حديث وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذا صَلَّى جَالِساً، فَصَلُّوا جُلُّوساً)). أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٥١ - باب إنما جعل الإمام، لیؤتم به . ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ١٩ - باب ائتمام المأموم بالإمام حديث ٨٢. ركعت تدركوني به إذا رفعت))، أخرجه أبو داود(١) وغيره، وكذلك في حديث البراء (٢): كنا نصلي مع النبي وَلّ فلا يحنو أحد منا ظهره حتى يرى النبي وَّل يضع، أخرجه أيضاً أبو داود وغيره (وإذا رفع) رأسه من الركوع (فارفعوا) زاد في رواية عبدة عن هشام عند البخاري: ((فإذا سجد فاسجدوا)) (وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً) أي جالسين حال كما تقدم. واستدل بالحديثين من قال: يجلس المأموم اقتداء بالإمام وإن لم يكن معذوراً، والجمهور على خلاف ذلك كما تقدم في بيان المذاهب(٣)، وسيأتي مستدلهم في ذلك. وقال العيني (٤): احتج به أحمد وإسحاق وابن حزم والأوزاعي ونفر من أهل الحديث: أن الإمام إذا صلى قاعداً يصلي من خلفه قعوداً، وقال مالك: لا يجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد، لا قائماً ولا قاعداً، وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأبو ثور وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلا قائماً. والجواب عن الحديث من وجوهٍ؛ الأول: أنه منسوخ، وناسخه صلاة النبي ◌ّ في مرض موته قاعداً، وهم قيام، وسيأتي في الحديث الآتي. (١) أخرجه أبو داود برقم (٦١٩) ((باب ما لا يؤمر به المأموم من اتباع الإمام)). (٢) أخرجه أبو داود برقم (٦٢٠). (٣) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤٩١/١). (٤) ((عمدة القاري)) (٣٣٢/٣). ٦١ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٥) باب (٢٩٧) حديث ١٨/٢٩٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل﴿ه خَرَجَ فِي مَرَضِهِ، فَأَتَى، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، الثاني: أنه كان مخصوصاً بالنبي ◌َّ، وفيه نظر لأن الأصل عدم التخصيص حتى يدل عليه دليل كما عرف في الأصول. الثالث: يحمل قوله: إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً، على أنه إذا كان الإمام في حالة الجلوس فاجلسوا ولا تخالفوه بالقيام، وكذلك إذا صلى قائماً فصلوا قياماً، يعني إذا كان في حالة القيام فقوموا ولا تخالفوه بالقعود كما في قوله: ((إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا) وفيه بُعْدٌ. ١٨/٢٩٧ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) لم تختلف رواة ((الموطأ)) في إرساله، وقد أسنده البخاري ومسلم وغيرهما من طريق ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة، قلت: وسيأتي عند المصنف أيضاً أول هذا الحديث بهذا السند متصلاً في ((جامع الصلاة)) (أن رسول الله وَل خرج) من بيته (في مرضه) الذي توفي فيه بعد أن وجد في مرضه نوعاً من الخفة (فأتى) زاد في أكثر النسخ (المسجد) يهادى بين اثنين، وفي ((الصحيحين)) عن عائشة: أنه وَّ وجد من نفسه خِفَّة فخرج بين رجلين، أحدهما العباس لصلاة الظهر، قلت: وسيأتي الكلام على تعيين الصلاة (فوجد أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس) امتثالاً لأمره الشريف، واستدل بهذا الحديث على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاته بهم قاعداً، لأنه ◌َ # استخلف أبا بكر ولم يصل بهم قاعداً غير مرة واحدة، قاله الحافظ(١). واختلف في تلك الصلاة التي كان يصليها أبو بكر - رضي الله عنه -، وقد تقدم في رواية البخاري أنها الظهر، قال الحافظ: فصرح في الرواية (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٧٥/٢) و((عمدة القاري)) (٣٠١/٤). ٦٢ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٥) باب (٢٩٧) حديث فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ، المذكورة بالظهر، وزعم بعضهم أنها الصبح، لرواية ابن ماجه بسند حسن، عن ابن عباس: وأخذ رسول الله وَلّر القراءة من حيث بلغ أبو بكر، وفيه نظر الاحتمال أنه وَ﴾ سمع لما قرب من أبي بكر الآية التي كان يقرأ، وقد كان عليه السلام يسمع الآية أحياناً كما ورد. قلت: ويحتمل أن يكون محمل حديث ابن عباس صلاة أخرى، غير الصلاة التي في حديث الباب، وجزم الإمام الشافعي بأنه رقّ لم يصل بالناس في مرض موته بالمسجد إلا مرة واحدة، وهي هذه التي صلى فيها قاعداً، وكان أبو بكر فيها إماماً ثم صار مأموماً. قلت: هذا بعمومه مشكل فإنه يَّ صلى في مرض وفاته عدة صلوات في المسجد، فقد أخرج ابن سعد بسنده، عن أبي سعيد الخدري: لم يزل رسول الله وَّل في وجعه إذا وجد خِفَّة خرج، وإذا ثقُل قال: ((مروا أبا بكر يصلي))، وأخرج نحوه عن أم سلمة، وقال الترمذي: ثبت أنه وُّ صلى خلف أبي بكر ثلاث صلوات، اللهم إلا أن يقال: إن مراد الإمام الشافعي - رضي الله عنه - بالمرض اشتداده وهو من عشية يوم الخميس، فلا شك في أنه وَل لم يخرج في هذه الأيام الثلاثة إلا للظهر مرة. ثم الصلاة في حديث الباب: الظاهر هي تلك الظهر على الظاهر. فعلى هذا يشكل ما تقدم من حديث ابن عباس: أخذ رسول الله وعليه القراءة من حيث بلغ أبو بكر، وتقدم الجواب عنه، ويحتمل أن يكون المراد في حديث الباب صلاة أخرى، وقد بسطت الكلام على هذه الروايات فيما لخصته من الروايات في مرض وفاته ﴾﴾. (فاستأخر) أي أراد أن يتأخر (أبو بكر) - رضي الله عنه - تأدباً معه وَلِّر، وفيه التأدب مع الكبير، ثم التأخر كما ثبت عن أبي بكر - رضي الله عنه - في روايات غير هذه القصة مخصوص بالنبي ◌َ﴾ لا يصح لغيره، وادعى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز ذلك لغيره. وقال بعض المالكية: تأخر ٦٣ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٥) باب (٢٩٧) حديث فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ مِ﴿ أَنْ كَمَا أَنْتَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه إِلَى جَنْبٍ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصلاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَّ: وَهُوَ جَالِسٌ، وَكَانَ النَّاسُ يُصَلَّونَ بِصَلاةِ أَبِي بَكْرٍ . أخرجه البخاري في: ١٠ - كتاب الأذان، ٤٧ - باب من قام إلى جنب الإمام لعلة. ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٢١ - باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرضٍ وسفر وغيرهما، حديث ٩٧. أبي بكر - رضي الله عنه - وتقدمه وَّله من خواصه وَّ، ولا يفعل ذلك بعده، كذا في ((حواشي البخاري)). (فأشار إليه رسول الله ولم أن كما أنت) كلمة ((أن)) بفتح الهمزة وسكون النون مفسرة، وأنت مبتدأ حذف خبره والكاف للتشبيه، أي ليكن حالك في المستقبل مشابهاً لحالك في الماضي، أو زائدة أي الذي أنت عليه وهو الإمامة، قاله الزرقاني(١). قلت: أو كما أنت عليه من محل القيام، ولفظ البخاري: فأومأ النبي وسلم صَلى الله أن مكانك، بالنصب أي الزم مكانك، وفي طريق آخر: فأومأ إليه النبي صَلى الله وسلم بأن لا يتأخر (فجلس رسول الله (وَّه إلى جنب أبي بكر) وفي رواية (الصحيحين)): حذاء أبي بكر، والأصل للإمام أن يتقدمهم إذا كانوا أكثر من واحد إلا لعارض كضِيْق المكان. وكما أنهم لو كانوا كلهم عُرَاة وغير ذلك، وهذا على طريق الأولوية وإلا فيجوز المساواة أيضاً. قال العيني(٢): استدل به على جواز مخالفة موقف الإمام للضرورة، كمن قصد أن يبلغ عنه ويلتحق به من زحف عن الصف (فكان) وفي نسخة: وكان (أبو بكر يصلي) قائماً (بصلاة رسول الله (وَ ل﴿) ويقتدي (وهو) ◌َّ (جالس وكان الناس يصلون) ويتبعون (بصلاة أبي بكر) - رضي الله عنه -، استدل به الشعبي (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٩/١). (٢) ((عمدة القاري)) (٢٦٦/٤). ٦٤ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٥) باب (٢٩٧) حديث على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض، وهو مختار الطبري، وبوّب عليه البخاري(١): ((الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم)). وثمرة هذا الاقتداء أن من أحرم قبل أن يرفع رؤوسهم الصف الذي يليه يكون مدركاً للركعة وإن رفع الإمام رأسه قبل ذلك، والجمهور على خلاف ذلك، والمعنى عندهم: أنهم كانوا يصلون بصلاة أبي بكر أي بتبليغه لهم فيتعرّفون به ما كان يفعله لضعف صوته # من أن يسمع الناس تكبير الانتقال، فالصديق الأكبر - رضي الله عنه - يُسمعهم ذلك، وفي رواية ((الصحيحين)) عن عبيد الله عنها: فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله رقم( وهو قاعد، الحديث. وما قاله الشعبي وغيره يأباه الحصر في قوله وتثير: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به))، فعلم أن شأن الإمامة منحصرة في الإمام، ولا يجوز ذلك للمأموم، واستدل بهذه الأحاديث من ذهب إلى جواز إمامة القاعد(٢) . وقال الباجي: اختلفت الآثار في صلاة النبي ◌َّر في موضعه وصلاة أبي بكر اختلافاً بيّناً، واختلف العلماء في الأحكام المتعلقة بها لاختلافها، وأخذ كل طائفة ببعض تلك الأحاديث، فروي عنه ما تقدم من أنه وَّ أَمَّ أبا بكر، وروى الأسود بن يزيد عن عائشة: أنه ◌ُّ صلى خلف أبي بكر، ورواه مسروق عن عائشة، فمن جَوَّز أن يؤمّ القاعد القائم تعلق بحديث عروة عن عائشة في ذلك، ومن منع ذلك قال: إن رواية عائشة اختلفت في ذلك، ولم تختلف رواية أنس أن أبا بكر أمَّه في تلك الصلاة فكانت أولى، والله أعلم، انتهى. (١) (صحيح البخاري)) كتاب الأذان، رقم الباب ٦٨. (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٧٩/١). ٦٥ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٥) باب (٢٩٧) حديث وقال العيني(١): اختلفت الروايات هل كان النبي ◌َّر الإمام أو أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -؟ فجماعة قالوا: الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة صريح في أن النبي ◌ّ كان الإمام إذ جلس عن يسار أبي بكر، ولقوله: ((فكان رسول الله وَله يصلي بالناس جالساً وأبو بكر قائماً يقتدي به)) وجماعة قالوا: كان أبو بكر هو الإمام لما رواه شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: ((أن النبي ◌َّ صلى خلف أبي بكر - رضي الله عنه -)) وفي رواية مسروق عنها: ((أنه وُّ صلى خلف أبي بكر - رضي الله عنه - جالساً في مرضه الذي توفي فيه)). قال البيهقي: لا تعارض في أحاديثها، فإن الصلاة التي كان فيها النبي صلى الله وسلم إماماً هي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الأحد، والتي كان فيها مأموماً هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وقال نعيم بن أبي هند: الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة، وليس فيها تعارض، فإن النبي ◌ّ صلى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد، في إحداهما كان إماماً وفي الأخرى كان مأموماً . وقال الضياء المقدسي وابن ناصر: صح وثبت أن النبي ◌َّ صلى خلفه مقتدياً به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلا جاهل لا علم له بالرواية، وقيل: إن ذلك كان مرتين جمعاً بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان. وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبي ◌َّ كان الإمام، انتهى . قال الحافظ (٢): قال أبو بكر بن العربي: لا جواب لأصحابنا عن حديث (١) ((عمدة القاري)) (٢٦٦/٤). (٢) ((فتح الباري)) (١٧٥/٢). ٦٦ --- ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٦) باب (٦) باب فضل صلاة القائم على صلاة القاعد مرض النبي ◌َّ يخلص عند السبك، واتباع السنة أولى، والتخصيص لا يثبت بالاحتمال، قال: إلا أني سمعت بعض الأشياخ [يقول]: الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبي ◌َّ والتبرك به، وعدم العوض عنه يقتضي الصلاة معه على أي حال كان، وليس ذلك لغيره، ورُدَّ بعموم قوله وَّه: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلي)). قال الحافظ في ((الفتح)): وقد أمَّ قاعداً جماعة من الصحابة بعده وَّل منهم: أُسيد بن حضير، وجابر، وقيس بن فهد، وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحة، أخرجها عبد الرزاق وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وغيرهم، بل ادَّعى ابن حبان وغيره إجماع الصحابة على صحة إمامة القاعد، انتھی . قلت: لكن هذه الآثار حجة على من ينكر إمامة القاعد مطلقاً لا على من يقول بجلوس المؤتم لجلوس الإمام، فإن هذه الآثار كما ذكرها الحافظ بعد ذلك مبسوطاً تدل على جلوس المؤتمين، نعم أوضح دليل للجمهور قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾(١) الصريح في وجوب القيام لا يمكن أن يترك إلا بمثله . (٦) باب فضل صلاة القائم على صلاة القاعد الفضل بضاد معجمة الزيادة. والمراد بها النوافل، لأن الفرائض إن أطاق القيام فيها فقعد فصلاته باطلة عند الجميع، عليه إعادتها، فكيف يكون له نصف فضل، بل هو عاص، وإن عجز عنه ففرضه الجلوس اتفاقاً لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فليس القائم بأفضل منه، لأن كلاً أدى فرضه، قاله الزرقاني (٢). (١) سورة البقرة: الآية ٢٣٨. (٢) ((شرح الزرقاني)) (١/ ٢٨٠). ٦٧ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٦) باب (٢٩٨) حديث ١٩/٢٩٨ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ مَوْلَى لِعَمْرو بْنِ الْعَاصِ، أَوْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ ١٩/٢٩٨ - (مالك عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص) الزهري أبو محمد المدني ثقة حجة، روى له الستة كما رقم عليه الحافظ في ((تهذيبه)) (١)، ولم يذكر غيره ابن ماجه، قال ابن سعد: ثقة، وله أحاديث. قال ابن المديني: لم يلقه شعبة ولا الثوري، قال عمرو بن علي، وغيره: مات سنة أربع وثلاثين ومائة (سنة ١٣٤)، وروي ما يدل على أن مولده سنة ٦٠هـ وتقدمَتْ ترجمته قبل ذلك، وإنما أعدنا ذكره لتوهم بعضهم في موته، والصواب ما قلنا (عن مولى لعمرو بن العاص أو) شك من الراوي (لعبد الله بن عمرو بن العاص) وفي رواية محمد عن مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص، بدون الشك، ولم يتعرض له الشراح ولا أصحاب المبهمات. لكن حكى الحافظ في تلامذة عبد الله بن عمرو بن العاص: أبا قابوس مولاه وأبا فراس مولى عمرو بن العاص، وقال في ترجمة أبي فراس: يزيد بن رباح مولى ابن عمرو بن العاص لقبه مشفر، روى عن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمرو وغيرهم. (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) قال ابن عبد البر: كذا اتفق الرواة كلهم عن مالك، ورواه ابن عيينة عن إسماعيل المذكور فقال: عن أنس، والقول عندهم قول مالك، والحديث محفوظ لابن عمرو (٢)، اهـ. قلت: لكن عدَّ الترمذي(٣) فيمن في الباب أنساً أيضاً، نعم رواه (١) ((تهذيب التهذيب)) (٣٢٩/١). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٨٠/١). (٣) ((سنن الترمذي)) (٢٠٨/٢). ٦٨ -- -------- ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٦) باب (٢٩٨) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ﴾ قَالَ: «صَلاةُ أَحَدِكُمْ وَهُوَ قَاعِدٌ، مِثْلُ نِصْفٍ صَلاتِهِ وَهُوَ ثَائِمٌ)) . أخرجه مسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١٦ - باب جواز النافلة قائماً وقاعداً، حديث ١٢٠. والنسائيّ في: ٢٠ - كتاب قيام الليل وتطوّع النهار، ٢٠ - باب فضل صلاة القائم على القاعد. وابن ماجه في: ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، ١٤١ - باب صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. ابن ماجه (١)، من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الله بن باباه بموحدتين بينهما ألف المكي عن عبد الله بن عمرو، والنسائي من طريق الثوري عن حبيب عن أبي موسى الحذَّاء عن عبد الله بن عمرو، ثم أخرج مسلم من طريق هلال بن يساف عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو قال: حدثت أن رسول الله وَل قال: ((صلاة الرجل قاعداً))، الحديث. وكذا أخرجه النسائي وغيره، لكن لما حكى للنبي وَ لّ ما بلغه فقال: ((أجل)) فصار الحديث متصلاً. (تنبيه) لا يذهب عليك أن بعض النسخ المصرية ليس فيها ذكر عبد الله بن عمرو بن العاص، ولفظها عن مولى لعمرو بن العاص، أو لعبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ◌َله ... الحديث. والظاهر أنه سقوط من الناسخ لاتفاق النسخ الهندية وأصحاب الشروح وبعض النسخ المصرية، فتأمل . (أن رسول الله بِّه قال: صلاة أحدكم) تنفلاً (وهو قاعد) جملة حالية (مثل نصف) أجر (صلاته وهو قائم) قال ابن عبد البر (٢): لما في القيام من المشقة (١) أخرجه ابن ماجه برقم (١٢٢٩)، والنسائي برقم (١٦٥٩). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٨٠/١) و((التعليق الممجد)) (٤٨٨/١). ٦٩ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٦) باب (٢٩٨) حديث أو لما شاء الله أن يتفضل به، وقد تقدم أن المراد منها النوافل دون الفرائض، لأن الفرض إن أطاق القيام فقعد فصلاته باطلة عند الجميع، عليه إعادتها، فكيف يكون له نصف فضل صلاة، بل هو عاص، وإن عجز عن القيام ففرضه القعود اتفاقاً ﴿لَا يُكَلِفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فليس القائم بأفضل منه، لأن کلا أدی فرضه علی وجهه، انتھی. قال سفيان الثوري في هذا الحديث: من صلى جالساً فله نصف أجر القائم هذا للصحيح ولمن ليس له عذر، وأما من كان له عذر من مرض أو غيره فصلى جالساً فله مثل أجر القائم، وقد روي في بعض الحديث مثل قول الثوري، قاله الترمذي. - - --- قال النووي في ((الخلاصة)): قال العلماء: هذا في صلاة النافلة، وأما الفرض فلا يجوز القعود فيه مع القدرة على القيام بالإجماع، فإن عجز لم ینقص ثوابه، انتهى. قال الزيلعي: يدل عليه ما أخرجه البخاري في ((الجهاد)) عن أبي موسى مرفوعاً: إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما يعمل مقيماً صحيحاً، انتهى. وحكى العيني(١) عن الترمذي: هذا الحديث محمول عند بعض أهل العلم على صلاة التطوع، قال العيني: كذلك حمله أصحابنا على النفل، حتى استدلوا به في جواز صلاة النفل قاعداً مع القدرة على القيام كما في ((الهداية)). وقال الباجي(٢): يريد أجر الصلاة؛ لأن الصلاة لا تتبعَّضُ، وهذا وإن كان عاماً لكن المراد بعض الصلاة لأن القيام ركن باتفاق، فهو فيمن صلى الفريضة غير مستطيع للقيام أو نافلة مطلقاً، وعن ابن الماجشون: أنه في المريض يستطيع القيام لكن القعود أرفق به. (١) ((عمدة القاري)) (٤٣٣/٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٤١/١). ٧٠ ٠٠ ------- .- ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٦) باب (٢٩٨) حديث قال الحافظ (١): إن أراد أنه لا يستطيع القيام إلا بمشقة فذاك وإلا فقد أبى ذلك أكثر العلماء، وحكى ابن التين وغيره عن أبي عبيد وابن الماجشون وإسماعيل القاضي وابن شعبان والإسماعيلي والداودي وغيرهم أنهم حملوا الحديث على المتنفل، قاله الزرقاني. قال الشوكاني(٢): اختلف شراح الحديث هل هو محمول على التطوع أو على الفرض في حق غير القادر؟ فحمله الخطابي على الثاني، وهو محمل ضعيف، لأن المريض المفترض الذي أتى بما يجب عليه من القعود والاضطجاع يكتب له جميع الأجر لا نصفه، قال ابن بطال: لا خلاف بين العلماء أنه لا يقال لمن لا يقدر على الشيء: لك نصف أجر القادر عليه، بل الآثار الثابتة عن النبي ◌ّ# أن من منعه الله وحبسه عن عمله بمرض أو غيره يُكْتَبُ له أجر عمله وهو صحیح، انتهى. قلت: اضطر الخطابي في حمله على المفترض لحديث عمران، كما يدل عليه تمام كلامه الذي حكاه الحافظ (٣) إذ قال: قال الخطابي: كنت تأولت هذا الحديث على أن المراد به صلاة التطوع يعني للقادر، لكن قوله: من صلى نائماً يفسده لأن المضطجع لا يصلي التطوع، كما يفعل القاعد لأني لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه رخص في ذلك، فإن صحت هذه اللفظة ولم يكن بعض الرواة أدرجها قياساً فالتطوع للقادر على القعود مضطجعاً جائز بهذا الحديث . لكن في القياس نظر، لأن القعود شكل من أشكال الصلاة بخلاف (١) ((فتح الباري)) (٥٨٥/٢). (٢) ((نيل الأوطار)) (٣٠٩/٢). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٥٨٥/٢) و((عمدة القاري)) (٤٣٢/٥). ٧١ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٦) باب (٢٩٩) حديث ٢٠/٢٩٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص؛ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةً، نَالَنَا وَبَاءٌ الاضطجاع، وقد رأيت الآن أن المراد بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم ترغيباً له في القيام مع جواز قعوده، انتهى. قال الحافظ: وهو حمل متّجه، ويؤيده صنيع البخاري حيث أدخل في الباب حديثي عائشة وأنس وهما في صلاة المفترض قطعاً، فمن صلى فرضاً قاعداً وكان يشق عليه القيام أجزأه، وكان هو ومن صلى قائماً سواء كما دل عليه حديث أنس وعائشة، فلو تحامل هذا المعذور وتكلف القيام كان أفضل لمزيد أجر تكلف القيام، فلا يمتنع أن يكون أجره على ذلك نظير أجره على أصل الصلاة، فيصح أن أجر القاعد على النصف من أجر القائم، انتهى. وبسط الكلام عليه ابن عابدين في ((حاشية البحر)) فارجع إليه لو شئت. ٢٠/٢٩٩ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) هو منقطع، كما قال ابن عبد البر وغيره، لأن الزهري ولد سنة ٥٨هـ وعبد الله بن عمرو مات بعد سنة ٦٠هـ فلم يلقه، قاله الزرقاني(١). قلت: ذكر الحافظ في ((تهذيبه))(٢) الأقوال في وفاته إلى سنة ٧٧، لكن قال في ((التقريب))(٣): مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح، وقال السيوطي في ((الإسعاف)): مات ليالي الحرة سنة ثلاث وستين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة . (أنه قال: لما قدمنا المدينة نالنا) أي أصابنا (وباء) بالمد سرعة الموت (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨١/١). (٢) ((تهذيب التهذيب)) (٣٢٤/١١). (٣) (٣٦٤/٢). ٧٢ ------ ------------- ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٦) باب (٢٩٩) حديث مِنْ وَعْكَهَا شَدِيدٌ، وكثرته، وفي ((المجمع)): هو بالقصر والمد والهمز: طاعون ومرض عام أو موت ذريع، وقيل: الهواء المتعفن (من وعكها) بفتح الواو وسكون العين. قال الباجي: هو شدة الحر من المرض. وقال ابن عبد البر: الوعك لا يكون إلا من الحمّى دون سائر الأمراض، وقال المجد: الوعك: سكون الريح وشدة الحر، وأذى الحمّى ووجعها، ومَغْثُها في البدن، وألم من شدة التعب (شديد) بالرفع صفة وباء، وهذا الوعك مشهور عند أهل السير والحديث، فإن المهاجرين أول ما قدموا المدينة وعكوا شديداً. وفي ((الخميس)) في ذكر وقائع السنة الأولى قال: وفي هذه السنة وعك أبو بكر وغيره من الصحابة، روي أن هواء المدينة كان عفناً وخماً يكون فيه الوباء، وكانت مشهورة بالوباء في الجاهلية، فإذا دخلها غريب في الجاهلية يقال له: إن أردت أن تسلم من الوعك والوباء فانهق نهق الحمار، فإذا فعل سَلِمَ، فاستوخم المهاجرون هواء المدينة ولم يوافق أمزجتهم، فمرض كثير من الغرباء وضعُفوا حتى لم يقدروا على الصلاة قياماً، وكان المنافقون والمشركون يقولون: أضناهم حُمّى يثرب، انتهى. قلت: وفي هذا الوباء وقع ما روي عند النسائي وغيره من قول أبي بكر - رضي الله عنه -: كل امرئ مصبَّحٌ في أهله، وقول بلال: ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة، قالت عائشة: فدخلت على رسول الله وَّ، فأخبرته، فقال: ((اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حباً وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها إلى مهيعة)) وهي الجحفة. فأجاب الله لنبيه دعاءه، فجعل هواءها صحيحاً موافقاً لأمزجة الغرباء، ونقل وباءها وحماها وعفونة هوائها إلى جحفة، وهي يومئذ كانت دار اليهود ولم يكن بها مسلم، يقال: كانت لا يدخلها أحد إلا حُمَّ، ولهذا عدلوا الطريق إلى رابغ. ورأى النبي ◌َّ امرأة ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فأول أن وباء المدينة نقل إليها، كذا في ((الخميس)) مختصراً. ٧٣ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٦) باب (٢٩٩) حدیث فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ يُصَلُّونَ فِي سُبْحَتِهِمْ قُعُوداً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((صَلاةُ الْقَاعِدِ مِثْلُ نِصْفِ صَلاةِ الْقَائِم)). (فخرج رسول الله (ّي على الناس وهم يصلون في سبحتهم) بضم السين المهملة وسكون الموحدة النافلة، سميت بها لاشتمالها على التسبيح من تسمية الكل باسم بعضه وخصت به دون الفريضة، قال ابن الأثير: لأن التسبيحات في الفرائض نفل، وفي النوافل يلزم أنها نوافل في مثلها، قاله الزرقاني. وفي ((المجمع)): يقال للذكر وصلاة النافلة: سبحة أيضاً، وهي من التسبيح كالسخرة من التسخير، وخصت النافلة بها وإن شاركتها الفريضة في معناها لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فالنافلة شاركتها في عدم الوجوب. وقال الباجي(١): في هذا الحديث أيضاً أن المراد عموم الصلاة الشاملة للفرض والنفل مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الآية(٢)، وقد قال ابن عباس: إن هذه الآية في الصلاة الأربع (قعوداً) يعني يصلون النوافل قاعدين (فقال رسول الله خير: صلاة القاعد) يعني صلاة النفل قاعداً مع القدرة على القيام (مثل) أجر (نصف صلاة القائم) والظاهر أن الإمام - رضي الله عنه - ذكر هذا الحديث لبيان المراد من الحديث السابق بأن المراد به النوافل لما في هذا الحديث تصريح السبحة. لكن يُشْكل على هذا الحديث أنهم كانوا معذورين لوباء الوعك، فكيف يكون أجرهم نصفاً، ويمكن أن يجاب أنهم لم يبلغوا حدَّ العذر، أو يقال بما قاله الخطابي كما تقدم مبسوطاً: بأنه يحمل على من تكلف القيام مع المشقة عليه، فيكون أجر القائم ضِعْف القاعد، فبقي أجر القاعد على النصف من القائم، ثم لم يُبين في الأحاديث صفة القعود في محل القيام، فيجلس كيف (١) ((المنتقى)) (٢٤٢/١). (٢) سورة الروم: الآية ١٧. ٧٤ -- ۔ - - ---- ----- ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٧) باب (٣٠٠) حديث (٧) باب ما جاء في صلاة القاعد في النافلة ٢١/٣٠٠ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ، عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ يشاء كما قال به الأئمة الأربعة، وسيأتي البسط في ذلك في الباب الآتي. (٧) ما جاء في صلاة القاعد في النافلة المقصود منه بيان أحكام صلاة القاعد من جواز القيام في بعض الصلاة والقعود في البعض، وكيفية القعود وغير ذلك، بخلاف الترجمة السابقة، فكان المقصود منها بيان الفرق في الأجرين فافترقا في الغرض. ٢١/٣٠٠ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن السائب بن يزيد) بن سعيد، آخر من مات من الصحابة بالمدينة (عن المطلب(١) بن أبي وداعة) بفتح الواو والدال، قال البحراني: بدال مهملة خفيفة بوزن مجاعة، انتهى. الحارث بن صبرة بمهملة ثم موحدة، قاله الزرقاني. وكذا في ((رجال الكلاباذي)) و((التقريب)). وفي ((رجال جامع الأصول)): سبيرة بضم السين المهملة وفتح الموحدة وسكون الياء المثناة التحتية، ابن سعيد بالتصغير، كما قاله الزرقاني والحافظ وغيرهما (السهمي) أبو عبد الله صحابي أسلم يوم الفتح، ونزل المدينة ومات بها، وفي ((رجال جامع الأصول)): أسلم يوم فتح مكة ثم نزل الكوفة ثم المدينة، وكان أسر أبوه يوم بدر، فجاء المطلب بفداه بأربعة آلاف درهم، وهو أول أسير فدي من أسارى بدر، انتهى. وأمه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب ابن عمه وَآل﴾. (عن حفصة زوج النبي (1) فيه من لطائف الإسناد ثلاثة صحابة يروي (١) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (١٤٠/٤) و((الإصابة)) (١٠٤/٦). ٧٥ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٧) باب (٣٠٠) حديث أَنَّها قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَيَّ صَلَّى فِي سُبْحَتِهِ قَاعِداً قَظُ، حَتَّى كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِعَام، فَكَانَ يُصَلِّي فِي سُبْحَتِهِ قَاعِداً، وَيَقْرَأْ بِالسُّورَةِ فَيُّرَتِّلُهَا ، بعضهم عن بعض (أنها قالت: ما رأيت رسول الله وَ لي- صلى في سبحة) سميت بها النافلة لما تقدم (قاعداً قط) بل كان يصلي قائماً حتى تورم قدماه، إخبار عنه وَيّر بالقيام أبداً، وسيأتي في الحديث الآتي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها لم تر رسول الله وال يصلي صلاة الليل قاعداً قط حتى أسن، الحديث. وأخرج أبو داود بسنده عن شقيق، عن عائشة، قال: قلت: كان يصلي قاعداً، قالت: حين حطمه الناس (حتى) إذا (كان قبل وفاته بعام) ودخل في السن وثقل عن القيام، وفي مسلم وغيره: بعام واحد أو اثنين بالشك، والجازم مقدم لا سيما، ومالك أثبت على غيره خصوصاً في ابن شهاب. (فكان يصلي في سبحته) أي نافلته (قاعداً) رفقاً به وإبقاءً على نفسه واستدامة لصلاته، وعلى جواز التنفل قاعداً مع القدرة على القيام إجماع العلماء كما قاله النووي، وأخرج ابن أبي شيبة عن أم سلمة قالت: ما مات وَله حتى كان أكثر صلاته وهو جالس، انتهى. (ويقرأ) وَير في الصلاة (بالسورة فيرتلها) أي يقرؤها بتمهل وترتيل امتثالاً لقوله جل قدره وعز مجده: ﴿وَرَقَّلِ الْقُرْءَانَ تَّرِيلًا﴾(١). قال الزجاج: معناه: بيِّنْه تبييناً، والتبيين لا يتم بأن يعجل في القرآن، إنما يتم بأن يتبين جميع الحروف، ويوفي حقها من الإشباع، قال: المراد أصله من قولهم: ثغر رَتَّلَ إذا كان بين الثنايا افتراق ليس بالكثير، وقال الليث: الترتيل تنسيق الشيء وثغر رَتَّل حسن التنضيد، ورتلت الكلام ترتيلاً إذا تمهلت فيه وأحسنت تأليفه، وقوله تعالى: ﴿تَرَّتِلًا﴾ تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنه مما لا بد منه للقارئ. (١) سورة المزمل: الآية ٤. ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٧) باب (٣٠١) حديث حَتَّى تَكُونَ أَْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا . أخرجه مسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١٦ - باب جواز النافلة قائماً وقاعداً، حديث ١١٨. ٣٠١/ ٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَ﴾؛ أَنَّها أَخْبَرَتُهُ: أَنَّها لَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ وَجَلْ يُصَلِّ صَلَاةَ اللَّيْلِ واعلم أنه تعالى لما أمره بصلاة الليل أمره بترتيل القرآن، حتى يتمكن الخواطر من التأمل في حقائق تلك الآيات ودقائقها. فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر عظمته وجلالته، وعند الوصول إلى الوعد والوعيد يحصل الرجاء والخوف، وحينئذ يستنير القلب بنور معرفة الله، والإسراع في القراءة يدل على عدم الوقوف على المعاني؛ لأن النفس تبتهج بذكر الأمور الإلهية الروحانية، ومن ابتهج بشيء أحب ذكره، ومن أحب شيئاً لم يمر عليه بسرعة، فظهر أن المقصود من الترتيل إنما هو حضور القلب وكمال المعرفة، كذا في ((التفسير الكبير)). (حتى تكون) أي تلك السورة المقروءة بالترتيل (أطول) باعتبار زمان القراءة (من أطول منها) إذا قرئت بلا ترتيل، يعني أن مدة قراءته لها أطول من قراءة سورة أخرى أطول من هذه السورة إذا قُرِئَتْ غير مرتلة، قالت أم سلمة وغيرها: كانت قراءته وَلثر حرفاً حرفاً. ٢٢/٣٠١ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة زوج النبي : أنها) أي عائشة (أخبرته) أي عروة (أنها لم تر رسول الله مؤ لم يصلي صلاة الليل) قيدت بصلاة الليل لتخرج الفرائض، فإنه 18ّ كان يصلي الفرائض قائماً أبداً؛ لأن القيام فيها فرض، ولأنه و ﴿ كان يخفف الفرائض. قال أنس: ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة منه وَّر، الحديث. وقد وردت الأوامر للأئمة بالتخفيف في عدة روايات، كما لا يخفى على من طالع كتب الحديث. ٧٧ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٧) باب (٣٠١) حديث قَاعِداً قَظُ، حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِداً، حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، قَامَ فَقَرَأَ نَحْواً مِنْ ثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آَيَّةً، ثُمَّ رَكَعَ. أخرجه البخاريّ في: ١٨ - كتاب تقصير الصلاة، ٢٠ - باب إذا صلّى قاعداً ثم صحّ. ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١٦ - باب جواز النافلة قائماً وقاعداً، حديث ١١١. (قاعداً قط حتى) إذا (أسنَّ) أي دخل في السن، وفي رواية للبخاري: ((حتى كبر))، وفيها إشارة إلى بيان العذر في ترك القيام (فكان يقرأ) القرآن في صلاته (قاعداً) إلى ما يشاء (حتى إذا أراد أن يركع قام) فيه إشارة إلى مواظبته على القيام وتأكده بأنه لا يجلس عما يطيقه منه، وفيه أن من لم يطق أن يقوم في جميع صلاته، جاز له أن يقوم فيما أمكنه منه، ولا خلاف نعلمه في جواز ذلك في النافلة، قاله الباجي(١). قلت: سيأتي الخلاف فيه بعد ذلك (فقرأ نحواً) أي قريباً (من ثلاثين أو أربعين آية) ولفظ أو للشك من الراوي، ويحتمل التنويع باعتبار اختلاف الأوقات، قاله الزرقاني(٢). قلت: والأوجه أنه تقريب كما هو صريح لفظ ((نحواً من ثلاثين)) (ثم ركع) وسجد ويفعل في الثانية مثل ذلك كما سيأتي. ويخالفه حديث عائشة - رضي الله عنها - بنفسها: ((أن النبي ◌َّ كان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعداً ركع وسجد وهو قاعد))، رواه الجماعة(٣) إلا البخاري، وفي بعض طرق مسلم: ((إذا افتتح الصلاة قائماً ركع قائماً، وإذا (١) انظر ((المنتقى)) (٢٤٣/١). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٨٢/١). (٣) أخرجه مسلم (٧٣٠)، وأبو داود (٩٥٥ - ٩٥٦) والترمذي (٣٧٥)، والنسائي (٢١٩/٣)، وابن ماجه (١٢٢٨). ٧٨ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٧) باب (٣٠٢) حديث ٢٣/٣٠٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ، وَعَنْ أَبِي النَّصْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ غَائِشَةَ زَوْج النَّبِيِّ نَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِلَه كَانَ يُصَلِّي جَالِساً، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌْ. فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، قَامَ فَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، افتتح الصلاة قاعداً ركع قاعداً)). قال العراقي: فيحمل على أنه كان يفعل مرة كذا ومرة كذا فكان مرة يفتتح قاعداً، ويتم قراءته قاعداً ويركع قاعداً، وكان مرة يفتتح قاعداً ويقرأ بعض قراءته، وبعضها قائماً ويركع قائماً. ((فكان)) لا يقتضي المداومة، قاله الشوكاني(١). ٢٣/٣٠٢ - (مالك، عن عبد الله بن يزيد المدني) الأعور (وعن أبي النضر) عطف على عبد الله بن يزيد، سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) التيمي قال في ((التمهيد)): لا خلاف بين رواة ((الموطأ)) أن الحديث لمالك عنهما جميعاً، ولا إشكال فيه، وسقطت الواو من عبيد الله بن يحيى عن أبيه، وهو وهم واضح لا يُعرَّج عليه ولا يلتفت إليه (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن عائشة) أمّ المؤمنين (زوج النبي ﴿): أن رسول الله بسلام كان) في آخر حياته بعدما أسن كما تقدم (يصلي) النوافل صلاة الليل أو في النهار أيضاً (جالساً) حال (فيقرأ) فيها القرآن بقدر ما يشاء (وهو جالس فإذا بقي من) ما أراد من (قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية) اكتفى بهذا التمييز عن التمييز الأول (قام فقرأ) هذه الآيات (وهو قائم) فيه إشارة إلى أن ما يقرأ جالساً كان أكثر من ذلك؛ لأن البقية لا تطلق في الأغلب إلا على الأقل، قال ابن عابدين: الأفضل أن يقوم فيقرأ شيئاً ثم يركع ليكون موافقاً للسنة، ولو لم يقرأ ولكنه استوى قائماً ثم ركع جاز وإن لم يستو قائماً وركع لا يجزيه؛ لأنه لا يكون ركوعاً قائماً ولا ركوعاً قاعداً، اهـ. (١) انظر: ((نيل الأوطار)) (٢/ ٣١١). ٧٩ ٨ - كتاب صلاة الجماعة (٧) باب (٣٠٢) حديث ثُمَّ رَكَعَ وسَجَدَ، ثُمَّ صَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذُلِكَ. أخرجه البخاريّ في: ١٨ - كتاب تقصير الصلاة، ٢٠ - باب إذا صلّى قاعداً ثم صحّ. ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١٦ - باب جواز النافلة قائماً وقاعداً، حديث ١١٢. (ثم ركع وسجد ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك) المذكور من قراءته أولاً جالساً ثم قائماً. وفيه جواز الجلوس في النافلة بعد القيام وكذا عكسه، قال القاري(١): وهذا أي جواز الركوع قائماً بعدما افتتح الصلاة جالساً جائز بالاتفاق بخلاف عكسه، وتقدم ما حكاه الباجي من الإجماع على جواز ذلك، ولا شك في أن الصورتين كلتيهما خلافيتان. أما الأولى: وهي جواز الجلوس بعد القيام. فقد قال القاري: إذا افتتح الصلاة قائماً ثم قعد يجوز عند أبي حنيفة خلافاً لهما، كذا ذكره صاحب ((الهداية))، قال ابن الهمام: لا فرق بين أن يقعد في الركعة الأولى أو الثانية . وأما الثانية: وهي جواز القيام بعد الجلوس، فقد قال الطحاوي: ذهب قوم إلى كراهة الركوع قائماً لمن افتتح الصلاة قاعداً، واحتجوا بحديث عائشة قالت: ((كان رسول الله وَلّ يكبر للصلاة قائماً وقاعداً فإذا صلى قائماً ركع قائماً، وإذا صلى قاعداً ركع قاعداً))، وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا به بأساً، واحتجوا برواية الباب، وهذا أولى من الحديث الأول؛ لأن صبره على القعود حتى يركع قاعداً لا يدل ذلك على أنه ليس له أن يقوم ويركع قائماً، وقيامه من قعوده حتى يركع قائماً يدل على أن له أن يركع قائماً بعدما افتتح قاعداً، فلهذا جعلنا هذا الحديث أولى مما قبله، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله تعالى -، انتهى. قلت: وهذا هو قول الجمهور، بل لا خلاف بين الجمهور في (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٧/٣). ٨٠ -----------