النص المفهرس

صفحات 581-600

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٥) حدیث
يُصَلَّى أَرْبَعاً، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً، فَلا
نَسْأُل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّ ثَلاثَاً.
ينافيه زيادة ما صلاه بعد العشاء من صلاة التراويح، أو يقال: ما يزيد عندها
فلا ينافي ما ثبت من الزيادة عند غيرها، لأن الزيادة مقبولة، ومن حفظ حجة
على من لم يحفظ، اهـ.
(يصلي أربعاً) أي أربع ركعات (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) يعني لما
أنهن في نهاية من كمال الحسن والطول، وظهورهن مستغنيات عن السؤال في
كمالهن وبيان الوصف فيهن (ثم يصلي) بعد تلك الأربع (أربعاً) أخرى (فلا
تسأل عن حسنهن وطولهن) أيضاً لما تقدم، وهذا ظاهر في أنه نَّ قد يصلي
أربعاً أربعاً، ومؤيد لمن قال: إن قوله ◌َّ: ((صلاة الليل مثنى مثنى)) احتراز عن
البتيراء لا عن الأربع، وإثبات للتشهد بعد كل ركعتين، وإلا فينافي فعله
قوله عَ لىالله
وَعَلِيلٌ .
وما تأوله بعض من ذهب إلى أفضلية الركعتين بأن المراد أربع ركعات مع
التسليم بينها خروج عن ظاهر اللفظ بلا حجة، ومحال أن يأمر النبي وَال
بشيء، ويديم على خلافه، وقد ثبت عنه وَّ أربع ركعات في غير موضع
واحد، فلا بدّ من أن يحمل قوله وَلير: ((مثنى مثنى)) على الاحتراز عن الواحد،
واستدل به على أفضلية تطويل القيام على كثرة الركوع والسجود وهو نص
حديث: ((أفضل الصلاة طول القنوت))، وهو مذهب الحنفية، والمسألة خلافية
كما في (هامش الكوكب))(١).
(ثم يصلي ثلاثا) أي ثلاث ركعات يوتر بها عند الحنفية، ويؤيدهم لفظ
مسلم: (ثم أوتر بثلاث))، وعند المالكية وغيرهم: يوتر منها بواحدة، والظاهر
يؤيد الأول بل هو المتعين، وأصرح من ذلك حديثها عند أبي داود: ((كان وَّل
(١) (٣٥٤/١ - ٣٥٥).
٥٨١

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٥) حديث
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ:
(يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلا يَنَامُ قَلْبِي)) .
أخرجه البخاريّ في: ٣١ - كتاب صلاة التراويح، ١ - باب فضل من قام
رمضان .
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١٧ - باب صلاة الليل وعدد
ركعات النبيّ ◌َّر في الليل، حديث ١٢٥.
يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث))، الحديث.
(قالت عائشة: فقلت:) بفاء العطف على السابق قاله الزرقاني (يا
رسول الله أتنام قبل أن توتر؟) بهمزة الاستفهام، قال الباجي: يحتمل معنيين،
أحدهما: كان ينام بأثر صلاة العشاء قبل أن يوتر ثم يقوم من الليل لصلاته
ووتره، ويحتمل أن تكون أرادت أنه صلى أربعاً ثم نام (فقال) مَّ: (يا عائشة
إن عيني تنامان ولا ينام قلبي).
قال الباجي(١): يعني أنه لا ينام عن مراعاة الوقت، وهذا مما خص به
النبي ول# من أمر النبوة والعصمة، ولذلك كان النبي ◌ّ لا يحتاج إلى الوضوء
من النوم، اهـ.
قال ابن العربي(٢): فيه بيان لخروجه ول عن جملة الآدميين في أن نومه
ويقظته سواء في حفظ حاله وصيانة عبادته، وذلك لأن النوم آفة يسلطها الله
تعالى على العبد يخلع فيها السلطنة التي للنفس على البدن، فيستريح من
خدمتها في أغراضها، ويقطع تلك العلاقة التي بينهما، فيبقى البدن مستريحاً،
فأخبر وه أن النوم إنما يحل عينه لا قلبه، فإن أحواله محفوظة عنده خصيصة
خص بها، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢١٦/١).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (٢٢٩/٢).
٥٨٢
------
-- -

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٦) حديث
٢٥٦/ ١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِِّ يُصَلَّي
قلت: المشهور أن هذا الحديث معارض لقصة الوادي ليلة التعريس،
وأجيب عن التعارض بأجوبة: منها: ما قاله النووي: إن طلوع الفجر والشمس
متعلق بالعين لا بالقلب، وقيل: إنه كان في وقت ينام قلبه، وفي وقت لا ينام
فصادف الوادي نومه، وقيل: إن القلب يسهو يقظة لمصلحة التشريع فنوماً
أولى، وقيل غير ذلك، وأياً ما كان لو حمل الحديث على خوف الفوت يكون
فيه حجة على وجوب الوتر، فإنه لا يخالف إلا على فوت الواجب، قاله
القاري(١).
لكن الراجح عند مشايخي: أن الحديث من أبواب نواقض الوضوء،
فعائشة لما عهدت من الأول نقض الوضوء بالنوم، ورأته وَّير يوتر بعد النوم من
غير أن يجدد وضوءاً سألت عن ذلك، فأجابها وَّ بعلة عدم النقض. وفي
خصائصه وتقدير عدم نقض وضوئه بالنوم، قال النووي في ((تهذيب اللغات)):
ولا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعاً، اهـ. قال الشامي: قال في ((البحر)): صرح
في ((القنیہ)) أنه من خصوصياته ێۆل .
قال الزرقاني: قال الحافظ: ولا يلزم من كون نومه لا ينقض الوضوء أن
لا يقع منه حدث وهو نائم، نعم خصوصيته أنه إن وقع شَعَرَ بخلاف غيره، اهـ.
فلا يشكل إذاً أن كون النوم حدثا كان بسبب توهم خروج النجاسة، وهذا الأمر
متساوٍ بين الأنبياء وغيرهم لاسترخاء المفاصل.
١٠/٢٥٦ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن
عائشة أمّ المؤمنين) زوج النبي ول أنها (قالت: كان رسول الله له) تارة (يصلي
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٧٨/٢)، و ((لمعات التنقيح)) (٣٣/٣).
٥٨٣

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٦) حديث
بِاللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّ - إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ -
رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ .
أخرجه مسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١٧ - باب صلاة الليل وعدد
ركعات النبيّ وَّ في الليل، حديث ١٢٣.
بالليل ثلاث عشرة ركعة) للتهجد (ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح) أي أذان
الفجر (ركعتين خفيفتين) سنة الفجر، سيأتي الكلام على خفتهما في محله.
قال الباجي(١): ذكرت في هذا الحديث ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي
الفجر، وفي المتقدمة أنه لو كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، وقد ذكر
بعض من لم يتأمل أن رواية عائشة - رضي الله عنها - اضطربت في الحج،
والرضاع، وصلاة النبي ◌َّل﴾ بالليل، وقصر الصلاة في السفر، وهذا غلط منه
وسهو عن وجه التأويل، ولو اضطربت روايتها في صلاة النبي ◌َّر بالليل مع
مشاهدتها له مدة عمرها في حياته لوجب أن يكون اضطراب روايتها فيما لم
تشاهده إلا مرة أو مرتين أشد، ولا تصح لها رواية، وقد أجمع من تعلق بشيء
من العلم على أنها من أحفظ الصحابة فكيف بغيرها، وإنما حمله على ذلك قلة
معرفته بمعاني الكلام ووجوه التأويل.
ورواية عائشة في ذلك تحتمل وجهين :
أحدهما: أنه كان ◌َلّ تختلف صلاته بالليل لأنه لا حَدَّ لصلاة الليل،
فمرة كانت تخبر بما شاهدت منه في وقتٍ ما، ومرة كانت تخبر بما شاهدت
منه مَّ في غيره، وإنما قالت: إنه ◌َّ لا يزيد في رمضان ولا في غيره على
إحدى عشرة ركعة، تريد صلاته المعتادة الغالبة، وإن كان ربما يزيد في بعض
الأوقات على ذلك، فقصدت في تلك الرواية الإخبار عن غالب صلاته وَليل،
وذكرت في هذه الرواية أكثر ما كانت تنتهي إليه صلاته وميّ في الأغلب.
والوجه الثاني: أن تكون - رضي الله تعالى عنها - تقصد في بعض
(١) ((المنتقى)) (٢١٦/١).
٥٨٤
-- -
- -
1

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
١١/٢٥٧ - وحدثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ
الأوقات الإخبار عن جميع صلاته في ليلة، وتقصد في وقت ثانٍ إلى ذكر نوع
من صلاته في الليل، وجميع صلاة النبي ◌َّ بالليل في رواية عائشة خمس
عشرة مع الركعتين الخفيفتين وركعتي الفجر، فعائشة كانت تخبر بالأمر على
وجوه شتى، ولعله أن يكون ذلك على قدر أسباب السؤال، انتهى.
وقال القرطبي: أشكلت روايات عائشة على كثير من العلماء حتى نسب
بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا يتم لو كان الراوي عنها واحداً،
وأخبرت عن وقت واحد، والصواب أن كل شيء ذكرته من ذلك محمول على
أوقات متعددة، وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز، اهـ.
وفي ((الصحيح)) عن مسروق: سئلت عائشة عن صلاة رسول الله وله
بالليل فقالت: سبعاً وتسعاً وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر، ومعناه: أنه وقع
ذلك في أوقات مختلفة فتارة سبعاً، وتارة غير ذلك.
١١/٢٥٧ - (مالك عن مخرمة) بإسكان الخاء وفتح باقي الحروف، وفي
رجال ((جامع الأصول)) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة والراء، وقال العيني
في ((شرح البخاري)): بفتح الميم وسكون الخاء وفتح الراء، وفي ((المغني)) (١)
بمفتوحة وسكون معجمة ففتح، اهـ. فما في ((الفتح الرحماني)) بضم الميم سهو
من الناسخ (ابن سليمان) الأسدي الوالبي، بكسر اللام والموحدة، نسبة إلى
بني والبة بالولاء، وهو والبة بن الحارث بن ثعلبة ((الفتح الرحماني)). وفي
(الأنساب)): بفتح الواو وكسر اللام والباء المنقوطة بواحدة، نسبة إلى والبة
حي من بني أسد، اهـ. قال في ((الإسعاف)): الأسدي المدني، قتلته الحرورية
بقديد سنة ١٣٠هـ وهو ابن سبعين سنة(٢).
(١) (ص٢٢٥).
(٢) مخرمة بن سليمان. له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٧١/١٠)، و((سير أعلام النبلاء))
(٤١٧/٥).
٥٨٥

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
كُرَيْبِ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاس؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاس أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً
عِنْدَ مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ مَّهِ، وَهِيَ خَالَتُهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ
.
(عن كريب)(١) بضم الكاف وفتح الراء وسكون الياء والباء الموحدة ابن
أبي مسلم كما في كتب الرجال، وفي ((الفتح الرحماني)) بدون لفظ أبي،
والظاهر أنه سهو من الناسخ، الهاشمي، مولاهم المدني يكنى بأبي رشدين،
قال في ((الفتح الرحماني)) عن ((المصباح)): بكسر الراء وسكون الشين المعجمة
وكسر الدال المهملة فسكون المثناة التحتية ثم نون، اهـ. (مولى) عبد الله (بن
عباس) وثقه ابن معين وغيره، مات بالمدينة سنة ٩٨هـ
(أن) مولاه (عبد الله بن عباس) الحِبْر ترجمان القرآن (أخبره) أي كريباً
(أنه) أي ابن عباس (بات) من البيتوتة أي رقد (ليلة) من الليالي (عند ميمونة)
أمّ المؤمنين (زوج النبي ◌َّر وهي) أي ميمونة (خالته) أي خالة ابن عباس، لأن
أمه لبابة بنت الحارث بن حزن أخت أمّ المؤمنين ميمونة بنت الحارث لأبويها .
وكانت لبابة الكبرى ولبابة الصغرى وعصماء وعزة وهزيلة وميمونة
أخوات لأب وأم، وأخواتهن لأمهن أسماء وسلمى وسلامة بنات عميس،
وأمهن كلهن هند بنت عوف، كذا في ((تهذيب الحافظ)»(٢).
وقد وقع الاختصار ههنا في الرواية، ووقع في روايات الصحاح هناك
زيادات من أن أباه أرسله إلى النبي ◌ّ في ذود، وأنه قال: إني أريد أن أبيت
عندكم، وأنه وَّل قال له: (بت الليلة عندنا))، وأنه قال: فقلت: أي في قلبي لا
أنام حتى أنظر إلى ما يصنع رسول الله وَّ وغير ذلك.
(قال) ابن عباس (فاضطجعت) أي وضعت جنبي بالأرض، قال
(١) انظر ترجمته في: ((إسعاف المبطأ)) (ص٢١٨)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٣٣/٨)، و((سير
أعلام النبلاء)) (٤٧٩/٤).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (٤٥٣/١٢).
٥٨٦

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
فِي عَرْضِ الْوِسَادَةَ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ وَأَهْلُّهُ، فِي طُولِهَا، ..
العيني(١): ذكره بالمتكلم، وذكر الأول بلفظ الغائب، وهو من تفنن العبارة،
يقال له الالتفات، اهـ، ثم كان سنه إذ ذاك أكثر من عشر سنين، فإنه وُلِد من
قبل الهجرة بثلاث، وتزوج ميمونة في عمرة القضاء سنة سبع، فتأمل، وسيأتي
أنه لا يمنع النوم معهما .
(في عرض) قال في ((الفتح الرحماني)): بفتح العين عند أكثر المشايخ،
ووقع عند جماعة منهم الطبري والأصيلي بضم العين، والأول أظهر، قال
الزرقاني: بفتح العين على المشهور، وبضمِّها أيضاً، وأنكره الباجي نقلاً
ومعنىً، وقال العسقلاني: صحت به الرواية فلا وجه للإنكار، اهـ.
قال العيني: بفتح العين وسكون الراء، وقال السفاقسي: ضم العين غير
صحيح، ورويناه بفتحها عن جماعة، وقال أبو عبد الملك: روي بفتح العين
وهو ضد الطول، وبالضم الجانب، والفتح أكثر، وقال الداودي: بضم العين،
وأنكره الباجي، اهـ. وقال النووي: بفتح العين، هكذا نقله عياض عن رواية
الأكثرين، قال: ورواه الداودي بالضم وهو الجانب، والصحيح الفتح، اهـ.
(الوسادة) ما يوضع عليه الرأس للنوم، ولمحمد بن نصر وسادة من أدم
حشوها ليف، واختار الباجي أن المراد بها الفراش كما سيجيء، والوجيه
الأول، (واضطجع رسول الله ﴿ وأهله) أي ميمونة، وكانت حائضاً كما في
رواية طلحة بن نافع عند ابن خزيمة (في طولها).
قال الباجي(٢): الوسادة: الفراش الذي ينام عليه، فكان اضطجاعه في
عرضها عند رؤوسهما، أو عند أرجلهما(٣). وقال الداودي: هو ما يضعون
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٢٢/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٧/١).
(٣) كذا في ((الاستذكار)) (٢٤٦/٥).
٥٨٧

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
عليه رؤوسهم عند النوم، فوضعا رؤوسهما في طولها ووضع ابن عباس في
عرضها، قال الباجي: وهذا ليس ببيِّنٍ عندي، ولو كان الأمر على ذلك لقال
يتوسّدُ رسول الله وَّه وأهله طول الوسادة وتوسد ابن عباس عرضها، اهـ.
فقوله: اضطجع في عرضها يقتضي أن يكون العرض محل الاضطجاع،
ولا يصح ذلك إلا أن يكون فراشاً، قال النووي: والمراد بالوسادة الوسادة
المعروفة التي تكون تحت الرؤوس، ونقل القاضي عن الباجي والأصيلي
وغيرهما: أن الوسادة ههنا الفراش، لقوله: اضطجع في طولها، وهذا ضعيف
أو باطل، انتهى.
قلت: واختار مشايخي ما قاله الداودي، والنووي، وهو نص رواية
أبي زرعة الرازي، في ((العلل)) عن ابن عباس: ((أتيت خالتي ميمونة، فقلت:
إني أريد أن أبيت عندكم، فقالت: كيف تبيت؟ وإنما الفراش واحد، فقلت:
لا حاجة لي بفراشكم أفرش نصف إزاري، وأما الوسادة فإني أضع رأسي مع
رأسكما من وراء الوسادة))، الحديث. وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما قاله الباجي
كما قدمنا، بل اضطجع النبي ◌ّر وأهله على فراشهما، واضطجع ابن عباس
على إزاره، واشترك الوسادة بينهم فتوسدا طولها، وتوسَّد ابن عباس عرضها .
وما قال القاري في ((شرح الشمائل)»(١): وكان نام تحت رجليه تأدباً.
وتبركاً، اهـ، تأباه رواية أبي زرعة المذكورة، وتقدم أنه لم يكن عندها فراش
غيره، ولذلك ناموا جميعاً فيه، وهذا نهاية ما يكون من تقريب النبي ◌َّ لأهله
وأهل ميمونة زوجه، اهـ.
وفيه أيضاً كمال الزهد والاكتفاء من الدنيا باليسير، ثم لا يشكل على
الحديث بما يظهر من كلام الباجي أن سن ابن عباس إذ ذاك أكثر من عشرة
(١) ((جمع الوسائل)) (٦٨/٢).
٥٨٨
.-----

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ فِ لهِ، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلِ، أَوْ بَعْدَهُ
بِقَلِيل، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿، فَجَلَسَ يَمسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ،
ثُمَّ قَرَّأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَواتِمَ مِنْ سُورَةِ آَلٍ عِمْرَانَ.
أعوام، وهو سن يمنع من أن يرقد من بلغه مع أحد من الأجانب، أو ذوي
المحارم دون حائل بينهما، اهـ، فإنه كله متفرع على ما بناه أولاً من أن المراد
بالوسادة الفراش، واضطجع كلهم على فراش واحد.
ولو سُلِّم هذا أيضاً فلا يخطر في البال فيه مانع لأن الاضطجاع عند
الأرجل أو عند الرؤوس لا يدخل في المنع أصلاً.
(فنأم رسول الله (18) بعد أن تحدث مع أهله ساعة، كما في رواية البخاري
ومسلم (حتى إذا) ظرفية أو شرطية (انتصف الليل) تخميناً وتقريباً كما يدل عليه
قوله (أو قبله بقليل أو بعده بقليل) على معنى التحري، والتقريب، وهو الظاهر.
وقال القاري: يحتمل الشك من الراوي عن ابن عباس أو دونه، قلت:
وفي رواية البخاري: حتى انتصف الليل أو قريباً منه، وفي أخرى له الجزم
بثلث الليل الأخير، قال الحافظ: ويجمع بينهما بأن الاستيقاظ وقع مرتين، في
الأولى نظر إلى السماء ثم تلا الآيات، ثم عاد إلى مضجعه، فنام يعني بعد
البول والوضوء كما ورد، وفي الثانية أعاد ذلك، ثم توضأ وصلى.
(استيقظ رسول الله ◌َو) جزاءً على كون (إذا) شرطية ومتعلق لها على كونها
ظرفية (فجلس) وَّ حال كونه (يمسح)، وفي بعض النسخ: (فمسح) بفاء العطف
(النوم) أي أثره، أو المراد به العينان من إطلاق اسم الحال على المحل (عن
وجهه) ◌َّ، قال الباجي: يحتمل الوجهين أراد به إزالة النوم من الوجه، أو إزالة
الكسل بمسح الوجه، (بيده) بالإفراد، أي يمسح بيده عينيه أو الوجه.
(ثم قرأ) وَّر (العشر الآيات) من إضافة الصفة للموصوف، ويجوز دخول
لام التعريف على العدد عند الإضافة نحو الثلاثة الأثواب، قاله العيني.
(الخواتم) بالنصب لأنه صفة العشر جمع خاتمة، أي أواخر (من سورة آل
عمران) فيه إباحة قول ذلك، وكرهه بعض السلف، وقال: بل يقال: السورة
٥٨٩

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
ثُمَّ قَامَ إِلَى شَرِّ
التي تذكر فيها آل عمران، قال النووي: والصواب الأول، وبه قال عامة
العلماء من السلف والخلف، وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، ولا لبس
في ذلك، انتهى.
والمراد بها: ﴿إِنَ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخر السورة، وفي
رواية ((الصحيحين)): حتى ختم السورة، وورد في نزول هذه الآيات كما ذكره
الحافظ في التفسير؛ أتت قريش اليهود، فقالوا: أيما جاء به موسى؟ فقالوا:
العصا ويده، الحديث، إلى أن قال: فقالوا للنبي وَ لو: اجعل لنا الصفا ذهباً،
فنزلت هذه الآية.
وأُشْكِل بأن السورة مدنية وقريش من مكة، وأجيب: بأن الظاهر أنهم
أتوا إلى المدينة زمن الهدنة، ثم قال الباجي: يحتمل أن يفعل ذلك ليبتدئ
يقظته بذكر الله كما ختمها بذكره عند نومه، ويحتمل أنه فعل ذلك ليتذكر ما ندب
إليه من العبادة، وما وعد على ذلك من الثواب، فإن هذه الآية جامعة لكثير من
ذلك ليكون ذلك تنشيطاً له على العبادة، اهـ.
قال ابن عبد البر(١): فيه قراءة القرآن على غير وضوء، ولا خلاف فيه،
وقال ابن بطال: فيه حجة على من كره قراءة القرآن على غير وضوء، وتعقب
بأنه متفرع على أن نومه { 18 ناقض، وليس كذلك، ووضوؤه وَّل يحتمل
التجدد .
(ثم قام) ◌َّ (إلى شن) بفتح الشين المعجمة وشد النون، قربة خلقة من
أدم، قال الباجي(٢): هو السقاء البالي، وفي ((المجمع)): الشنان جمع شنٍ
وشنة وهي أشد تبريداً للماء من الجدد، قال المجد: الشن، وبهاء، القربة
(١) قال ابن عبد البر: وما أعلم خلافاً في جواز قراءة القرآن على غير وضوء ما لم يكن
حدثه جنابة. ((الاستذكار)) (٢٤٧/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٨/١).
٥٩٠
- .
- . -

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
مُعَلَّقٍ فَنَوَضَّأَ مِنْهُ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ،
٠٠٠٠٠٠٠٠
٠٠
الخلق الصغيرة، وقال العيني في ((التفسير)): هو القربة التي عتقت، ويبست من
الاستعمال (معلق) تذكيره باعتبار لفظه. وفي رواية البخاري معلقة بالتأنيث
الإرادة القربة، قال العيني (١): الشن يُذَكَّرُ ويُؤنَّث، فالتذكير باعتبار لفظه أو
باعتبار الأدم والجلد، والتأنيث باعتبار القربة، اهـ، وتعليق القربة يكون لتبريد
الماء غالباً، وقد يكون لمجرد صيانتها عن القذر والوسخ.
(فتوضأ) مَ﴾ وتسوّك كما في رواية مسلم (منها) أي من القربة، وفي
بعض النسخ بالتذكير أي من الشن، ويخالفه رواية محمد بن الوليد كما نقلها
الحافظ بلفظ: ((ثم استفرغ من الشن في إناء ثم توضأ))، قلت: ويجمع
بالمجاز، أو التعدد.
قال القاري: لا تنافي بين هذه الروايات لأن في بعضها زيادة فيعمل بها،
وإن سكتت الرواية الأخرى عنها، لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ،
وليست الواقعة متعددة حتى يحمل الاختلاف عليها، وإنما هي واحدة، اهـ.
قلت: ولكن تقدم تعدد الوضوء فيمكن الجمع ههنا بالتعدد أيضاً، وقد
ورد الوضوء في بعض طرق هذا الحديث ثلاث مرات.
(فأحسن وضوئه) أي أتمَّه .
قال الباجي: يقال: أحسن فلان كذا بمعنيين، أحدهما: أنه أتى به على
أكمل هيئته، والثاني: أنه علم كيف يأتي به، يقال: فلان يحسن صنعة كذا،
يعني يعلم كيف يصنع، أهـ.
قلت: والمراد ههنا الأول، ولابن خزيمة: وأسبغ الوضوء، وللبخاري
في رواية عمرو بن دينار عن كريب: ((فتوضأ وضوءاً خفيفاً)) ويجمع بينهما
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٢٣/٢).
٥٩١

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي.
قَالَ ابْنُ عَبَّاس: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ
برواية الثوري في ((الصحيحين)) فتوضأ وضوءاً بين وضوئين، لم يكثر وقد أبلغ.
ولمسلم: ((فأسبغ الوضوء ولم يمَسَّ من الماء إلا قليلاً)).
وحاصل الجمع أنه عليه الصلاة والسلام أتى بجميع المندوبات مع
تخفيف الماء ولم يكثر صبه، كما هو نص رواية مسلم، ويحتمل أن تحمل
الروايات على تعدد الوضوء، فإنه تقدم أنه عليه الصلاة والسلام كرر الوضوء
في تلك الليلة.
(ثم قام يصلي) ولمحمد بن نصر في ((قيام الليل)): ثم أخذ بُرداً له
حضرمياً، فتوَشَّحه، ثم دخل البيت فقام يصلي.
(قال ابن عباس) عبد الله (فقمت) أي من مضجعي، فتمطَّيْت كراهية أن
يرى أني كنت أنتبه له، كذا في رواية لمسلم (فصنعت مثل ما صنع) يحتمل أنه
فعل جميع ما ذكر من القول والنظر والسواك والوضوء والتوشح وغير ذلك،
ويحتمل أن يحمل على الأغلب إذ المثلية لا تقتضي المساواة من كل جهة،
فيحمل على الوضوء فقط، كما تدل عليه رواية البخاري في باب التخفيف في
الوضوء بلفظ: فتوضأت نحواً مما توضأ ثم جئت فقمت، الحديث.
أ
(ثم ذهبت) إلى النبي ◌َل﴾ واقتديت به، قال الباجي: هذا يدل على أن
المأموم يأتمُّ بمن لم ينوِ أن يؤمّ، وبهذا قال مالك، وقال الشافعي: لا يجوز
أن يقتدى به حتى يؤم ذلك الإمام عند إحرامه، وقال أبو حنيفة: يأتمّ به الرجل
ولا يأتم به النساء، اهـ. وبوّب البخاري على الحديث: ((إذا لم ينو الإمام أن
يؤم ثم جاء قوم فأمَّهم))، اهـ.
قال العيني(١): لم يذكر المصنف جوابَ إذا لأن في المسألة اختلافاً في
(١) ((عمدة القاري)) (٣٢٧/٤).
٥٩٢
٠٠
-- -----
--

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
٠٠٠ ٠
أنه هل يشترط للإمام أن ينوي الإمامة أم لا؟ وحديث الباب لا يدل على النفي
ولا على الإثبات، والمذهب عندنا في المسألة نية الإمام الإمامة في حق
الرجال ليست بشرط، لأنه لا يلزمه باقتداء المأموم حكم، وفي حق النساء
شرط عندنا لاحتمال فساد صلاته بمحاذاتها إياه، وقال زفر ومالك والشافعي :
ليست بشرط كما في الرجال، وقال الثوري وأحمد في رواية وإسحاق: على
المأموم الإعادة إذا لم ينو الإمام الإمامة، وعن ابن القاسم مثل مذهب
أبي حنيفة، وعن أحمد: أنه شرط أن ينوي في الفريضة دون النافلة، اهـ.
قلت: والاختلاف بين الباجي والعيني في نقل مذهب الشافعي لعله مبني
على اختلاف رواياته كما يظهر من كلام الحافظ في ((الفتح)) إذ قال: والأصح
عند الشافعية أنه لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة، اهـ. فعلم
أن مذهب الجمهور جواز الاقتداء في الرجال، ومسألة النساء مختلف فيها عند
الأئمة .
لا يقال: يحتمل أنه صادف دخوله في الصلاة افتتاح النبي بَلّ فنوى
النبي ◌َّ صلاته؛ لأنه يأبى عنه إدارته ◌َّليل إياه في الصلاة، فلو صادف الافتتاح
لأداره قبل ذلك، قلت: ويؤيد الجمهور أيضاً ما سيأتي في ((جامع سبحة
الضحى)) من أثر عمر إذ جاء يرفأ بعد شروع الصلاة واقتدى.
قال الحافظ(١): واستدل ابن المنذر أيضاً بحديث أنس: أنه وَّل صلى في
شهر رمضان قال: فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء آخر، فقام إلى جنبي ..
الحديث. وهو ظاهر في أنه مَّ لم ينو الإمامة ابتداء، وأتموا به، وأقرهم
عليه، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم، وعلقه البخاري.
وذهب أحمد إلى التفرقة بين النافلة والفريضة، فشرط أن ينوي في
(١) ((فتح الباري)) (٢٣٦/٢).
٥٩٣

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي،
وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُّمْنَى يَفْتِلُهَا،
الفريضة دون النافلة، وفيه نظر، لحديث أبي سعيد: أنه ◌ّ رأى رجلاً يصلي
وحده فقال: ((ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه))، أخرجه أبو داود،
وحسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاکم، انتھی.
(فقمت) أي مقتدياً به (إلى جنبه) الأيسر، ولفظ البخاري في الإمامة:
((فقمت عن يساره فأخذني فجعلني عن يمينه))، وبوّب عليه البخاري(١): ((إذا قام
الرجل عن يسار الإمام فحوله الإمام إلى يمينه لم تفسد صلاتهما)).
قلت: وسيأتي عن أحمد أنه قال: تفسد صلاة المأموم إذا قام عن يساره.
(فوضع رسول الله يز يده اليمنى على رأسي) وأداره فجعله عن يمينه،
وذلك لأن المأموم إذا كان واحداً. فسنته أن يقف عن يمين الإمام، كما قاله
جمهور الفقهاء، وقال ابن المسيب: يقوم عن يساره، قاله الباجي، ومن قام
عن يسار الإمام لم تبطل صلاته عند الجمهور، وعن أحمد: تبطل لأنه وَلّ لم
يقره على ذلك، قال الحافظ: والأول قول الجمهور، وقال سعيد بن المسيب:
موقف الواحد يسار الإمام، ولم يتابع على ذلك، اهـ.
(وأخذ) ◌َليّ (بأذني) بضم الهمزة والذال المعجمة، قاله الزرقاني، وفي
((الفتح الرحماني)): بسكون الذال، وكلاهما يصح، قال المجد: الأذن بالضم
وبضمتين معروف جمعه آذان (اليمنى) حال كونه وَ لير (يفتلها) أي يدلكها،
ظاهره أن أخذ الأذن كان لإدارته من اليسار إلى اليمين، ويؤيده رواية البخاري
في ((التفسير)): ((فأخذ بأذني فأدارني عن يمينه))، ويحتمل أن يكون بعد الإدارة
لمصلحة أخرى، ويؤيده رواية محمد بن نصر: ((فعرفت أنه إنما صنع ذلك
ليؤنسني بيده في ظلمة الليل))، ولمسلم: ((فجعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني))
فالظاهر أن الدلك كان متعدداً .
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٣٥/٢) كتاب الأذان، باب رقم (٥٨).
٥٩٤
٠ . . .----

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثم
ركعتين ثُمَّ أَوْتَرَ،
قال القاري(١): قيل: وفتلها إما لينبهه على مخالفة السنة، أو ليزداد تيقظه
لحفظ تلك الأفعال، أو ليزيل ما عنده من النعاس، لرواية: ((فجعلت إذا
أغفيت أخذ بشحمة أذني)) الحديث. قال الحافظ: أخذ بأذنه أولاً لإدارته من
الجانب الأيسر إلى الأيمن، ثم أخذ بها أيضاً لتأنيسه لكون ذلك ليلاً.
(فصلى ركعتين ثم ركعتين) ظاهر لفظ ((ثم)) للفصل، ووقع التصريح به في
رواية طلحة بن نافع حيث قال فيها: يسلم من كل ركعتين، ويؤيده رواية مسلم
من رواية علي بن عبد الله بن عباس بتصريح الفصل، وأنه استاك بين كل
ركعتين إلى غير ذلك (ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين) ذكرها ست
مرات، فالجملة ثنتا عشرة ركعة غير الوتر.
(ثم أوتر) بواحدة عند من قال به مستنبطاً من لفظ الصحيحين، فتكاملت
صلاته ثلاث عشرة ركعة، لأنه ﴾ل إذا صلّى ركعتين ركعتين ست مرات،
فتكاملت الركعات ثنتي عشرة ركعة، وكانت صلاته وَّر ثلاث عشرة ركعة، فلم
يبق الوتر إلا ركعة واحدة، وأوتر بثلاث ركعات عند من قال به، كما هو
منصوص رواية النسائي ومسلم، ولفظها عن ابن عباس قال: كنت عند النبي
صَلىالله
فقام فتوضأ واستاك وهو يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
الآية، ثم صلى ركعتين، ثم عاد فنام حتى سمعت نفخه، ثم قام فتوضأ،
الحديث، وفي آخره: وأوتر بثلاث، أخرجه النسائي بطرق، واللفظ له.
وأنت خبير بأن النص قاضٍ على الظاهر، فيحمل على أن الركعتين
الأخيرتين من رواية الباب متضمنتان إلى الوتر، ولا يذهب عليك أن رواية
الباب تدل على أنه ﴾ صلّى تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر،
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٢٢/٢).
٥٩٥

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
واختلفت الرواة في ذكر الركعات في تلك الليلة، كما بسطها الحافظ في
((الفتح)).
قال الزرقاني(١) تبعاً للحافظ (٢): واتفق أكثر أصحاب كريب على أنه وَل
صلّى تلك الليلة ثلاث عشرة ركعة وركعتي الفجر. وفي رواية شريك عنه عند
البخاري: ((فصلّى إحدى عشرة ركعة، ثم أذّن بلال فصلّى ركعتين))، فخالف
شريك الأكثر، وروايتهم مقدمة على روايته لما معهم من الزيادة، ولكونهم
أحفظ منه، وحمل بعضهم الزيادة على الركعتين بعد العشاء، وبُعْدُه لا يخفى
لا سيما مع رواية الباب.
قال الحافظ بعد سرد الروايات المختلفة في الباب: وأكثر الرواة عنه لم
يذكروا عدداً، ومن ذكر العدد منهم لم يزد على ثلاث عشرة، ولم ينقص عن
إحدى عشرة إلا في رواية علي بن عبد الله عند مسلم وغيره، ففيه ست ركعات
بثلاث وتر، وأظن ذلك من الراوي عنه حبيب بن أبي ثابت، ففيه مقال.
والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على الظن عدم تعددها، فينبغي
الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات والأخذ بما اتفق عليه الأكثر والأحفظ،
وجمع الكرماني باحتمال أن يكون بعض رواته ذكر القدر الذي اقتدى به
ابن عباس وفصله عما لم يقتد به، وبعضهم ذكره مجملاً، اهـ.
قال العيني: وقد ورد عن ابن عباس في هذا الباب أحاديث كثيرة
بروايات مختلفة، وكذلك عن عائشة، وقال الطحاوي: إذا جمعت معاني هذه
الأحاديث تدل على أن وتره وَ ليل كان ثلاث ركعات، انتهى.
قال النووي: فيه أن الإيتار بثلاث عشرة ركعة أكمل، وفيه خلاف
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥٠/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٨٨/٢).
٥٩٦
--------
.mm.

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُّ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ،
فَصَلَّى الصُّبْحَ.
أخرجه البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ٣٦ - باب قراءة القرآن بعد الحدث
وغيره.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٢٦ - باب الدعاء في صلاة الليل
وقيامه، حديث ١٨٢.
لأصحابنا فقال بعضهم بظاهر هذا الحديث، وقال أكثرهم: أكثر الوتر إحدى
عشرة ركعة، وتأول الحديث بأن الركعتين منها سنة العشاء، وهو تأويل ضعيف
مباعد للحديث، اهـ.
(ثم اضطجع) كما كان عادته الشريفة، قال في ((الفتح الرحماني)): قال
القاضي: فيه أن الاضطجاع كان قبل ركعتي الفجر، وفيه رَدٌّ على من قال: إنه
كان بعد ركعتي الفجر، وذهب مالك والجمهور إلى أنه بدعة، كما قاله
العيني، اهـ. قلت: وتقدم الكلام عليه مبسوطاً فارجع إليه.
(حتى جاءه المؤذن) بلال كما في رواية البخاري، وله في الأخرى ثم
اضطجع، فنام حتى نفخ ثم قام (فصلى) وقد تقدم أن نوم الأنبياء ليس بناقض
للوضوء (ركعتين) سنة الفجر (خفيفتين) كما سيأتي في بابهما (ثم خرج) إلى
المسجد (فصلى) بهم (الصبح) أي فرضه. قال العيني: وقد أخرج البخاري هذا
الحديث في اثني عشر موضعاً(١)، وقال الحافظ: إن قصة مبيت ابن عباس
- رضي الله عنهما - يغلب على الظن عدم تعددها، فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع
بين مختلف الروايات فيها، ولا شك أن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر والأحفظ
أولى مما خالفهم فيه من هو دونهم، ولا سيما إن زاد أو نقص، اهـ.
قلت: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - هذا كثير الفوائد، والأحكام
(١) وقد ذكر ابن عبد البر كثيراً من طرقه في ((التمهيد)) (٢٠٦/١٣) فارجع إليه.
٥٩٧

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٧) حديث
تقدم ذكر بعضها في أثناء الحديث، ذكرها المشايخ في شروحهم، منها ما قاله
العيني: فيه رد على من كره القرآن على غير طهر، وفيه جواز الاضطجاع عند
المحرم، وإن كان زوجها عندها، وفيه استحباب صلاة الليل، وفيه قراءة
الآيات المذكورة بعد الانتباه من النوم، وفيه جواز عرك أذن الصغير لأجل
التأديب أو لأجل المحبة، وفيه استحباب مجيء المؤذن إلى الإمام وإعلامه
بإقامة الصلاة، وفيه تخفيف الركعتين قبل صلاة الفجر، اهـ.
قلت: وفيه موقف المأموم الواحد واقتداء من لم ينو الإمامة، وتحويل
الإمام المؤتم، والعمل القليل في الصلاة، وأن يكون المأموم الواحد مساوياً
للإمام كما قال به الجمهور، وعن محمد - رضي الله عنه - يضع أصابع رجليه
عند عقب الإمام، وقال الشافعي: يستحب أن يتأخر قليلاً، وسيأتي البسط في
محله .
قال الحافظ(١): وفي الحديث أيضاً إعطاء بني هاشم من الصدقة، وهو
محمول على التطوع، أو كان إعطاؤه لعباس ليتولى صرفه في محله، وفيه جواز
تقاضي الوعد، وفيه الملاطفة بالصغير، والقريب والضيف، وحسن المعاشرة
بالأهل، والرد على من يؤثر دوام الانقباض وجواز الاضطجاع مع المرأة
الحائض، وترك الاحتشام في ذلك بحضرة الصغير وإن كان مميزاً بل مراهقاً،
وصحة صلاة الصبي، وفتل الأذن لإيقاظه وتأنيسه، وقد قيل: إن المتعلم إذا
تعوهد بفتل الأذن كان أزكى لفهمه.
وفيه حمل أفعاله وَ ◌ّر على الاقتداء به، والبداءة بالسواك، واستحبابه عند
كل وضوء، وجواز الاغتراف من الماء القليل، واستحباب التقليل من الماء في
التطهر مع الإسباغ، وفضل ابن عباس وقوة فهمه وحرصه على التعلم وحسن
(١) ((فتح الباري)) (٥٨٩/٢).
٥٩٨
.----
-----
-------

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٨) حديث
٢٥٨/ ١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي بَكْرٍ،
◌َنْ أَبِهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ فَيْسِ بْنِ مَحْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ
الْجُهَيِيٌّ؛ أَنَّهُ قَالَ:
تأنيسه، واتخاذ المؤذن للمسجد، والاستعانة باليد في الصلاة وتكراره،
والجماعة في النافلة، اهـ.
وقال النووي(١): فيه استحباب مسح أثر النوم، قلت: وغير ذلك من
الفوائد الكثيرة التي يصعب إحصاؤها .
١٢/٢٥٨ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن
حزم، المدني، قاضيها (عن أبيه) أبي بكر (أن عبد الله بن قيس بن مخرمة)
بفتح الميم وإسكان الخاء المعجمة وفتح الراء والميم الثانية، ابن المطلب بن
عبد مناف، قال العسكري: له رؤية، ذكره البغوي وجماعة في الصحابة،
والبخاري وجماعة في كبار التابعين، وأبوه صحابي، وثقه النسائي، عمل
لعبد الملك على العراق، واستقضاه الحجاج على المدينة سنة ٧٣، قال
الحافظ: بقي إلى سنة ست وسبعين قاضياً، ذكره خليفة، قال الزرقاني(٢):
مات سنة ست وسبعين .
(أخبره) أي أبا بكر (عن زيد بن خالد الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء،
نسبة إلى قبيلة جهينة، المدني، صحابي شهير، مات بالكوفة سنة ٦٨ أو
سنة ٧٠، وله ٨٥ سنة، (أنه) أي زيد بن خالد (قال) هذا هو الصواب، ووقع
في رواية أبي أويس عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه: أن عبد الله بن قيس
قال: ((لأرمقن)) الحديث، رواه ابن أبي خيثمة وهو خطأ، وأبو أويس كثير
الوهم، فسقط منه الصحابي.
(١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٤٦/٤).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٢٥٢/١)، وانظر ترجمة عبد الله بن قيس في: ((تهذيب التهذيب)) (٥٪
٣٦٣)، و((الكاشف)) (١١٩/٢).
٥٩٩

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٨) حديث
لأَرْمُقَنَّ اللَّيْلَةَ صَلاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿، قَالَ: فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ، أَوْ
فُسْطَاطَهُ،
وقد أخرجه مسلم وأصحاب السنن من طريق مالك بهذا السند عن زيد بن
خالد أنه قال (لأرمقن) بفتح الهمزة وإسكان الراء وضم الميم وفتح القاف
والنون الثقيلة، أصله النظر إلى الشيء شزراً نظر العداوة، واستعير ههنا لمطلق
النظر، وعدل عن الماضي، فلم يقل: ((رمقت)) استحضاراً لتلك الحالة الماضية
ليقررها للسامع أبلغ تقرير، أي لأنظرن، قاله الزرقاني، وقال القاري: الرموق:
النظر إلى شيء على وجه المراقبة والمحافظة، والمعنى أحفظَنَّ (الليلة) أي في
هذه الليلة حتى أرى كم صلّى، كذا في ((شرح المظهر)).
قال القاري(١): ولعله ◌َليل كان خارجاً عن الحجرات، انتهى. وقيل: إن
ذلك حين سمعه وال* قام يصلي لا قبل ذلك؛ لأنه من التجسس المنهي عنه،
وأما ترقبه للصلاة فمحمود، اهـ.
وقال ابن حجر: الظاهر أنه قال ذلك لأصحابه نهاراً، ثم راقبه، وحينئذ
فالمضارع على حاله، قال القاري: ولا يستقيم إلا على تقديرات كثيرة كما لا يخفى.
(صلاة رسول الله وَّلة) أي نافلته من الليل، وإلا فالفريضة وغيرها قد كان
يشاهدها في أكثر الأيام بدون التكلف (قال) أي زيد (فتوسَّدْت) بصيغة المتكلم
(عتبته) أي عتبة بابه، يعني جعلته كالوسادة بوضع رأسي عليها، قال المجد:
العتبة محركة: أُسْكُفَّة الباب أو العليا منهما، وفي ((المجمع)): هي في الأصل:
أسكفة الباب، وكل مرقاة من الدرج عتبة (أو فسطاطه) بضم الفاء وكسرها بيت
من الشعر، قال الباجي: الفسطاط: نوع من القباب، والفسطاط: مجتمع
المصر، والخبر بالتفسير الأول أشبه، اهـ.
وفي ((المجمع)): مثلثة الفاء وسكون مهملة وبطائين مهملتين وبإبدالهما
بمثناة فوق، وبإبدال أولاهما وبإدغامها في السين، فذا اثنتا عشرة لغة: خباء من
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٢٦/٣).
٦٠٠
i