النص المفهرس
صفحات 641-660
٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٢) حديث
٠
ب۔
:
الوتر ما بين صلاة العشاء ولو مع جمع وطلوع الفجر، فمن صلاه قبل العشاء
لم تصح، ومن صلاه بعد الفجر كان قضاء، اهـ. فهذا تصريح أن المؤدى بعد
طلوع الفجر عندهم قضاء، فما حكاه القرطبي يكون وجهاً عندهم كالشافعية.
وأما عندنا الحنفية فما في ((الهداية)): وأول وقت الوتر بعد العشاء وآخره
ما لم يطلع الفجر، هذا عندهما، وعند أبي حنيفة: وقته وقت العشاء إلا أنه لا
يقدم عليه عند التذكير للترتيب، اهـ.
قال في ((البدائع)): وهذا بناء على أن الوتر واجب عند أبي حنيفة،
وعندهما سنة، وهذا أصل الوقت، والوقت المستحب آخر الليل، اهـ.
ومستدل الجمهور في ذلك حديث خارجة مرفوعاً: ((لقد أمَدَّكم الله
بصلاة)) الحديث، وفيه الوتر فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وهو مروي
عن جماعة من الصحابة، بسط الكلام على تخريجه في المطولات، وتقدم نبذ
منه في وجوب الوتر، وحديث عائشة: ((من كل الليل أوتر رسول الله وَال
وانتهى وتره إلى السحر)) رواه الستة وغيرهم، وحديث أبي سعيد مرفوعاً:
((أوتروا قبل أن تصبحوا)) رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود، وعن جابر
مرفوعاً: ((أيكم خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر أوَّله)) الحديث، رواه مسلم
والترمذي وأحمد وابن ماجه.
وتقدم حديث أبي قتادة: قال ◌َلّ لأبي بكر: ((أخذ هذا بالحزم))، وروي
بمعناه عن أبي هريرة عند البزار والطبراني في «الأوسط))، وروي نحوه عن
ابن عمر وعقبة بن عامر كما تقدم قريباً، وحديث علي عند ابن ماجه بلفظ:
((من كل الليل أوتر رسول الله مَّ وانتهى وتره إلى السحر))، قال العراقي:
وإسناده جيد.
وتقدم في إيجاب الوتر حديث ابن عمر مرفوعاً بلفظ: ((بادروا الصبح
بالوتر))، وله حديث آخر عند الترمذي مرفوعاً بلفظ: ((إذا طلع الفجر فقد ذهب
٦٤١
٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٣) حديث
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب: فَأَمَّا أَنَا، فَإِذَا جِئْتُ فِرَاشِي، أَوْتَرْتُ.
١٧/٢٦٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّه بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الْوِتْرِ، أَوَاجِبٌ هُوَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ:
قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه، وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ،
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ: قد أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ مَله، وَأَوْتَرَ
الْمُسْلِمُونَ .
كل صلاة الليل، والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر)) وغير ذلك من الروايات
الكثيرة، قال ابن رشد في ((البداية)): لا خلاف بين أهل الأصول أن ما بعد
((إلى)) بخلاف ما قبلها إذا كانت غاية، انتهى.
(قال سعيد بن المسيب: أما أنا فإذا) أردت النوم و(جئت فراشي) لأنام
(أوترت) قبل ذلك، كفعل الصديق الأكبر اتباعاً لفعله أو أخذاً بالحزم.
١٧/٢٦٣ - (مالك أنه بلغه) وتقدم الكلام على بلاغات مالك (أن رجلاً)
اسمه ربيعة بن دهوري كما في ((التلقيح)) (سأل عبد الله بن عمر عن الوتر أواجب
هو؟) أو سنة؟ (فقال عبد الله بن عمر) في جوابه (قد أوتر رسول الله وَل، وأوتر
المسلمون) اكتفى بالدليل عن المدلول، فكأنه قال: واجب بدليل مواظبته بَلآ،
وإجماع أهل الإسلام، قاله القاري. قال الراوي (فجعل الرجل) السائل (يُرَدِّدُ
عليه) ويكرر السؤال، ويطلب الجواب الصريح ولم يكتف بالتلميح (وعبد الله
بن عمر) يُرَدِّدُ جوابه و (يقول) في كل مرة (قد أوتر رسول الله وَل وأوتر
المسلمون) .
قال الباجي: يحتمل أن عبد الله بن عمر قد علم أنه غير واجب(١) ولم ير
الرجل أهلاً لهذا المقدار من العلم، وكان يخبره بما هو يحتاج إليه من أنه وَّ
أوتر وأوتر المسلمون بعده، وطوى عنه ما لا يحتاج هو إليه، ويحتمل أن
(١) قلت: وكذلك إذا علم ابن عمر أنه واجب، ولم ير الرجل أهلاً لذلك كما ترى، ز.
٦٤٢
٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٤) حديث
١٨/٢٦٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ
النَّب ◌َيَّةِ، كَانَت تَقُولُ: مَنْ خَشِيَ أَنْ يَنَامَ حَتَّى يُصْبِحَ،
ابن عمر لم يتبين له حكم ما سأله عنه فأجاب بما كان، وترك ما أشكل
عليه، اهـ.
قلت: ويحتمل أن ابن عمر كان يعرف أنه واجب، وعَبّر بهذا السياق لأنه
دليل على الوجوب كما تقدم عن القاري، قال ابن عبد الملك: خشي ابن عمر
إن قال: واجب، يظن السائل وجوب الفرائض، وإن قال: غير واجب يتهاون
به ويتركه، وقال القاري(١): وتورع في الخطاب، ولم يصرح بالجواب لعدم
سماعه منه عليه الصلاة والسلام شيئاً في ذلك، وهذا الطريق هو الأحوط،
وهو مختار الصوفية حيث يواظبون على الفعل الثابت، ولا يبحثون عن كونه
فرضاً أو ندباً .
قال الطيبي(٢): وتلخيص الجواب أن لا أقطع القول بوجوبه ولا بعدم
وجوبه، لأني إذا نظرت إلى أن رسول الله مَّ﴾ وأصحابه واظبوا على ذلك
ذهبت إلى الوجوب، وإذا فتشت نصاً دالاً عليه نكصت عنه، أي رجعت،
أقول: اخترنا الشق الأول، وقلنا بالوجوب، ولو وجدنا دليلاً قاطعاً، حكمنا
بالفرضية، وأيضاً لم يكن دأبه ◌َ ﴿ أن يقول: هذا الحكم فرض أو واجب أو
سنة، والحكمة في ذلك أن يكون اختلاف الأمة رحمة، لكن المعتمد عند
الأصوليين أن مواظبته مَ ﴾، لا سيما مع مواظبة أصحابه والتابعين دليل على
الوجوب، اهـ
١٨/٢٦٤ - (مالك أنه بلغه أن عائشة) أمّ المؤمنين (زوج النبي ◌َ﴾ كانت
تقول: من خشي) وخاف (أن ينام حتى يصبح) أي يدخل في الصباح بطلوع
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٦/٣).
(٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (١٥٤/٣).
٦٤٣
٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٥) حديث
فَلْيُونِرْ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، وَمَنْ رَجَا أَنْ يَسْتَيْقِظَ آخِرَ اللَّيْلِ، فَلْيُؤَخِّرْ وِتْرَهُ.
١٩/٢٦٥ - وحدّتني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ
مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ. والسَّمَاءُ مُغِيمَةٌ،
الفجر الثاني في حالة النوم (فليوتر قبل أن ينام) حتى لا يفوت عنه الوقت
الاختياري للوتر عند المالكية، وتمام الوقت عندنا الحنفية، والجمهور كما تقدم
مبسوطاً في وقت الوتر (ومن رجا) أي غلب على ظنه لعادته أو لأمر آخر (أن
يستيقظ في آخر الليل فليؤخر وتره) إلى آخر الليل، فإن ذلك أفضل، قال اَل:
((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)).
وتقدم قريباً عن جابر قال وهيلر: ((من طمع منكم أن يقوم آخر الليل فليوتر
من آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل، ومن خاف منكم أن لا
يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله))، وعن عائشة قالت: من كل الليل أوتر
رسول الله ◌َّل، وانتهى وتره إلى السحر. وروي نحو ذلك عن علي عند
ابن ماجه .
١٩/٢٦٥ - (مالك عن نافع أنه قال: كنت مع عبد الله بن عمر) ذات ليلة
(ب) طريق (مكة والسماء مغيمة) أي محيط بها السحاب، واختلف شراح الحديث
في ضبط هذا اللفظ كثيراً جداً، وفي هامش ((المجتبائية)) عن ((المحلى)): على
زنة المفعول أو الفاعل من التغييم، أو بكسر الغين وسكون الياء من الإغامة،
قال عياض: كذا ضبطناه في ((الموطأ)) عن شيوخنا، وكله صحيح، اهـ.
وفي ((المشكاة) عن ((الموطأ)): مغمية، قال القاري(١): كذا في النسخ
المصححة بضم الميم الأولى وكسر الثانية، وقيل: بفتحها، وفي نسخة: مغيمة،
ثم ذكر عدة نسخ أخر، ثم قال: ومآل الكل واحد، قال الطيبي: أي مغطاة
بالغيم، وفي ((النهاية)): يقال: غامت السماء وأغامت وتغيمت، كله بمعنى، اهـ.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٦/٣).
٦٤٤
i
=
- --
أ
--- --
٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٥) حديث
كَثِيَ عَبْدُ اللَّهِ الصُّبْحَ، فَأَوْنَرَ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ انْكَشَفَ الْغَيْمُ، فَرَأَى أَنَّ
تَلَيْدٍ لَيْلاً، فَشَفَعَ بِرَأَحِدَةٍ، ثُمَّ صَلّى بَعْدَ ذُلِكَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا
نَفِي الصُبْحَ اوَبَرَ بِوَاحِدَةٍ.
انخشي عبد الله) بن عمر طلوع (الصبح، فأوتر) بركعة (واحدة) على وفق
مذهبه (ثم انكشف) أي ارتفع في أثناء صلاته (الغيم فرأى أن عليه ليلاً) أي
رأى الليل باقية والفجر لم يطلع بعد (فشمع وتره (بواحدة) أي ضم بوتره ركعة
واحدة أخرى، فصارت شفعة، قال الباجي: يحتمل أنه لم يسلم من الواحدة
فشفعها بأخرى على رأي من قال: لا يحتاج في نية أول الصلاة إلى اعتبار عدد
الركعات، ويحتمل أنه سلم، اهـ.
قلت: والظاهر الثاني للفظ ((ثم)) وهي للتراخي، فيكون ذلك مذهبه،
والعجب من مثل الباجي أن الحنفية إذا أوّلوا قوله بَّ: ((فليوتر بواحدة)) بأن
يضمها مع الشفعة المتقدمة بدون السلام، أبطلوا هذا التأويل، وإذا احتاجوا
إلى ذلك بأنفسهم في أثر الباب لم يبق فيه النكارة، وهذا التوجيه وإن اختاره
القاري أيضاً لكن ليس في محله، فإنه يخالف مذهب الفاعل لأن ابن عمر
- رضي الله عنهما - قائل بنقض الوتر، فقد أخرج أحمد بسنده عن ابن عمر:
أنه كان إذا سئل عن الوتر قال: أما أنا فلو أوترت قبل أن أنام، ثم أردت أن
أصلي بالليل شفعت بواحدة ما مضى من وتري، ثم صليت مثنى مثنى، فإذا
قضيت صلاتي أوترت بواحدةً، الحديث.
(ثم صلى بعد ذلك ركعتين ركعتين) للتهجد (فلما خشي) طلوع (الصبح)
بعد ذلك (أوتر بواحدة) قال الزرقاني: هذه مسألة يعرفها أهل العلم بنقض
الوتر، وروي مثله عن علي وعثمان وابن مسعود وغيرهم، عدّهم الزرقاني،
وحكاه الترمذي عن جماعة من أصحاب النبي بَّ﴿ ومن بعدهم، قال: وذهب
إليه إسحاق، ثم قال الزرقاني(١): وخالف في ذلك جماعة منهم أبو بكر، كان
(١) (٢٥٨/١)، وانظر: ((المغني)) (١٦٣/٢).
٦٤٥
٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٦) حدیث
٢٦٦/ ٢٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يُسَلِّمُ بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ فِي الْوِتْرِ، حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضٍ
حَاجَتِهِ .
يوتر قبل أن ينام، ثم إن قام صلى ولم يعد الوتر، وروي مثله عن عمار وعائشة
وكانت تقول: أَوِتْرانِ في ليلةٍ(١)؟ إنكاراً لذلك، وهو قول مالك والشافعي
والأوزاعي وأحمد وأبي ثور وغيرهم.
قلت: وبه قالت الحنفية، قال الشوكاني: وبه قال الثوري وابن المبارك،
وحكاه القاضي عياض عن كافة أهل الفتيا، وحجتهم قوله {وَل: ((لا وتران في
ليلة)) وهو حديث حسن أخرجه النسائي وابن خزيمة وغيرهما عن طلق بن
علي، قاله الحافظ، قال الشوكاني: وحَسَّنه الترمذي، قال عبد الحق: وغير
الترمذي صحّحه، وأخرجه ابن حبان وصححه.
وأخرج محمد في ((موطئه)) أثر ابن عمر هذا، وأخرج أثر أبي هريرة قال:
إذا صليت العشاء صليت بعدها خمس ركعات، فإن قمت من الليل صليت مثنى
مثنى، فإن أصبحت أصبحت على وتر، قال محمد: وبقول أبي هريرة نأخذ،
لا نرى أن يشفع إلى الوتر بعد الفراغ من صلاة الوتر، ولكنه يصلي بعد وتره
ما أحب. ولا ينقض وتره. وهو قول أبي حنيفة - رضي الله عنه(٢) ..
٢٦٦/ ٢٠ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعتين)
يعني بعد الشفعة (و) قبل (الركعة) الثالثة (في الوتر حتى) يتكلم و (يأمر ببعض
حاجته) والكلام متفرع على جواز الفصل، فمن أجاز الفصل يبيح الكلام أيضاً،
والفصل بين الشفعة والوتر الذي هو مذهب ابن عمر - رضي الله عنهما - مروي
(١) فقد ورد في الحديث ((لا وتران في ليلة))، أخرجه أبو داود (١٤٣٩) باب في نقض الوتر،
والترمذي في الصلاة (٤٧٠).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٦/٢).
٦٤٦
۔۔
٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٧) حديث
٢٦٧/ ٢١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، أَنّ سَعْدَ بْنَ
أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ يُوتِرُ بَعْدَ الْعَتَمَةِ بِوَاحِدَةٍ .
عن بعض من الصحابة الآخرين أيضاً، وروي عن جماعة من الصحابة عدم
الفصل(١) كما تقدم في محله.
قال في ((البدائع))(٢): وعن الحسن قال: أجمع المسلمون على أن
الوتر ثلاث لا سلام إلا في آخرهن، وقال الكرخي: أجمع المسلمون ...
إلى آخره نحوه، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أثبت الوتر بالمدينة بقول
الفقهاء ثلاثاً لا يسلّم إلا في آخرهن، وغير ذلك كما تقدم مبسوطاً في
ركعات الوتر، فقول الجمهور أولى، وأخرج محمد بن نصر عن عبيد بن
السباق: أن عمر - رضي الله عنه - لما دفن أبا بكر بعد العشاء الآخرة
أوتر بثلاث ركعات، وأوتر معه ناس من المسلمين، وفي رواية: لم يسلم
إلا في آخرهن؛ قيل للحسن: إن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يسلم
في الركعتين من الوتر؟ فقال: كان عمر - رضي الله عنه - أفقه من ابن عمر
- رضي الله عنهما -، كان ينهض في الثالثة بالتكبير.
وقد أخرج النسائي عن عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي وسلو كان لا
يسلّم في ركعتي الوتر، قال النيموي: إسناده صحيح، وقال الحاكم: على شرط
الشيخين، وروى أحمد عن عائشة بسنده بلفظ: ((ثم أوتر بثلاث لا يفصل
بینھن))، قال النيموي: بإسناد يُعتبر به.
٢١/٢٦٧ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أن سعد بن أبي وقاص) أحد
العشرة (كان يوتر بعد العتمة) أي صلاة العشاء (بواحدة) أي لا يصلي إلا ركعة
واحدة .
(١) ((الاستذكار)) (٢٨٢/٥).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٦٠٩/١).
٦٤٧
٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٨) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا، وَلَكِنْ
أَدْنَى الْوِتْرِ ثَلاثٌ.
٢٢/٢٦٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: صَلاةُ الْمَغْرِبِ وِتْرُ صَلَاة النَّهَارِ.
(قال يحيى: قال مالك: وليس على هذا) الأثر (العمل عندنا) أهل المدينة
بأن يصلي ركعة واحدة فقط لا غير (ولكن أدنى) أي أقل (الوتر) عندنا (ثلاث)
كما قال به الحنفية، إلا أن الفرق بين الحنفية والمالكية أن الثلاث كلهم عندنا
الحنفية بتسليمة واحدة، وعند المالكية بتسليمتين، وهذا على رواية ((الموطأ))،
وفيه روايات أخر ذكرها الباجي، لكن المشهور في متون المالكية هو رواية
(الموطأ)) قال في (الشرح الكبير)): كره وصله بغير سلام لغير مقتد بواصل،
وكره وتر بواحدة من غير تقدم شفع ولو لمريض أو مسافر، وفي («المدونة»:
قال مالك: لا ينبغي لأحد أن يوتر بواحدة ليس قبلها شيء لا في حضر ولا
في سفر(١)، لكن يصلي ركعتين ثم يسلم ثم يوتر بواحدة، اهـ.
٢٢/٢٦٨ - (مالك، عن عبد الله بن دينار، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله
عنهما - (كان يقول: صلاة المغرب وتر صلاة النهار) وأخرج ابن أبي شيبة(٢)
برواية ابن سيرين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً: قال: صلاة
المغرب وتر النهار، قال العراقي: إسناده صحيح، وقال ابن التركماني: أخرجه
النسائي، وهو على شرط الشيخين، ولأحمد عن ابن عمر مرفوعاً: ((صلاة
المغرب وتر صلاة النهار، فأوتروا صلاة الليل)) ورواه الدارقطني عن ابن مسعود
مرفوعاً، لكن سنده ضعيف، وقال البيهقي (٣): الصحيح وقفه على ابن مسعود.
(١) هكذا في ((الاستذكار)).
(٢) انظر: ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٨٢/٢).
(٣) انظر: ((السنن الكبرى)) (٣١/٣).
٦٤٨
-----
.. ----
٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٨) حديث
٠ ٠٥٠٠
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين
إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وعن الشيباني عن حبيب عن أبي عمر قال:
صلاة الليل عليها وتر، وصلاة النهار وتر يعني المغرب آخر الصلوات، وأخرج
عن محمد قال: لا أعلمهم يختلفون أن المغرب وتر صلاة النهار، وعن مجاهد
قال: المغرب وتر النهار، وعن ابن سيرين مرسلاً قال ◌َله: ((صلاة المغرب
وتر صلاة النهار فأوتروا صلاة الليل))، وعن عبد الله: الوتر ثلاث كصلاة
المغرب وتر النهار، اهـ.
ومؤدى الكل واحد، يعني أن صلاة المغرب توتر صلاة النهار، فكذلك
ينبغي أن توتر صلاة الليل بوتر، والمثلية تقتضي أن يكون وتر الليل أيضاً
كالمغرب، ففيه دليل لمن قال: إن الوتر ثلاث بتسليمة واحدة، قال الإمام
محمد بعد ذكر أثر الباب: وبهذا نأخذ، وينبغي لمن جعل المغرب وتر صلاة
النهار أن يجعل وتر صلاة الليل مثلها لا يفصل بينها بتسليمة، كما لا يفصل
بين صلاة المغرب بتسليم، وهو قول أبي حنيفة، اهـ.
قال ابن رشد (١): فإن لأبي حنيفة أن يقول: إنه إذا شبه شيء بشيء
وجعل حكمهما واحداً كان المشبه به أحرى أن تكون بتلك الصفة، فلما شبهت
المغرب بوتر الليل، وكانت ثلاثاً وجب أن يكون وتر الليل ثلاثاً، اهـ. وقال
العيني(٢): فإن قيل: ما وجه تسمية صلاة المغرب بوتر النهار، وهي صلاة ليلية
جهرية اتفاقاً؟ قلت: أجيب بأنها لما كانت عقيب آخر النهار وندب إلى تعجيلها
عند الغروب أطلق عليها وتر النهار لقربها منه ليتميز عن وتر الليل، ((الفتح
الرحماني)).
(١) (بداية المجتهد)) (٢٠١/١).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤/٧/٤).
٦٤٩
٧ - كتاب صلاة الليل
(٤) باب
(٢٦٩) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ،
فَبَذَا لَهُ أَنْ يُصَلِّي فَلْيُصَلِّ، مَنْنَى مَثْنَى، فَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ.
(٤) باب الوتر بعد الفجر
٢٦٩/ ٢٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ
أَبِىِ الْمُخَارِقِ الْبَصْرِيِّ،
(قال يحيى: قال مالك: من أوتر أول الليل ثم نام ثم قام) آخر الليل (فبدا
له أن يصلي) التهجد (فليصل) ما شاء (مثنى مثنى) ولا يعيد الوتر (فهو أحبُّ ما
سمعت) من الآثار في هذه المسألة (إليّ) متعلق بأحب، والمسألة إجماعية عند
الأئمة كما تقدم، وإن روي فيه بعض الخلاف من الصحابة ومن بعدهم.
(٤) (الوتر بعد) طلوع الفجر)
قضاء عندنا الحنفية، وكذا عند الحنابلة، كما تقدم التصريح بذلك عن
((نيل المآرب))، وكذلك هو قضاء عند الشافعية في وجهٍ لهم، وفي وجهٍ مثل
المالكية، كما قاله الحافظ في ((الفتح))، وأداء عند المالكية إلى أن يصلي
الصبح إلا أنه خرج وقته الاختياري وبقي الضروري، كما تقدم في بيان مذاهب
وقت الوتر، وهل يقضى بعد صلاة الفجر أيضاً؟ مختلف عند الأئمة، كما
سيأتي في محله.
٢٣/٢٦٩ - (مالك، عن عبد الكريم بن أبي المخارق) بضم الميم
وتخفيف الخاء المعجمة وكسر الراء آخرها قاف، أبو أمية المعلم (البصري)
نزل مكة، وبها لقيه مالك، اسم أبيه قيس، وقيل: طارق، في رجال ((جامع
الأصول)»: نزل مكة، وكان يُعلِّمُ بها، روى عنه أئمة الحديث ابن جريج
وابن عيينة والثوري ومالك وشعبة وعطاء ومجاهد، وأشدّهم في الرجال إمام
الأئمة أبو حنيفة وحماد بن سلمة وشريك النخعي وهشام.
٦٥٠
٧ - كتاب صلاة الليل
(٤) باب
(٢٦٩) حديث
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ حُبَيْرٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّدِ يْنَ عَبَّاسٍ رَقَدَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ
قال في ((التمهيد)): ضعيف باتفاق المحدثين، غرَّ مالكاً منه سمته، ولم
يكن من أهل بلده، فيعرفه، وأنت خبير بأنه لو تمشى هذا الوجه في رواية
مالك عنه ما يفعل برواية هؤلاء الأكابر عنه، فإنهم أئمة الجرح والتعديل وأمراء
الحديث، فأخذهم الرواية عنه توثيق له بلا ريب سيما إذ هو من رواة الستة،
ولم يختلفوا في ذلك إلا في رواية البخاري عنه.
ففي ((جامع الأصول)): أخرج ه البخاري ومسلم حديثاً واحداً في الحج،
وقال الكلاباذي في ((رجال الجمع بين الصحيحين)): سمع مجاهداً في الحج،
روى عنه ابن عيينة وهو حديث واحد عندهما، وأنكره بعضهم فقالوا: ليس
عبد الكريم هذا ابن المخارق بل هو ابن مالك الجزري، لكنهم لم يختلفوا في
أن البخاري أخرج له في التهجد، فقيل: تعليقاً كما رقم عليه أهل الرجال،
وردّه الحافظ في ((الفتح))، وقال: ليس بتعليق، بل هو موصول، فلا إنكار من
أنه من رواة البخاري.
قال الحافظ في ((التقريب)): له في البخاري زيادة في أول قيام الليل،
وهو موصول، وأَعْلَمَ له المزي علامة التعليق، وليس هو بتعليق، اهـ.
قال معمر: سألني حماد بن أبي سليمان عن فقهائنا فذكرتهم، فقال: قد
تركت أفقههم - يعني عبد الكريم أبا أمية -، وعدّه أبو داود من خير أهل
البصرة، وقال: الجزري غيره أوثق منه، وقال العيني في ((النهاية)): وثّقه
بعضهم، وأطنب في ترجمته صاحب ((تنسيق النظام))(١)، وأثبت بسبعة وعشرين
وجهاً توثيقه، فقول ابن عبد البر: مجمع على ضعفه تحامل، مات سنة ست أو
سبع وعشرين ومائة .
(عن سعيد بن جبير أن عبد الله بن عباس رقد) في ليلة (ثم استيقظ فقال
(١) انظر: ((مقدمة تنسيق النظام)) (ص٦٥ - ٧٠).
٦٥١
٧ - كتاب صلاة الليل
(٤) باب
(٢٧٠) حدیث
لِخَادِمِهِ: انْظُرْ مَا صَنَعَ النَّاسُ (وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ذَهَبَ بَصَرَهُ) فَذَهَبَ
الْخَادِمُ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: قَدِ انْصَرَفَ النَّاسُ مِنَ الصُّبْحِ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ
بْنُ عَبَّاسٍ، فَأَوْتَرَ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ.
٢٧٠/ ٢٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عَبَّاسِ، وَعُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ،
لخادمه) لم يسم (انظر ما صنع الناس، وهو) أي ابن عباس (يومئذ قد ذهب
بصره) فلم يمكنه الاجتهاد في الوقت، قال في ((الفتح الرحماني)): قالوا: ذهب
بصره لتكلفه في إيصال الماء في عينيه في الوضوء.
قلت: لكن المذكور فيما تقدم أنه كان مسلك ابن عمر النضح في العين
في غسل الجنابة، فتأمل (فذهب الخادم) لينظر الناس (ثم رجع فقال: قد
انصرف الناس من) صلاة (الصبح فقام عبد الله بن عباس فأوتر) بثلاث أولاً (ثم
صلّى الصبح).
وأخرج محمد بن نصر في ((كتاب الوتر)) له أثر ابن عباس مفصلاً، فقال:
عن عكرمة قال: تحدث عند ابن عباس رجال من أصحابه حتى تهور الليل
أي: ذهب أكثره، ثم خرجوا، وغلبته عينه، فما استيقظ حتى استيقظ بأصوات
أهل البقيع، وذلك بعد ما أصيب بصره، فقال لي: تراني أستطيع أن أصلي
العشاء أربعاً؟ قلت: نعم، فصلّى، ثم قال: أتراني أستطيع أن أوتر بثلاث،
قلت: نعم، فأوتر، فقال: أتراني أستطيع أن أصلّ الركعتين قبل الغداة، قلت:
نعم، فصلاهما، ثم صلّى الغداة، اهـ.
ففيه أن الوتر لا يترك بعد طلوع الفجر أيضاً، وتقدم أن هذا وقت الوتر
ضروري عند المالكية، وقضاء له عند الجمهور.
٢٤/٢٧٠ - (مالك أنه بلغه) وهكذا أخرجه محمد بن نصر في ((كتاب
الوتر)) عن الإمام مالك بلاغاً (أن عبد الله بن عباس وعبادة بن الصامت)
٦٥٢
٧ - كتاب صلاة الليل
(٤) باب
(٢٧١) حديث
وَالْقَأْسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ، قَدْ أَوْتَرُوا بَعْدَ
الْفَجْرِ .
٢٧١ / ٢٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أَبَالِي لَوْ أَقِيمَتْ صَلَاةٌ
السُّبْحِ، وَأَنَا أُوتِرُ.
الصحابيين (والقاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق (وعبد الله بن عامر بن
ربيعة) له رؤية، وأبوه صحابي (قد أوتروا) - يعني - روي عنهم أنهم صلوا الوتر
(بعد الفجر) قضاء عند من قال به، وفي الوقت الغير الاختياري عند من ذهب
إليه .
قال الباجي(١): وهذا ما قدمناه أن من أدرك الوتر قبل صلاة الصبح بعد
الفجر فقد أدرك وقته إلا أنه وقت ضرورة، لا وقت اختيار، وقد يجوز أن
يكون من أخره من هؤلاء إنما أخره نسياناً، أو لأنه منعه من تبين الوقت
مانع، اهـ.
قال الزرقاني (٢): وأجملهم في هذا البلاغ ثم أسند الرواية عن كل واحد
منهم كما ترى إلا ابن عباس فقد تقدم الرواية عنه، قلت: إلا أنه ذكر أثر
ابن مسعود أيضاً في البين، ولا ضير فيه، فقال:
٢٥/٢٧١ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة (أن عبد الله بن
مسعود قال: ما أبالي) قال ابن الأثير: يقال: ما باليت: أي لم أكترث به،
وحكى الأزهري عن جماعة من العلماء معناه: لا أكره، وفي ((المصباح)): لا
أباليه، ولا أبالي به أي لا أهتم به ولا أكترث له، كذا في (الفتح الرحماني))
(لو أقيمت صلاة الصبح وأنا أوتر) أي أصلّي الوتر، يعني لا يمنعه ذلك من
(١) ((المنتقى)) (٢٢٥/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٦٠/١).
٦٥٣
٧ - كتاب صلاة الليل
(٤) باب
(٢٧٢ - ٢٧٣) حديث
٢٦/٢٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
قَالَ: كَان عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ يَؤُمُّ قَوْماً فَخَرَجَ يَوْماً إِلَى الصُّبْحِ، فَأَقَامَ
الْمُؤَذِّنُ صَلاةَ الصُّبْحِ، فَأَسْكَتَهُ عُبَادَةُ حَتَّى أَوْتَرَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمُ
الصُّبْحَ.
٢٧٣/ ٢٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِم؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ يَقُولُ: إِنِّي
لِأَوْتِرُ وَأَنَا أَسْمَعُ الإِقَامَةَ، أَوْ بَعْدَ الْفَجْرِ
الوتر، وهذا صريح في كونه واجباً عنده، وقال عليه السلام: ((إذا أقيمت
الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))، وأشد منه: من نسي الوتر حتى دخل في
الصلاة يندب للفذ أن يقطع الصلاة، ويجوز للمؤتم، وفي الإمام روايتان، كذا
في (الشرح الكبير)) للمالكية، ومع ذلك قالوا بعدم وجوبه.
٢٦/٢٧٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: كان عبادة
ابن الصامت يؤمّ قوماً فخرج يوماً إلى) المسجد لصلاة (الصبح فأقام المؤذن
صلاة الصبح فأسكته) أي المؤذن (عبادة حتى أوتر) أولاً (ثم صلى بهم الصبح).
وأخرج محمد بن نصر قال: خرج عبادة بن الصامت يوماً لصلاة الفجر
فلما رآه المؤذن أخذ في الإقامة، فقال عبادة: كما أنت، فأوتر ولم يكن أوتر
فأوتر وصلّى ركعتين قبل الفجر، ثم أمره فأقام وصلّى، والترتيب في الوتر
والفجر من أمارات الوجوب، فإن صلّى أحد الصبح يقضي الوتر عندنا بعد
ذلك أيضاً، خلافاً للمالكية كما صرَّح به الباجي، وسيأتي البسط في ذلك،
وعموم ما رواه أبو داود عن أبي سعيد مرفوعاً: ((من نسِيَ الوتر أو نام عنه
فليصلّه إذا ذكره)) يؤيد الأول.
٢٧/٢٧٣ - (مالك عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر
الصديق (أنه قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: إني لأوتر وأنا أسمع
الإقامة) لصلاة الصبح (أو) شك من الرواي قال (بعد الفجر) محلَّ ((وأنا أسمع
٦٥٤
٧ - كتاب صلاة الليل
(٤) باب
(٢٧٤) حديث
(يَقُلُّ عَبْدُ الرَّحْمُنِ أَيَّ ذَلِكَ قَالَ).
٢٨/٢٧٤ .- وحدثني ،َالِكَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْقَاسِم؛
أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: إِّي لِأَوْتَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ.
الإقامة)) (يشك عبد الرحمن) بن القاسم (أي ذلك) من اللفظين (قال) عبد الله بن
عامر، ولكن المعنى متقارب، وكذلك بالشك أخرجه محمد بن نصر في ((قيام
الليل)).
٢٨/٢٧٤ - إمالك عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع أباه القاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق (يفون: إني لأوفر بعد) طلوع (الفجر).
قال الزرقاني: وكذا قاله أبو الدرداء وحذيفة، وبه قال مالك وأحمد،
والشافعي في القديم: إنه وقت ضروري له، اهـ.
قلت: اختلط على الزرقاني مذاهب الأئمة في ذلك، ولذا جمعهم في
قول واحد. وليس كذلك، والصحيح أن هنالك مسألتين:
الأولى: مسألة وقت الوتر، وقد تقدم الكلام عليه منا مبسوطاً فيما تقدم
من فروع الأئمة الأربعة، وحاصله: أن وقت الوتر في المشهور المرجح عند
الأئمة الثلاثة من العشاء إلى طلوع الفجر، وبعد طلوع الفجر قضاء عندهم،
وعند الإمام مالك له وقتان، وقته الاختياري إلى طلوع الفجر ووقته الضروري
إلى صلاة الصبح، فهذه الآثار الواردة في الباب كلها محملها عند الأئمة الثلاثة
قضاء الوتر في غير وقته، وعند المالكية أداؤه في وقته الضروري، فلا تغفل.
والمسألة الثانية: قضاء الوتر، يعني إذا فات الوتر عن وقته يقضى عند
الأئمة الثلاثة، كما ثبت بهذه الآثار وغير ذلك من الروايات المرفوعة
والموقوفة، ولا يقضى عند المالكية، وخلط نقلة المذاهب في بيان هذا
الاختلاف أيضاً .
وذكر الشوكاني(١) في المسألة ثمانية مذاهب، فقال بعد ذكر حديث
(١) ((نيل الأوطار)) (٥٨/٣/٢).
٦٥٥
٧ - كتاب صلاة الليل
(٤) باب
(٢٧٤) حديث
أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره)
الحديث(١): يدل على مشروعية قضاء الوتر، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة
علي وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وعبادة بن الصامت وعامر بن
ربيعة وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وفضالة بن عبيد وابن عباس، كذا قال
العراقي، قال: ومن الأئمة: الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي ومالك والشافعي
وأحمد وإسحاق وأبو أيوب.
ثم اختلفوا إلى متى يقضى، على ثمانية أقوال: أحدها: ما لم يصل
الصبح، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي أيوب وأبي خيثمة،
ثم ذكر بقية الثمانية، وذكر قائليها من الصحابة والتابعين، ولما لم تكن هذه
الأقوال قول أحد من الأئمة المتبوعين تركناها اختصاراً لقلة الجدوى في ذكرها
إلا أنه قال: سابعها: أنه يقضيه أبداً ليلاً ونهاراً، وهو الذي عليه فتوى
الشافعية، وثامنها: التفرقة بين أن يتركه نوماً أو نسياناً وبين أن يتركه عمداً،
فيقضيه في الأول إذا استيقظ أو ذكر، قال: وهو ظاهر الحديث، واختاره
ابن حزم، اهـ.
قلت: وخالف الشوكاني نقلة المذاهب مع كثرة الاختلاف فيما بينهم،
فاعتمدنا على كتب فروع الأئمة الأربعة وأصحابهم، فاعلم أن مذهب الإمام
مالك أن الوتر يصلى إلى صلاة الصبح أداء، ولا قضاء له بعد ذلك، قال
الزرقاني(٢): قال الأكثرون : - ومنهم مالك -: لا يقضى بعد صلاة الصبح، اهـ.
وفي ((الأنوار الساطعة)) قال في ((حاشية الصاوي)): الحاصل أن الضروري
للوتر يمتدّ من الفجر إلى تمام صلاة الصبح مطلقاً بالنسبة للفَذِّ والإمام
والمأموم، ولا يقضى بعد صلاة الصبح اتفاقاً كما في ((ابن عرفة))، اهـ.
(١) أخرجه أبو داود (١٤٣١/٢)، والترمذي (٤٦٥/٢)، وابن ماجه (١١٨٨/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١/ ٢٦١).
٦٥٦
-- -
---
٧ - كتاب صلاة الليل
(٤) باب
(٢٧٤) حديث
وأما مذهب الأئمة الثلاثة الباقية فذهبوا إلى قضاء الوتر، أما عند الحنابلة
فما في ((الروض)): ومن فاته شيء منها أي من الرواتب سنَّ له قضاؤه كالوتر،
لأنه وَ﴿ قضى ركعتي الفجر، وقضى الركعتين قبل الظهر، وقس الباقي، وقال
عليه السلام: ((من نام عن الوتر أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكره))، لكن
ما فات مع فرضه وكثر فالأولى تركه، اهـ. وكذلك في ((نيل المآرب))، وفي
((الأنوار الساطعة)): ويسن قضاء الرواتب والوتر إلا ما فات من الرواتب مع
الفرض وكثر، فالأولى تركه لحصول المشقة إلا سنة الفجر فيقضيها
لتأكدها ، اهـ.
وكذلك عند الشافعية كما في فروعهم، وتقدم عن الشوكاني أنه قال على
ذلك فتوى الشافعية، قال ابن رسلان: في حديث الخدري دليل على أن النوافل
المؤقتة تقضى، وإذا قلنا بالقضاء، ففي المسألة أقوال أصحها تقضى أبداً فإن
الحديث لم يقيد القضاء بوقت، بل بذكره فإذا ذكره قضاه أبداً، والثاني يقضى
فائت النهار ما لم تغرب الشمس وفائت الليل ما لم يطلع فجره، وقال أيضاً
تحت حديث ابن عمر: بادروا الصبح بالوتر، قال الترمذي: وروي عن
النبي ◌ُّل: ((لا وتر بعد صلاة الصبح))، وهو قول غير واحد من أهل العلم،
وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق: لا يرون الوتر بعد صلاة الصبح، اهـ.
لعل مراده بمذهب الشافعي فعلها أداء، وإلا فقد تقدم أن المذهب
قضاؤها، والأصح أنها تقضى أبداً، انتهى.
قلت: وكذلك عندنا الحنفية، قال في ((الهداية)): الوتر واجب عند أبي
حنيفة للأمر، وهو للوجوب، ولهذا وجب القضاء بالإجماع، اهـ، أي بإجماع
أصحابنا على ظاهر الرواية عنهم، وفي ((الدر المختار)): ويقضى اتفاقاً، قال
ابن عابدين: أي يقضى وجوباً اتفاقاً، أما عنده أي الإمام، فظاهر لوجوبه
عنده، وأما عندهما، وهو ظاهر الرواية عنهما، فلقوله عليه الصلاة والسلام:
(من نام عن وتر أو نسيه)) الحديث.
٦٥٧
٧ - كتاب صلاة الليل
(٤) باب
(٢٧٤) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يُوتِرُ بَعْدَ الْفَجْرِ مَنْ نَامَ عَنِ
الْوِتْرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ، حَتَّى يَضَعَ وِتْرَهُ بَعْدَ
الْفَجْرِ .
واستشكله في ((الفتح)) و (النهر)) بأن وجوب القضاء فرع وجوب الأداء،
وأجاب عنه في ((البحر)) بأنهما لما ثبت عندهما دليل السنية قالا به، ولما ثبت
دليل القضاء قالا به أيضاً اتباعاً للنص وإن خالف القياس، اهـ.
فَعُلِمَ بذلك أن ما نقله ابن رشد في ((البداية)) (١) عن صاحبي أبي حنيفة أنه
لا يصلى بعد طلوع الفجر مبنيٌّ على عدم الاطلاع بمذهبهما أو على الرواية
المرجوحة لهما، وأيضاً قال بقضاء الوتر ابن العربي من المالكية كما بسطه في
(العارضة))، وهو قول الثوري، وحاصل ما للأئمة في ذلك ثلاثة أقوال: عدم
القضاء مطلقاً، وهو قول الإمام مالك، وسنية القضاء، وهو قول الإمام
الشافعي وأحمد، وإيجابه، وهو قول أئمتنا الثلاثة.
ومستدل الجمهور في ذلك حديث الخدري المتقدم مرفوعاً: ((من نام عن
وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره)) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم
وقال: صحيح على شرطهما وصححه العراقي.
(قال يحيى: قال مالك: إنما يوتر) أي يصلي الوتر (بعد) طلوع (الفجر)
وكذا بعد صلاة الفجر عند من قال به (من نام عن الوتر) أو نسيه (ولا ينبغي
لأحد أن يتعمد ذلك حتى يضع وتره بعد الفجر) وهذا الأمر مجمع عليه عند
الأئمة الأربعة، لأنه خرج وقته الاختياري عند بعضهم، ووقت الأداء عند
الآخر.
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٠٢/١).
٦٥٨
٧ - كتاب صلاة الليل
(٥) باب
(٢٧٥) حديث
(٥) باب ما جاء في ركعتي الفجر
٢٩/٢٧٥ - حَدَّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
◌َبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ أُخْتَه حَفْصَةً، زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َ﴾، أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ ﴾، كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَدِّنُ عَنِ الأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ
صَلَى رَكْعَتَيْنِ حَفِيفَتَيْنِ،
(٥) ما جاء في رتعني الفجر
ذهب الجمهور إلى سنيتهما، وقال الحسن البصري: بوجوبهما، قاله
الشوكاني، وبالوجوب قال بعض الحنفية، كما بسطه ابن عابدين.
٢٩/٢٧٥ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) ولفظ محمد في
(موطئه)): أخبرنا مالك أخبرنا نافع أن ابن عمر أخبره، بلفظ الإخبار في كل
السند (أن) أخته (حفصة) أمّ المؤمنين بنت عمر بن الخطاب (زوج النبي ◌َّ لام)
تزوجها وُّل سنة ثلاث، وقيل: سنة اثنتين، وماتت سنة ٤٥ هـ، وصلّى عليها
مروان بن الحكم، وقيل: توفيت أول ما بويع معاوية سنة إحدى وأربعين، قال
في ((الخلاصة)): لها ستون حديثاً، اتفقا على ثلاثة وانفرد مسلم بستة (أخبرته)
فيه رواية صحابي عن مثله.
(أن رسول الله ) كان إذا سكت المؤذن) يؤخذ منه أنه لا يشتغل بالصلاة
عند الأذان، بل يجيب الأذان أولاً ثم يصلّي ركعتي الفجر (عن الأذان) الثاني
الذي يكون (لصلاة الصبح).
قام و(صلى ركعتين خفيفتين) (١) يعني يقصر فيهما القراءة والركوع
والسجود ليبادر إلى صلاة الصبح أول الوقت، كما جزم به القرطبي في حكمة
تخفيفهما، أو ليدخل في الفرض بنشاط تام، وهذا الثاني الأوجه أو ليدخل في
صلاة النهار بركعتين خفيفتين كما بدأ صلاة الليل بالخفيفتين .... قال محمد
(١) ((التمهيد)) (٣١٠/١٥).
٦٥٩
٧ - كتاب صلاة الليل
(٥) باب
(٢٧٦) حديث
قَبْلَ أَنَّ تُقَامَ الصَّلاةُ.
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١٢ - باب الأذان بعد الفجر.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١٤ - باب استحباب ركعتي سنة
الفجر، حديث ٨٧.
٢٧٦/ ٣٠ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مَ، لَيُخَفِّفُ
رَكْعَتَي الْفَجْرِ،
بعد ذكر الحديث: وبهذا نأخذ، الركعتان قبل صلاة الفجر يخففان، وسيأتي
الكلام عليه مبسوطاً (قبل أن تقام الصلاة) بضم الفوقانية.
والحديث من مستدلات الحنفية في أن أذان الصبح لا يصح قبل الفجر،
ووجه الاستدلال أنه أطلق على هذا الأذان الثاني الأذان لصلاة الصبح، فعلم
بهذا أن هذا الأذان كان للصلاة، وأما الأذان الأول كان لمعانٍ أخر، كما ورد،
وأيضاً فيه حجة أخرى بأنه وم لو كان يصلي ركعتي الفجر إذا أذن، ولا يجوز ركعتا
الفجر قبل الوقت إجماعاً، فعلم أن الأذان لا يكون قبل الفجر للصبح، ولم
يتأمل في وجه الاستدلال من قال: لا حجة فيه لاحتمال أن يكون المراد به
الأذان الثاني، والحنفية لم ينكروا وجود الأذان قبل الفجر، بل قالوا: لا يصح
الأذان للصلاة قبل الوقت، والفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض.
٣٠/٢٧٦ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن عائشة زوج
النبي (وَلّة) كذا لجميع رواة ((الموطأ))، وسقط فيه راويان من الإسناد، وقد
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي كلهم عن يحيى بن سعيد عن محمد بن
عبد الرحمن عن عمرة عن عائشة (قالت: إن كان رسول الله صل ليخفف ركعتي
الفجر) اللتين قبل صلاة الفجر أقوالاً لا أفعالاً، وتقدم ما قال محمد في
((موطئه)) بعد ذكر حديث حفصة: وبهذا نأخذ الركعتان قبل صلاة الفجر
يخففان، اهـ.
٦٦٠