النص المفهرس

صفحات 621-640

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٥٩) حديث
٠ ٠
ثلاث، وعن أبي إسحاق قال: كان أصحاب علي وعبد الله لا يسلمون في
الوتر بين الركعتين .
وأخرج محمد في ((موطئه)) (١) عن ابن مسعود قال: الوتر ثلاث كثلاث
المغرب، وقال ابن عباس: الوتر كصلاة المغرب، وذكر النيموي عن المسور بن
المخرمة قال: دفنا أبا بكر ليلاً فقال عمر: إني لم أوتر، فقام، وصففنا وراءه
فصلى بنا ثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن، أخرجه الطحاوي وإسناده
صحيح، والآثار فيها كثيرة، بسطها الطحاوي وغيره.
وهذه الآثار حجة لمن قال: إن الوتر ثلاث، قال القاري(٢): ولا يوجد
من الخصم حديث يدل على ثبوت ركعة مفردة في حديث صحيح ولا ضعيف،
وقد ورد النهي عن البتيراء، ولو كان مرسلاً، والمرسل حجة عند
الجمهور، اهـ
واستدل الحنفية على ذلك بما في ((مسند الإمام أبي حنيفة))(٣): عن أبي
سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَالر: ((لا فصل في
الوتر))، وروى النسائي وابن السني عن ابن أبزى مرفوعاً: كان ◌َل يوتر بثلاث
ولا يسلم إلا في آخرهن، ورواه الحاكم، وقال: على شرطهما، وعن عائشة
قالت: كان رسول الله و # يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن، وكذا روى
النسائي عنها مرفوعاً: لا يسلم في ركعتي الوتر.
وقد بسط الكلام على المسألة الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) لا يسعه
هذا ((الأوجز))، وما أطنبنا في ذكر الآثار وبيان مذهب جمهور السلف إلا لما
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٥/٢).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦١/٣).
(٣) (ص٣١٦).
٦٢١

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٠) حدیث
٢٦٠/ ١٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ ابْنِ(١) مُحَيْرِيٍ؛
قيل: إن أبا حنيفة متفرد في ذلك، والجمهور بخلافه، وقد ثبت بالروايات
الشهيرة الكثيرة حتى أطلق عليه الإجماع، إيتار السلف بثلاث ركعات حتى أنكر
على من أوتر بركعة، قيل لابن عباس: هل لك في أمير المؤمنين معاوية ما أوتر
إلا بواحدة؟! قال: أصاب، إنه فقيه، وفي رواية: دعه فإنه قد صحب
النبي ◌َ﴾، رواه البخاري.
فهذا صريح في كون معاوية شاذاً منفرداً في ذلك الفعل، ولو كان الإيتار
بواحدة أيضاً شائعاً بينهم لما أنكر عليه مولى لابن عباس، وروى الطبراني في
(معجمه)) بسنده عن إبراهيم قال: بلغ ابن مسعود أن سعداً يوتر بركعة، فقال:
ما أجزأت ركعة قط، وسئل أبو العالية عن الوتر؟ فقال: علمنا أصحاب
رسول الله ◌َ أن الوتر مثل صلاة المغرب، هذا وتر الليل، وهذا وتر النهار.
قلت: وستأتي الآثار الواردة في ذلك.
وأنت خبير بأن الروايات الواردة في الإيتار بركعة واحدة بلفظ: ((فليوتر
بركعة توتر له ما قد صلى)) صريحة في تقدم شفع قبل ذلك، وإلا فلأي شيء
توتر هذه الركعة ؟ ولذا استدل به ابن رشد وغيره على إيجاب الشفعة قبل ركعة
الوتر ، فهي حجة للحنفية أيضاً لما أنه ليس في أحد منها الفصل بالسلام.
٢٦٠/ ١٤ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد(٢) بن
يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة والموحدة الثقيلة، يصرف ويمنع، ابن منقذ
الأنصاري المدني ثقة فقيه، روى له الستة مات سنة ١٢١ هـ وهو ابن ٧٤ سنة
(عن) عبد الله (٣) (بن محيريز) بميم مضمومة في أوله ففتح حاء مهملة بعدها
(١) في نسخة: عن عبد الله بن محيريز الجمحي.
(٢) له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٥٠٧/٩)، و((سير أعلام النبلاء)) (١٨٦/٥).
(٣) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٣٢/٦)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٩٤/٤).
٦٢٢

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٠) حديث
أَنَّ رَجُلاً مِن بَنِي كِنَانَةَ يُدْعَى الْمُخْدِجِيَّ، سَمِعَ رَجُلاً بِالشَّامِ يُكَنَّى
أَيَا مُحَمَّدٍ،
تحتانية ساكنة ثم راء مهملة مكسورة ثم تحتانية آخره زاي معجمة، ابن جنادة بن
وهب الجمحي، بضم الجيم وفتح الميم فحاء مهملة، نسبة إلى بني جمح، قاله
السمعاني.
وفي ((المغني)): نسبة إلى جمح بن عمرو أبو محيريز المكي، كان يتيماً
في حجر أبي محذورة بمكة ثم نزل بيت المقدس، عابد ثقة، روى له الستة
ومات سنة ٩٩، وقيل قبلها .
(أن رجلاً من بني كنانة يدعى) ببناء المجهول (المخدجي) بميم مضمومة
فخاء معجمة ساكنة ففتح دال مهملة وكسرها، فجيم فتحتية، نسبة إلى مخدج بن
الحارث كما في ((الترتيب)). قال ابن عبد البر(١): لقب وليس بنسب في شيء
من القبائل، قال: وهو مجهول لا يعرف بغير هذا الحديث، وقيل: اسمه
رفيع، قاله الزرقاني، قال المنذري: بكسر الدال، وفتحها بعضهم، اهـ.
فعُلِم بذلك أن الكسر أرجح عنده، وقال أيضاً: قيل: هو لقب، وقيل:
نسب، ومخدج بطن من كنانة، وقال المجد: مخدج بن الحارث، أبو بطن
منهم رفيع المخدجي، قلت: هو مجهول عند أهل الرجال كما صرحوا به،
لكن صحح حديثه في الوتر ابن حبان والحاكم وابن عبد البر وابن العربي.
(سمع رجلاً بالشام يكنى أبا محمد) الأنصاري صحابي، اختلف في اسمه
على أقوال، بسطها الحافظ في ((الإصابة))، وأخذ عنه الزرقاني وغيره، قال
ابن الأثير في ((أسد الغابة)): قيل: إن اسمه مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن
زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاري، شهد بدراً ولم يذكره
ابن إسحاق في أهل بدر، اهـ.
(١) ((الاستذكار)) (٢٦٢/٥).
٦٢٣

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٠) حدیث
يَقُولُ: إِنَّ الْوِتْرَ وَاحِبٌ. فَقَالَ الْمُخْدَجِيُّ: فَرُحْتُ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ
الصَّامِتِ، فاعْتَرَضْتُ لَهُ وَهُوَ رَائِحٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَأَخْبَرْتُهُ
قال الزرقاني(١) وغيره: عداده في الشاميين، سكن داريا، قال ابن يونس:
شهد فتح مصر، وقال ابن سعد: مات في خلافة عمر، وزعم ابن الكلبي: أنه
شهد بدراً ثم شهد مع علي صفين، وبه جزم ابن الأثير في ((أسد الغابة)) فقال:
أبو محمد البدري الشامي، ثم قال بعد ذلك: شهد بدراً، ولم يذكره ابن إسحاق
في أهل بدر.
وذكر في ((التلقيح)) في أهل بدر: مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم، كذا
قال الواقدي وابن عمارة، ولم يذكر ابن إسحاق وأبو معشر في نسبه زيداً، اهـ.
وفي ((تهذيب الحافظ))(٢): ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق في البدريين،
وسمَّاه مسعود بن أوس بن صرم بن ثعلبة، اهـ.
.........--
فالظاهر أن ما في ((أسد الغابة)): أن ابن إسحاق لم يذكره في البدريين
وَهْمٌ من الناسخ، والصواب ما في ((التلقيح)): أن ابن إسحاق لم يذكر في نسبه
زيداً، وذكر ابن هشام في ((سيرته)): فيمن نزل بدراً مسعود بن أوس بن زيد،
وقال الذهبي في ((تجريد أسماء الصحابة)): أبو محمد البدري الشامي، قال
عبد الله بن محيريز: كان بالشام رجل يكنى أبا محمد، كانت له صحبة يقول:
((إن الوتر واجب)). نزل داريا، قيل: هو مسعود بن أوس بدري، اهـ.
(يقول) أي أبو محمد (إن الوتر واجب) وبه قال ابن المسيب وغيره كما
تقدم (قال المخدجي: فرحت) متكلم من الرواح (إلى عبادة بن الصامت) بن
قيس الأنصاري الخزرجي المدني، أحد النقباء، البدري، صحابي جليل القدر،
مات بالرملة سنة ٣٤هـ وله ٧٢ سنة، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية
(فاعترضت) أي تصديت (له) وتطلبته (وهو رائح إلى المسجد) فصادفته (فأخبرته
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٥٥/١).
(٢) (تهذيب التهذيب)) (١٢ /٢٢٤).
٦٢٤
-- ---
-

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٠) حديث
بِالَّذِي قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ. فَقَالَ عُبَادَةُ: كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ ﴾ِ يَقُولُ: ((خَمْسُ صَلَوَاتِ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى
الْعِبَادِ،
بالذي قال أبو محمد) الأنصاري: من أن الوتر واجب، وفيه استباحة الفتوى
بما خفّ من المسائل في الطرق، وأيضاً إعلام المفتي بما قاله غيره عسى أن
يتدبر فيه .
(قال عبادة) بن الصامت (كذب أبو محمد) أي غلط ووهم، وتقدم معنى
الكذب.
قال الباجي(١): الكذب على ضربين: أحدهما: لا يأثم صاحبه، وهو
على ضربين: أحدهما: أن يقع فيه على وجه السهو والغلط، والثاني: أن يتعمد
ذلك في ما يجب فيه الكذب مثل أن يستر رجلاً يسأل عنه من يريد قتله ظلماً
فيجب عليه الكذب، والقسم الثاني: ما يأثم صاحبه وهو فيما يتعمد الكذب في
غير مثل هذا، انتهى بمعناه.
قلت: ولما كان أبو محمد الأنصاري الشامي صحابياً من أهل بدر يبعد
أن يريد عبادة بالكذب غير الوهم والغلط، وفي ((تيسير الوصول)): أي أخطأ فلا
يجوز أن يكذب في شيء من الإخبار عن رسول الله ولو، وقال الحافظ في
((التلخيص)): وقول عبادة: ((كذب أبو محمد)) أراد أخطأ، وهذه لفظة مستعملة
لأهل الحجاز، إذا أخطأ أحدهم يقال له: كذب (٢)، ويدل عليه أن ذلك كان
في الفتوى، ولا يقال لمن أخطأ في فتواه: كذب، إنما يقال له: أخطأ،
انتهى .
(سمعت رسول الله ◌َل﴾ يقول: خمس صلوات) مبتدأ (كتبهن) أي فرضهن
(الله) عز وجل (على العباد) خبر المبتدأ، ووجه الاستدلال أنه إذا لم يكتب إلا
(١) ((المنتقى)) (١٢١/١).
(٢) كذا في ((مقدمة فتح الباري)) (ص٣٢٦).
٦٢٥

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٠) حديث
الخمس، فأفاد أن الوتر لم يكتب، ولا يرد هذا الحديث على من ذهب إلى
وجوبه بوجهين: الأول: لأنه يستدل بقوله وَر: ((إن الله أمدكم بصلاة))
الحديث، فعلم أنها زيادة على هذا الخمس، فيحتمل أنه وجب بعد ذلك،
والثاني: أن الاستدلال به من مفهوم العدد، وليس بحجة عند جماعة من أهل
الأصول، وهذا لمن ذهب إلى وجوبه لمعنى الفرض.
وأما الحنفية فلا يرد عليهم أصلاً، لأنه لا معارضة عندهم في قول
أبي محمد: إن الوتر واجب، وقول عبادة: المكتوبة خمس، لأن الواجب
عندهم دون المكتوبة والفرض، كما تقدم عن مجاهد إذ قال: الوتر واجب ولم
يكتب، وتقدم عن إمام الأئمة أبي حنيفة صاحب المذهب: ((أنا أعرف الفرق
بين الواجب والفرض، كفرق ما بين السماء والأرض))، ثم المشهور عند فضلاء
الدرس وشراح الحديث أن حديث الباب حجة على الحنفية، ولا يمكن
الاستدلال به على خلاف الحنفية للوجوه الثلاثة المذكورة.
نعم، هو حجة للحنفية بلا مرية في ذلك، فإن المسألة اختلف فيها
الصحابيان أبو محمد وعبادة، وذكر عبادة - رضي الله عنه - مستدله، ولا حجة
في مستدله، لهذه الوجوه الثلاثة المذكورة، ولم يذكر أبو محمد مستدله في
ذلك فهو إذاً قول صحابي، لم يدرك بالقياس، فيكون في حكم المرفوع، كما
ثبت في الأصول لأن أنواع الأحكام من الفرض والوجوب وغير ذلك مما
لا مدخل للقياس فيه، فيكون قول أبي محمد: إنه واجب مرفوعاً حكماً، فهو
حجة للحنفية بلا تردد فتأمل، فلا تجده في غير هذا المختصر.
وما قيل: إن الواجب ليس بشيء مردود على قائله، قال في ((الفتح
الرحماني)): قال العلامة العيني: ومن لم يفرق بين الواجب والفرض فقد ضاد
اللغة، والمعنى اللغوي مرعيّ في المعنى الشرعي، وعن بعضهم بأن الفرق
اصطلاح، وما كانوا يفرقون بينهما. أجيب كيف يقال: إنه حادث، وأهل اللغة
٦٢٦

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٠) حديث
قد فرقوا بين الفرض والواجب؟ ومنكر هذا معاند ومكابر، والأحكام الشرعية
إنما تؤخذ من الألفاظ اللغوية، أهـ.
وتوضيح المقام أن الأئمة مختلفة في أنواع المشروع، قال ابن العربي:
اختلف الناس فيما شرع، فقال أبو حنيفة: شرع أربعة أنواع، فرضاً، وسنة
واجبة، وسنة غير واجبة، ونفلاً. وقال الشافعي: شرع ثلاثة: فرضاً، وسنة،
ونافلة، وقال علماؤنا المالكية: شرع أربعة: فرضاً، وسنة واجبةً، ورغيبةً،
ونفلاً، وهذه اصطلاحات لم يجئ على لسان الشرع إلا بعضها، انتهى.
قلت: والصواب عندي أن الأئمة كلهم متفقون على الأنواع الأربعة، ولا
اختلاف فيما بينهم، إلا في مجرد اللفظ لأن المالكية في فروعهم ثلّثوا
الأنواع: الفرض، والسنة، والمندوب، إلا أنهم جعلوا السنة نوعين: سنة
مؤكدة وغير مؤكدة، وأوجبوا سجود السهو في السنة المؤكدة، فهذا الذي سماه
الموالك سنة مؤكدة، هو الذي سماه الحنفية واجباً .
وكذلك الشافعية ركَّبوا الصلاة من الأركان، والسنن، والأبعاض،
والهيئة، وجعلوا سجود السهو وظيفة الأبعاض المتروكة، كما صرح به أهل
فروعهم كلهم، واعتبروا الواجب نصاً في الحج، ففي ((شرح الإقناع)) للشافعية:
فالفرض ما لا توجد ماهية الحج إلا به، والواجب ما يجبر تركه بدم ولا
يتوقف وجود الحج على فعله، اهـ.
والحنابلة أقرب موافقة للحنفية في ذلك، ففي ((نيل المآرب)) (١): أركان
الصلاة أربعة عشر ركناً للاستقراء، وهي لا تسقط عمداً، ولا سهواً، ولا
جهلاً، ثم عَدَّها، وقال بعد ذلك: وواجبات ثمانية، وتبطل الصلاة بتركها
عمداً، وتسقط سهواً، ويسجد له. وكذلك في ((الروض المربع))، فعُلِم بذلك
(١) (١٧٥/١).
٦٢٧

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٠) حديث
أنه لا خلاف بينهم إلا في إطلاق اسم دون اسم على الشيء، وأنت خبير بأنه
لا مناقشة في الاصطلاح.
وفي ((السعاية)): وتوضيح الاختلاف على ما في كتب الأصول أن الفرض
عندنا عبارة عما ثبت لزومه بدليل قطعي، وحكمه أنه يُكَفَّرُ جاحده، ويستحق
تاركه العقاب، والواجب عبارة عما ثبت لزومه بدليل ظني كالعام المخصوص
منه البعض، وخبر الآحاد، ونحو ذلك، وحكمه اللزوم عملاً لا علماً، فلا
يُكَفَّرُ جاحده، ويُفَسَّقُ تاركُه ما لم يَسْتَخِفَّ. وذكر أبو زيد الدبوسي أن هذا
الفرق مناسب للمعنى اللغوي أيضاً، فإن الفرض في اللغة التقدير، والوجوب
السقوط، والثابت بالقاطع هو الذي يعلم من حاله أن الله تعالى قَدَّر علينا،
والثابت بما فيه شبهة ساقط عنا ولا يعلم تقديره علينا، اهـ.
وفي ((أصول فخر الإسلام)) البزدوي، بعد ذكر الفرق بين الواجب
والفرض بما مرَّ: وأنكر الشافعي هذا القسم وألحقه بالفرائض، فقلنا له: إن
أنكر الاسم فلا معنى له بعد إقامة الدليل على أنه يخالف اسم الفريضة لأن
الفرائض مقدرة في الشرع، والفرض يشير إلى شدة الرعاية، والواجب إنما أخذ
من الوجوب وهو السقوط، وإن أنكر الحكم بطل إنكاره أيضاً لأن الدلائل
نوعان: ما لا شبهة فيه من الكتاب والسنة، وما فيه شبهة، وهذا أمر لا ينكر،
وإذا تفاوت الدليل تفاوت الحكم، ثم بيّن أمثلته مفصلاً.
...-- ..
---
وفي ((كشف الأسرار)) شرح المصنف على ((المنار)): والواجب ما ثبت
بدليل فيه شبهة كصدقة الفطر والأضحية، وحكمه اللزوم عملاً لا علماً على
اليقين لشبهة في دليله حتى لا يُكَفّر جاحده ويُفَسَّقُ تاركه إذا استخَفَّ بأخبار
الآحاد، فأما متأولاً فلا، وبهذا بطل قول الكعبي: إن المباح واجب؛ إذ هو
ترك الحرام الذي هو واجب؛ لأن الواجب ما يكون لازم الأداء فلا يجوز
تركه، والمباح ما يجوز فعله وتركه، فكانا متنافيين، وليس المباح ترك الحرام،
٦٢٨
۔۔
--

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٠) حديث
بل هو فرد من أفراد ما يترك به المحرم، وليس من شرط الوجوب تحقق
العقاب على الترك خلافاً للغزالي، لجواز العفو عن صاحب الكبيرة، ولذا
خطئ من حَدّ الواجب بأنه الذي يعاقب على تركه.
ولا فرق عند الشافعي بين الواجب والفرض فهما مترادفان عنده فإنه لما
قال بوجوب الفاتحة وتعديل الأركان أفسد الصلاة بتركهما، قلنا: إن أنكر
الاسم فلا معنى له؛ لأنا بيّنا أنه يخالف اسم الفريضة، وإن أنكر الحكم
فكذلك؛ لأن الدليل نوعان: ما لا شبهة فيه كالكتاب والسنة المتواترة، وما فيه
شبهة كخبر الواحد ونحوه، فإذا تفاوت الدليل لم ينكر تفاوت المدلول، ثم
بسط الأمثلة المختلفة بيننا وبينهم.
وأجاد صاحب ((رسائل الأركان))(١) هذا البحث، فقال في مبدأ صفة
الصلاة: لنذكر أولاً مقدمة استخرجتُها من القواعد الشرعية الحنفية، الصلاة
وغيرها من العبادات لها حقيقة شرعية اعتبرها الشارع، واعتبر وجودها، وجعل
لها أركاناً هي داخلة في قوامها إذا فات واحد منها فاتت تلك الحقيقة، ووضع
لتلك الحقائق أسماء، واستعمل الألفاظ اللغوية استعارة، ثم صار عرفاً
للشارع، وجعل وجود تلك الحقيقة متوقفاً على أشياء إذا فات واحد منها بطل
وجود تلك الحقيقة، وخرجت عن بقعة الإمكان، حتى لا يكون ما يرى في
الحسّ بدون تلك الأشياء فرداً للحقيقة.
ورتب على تلك الحقيقة ثواباً في الأجل، وأمر عباده بإيقاع تلك الحقيقة
في العين (٢)، وجعل عدم إتيانها سبباً للعقاب، فالأول: يسمى فرضاً داخلياً في
اصطلاحنا معشر الحنفية، والثاني: وهي الأشياء الموقوفة عليها شرائط وفرائض
خارجية .
(١) ((رسائل الأركان)) (ص ٦٧).
(٢) أي في الخارج.
٦٢٩

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٠) حدیث
وبالجملة؛ إنهم يسمون الأركان والشرائط فرائض، وجعل الشارع أشياء
مكملة لهذه الحقيقة بحيث إذا قارنت تلك الحقيقة صارت وسيلة للثواب العظيم
من ثواب الإتيان بتلك الحقيقة مجردة عنها .
وهذه المكملات ثلاثة أنواع: منها: ما هي في نفسها لو تركت استحق
التارك عقاباً لتركها، لا عقاب ترك تلك الحقيقة، بل يثاب بإتيان تلك الحقيقة،
ويسقط الفرض، وإنما يطالب بإتيان هذه المكملات في تلك الحقيقة، فتلك
الحقيقة شرط لأداء هذه المكملات، وهذه المكملات ليست شرطاً لأداء تلك
الحقيقة، وتسمى هذه المكملات واجبات لا يفوت بفواتها الحقيقة، وإنما
يفوت كمالها .
ومنها: ما هي مكملات يوجب إتيانها في تلك الحقيقة مزيد ثواب على
ثواب إتيان تلك الحقيقة مجردة عنها، وينال بها قرباً خاصاً إلى الله كصلوح أن
يكون شفيعاً في دار الجزاء، وصاحب مشاهدة قوية، ويكون تركها سبباً
لاستحقاق الإساءة دون التعذيب بالنار، ومانعاً عن نيل الدرجات والقرب
الخاص، وتُسمّى هذه المكملات سنناً.
ومنها: ما يكون إتيانها مزيداً في الثواب، ولا يكون تركها سبباً للإساءة
ولا للتعذيب، وتسمى مندوبات ومستحبات وسنناً زوائد، وتلك الحقيقة
الشرعية مجملة في الفرائض من الشروط والأركان والمكملات: الواجبة،
والمسنونة، والمندوبة، ولا يعلم إلا ببيان الشارع، وذلك كالحقيقة الصلاتية،
لها شرائط وأركان تسمى فرائض، ومكملات واجبات وسنناً ومندوبات،
والصلاة مجملة في ذلك كله، وبيَّنهَا رسول الله وَّ بأتم وجه، والبيان لا يجب
أن يكون مقطوعاً كما بُيِّنَ في علم الأصول، والبيان قد يكون بالكتاب والسنة
القولية والفعلية إذا اقترنت قرينة على أن الفعل إنما فعله للبيان، فما بَيَّنه
رسول الله ◌َ أن الحقيقة الصلاتية لا توجد بدونها فهو شرط، وإن بَيَّنَ أنه مع
٦٣٠

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٠) حدیث
فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ، لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئاً، اسْتِحْفَافاً بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ
عِنْدَ اللَّهِ عَهْذٌ
ذلك داخل في الحقيقة فهو ركن، سواء كان هذا البيان مقطوع الثبوت من
كتاب أو سنة مواترة، أو مشهورة، أو ظني الثبوت، كأخبار الآحاد، قطعي
الدلالة، كالنص المفسَّر، أو ظنيها .
وإن وجد الأمر بشيء في الصلاة، ولم يبين أنها تفوت بفواته، ولم يدل
قرينة على أن الأمر لبيان ركن أو شرط، فلا يثبت بهذا الأمر إلا الوجوب،
سواء كان الأمر منقولاً بأخبار الواحد، أو يكون متواتراً، كتاباً كان أو سنةً،
فمناط الفرق بين الواجب والفرض هذا الذي ذكرنا، لا ما يتوهم من ظاهر
كلام ((فتح القدير)) أن ليس بينهما افتراقٌ إلا بأن الثابت بالمتواتر طلبه فهو
فرض ركن، أو شرط، وما بالآحاد، وإن دلت على الدخول فهو واجب، اهـ.
(فمن جاء بهن) وأدَّاهن بحيث (لم يضيع منهن شيئاً)، قال ابن
عبد البر(١): ذهبت طائفة إلى أن التضييع المشار إليه ههنا أن لا يقيم حدودها
من مراعاة الوقت والطهارة وإتمام الركوع والسجود، ويؤيده لفظ الترمذي
وأبي داود: ((من أحسن وضوءهن، وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن
و خشوعهن)) .
(استخفافاً بحقهن). قال الباجي(٢): احتراز عن السهو والنسيان، فمن
نقص منهن شيئاً عالماً بذلك، وقادراً على إتمامه فذلك المستخف الذي لا عهد
له، اهـ.
(كان له عند الله) تبارك وتعالى (عهد) وهو الأمان والميثاق.
قال القاري(٣): العهد حفظ الشيء ومراعاته حالاً فحالاً سمى ما كان
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٥٥/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٢١/١).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١١٤/١).
٦٣١

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦١) حديث
أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ
شَاءَ عَذَّبَهُ إِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ».
أخرجه أبو داود في: ٨ - كتاب الوتر، ٢ - باب فيمن لم يوتر.
والنسائيّ في: ٥ - كتاب الصلاة، ٦ - باب المحافظة على الصلوات
الخمس .
وابن ماجه في: ٥ - كتاب الإقامة، ١٩٤ - باب ما جاء في فضل الصلوات
الخمس والمحافظة عليها .
٢٦١/ ١٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ،
٠
من الله تعالى على طريقة المجازاة لعباده عهداً على جهة مقابلة عهده على
العباد، لأنه وعد القائمين بحفظ عهده أن لا يعذبهم، ووعده حقيق بأن
لا يخلفه، فسمى وعده عهداً لأنه أوثق من كل وعد، اهـ. (أن يدخله الجنة) مع
السابقين، أو من غير تَقَدُّم عذاب، قال الزرقاني: أن يدخله خبر مبتدأ
محذوف، أي هو، أو صفة عهد، أو بدل منه (ومن لم يأت بهن) على الوجه
المطلوب شرعاً (فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه) عدلاً (وإن شاء أدخله
الجنة) برحمته فضلاً.
وهذا نص في أن تارك الصلاة لا يُكَفَّرُ، ولا يتحتم عذابه بل هو تحت
المشيئة، قال الباجي(١): فيه رد لمن قال: لا يغفر له، ولمن قال: إنه كافر،
والمعنى: لم يأت به مع إيمانه، اهـ ملخصاً، قلت: وهو نص قوله عز وجل:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾(٢) وتقدم الكلام
على تارك الصلاة عمداً .
١٥/٢٦١ - (مالك عن أبي بكر بن عمر) بضم العين وفتح الميم عند
(١) ((المنتقى)) (١/ ٢٢٢).
(٢) سورة النساء: الآية ١١٦.
٦٣٢
:
- -

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦١) حديث
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارِ، قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقٍ
◌َّةَ. قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ،
جميع رواة ((الموطأ))، ومنهم يحيى، وهو الصواب، وفتح العين وزيادة واو
وهم، قاله ابن عبد البر(١)، قلت: وكذلك معدولاً في رواية محمد، قال ابن
عبد البر: هو أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن
الخطاب؛ لم يوقف له على اسم، القرشي العدوي المدني، ليس له في
((الموطأ)) ولا الصحيحين إلا هذا الحديث الواحد، قلت: ورقم عليه الحافظ(٢)
للستة غير أبي داود، وقال: له عندهم حديث واحد في الوتر على الدابة، وقال
الخليلي: لا يوقف له على الاسم، وهو مدني، ثقة.
(عن سعيد) بفتح السين المهملة وكسر العين (ابن يسار) بتحتية فسين
مخففة بلفظ ضد اليمين، التابعي ثقة، يكنى أبا الحباب ((الفتح الرحماني))
وغيره، اختلف في ولائه لمن هو؟ فقيل: مولى ميمونة، وقيل: مولى شقران،
أو مولى الحسن بن علي، وقيل: مولى بني النجار، ثم قيل: هو سعيد
بن مرجانة، ولا يصح، قال الحافظ(٣): الصحيح أنه غير سعيد بن مرجانة،
قال ابن عبد البر: لا يختلفون في توثيقه، مات سنة ١١٧هـ، وقيل قبلها، روى
له الستة .
أنه (قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بن الخطاب (بطريق مكة، قال
سعيد) بن يسار الراوي، أعاد ذكره في رواية يحيى، ولفظ محمد: ((فكنت أسير
معه، وأتحدث معه حتى إذا خشيت أن يطلع الفجر، تخلفت، فنزلت
فأوترت))، الحديث. (فلما خشيت) طلوع (الصبح) فيه حجة لمن قال بفوت
وقته بطلوع الفجر، ولفظ محمد أوضح في ذلك.
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٥٦/١).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (١٢ /٣٣).
(٣) ((تهذيب التهذيب)) (٣٠٩/٤).
٦٣٣

-
٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦١) حديث
نَزَلْتُ، فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ. فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟
فَقُلْتُ لَهُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ، فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ
لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، وَاللَّهِ! فَقَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ ل﴿ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ.
أخرجه البخاريّ في: ١٤ - كتاب الوتر، ٥ - باب الوتر على الدابة.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٤ - باب جواز صلاة النافلة على
الدابة في السفر حيث توجهت، حديث ٣٦.
(نزلت) عن مركوبي (فأوترت) على الأرض.
(ثم أدركته) ولحقت به (فقال لي عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلت له:
خشيت الصبح) أي خفت طلوع الفجر بفوات الوتر، وفيه حجة أيضاً لمن قال:
يفوت وقت الوتر بطلوع الفجر لأن ابن عمر لم ينكر على ذاك الخشية، وسيأتي
مذاهب الأئمة فيه (فنزلتَ فأوترت) على الأرض (فقال عبد الله) بن عمر (أليس
لك في رسول الله أسوة) بكسر الهمزة وضمها ما يتأسى به، وهو بمعنى القدوة
(حسنة؟ فقلت: بلى والله) فيه الحلف لما يراد تأكيده وإن لم يحتج إليه (قال)
ابن عمر: (فإن رسول الله ◌َّ كان يوتر على البعير).
قال العيني (١): البعير الجمل الباذل، وقيل: الجذع، وقد تكون
للأنثى، وحكي عن بعض العرب شربت من لبن بعيري، وفي ((الجامع)):
البعير بمنزلة الإنسان، يجمع المذكر والمؤنث من الناس إذا رأيتَ جملاً
على البعد، قلت: هذا بعير، فإذا استثبته قلت: جمل أو ناقة، وتجمع على
أبعرة، وأباعير، وبعران، وبوّب عليه البخاري والمحدثون: ((الوتر على
الدابة)) قال العيني: ترجم بها تنبيهاً على أن لا فرق بينها وبين البعير في
الحكم، اهـ.
(١) ((عمدة القاري)) (١٤/٧/٤).
٦٣٤
- - -

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦١) حديث
استدل به من قال: إن الوتر سنة، لأنهم أجمعوا على أنه لا يصلى
الفرض على الدواب إلا في شدة الخوف خاصة، أو غلبة مطر، ففيه خلاف،
والاستدلال فيه بوجهين: بالمرفوع منه، وبقول ابن عمر الصحابي، ولا يصح
الاستدلال بالمرفوع منه، لأن الوتر كان واجباً عليه ◌َّله فإيتاره على الراحلة لا
يمكن إلا بالعذر.
قال ابن عبد البر(١): أجمعوا على أنه لا يصلى الفرض على الدواب إلا
في شدة الخوف خاصة أو غلبة مطر، بأن كان الماء فوقه وتحته، ففيه خلاف،
فلما أوتر ◌َّ على البعير، علم أنه سنة.
قال الزرقاني: لكن استشكل بأن من خصائصه ◌َّ وجوب الوتر عليه
فكيف صلاه راكباً؟ وأجيب: بأن محل الوجوب الحضر بدليل إيتاره عليه الصلاة
والسلام راكباً في السفر، وهذا مذهب مالك ومن وافقه، والقائل بوجوبه عليه
مطلقاً قال: يحتمل الخصوصية له، أو أنه تشريع للأمة بما يليق بالسنة في
حقهم، وبعده لا يخفى، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، اهـ.
قلت: ولا حجة فيه ولا نصف حجة على من قال بوجوبه؛ لأنهم قالوا :
إنه كان قبل الإيجاب مستحباً، فيمكن حمله على ذاك الأوان سيما إذا ورد
ما يخالفه، أخرج محمد في ((موطئه))(٢) عن سعيد بن يسار: أنه وَّ أوتر على
راحلته، قال محمد: جاء هذا الحديث وجاء غيره فأحبّ إلينا أن يصلي على
راحلته تطوعاً ما بدا له، فإذا بلغ الوتر نزل، فأوتر على الأرض، وهو قول
عمر بن الخطاب وابن عمر، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى.
وقال أيضاً: لا بأس بأن يصلي المسافر على دابته تطوعاً إيماءً، أما الوتر
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٥٦/١).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (١ /٥٧٥ - ٥٧٧).
٦٣٥

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦١) حديث
.
والمكتوبة فإنهما تصليان على الأرض، وبذلك جاءت الآثار الكثيرة عن ابن عمر
وغيره في الإيتار على الأرض، منها: عن مجاهد، قال: صحبت عبد الله بن
عمر من مكة إلى المدينة، فكان يصلي الصلاة كلها على بعيره نحو المدينة إلا
المكتوبة والوتر، فإنه كان ينزل لهما، فسألته عن ذلك؟ فقال: كان رسول الله والله
يفعله، الحديث.
قال العيني(١): واحتجوا بما رواه الطحاوي بسنده عن حنظلة بن
أبي سفيان عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يصلي على راحلته، ويوتر
بالأرض، ويزعم أن رسول الله ◌َّ كذلك كان يفعل، وهذا إسناد صحيح،
قال: فإيتاره ◌َ ﴿ على الراحلة يجوز أن يكون ذلك قبل أن يغلظ أمر الوتر، ثم
أحكم من بعد؛ ولم يرخص في تركه، فالتحق بالواجبات في هذا الأمر،
انتهى .
فعُلِم بذلك أن الاستدلال بالمرفوع لا يصح بوجوه شتى، فلم يبق
الاستدلال فيه إلا بالآثار، فلو صحّ هذا، فيؤول أنه من مذهب ابن عمر،
ومذاهب الصحابة فيه مختلفة، فلو اقتدى أحد بفعل صحابي دون الآخر فلا
ضير فيه، على أنه يروى عن ابن عمر أيضاً بخلاف ذلك كما سيأتي.
والأوجه عندي في الجواب: أن مذهب ابن عمر أن الوتر في السفر سنة،
كالقصر في الفرائض، كما حكي عنه في ((المشكاة)) برواية ابن ماجه، قال في
((الفتح الرحماني)) عن العلامة العيني: قال ابن سيرين وعروة بن الزبير والنخعي
وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا يجوز الوتر إلا على الأرض كما في
الفرائض، وروي ذلك عن عمر وابنه عبد الله في رواية ذكرها ابن أبي شيبة في
((مصنفه))، وعند الطحاوي: أن الوتر على الراحلة قد نسخ، وكان ما فعله
(١) ((عمدة القاري)) (٢٢٩/٥).
٦٣٦
٠٠
-
---
.--
----
--------
----

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦١) حديث
ابن عمر من وتره على رحله قبل علمه بنسخه، ثم لما علمه رجع إليه وترك
الراحلة ، اهـ.
قال العيني(١): وكان مالك يقول: لا يصلى على الراحلة إلا في سفر،
يقصر فيه الصلاة، وروى الطحاوي بسنده عن مجاهد: أن ابن عمر كان يصلي
في السفر على بعيره، فإذا كان في السحر نزل، فأوتر، وأخرج أحمد في
(مسنده))(٢) من حديث سعيد بن جبير: أن ابن عمر كان يصلي على راحلته
تطوعاً، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض، فيحتمل أن ما فعله من الوتر
على الراحلة قبل علمه بالنسخ، ثم لما علمه رجع إليه وترك الوتر على
الراحلة، انتهى.
قلت: فقد حكى مجاهد وحصين والنخعي ونافع، فقد حكوا كلهم عن
ابن عمر إيتاره على الأرض، كما أخرج هذه الآثار محمد في ((موطئه)) فهي
أولى بالقبول، وحكي أيضاً عن هشام بن عروة عن أبيه: أنه كان يصلي على
ظهر راحلته، فإذا نزل أوتر. قال القاري(٣): وما روي عن ابن عمر أنه كان
يوتر على البعير فواقعة حال لا عموم لها فيجوز كون ذلك لعذر، والاتفاق على
أن الفرض يصلى على الدابة لعذر الطين والمطر ونحوه، أو كان قبل
وجوبه، اهـ.
وفي ((التنسيق)) (٤): قال الطحاوي: أما وجه النظر والقياس فيقتضي عدم
جوازه على الراحلة، وبيان ذلك أن الأصل عدم جواز الوتر على الأرض قاعداً
(١) ((عمدة القاري)) (٢٢٨/٥، ٢٢٩).
(٢) ((مسند أحمد)) ح (٤٤٧٦).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٧/٣).
(٤) ((تنسيق النظام)) (ص٨٧).
٦٣٧

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٢) حديث
١٦/٢٦٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ، إِذَا أَرَادَ أَنْ
يَأْتِيَ فِرَاشَهُ، أَوْتَرَ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، يُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ.
مع القدرة على القيام باتفاقهم، فالنظر على ذلك أن لا يصليه في السفر على
راحلته وهو يطيق النزول، ويجوز أن يكون إيتاره ◌َّو على الراحلة يكون قبل
أن يغلظ أمر الوتر، ثم أحكم من بعد، اهـ.
ومبنى الجواب الأول على أن المصير في تعارض الآثار والأخبار إلى
القياس، وهو معاضد لنا، ومبنى الجواب الثاني أن المعلوم من تدرج الأحكام
الشرعية أنه قد كان في مبادئ الإسلام وأوائله تخفيفات كمية وكيفية، ثم
زادت، وكثرت الأحكام وترقت يوماً فيوماً لا سيما في الصلاة من التشديدات
من سدّ باب الكلام والحركة والمشي وقلة الركعات والأفعال الكثيرة، ورد
السلام وغير ذلك، ثم نسخت، وتشددت، وأحكمت الأحكام، وأكمل الدين،
كما قال ابن الهمام في بیان نسخ رفع اليدين، اهـ.
١٦/٢٦٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب) بكسر الياء
وفتحها (أنه قال: كان) أول الخلفاء الراشدين (أبو بكر الصديق) عبد الله بن
عثمان (إذا أراد أن يأتي فراشه) بالكسر ما يفرش جمعه فرش، كذا في
((القاموس))، والمعنى: إذا أراد النوم (أوتر) قبل أن ينام أخذاً بالحزم، وقد
أمر * أبا الدرداء وأبا ذر وأبا هريرة: أن لا ينام أحدهم إلا على وتر (وكان)
ثاني الخلفاء (عمر بن الخطاب يوتر آخر الليل) أخذاً بالقوة.
وأخرج أبو داود(١) عن أبي قتادة: أن النبي و طيور قال لأبي بكر: ((متى
توتر؟))، قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: ((متى توتر؟))، قال: آخر الليل،
فقال لأبي بكر: ((أخذ هذا بالحذر))، وفي نسخة: ((بالحزم))، وقال لعمر: ((أخذ
(١) أخرجه أبو داود في الصلاة (١٤٣٤) باب في الوتر قبل النوم.
٦٣٨

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٢) حديث
٠٠ ٠ ٫
هذا بالقوة))، وأخرجه الحاكم، وصححه على شرط مسلم، وقال العراقي:
إسناده صحيح.
وروي نحوه عن أبي هريرة عند البزار والطبراني في ((الأوسط))، قال:
سأل النبي ◌َ﴾ أبا بكر: ((كيف توتر؟)) قال: أوتر أول الليل، قال: ((حَذِرٌ
كَيِّسٌ))، ثم سأل عمر: «كيف توتر؟))، قال: من آخر الليل، قال: ((قويٌ
مُعَانٌ))، وفي إسناده سليمان بن داود اليمامي، وقد ضعف، وروي نحوه عن
ابن عمر عند ابن ماجه، وصححه الحاكم، وروي نحوه عن عقبة بن عامر عند
الطبراني، قاله الشوكاني(١)، قال ابن عبد البر(٢): لم يفضل النبي ◌ُّ فعل
واحد منهما، ولكلٍّ وجه، اهـ.
قلت: وفيه إباحة تقديم وتأخير، وهو أمر مجمع عليه، والليل كله وقت
له، قال الزرقاني: وأجمعوا على أن مبدأه مغيب الشفق بعد صلاة العشاء،
وكذا نقل عليه الإجماع جماعة من نقلة المذاهب، قال ابن رشد في
(البداية))(٣): اتفقوا على أن وقته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، قال
الشوكاني: والأحاديث تدل على أن جميع الليل وقت للوتر، ولم يخالف في
ذلك أحد، لا أهل الظاهر ولا غيرهم، وقد حكى صاحب ((المفهم)) الإجماع
على أنه لا يدخل وقت الوتر إلا بعد صلاة العشاء، اهـ.
قلت: لكنهم اختلفوا ههنا في مسألة أخرى، وهي أن من صلّى العشاء
قبل وقته في جمع التقديم، هل يجوز له الوتر قبل الشفق؟ قال الشافعية
والحنابلة: نعم، كما صرح أهل فروعهم، وقال المالكية: لا، ففي ((الشرح
(١) ((نيل الأوطار)) (٢٥٢/٢)، و((مجمع الزوائد)) (٢٤٨/٢).
(٢) ((الاستذكار)) (٢٧٦/٥).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٢٠٢/١).
٦٣٩

٧ - كتاب صلاة الليل
(٣) باب
(٢٦٢) حديث
الكبير)) (١): ووقته أي الوتر بعد عشاء صحيحة وبعد شفق، ففعله قبل العشاء أو
بعدها قبل الشفق، كما في ليلة المطر لغو، اهـ. وعندنا الحنفية لا يصح العشاء
بجمع التقديم، فالوتر أولى أن لا يصح.
واختلفوا في آخره، واختلف فيه نقلة المذاهب جداً، ولذا اعتمدنا على
كلام أهل الفروع بعد نقل شيء من أقوال شراح الحديث.
وتقدم قول ابن رشد: إن العلماء اتفقوا على أن وقته بعد صلاة العشاء
إلى طلوع الفجر، قال الشوكاني(٢): وفي وجهٍ لأصحاب الشافعي: أنه يمتدُّ
بعد طلوع الفجر إلى صلاة الصبح، وفي وجهٍ آخر: يمتد إلى صلاة الظهر،
وفي وجهٍ: أنه يصح قبل العشاء، وهو ضعيف، صرح بذلك العراقي
وغيره، اهـ.
قال الحافظ في ((الفتح)): وحكى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن
الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة
الصبح، وحكاه القرطبي عن مالك والشافعي وأحمد، وإنما قاله الشافعي في
القدیم، اهـ.
وفي (الشرح الكبير)) للمالكية: ووقته المختار ينتهي للفجر أي لطلوعه،
وضروريّه من طلوع الفجر للصبح، أي لتمامها، وكره تأخيره لوقت الضرورة
بلا عذر، وندب قطعها أي الصبح له أي للوتر لفَذَّ لا مؤتم، وفي الإمام
روايتان، اهـ.
وفي ((التوشيح)) للشافعية: ووقته بين صلاة العشاء وطلوع الفجر، وكذا
في ((شرح الإقناع)) وغيره، وفي ((نيل المآرب))(٣) من فقه الحنابلة: ووقته أي
(١) (٣١٧/١).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٢٥١/٢).
(٣) انظر: ((نيل المآرب)) (١٩٧/١).
٦٤٠
1