النص المفهرس

صفحات 561-580

٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٠) حديث
.
إلى مقامه، فجئت فقمت خلفه، ثم جاء ابن مسعود، فقام خلفنا فأومأ إليه
بيده، فقام عن شماله، فقام رسول الله صل حتى أصبح يتلو آية واحدة: ﴿إِن
تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ﴾(١) الآية، الحديث بطوله.
وروى أنس: أنه عليه السلام كان يجمع أهله ليلة إحدى وعشرين إلى
ثلث الليل، وليلة اثنتي وعشرين إلى نصف الليل، وليلة ثلاث وعشرين إلى ثلثي
الليل، وأمرهم ليلة أربع وعشرين أن يغتسلوا، فيصلّي بهم حتى يصبح،
الحديث أخرجه محمد بن نصر.
وأخرج النسائي عن خباب بن الأرت: أنه راقب رسول الله وَ﴿ في ليلة
صلاها كلها حتى كان مع الفجر، الحديث. وأحاديث عائشة وغيرها: أنه وعاجلة.
إذا دخل العشر شَدَّ المئزر، وأحيى الليل، وقد قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ
يَبِتُونَ لِرَيْهِمْ سُجَدًا وَقِيَمًا ®)﴾(٢).
وقد ورد في ((الأحاديث القدسية)): فضلُ رجل سار أول الليل وقام يتملق
الرب في آخره. وقد ورد في قصص بني إسرائيل أنه عليه السلام يحدثهم عن
بني إسرائيل حتى يصبح، ما يقوم إلا إلى عظم صلاة. والتقى عمر بن
عبد العزيز قبل أن يستخلف وطاووس، فتقاوما في ناحية المسجد حتى
أصبحا. وعن عبد الله بن ضرير: أن علي بن أبي طالب صلّى لهم ليلة صلاة
العتمة، وقعد وقعدوا يستفتونه، قال: فلم نزل نسأله ويفتينا حتى أذن بصلاة
الصبح. وعن أبي موسى: أنه أتى عمر بن الخطاب بعد العشاء فقال: ما جاء
بك؟ قال :... الحديث، فتحدثا حتى طلع الفجر. فقال له أبو موسى:
الصلاة، قال: ألسنا في صلاة؟ والآثار في هذا الباب أكثر من أن تُحصى.
(١) سورة المائدة: الآية ١١٨.
(٢) سورة الفرقان: الآية ٦٤.
٥٦١

٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥١) حديث
٥/٢٥١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ؛
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا
كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلاةِ، يَقُولُ لَهُمُ: الصَّلاةَ،
الصَّلاةَ، ثُمَّ يَتْلُو هُذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأُمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرُ عَلَيْهَا لَا
ـيخ
نَسْئَلُكَ رِزْقًا
وأخرج بعضها محمد بن نصر في ((قيام الليل)) فلا يمكن حمل فعل هؤلاء
على الكراهة، فالصواب الذي لا معدل عنه أن العبرة في هذا الباب على
الملال والضجر أو فوت الفرض، فمن تكلف، وتعمَّق يكره كما هو صريح
حديث الباب، وإلا فلا كراهة له، كما في هذه الروايات والآثار.
والأحوال فيها مختلفة والنفوس ذوّاقةٌ شواقّة، فمن حصل له التذاذ بشيء
أياً ما كان من الصلاة والقراءة والذكر والفكر والتأليف والوعظ لا يحصل له
بكثرته ملال، بل قد يمَلُّ بتركه، وهو مشاهد، ومن لم يحصل له بعد الالتذاذ
لا بد له من الملال، ومن طلب العلا سهر الليالي.
٥/٢٥١ - (مالك، عن زيد بن أسلم عن أبيه) أسلم، العدوي مولى عمر
(أن عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله) من عدد الركعات أو
استيفاء الأوقات، فإن النوافل غير محدود، وهي بحسب قوة كل إنسان،
ونشاطه، وما يمكنه أن يداوم عليه (حتى إذا كان من آخر الليل) عند السحر
(أيقظ أهله للصلاة) أي للتهجد أو لصلاة الفجر أو الوتر، والأول أظهر، يعني:
لم يكلف أهله منه ما كان هو يفعله، بل يوقظهم في آخر الوقت ليصلوا
بالتخفيف (يقول لهم) عند الاستيقاظ (الصلاة، الصلاة) بالنصب أي أقيموا
ويجوز الرفع بمعنى حضرت الصلاة، قاله القاري.
(ثم يتلو هذه الآية) التي في آخر سورة طه في الجزء السادس عشر
(﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيْرُ) أي اصبر (عَلَهَّا لَا نَسْئَلُكَ) أي لا نكلفك (رِزْقًا)
لنفسك ولا لغيرك بل نسألك العبادة قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
٥٦٢

٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٢) حديث
◌ُ كَرْزُيُتْ وَالْعَقِبَةُ لِلْنَّقْوَى
.وورد
٦/٢٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب
كَانَ يَقُول:
لِيَعْبُدُونِ ﴿مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾ الآية (نَّعْرُ نَزْزُقُكُ وَالْعَقِبَةُ) المحمودة أي الجنة
◌ِلَّهَ﴾)(١) أي لأهلها، روي: أن الآية لما نزلت كان لّ يأتي باب علي،
فيقول: ((الصلاة رحمكم الله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَبُطَهِرَةُ تَطْهِيرًا﴾(٢)).
قال الباجي(٣): يحتمل أن عمر يوقظهم امتثالاً لأمر الباري تعالى، فيتلو
هذه الآية عند امتثالها، ليتأكد قصده لذلك، ويحتمل أن يقرأ ذلك على سبيل
الاعتذار من إيقاظهم، اهـ. ولا يذهب عليك أن الحديث في جميع نسخ
((الموطأ)) برواية أسلم عن أبيه.
وهكذا حكاه السيوطي في ((الدر)) عن مالك، وحكاه الخطيب في
((المشكاة)) برواية ابن عمر عن أبيه، وعزاه إلى مالك، والظاهر أنه وهم، إلا
أن يقال: إنه روى مالك بطريقين، ولم يثبت بعد، وأخرج السيوطي في ((الدر))
عن البيهقي أيضاً بسند أسلم عن عمر - رضي الله عنه -، وهكذا أخرجه محمد
في ((موطئه)) (٤) عن زيد بن أسلم عن أبيه، فتأمل.
٦/٢٥٢ - (مالك، أنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يقول) هذا البلاغ
حديث مرفوع عند الشيخين عن أبي برزة: أن رسول الله وعليه كان يكره ...
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢١٦/٥). وقال ابن عبد البر: وفيه ما كان عليه عمر من قيام
الليل، وأنه لم تشغله أمور المسلمين وما كان إليه منهم عن الصلاة بالليل، وذلك بفضل
صلاة الليل.
(٢) سورة الأحزاب: الآية ٣٣.
(٣) ((المنتقى)) (٢١٣/١).
(٤) انظر: ((التعليق الممجد)) (٥١٣/١).
٥٦٣

٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٢) حديث
يُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ،
:
الحديث، (يكره النوم قبل) صلاة (العشاء) لما فيه من تعريضها للفوات، فقد
يذهب به النوم حتى يفوت وقتها، وقد رخص في ذلك لمن تحدث مع ضيف
أو قرأ علماً أو العروس أو مسافر، قاله الباجي(١).
وفي ((شرح السنة)): أكثرهم على كراهة النوم قبل العشاء، ورخص
بعضهم وكان ابن عمر يرقد قبلها، وبعضهم رخص في رمضان خاصة، اهـ.
قال الترمذي(٢): كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، ورخص فيه
بعضهم، وبعضهم في رمضان خاصة، اهـ.
قال العيني(٣): وفي ((التوضيح)): اختلف فيه السلف، وكان ابن عمر
يسب الذي ينام قبلها فيما حكاه ابن بطال، لكن روي عنه أنه كان يرقد قبلها،
وذكر عنه كان ينام ويُؤَكِّل من يوقظه، وروي عن نافع عن ابن عمر: أنه كان
ربما ينام عن العشاء الآخرة، ويأمر أن يوقظوه، وتقدم في أول الكتاب عن
عمر: ((من نام فلا نامت عينه))، وكره ذلك أبو هريرة وابن عباس وإبراهيم
ومجاهد وطاووس ومالك والكوفيون، فدلَّ على أن النهي ليس للتحريم لفعل
الصحابة، لكن الأخذ بظاهر الحديث أحوط، انتهى مختصراً.
قال ابن رسلان: كان يكره النوم خشية التمادي فيه إلى خروج وقتها
المختار، أو الضروري، أو خشية نسيانها، وقد كرهه عمر وابنه وابن عباس،
وبه قال مالك وأصحابه، وقال النسائي: هذه الكراهة لا تختص بالعشاء، بل
يدخل في معناها بقية الصلوات لأن العلة موجودة، ورخّص فيه علي
وابن مسعود والكوفيون، قال الطحاوي: رخص فيه بشرط أن يكون معه من
يوقظه، انتهى .
(١) ((المنتقى)) (٢١٣/١).
(٢) انظر: ((جامع الترمذي)) (٣١٨/١)، باب ما جاء من الرخصة في السَّمَر بعد العشاء.
(٣) ((عمدة القاري)) (٩٣/٤).
٥٦٤
...

٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٢) حديث
وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا .
أخرجه البخاريّ في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٣ - باب ما يكره من النوم
قبل العشاء.
ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٤٠ - باب استحباب
التبكير بالصبح في أول وقتها، حديث ٢٣٦.
قال الحافظ(١): ومن نقلت عنه الرخصة قُيِّدَت في أكثر الروايات بما إذا
كان له من يوقظه أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم،
وحمل الطحاوي الرخصة على ما قبل دخول الوقت، والكراهية على ما بعد
دخوله، اهـ.
(والحديث بعدها)(٢) لمنعه صلاة الليل أو ليكون ختم عمله على العبادة
فإن النوم أخو الموت، قاله القاري.
قال العيني: لأنه يؤدي إلى السهر، ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل
والذكر فيه، أو عن صلاة الصبح، ولأن السهر سبب الكسل في النهار عما
يتوجه من حقوق الدين ومصالح الدنيا، انتهى.
وقال ابن رسلان: كراهة الحديث بعدها إما لخشية أن ينام عن الصبح أو
لخشية الوقوع في اللغط واللغو، أو لما ينبغي أن يختم به اليقظة بعد أن ختمها
بالصلاة، وهذا الحديث خص منه الحديث في خير كمذاكرة العلم والكلام مع
الضيف .
قال القرطبي: الصلاة كَفَّرتِ الخطايا، فينام على سلامة، وقد ختم كتاب
صحيفته بالعبادة، وكان عمر يضرب الناس على الحديث بعد العشاء، ويقول:
(سمراً أول الليل، ونوماً في آخره، أريحوا كُتَّابَكم))، وقيل: لأنه تعالى جعل
الليل سكناً، ولا يخالف حكمته، وقيل: كان من أفعال الجاهلية، انتهى.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٩/٢).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٢١٥/٢٤).
٥٦٥

٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٣) حديث
٧/٢٥٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن
عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: صَلاةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ
رَكْعَتَيْنِ .
وصله الترمذيّ في: ٤ - كتاب الجمعة، ٦٥ - باب ما جاء أن صلاة الليل
والنهار مثنى مثنى.
٧/٢٥٣ - (مالك أنه بلغه) قال الزرقاني: بلاغه صحيح، وقد رواه
ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج: أن محمد بن
عبد الرحمن بن قِرمان حدثه أنه سمع ابن عمر يقول (أن عبد الله بن عمر) هكذا
في النسخ المصرية ونسخة الزرقاني و ((التنوير)) وهو الصواب عندي، فإن أهل
الرواية كلهم أخرجوا هذا الأثر عن ابن عمر، وسيأتي عن ابن عبد البر أنه
تفسير لحديثه المرفوع الآتي، فما يوجد في النسخ الهندية بدله عمر بن الخطاب
سهو من الناسخ على الظاهر.
(كان يقول: صلاة الليل والنهار) أي النوافل إذ الفرائض معلومة متعينة
(مثنى مثنى) لم ينصرف لتكرار العدل فيه، قاله الكشاف، وقال آخرون: للعدل
والوصف وإعادة مثنى مبالغة في التأكيد، ثم فسر قوله مثنى مثنى بقوله (يسلم
من كل ركعتين) قال أبو عمر(١): هذا تفسير لحديثه بعد هذا الآتي في الآمر
بالوتر صلاة الليل مثنى مثنى.
قلت: وروي هذا الحديث عن ابن عمر بطرق مختلفة مرفوعاً وموقوفاً،
بسط طرقه النسائي(٢) وتكلم عليها الزيلعي (٣) والحافظ في ((التلخيص)) (٤).
(١) ((الاستذكار)) (٢٢٢/٥).
(٢) ((سنن النسائي)) (٢٢٧/٣).
(٣) ((نصب الراية)) (١٤٤/٢).
(٤) (٢٢/٢/١).
٥٦٦
-----

٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٣) حديث
قَالَ يَحْيَىَ: قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنَا .
وقد أخرج مسلم في ((صحيحه)): حدثنا محمد بن مثنى، نا محمد بن
جعفر، نا شعبة، سمعت عقبة بن حريث، سمعت ابن عمر يحدث: أن
رسول الله محمدثم قال: ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت أن الصبح يدركك
فأوتر بواحدة))، فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: أن تسلم في كل ركعتين،
وهذا أيضاً يؤيد أن أثر الباب لابن عمر دون عمر بن الخطاب(١).
(قال يحيى: قال مالك: وهو الأمر عندنا) قال الباجي: يريد أن النوافل
لا يزاد فيها على ركعتين، وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن،
وقال أبو حنيفة: إن شاء سَلَّم من ركعتين، وإن شاء سلم من أربع. وقال
الثوري والحسن بن صالح: صل كم شئت بسلام واحد بعد أن تجلس في كل
ركعتين، اهـ.
قلت: ولا يصح ما قاله الباجي من موافقة الإمام الشافعي للإمام مالك
في مسألة الباب، وخلط فيه كثير من نقلة المذاهب في بيان أقوال الأئمة، حتى
اشتبه على كثير من شراح الحديث حقيقة المذاهب في مسألة الباب، ونوضح
لك في ذلك :
فاعلم - وفّقك الله تعالى للعمل على مرضاته أن الإمام الشافعي والإمام
أحمد موافقان في هذه المسألة في أنه يصح التطوع بركعة واحدة، ولا حد في
الجواز للزيادة إلا أن الأفضل فيها مثنى مثنى، وعلى الأفضل حملا حديث
الباب، ففي كتاب ((الأنوار)) من فروع الشافعية: والتطوعات المطلقة لا حصر
لها، ولا لأعداد ركعات واحدة منها، فإذا شرع ولم ينو عدداً، فله الاقتصار
على ركعة، والأحبُّ مثنى مثنى، اهـ.
وفي ((شرح الإقناع)): لا حصر للنفل المطلق، فإن نوى فوق ركعة تشهد
(١) ((المنتقى)) (٢١٣/١).
٥٦٧

٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٣) حديث
آخراً فقط أو آخر كل ركعتين فأكثر، فلا يتشهد في كل ركعة، ويسن السلام من
كل ركعتين، اهـ.
وفي ((الروضة)): النفل المطلق لا يكره القليل منه، فله أن يصلي ما شاء
من ركعة بلا كراهة، ويُسَلِّم متى شاء مع جهله كم صلى، فإن نوى أن يصلي
زيادة على ركعة، وإن لم يعين قدراً تشهّد آخراً، أو كل ركعتين أو كل ثلاث،
وهكذا، ولا يشترط تساوي الأعداد قبل كل تشهد، فله أن يصلي ركعتين
ويتشهد، ثم ثلاثاً، ويتشهد، ثم أربعاً، ويتشهد، ثم اثنين، وهكذا، وإنما يمتنع
عليه التشهد بعد كل ركعة ويسن السلام من كل ركعتين لخبر: ((صلاة الليل
مثنى مثنى))(١).
وفي ((نيل المآرب)) من فقه الحنابلة: ويصح التطوع بركعة ونحوها كثلاث
وخمس، اهـ.
وفي ((الروض المربع)): وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى، وإن تطوع في
النهار بأربع بتشهدين فلا بأس به، لرواية أبي أيوب: أنه عليه السلام كان
يصلي قبل الظهر أربعاً، لا يفصل بينهن بتسليم، وإن زاد على ثنتين ليلاً أو
أربع نهاراً ولو جاوز ثمانياً بسلام واحد صح، وكره في غير الوتر ويصح
التطوع بركعة، اهـ.
فَعُلِمَ بذلك أن الإمام أحمد يوافق الإمام الشافعي في التطوع بركعة، وفي
جواز الزيادة على المثنى والأربع إلا أنه يكره الزيادة على المثنى في الليل
والأربع في النهار، وعلى الأفضلية حملا حديث الباب.
وفيه: أنه ثبت عن النبي ◌َّ بروايات كثيرة التطوعُ بأكثر من ركعتين،
فحمل فعله 18 على غير الأفضل مما لا ينبغي، وقال الإمام مالك بظاهر
الحديث فجعله حصراً في الركعتين في القلة.
(١) (٢٠٥/١).
٥٦٨

٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٣) حديث
قال الأمير اليماني، وقال مالك: لا تجوز الزيادة على اثنين لأن مفهوم
الحديث الحصر، لأنه في قوةٍ مَّا صلاة الليل إلا مثنى مثنى؛ لأن تعريف
المبتدأ قد يفيد ذلك على الأغلب.
قال الشوكاني: وقد أخذ مالك بظاهر الحديث فقال: لا تجوز الزيادة
على ركعتين، قال ابن دقيق العيد: وهو ظاهر السياق لحصر المبتدأ في
الخبر، اهـ.
وفي ((التعليق الممجد))(١): استدل بالحديث أيضاً على عدم النقصان من
ركعتين في النافلة ما عدا الوتر، واختلف فيه العلماء فذهبت طائفة إلى المنع،
وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، اهـ.
قلت: ويمكن استدلال الحنفية على رد التطوع بركعة بأحاديث السهو إذ
قال فيها ◌َّة: ((إن كانت تامة كانت الركعة نافلة، والسجدتان))، وفي رواية:
((إن كانت خامسة شفعها بهاتين)) فإن كان التطوع بركعة صحيحاً فأي فاقة إلى
جعلها شفعة بهاتين.
وقال ابن رشد في ((البداية))(٢): والجمهور على أنه لا يتنفل بواحدة،
وأحسب أن فيه خلافاً شاذاً، انتهى.
قلت: فحاصل مسلك الإمام مالك أن التطوع بركعة واحدة باطل عنده
كالحنفية، إلا أنهما اختلفا في الوتر، وأما الزيادة على الركعتين فكذلك عند
المالكية إلا أنه لو سها أحد، فقام إلى الثالثة، فيتمها أربعاً مراعاة لخلاف
الأئمة، ولو قام إلى الخامسة يجب الرجوع إلى القعدة ولا تبطل صلاته.
(١) (١/ ٥٠٧).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٢٠٨/١).
٥٦٩

٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٣) حديث
قال الدردير في ((الشرح الكبير))(١): كنفل قام فيه من اثنتين ساهياً، ولم
يقعد ثالثة فيرجع ويسجد بعده وإلا بأن عقدها سهواً برفع رأسه من ركوعها
كمل أربعاً وجوباً، ويرجع وجوباً في قيامه في النفل إلى الخامسة مطلقاً عقدها
أم لا، بناءً على أنه لا يراعى من الخلاف إلا ما قوي، واشتهر عند الجمهور،
والخلاف في الأربع قويٌّ بخلافه في غيره، فإن لم يرجع بطلت، اهـ.
قال الدسوقي: قوله: ((بخلافه)) أي بخلاف الخلاف في غير الأربع، وهو
القول بجواز النفل بست ركعات، وثمان ركعات، فإنه ضعيف، فحينئذ فلا
ينبغي مراعاته، اهـ.
قلت: والحنفية موافقون للمالكية في عدم الإجزاء لأقل من ركعتين كما
ذكر في محله من كتب الفروع، وموافقون للأولين في جواز الأكثر من ركعتين
إشفاعاً إلا أنهم كرهوا الزيادة على الأربع في النهار، وعلى الثمانية في صلاة
الليل، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يزد على ذلك، لولا الكراهة لزاده تعليماً،
كذا في ((الهداية))، والأفضل عند الإمام فيهما أربع أربع لفعله وَلّ فيهما
كذلك. وعند صاحبيه في الليل مثنى مثنى اعتباراً بالتراويح كذا في ((الهداية))،
ومحمل حديث ابن عمر عندهم الحصر في الأشفاع يعني لا يجوز القعود على
الأكثر أو الأقل من ركعتين، وعليه حمله صاحب ((الهداية)) إذ قال: ومعنى
ما رواه شفعاً لا وتراً.
--
--
والأوجه عندي أن ههنا حديثين: حديث ابن عمر المذكور في الباب،
وحصره إضافي باعتبار ما دون الركعتين، ويؤيده سياق الرواية؛ إذ قال رَّ في
آخر الحديث: («فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة)»، فعُلِمَ أن المراد من مثنى غير
الواحد الذي ذكره في مقابلته، والثاني: هو حديث المطلب: ((الصلاة مثنى
(١) (٢٩٦/١، ٢٩٧).
٥٧٠

٧ - كتاب صلاة الليل
(١) باب
(٢٥٣) حديث
٠٠
مثنى إن تشهّد في كل ركعتين))، الحديث، ففيه فسر النبي ولو قوله بنفسه
الشريفة، ويحتمل حمل كلا المعنيين على كلا الحديثين، فإنه لا تخالف
فيهما .
وأياً ما كان فالحمل على ما قاله الحنفية أولى، بل هو المتعين لئلا
يخالف قوله ◌َّ فعله الشريف؛ فإنه ثبت بعدة روايات تطوعه عليه الصلاة
والسلام بأكثر من ركعتين، فقد روى زرارة عن عائشة قالت: كان ◌َ# يصلي
صلاة العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله، فيركع أربع ركعات، ثم يأوي
إلى فراشه، الحديث. وروي عن ابن الزبير: أنه ◌ّ إذا صلى العشاء ركع أربع
ركعات، وروي عن معاذة عن عائشة: كان ◌َلّ يصلي الضحى أربع ركعات،
ويزيد ما شاء، وروي من حديث عمرة عن عائشة: كان ◌ّ يصلي الضحى
أربع ركعات لا يفصل بينهن بكلام، حكاها العيني.
وفي حديث لابن عباس وفي مبيته عنده قال: صلى أربعاً ثم نام، وفي
رواية أم حبيبة مرفوعاً: ((من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها))
الحديث. وفي حديث أبي أيوب مرفوعاً: «أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم
تفتح لهن أبواب السماء»، وفي حديث علي: كان عليه السلام يصلي قبل الظهر
أربعاً، وعن عائشة: إذا لم يصل أربعاً قبل الظهر صلاها بعدها، وعن عبد الله بن
السائب: كان عليه الصلاة والسلام يصلي أربعاً بعد الزوال، وعن عمر
مرفوعاً: أربع قبل الظهر وبعد الزوال تحسب بمثلهن في السحر، وغير ذلك من
الروايات الكثيرة التي سردها أصحاب الروايات في كتبهم سيما في ((جمع
الفوائد)).
والروايات الواردة بلفظ أربع ركعات ظاهرها وحدة السلام، لأنها أقل
المحامل، وتعدده إثبات أمر زائد يحتاج قائله إلى إثباته .
٥٧١

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢) باب صلاة النبي نَّل في الوتر
مَ# في الوتر
(٢) صلاة النبي
قال الزرقاني تبعاً للحافظ (١): بكسر الواو الفرد، وبفتحها الثأر، وفي لغة
مترادفان، اهـ. قال المجد: الوتر بالكسر، ويفتح الفرد أو ما لم يتشفع من
العدد، قال العيني(٢): بالكسر الفرد، وبالفتح الدخل لغة أهل العالية، وأما لغة
أهل الحجاز فبالضد منهم، وأما تميم فبالكسر فيهما، وقرأ الكوفيون غير
عاصم ﴿وَالشَفْعِ وَأَلْوِتْرٍ ﴾﴾ الآية بكسر الواو، وقال يونس في ((كتاب
اللغات)): وترت الصلاة مثل أوترتها، اهـ. وفي ((غيث النفع)): قرأ الأخوان
بكسر الواو، والباقون بالفتح، اهـ.
ثم اختلفت الروايات في وتره وَ﴾ كثيراً جداً كما لا يخفى على من له
أدنى ممارسة بالكتب، ووجهه أن صلاة الليل كلها يطلق عليه الوتر عند
المحدثين، ولذا تراهم يبوّبون الوتر في كتبهم، ويذكرون فيها روايات صلاة
الليل مطلقاً .
قال العيني: اعلم أن عائشة - رضي الله عنها - أطلقت على جميع
صلاته وَ﴿ في الليل التي كان فيها الوتر وتراً، اهـ.
واختلفت صلاته وَّر في الليل قلة وكثرة كما صرح به جمعٌ من الفحول،
وصرحت به عائشة بنفسها كما سيأتي تحت حديثي عائشة، وذلك لاختلاف
الأحوال والأوقات.
قال الحافظ: ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ركعة، ولا أنقص من
سبع، وهذا أصح ما وقفت عليه من ذلك، وبه يجمع بين ما اختلف عن عائشة
من ذلك، قال القرطبي: أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتى
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٧٨/٢).
(٢) ((عمدة القاري) (٢/٧/٤).
٥٧٢
أ

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وهذا إنما يتم لو كان الراوي عنها
واحداً، وأخبرت عن وقت واحد، والصواب أن كل شيء ذكرته من ذلك
محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز، اهـ.
قلت: وما قال الحافظ إنه أصح ما وقف عليه أنه مَ لو لم يكن يوتر بأكثر
من ثلاث عشرة ركعة، فيشكل عليه ما رواه ابن المبارك في ((الزهد والرقائق))
في حديث مرسل: أنه وُّير كان يصلي الليل سبع عشرة ركعة، حكاه العيني، إلا
أن يقال: إن المرسل ليس بحجة عند الإمام الحافظ خلافاً للجمهور.
والحاصل أنه اختلفت الروايات في تهجده ◌ّل﴿ ولا اضطراب في ذلك،
لأنها محمولة على اختلاف الأحوال، وجملة من روى صلاته وّل في صلاة
الليل ستة عشر صحابياً، سرد رواياتهم العيني(١)، وقال: ففي حديث زيد بن
خالد وابن عباس وجابر وأم سلمة ثلاث عشرة ركعة، وفي حديث الفضل
وصفوان بن المعطل ومعاوية بن الحكم وابن عمر، وإحدى الروايتين عن
ابن عباس: إحدى عشرة ركعة، وفي حديث أنس: ثماني ركعات، وفي حديث
حذيفة: سبع ركعات، وفي حديث أبي أيوب: أربع ركعات، وكذلك في بعض
طرق حديث حذيفة، وأكثر ما فيها حديث علي: ست عشرة ركعة، انتهى.
قلت: والباقي الثلاثة من الستة عشر وهم: حجاج بن عمرو، وخباب بن
الأرت، وصحابي لم يسم، لم يذكروا في رواياتهم التي ذكرها العيني أعداد
الركعات، وتقدم عن مرسل ابن المبارك سبع عشرة.
قال النووي عن القاضي: قال العلماء في هذه الأحاديث: إخبار كل
واحد من ابن عباس وزيد وعائشة بما شاهد، ولا خلاف أنه ليس في ذلك حد
لا يزاد عليها ولا ينقص، وأن صلاة الليل من الطاعات التي كلما زاد فيها زاد
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (١٨٧/٧/٤).
٥٧٣

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٤) حديث
٨/٢٥٤ _ حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهه
كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، فَإِذَا
الأجر، وإنما الخلاف في فعل النبي وَلّ وما اختاره لنفسه، اهـ.
قلت: وسيأتي الكلام على الاختلاف في حديث عائشة في محله.
قال ابن القيم في (الهدي))(١): وكان قيامه بالليل ووتره أنواعاً، فمنها:
ما ذكره ابن عباس شاهده ليلة المبيت عند خالته، والنوع الثاني: الذي
ذكرته عائشة أنه يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم يُتمم ورده إحدى عشرة
ركعة، يُسَلِّم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة، النوع الثالث: ثلاث عشرة
ركعة كذلك، الرابع: يصلي ثمان ركعات يسلم من كل ركعتين ثم يوتر
بخمس سرداً متوالية، الخامس: تسع ركعات يسرد منهن ثمانياً لا يجلس إلا
في الثامنة، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويسلم، ثم يصلي
ركعتين جالساً، السادس: يصلي سبعاً كالتسع، السابع: كان يصلي مثنى
مثنى ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن، رواه الإمام أحمد عن عائشة، أنه كان
يوتر بثلاث لا فصل فيهن، وروى النسائي عنها: كان لا يسلم في ركعتي
الوتر، وهذه الصفة فيها نظر، اهـ.
قلت: ولغيره في بعض الصفات الماضية كما لا يخفى على المتأمل.
٨/٢٥٤ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير عن عائشة
زوج النبي لة، أن رسول الله وَل(*) في غالب أحواله (كان يصلي من الليل
إحدى عشرة ركعة) زاد يونس وغيره عن الزهري: يسلم من كل ركعتين (ويوتر
منها) أي من جملتها (بواحدة) في آخرها موصولة بالشفعة المتقدمة عندنا (فإذا
(١) ((زاد المعاد)) (٣١٨/١).
٥٧٤
------- -
.. ....
-------
--------

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٤) حديث
◌َرَيْمَ، اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ.
أخرجه مسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ١٧ - باب صلاة الليل وعدد
ركعات النبيّ ◌َّ في الليل، حديث ١٢١.
٠ ٤) منها (اضطجع على شقه الأيمن) (١) للاستراحة من طول القيام.
وفي الاضطجاع على الأيمن سِرٍّ، وهو أن القلب معلّق في الجانب
الأيسر، فإذا نام الرجل على الأيسر استثقل نوماً لأنه يكون في دعة فيثقل
نومه، ولذا استحب الأطباء النوم على الجانب الأيسر لكمال الراحة وطيب
المنام، واستحب الشرع النوم على الجانب الأيمن، لئلا يثقل في نومه، فالنوم
على الأيمن أنفع للقلب، وعلى الأيسر أنفع للبدن، قاله ابن القيم.
قال الزرقاني(٢): هكذا اتفق عليه رواة ((الموطأ))، وأما أصحاب الزهري
فرووا هذا الحديث عنه بإسناده، فجعلوا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر لا بعد
الوتر، فقالوا: فإذا تبين له الفجر وجاءه المؤذن ركع ركعتين خفيفتين، ثم
اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة، وزعم محمد بن يحيى
الذهلي، بذال ولام، أنه الصواب دون رواية مالك، اهـ.
وقال الشيخ ابن القيم: أما حديث عائشة، فاختلف فيه على ابن شهاب
فقال مالك عنه: إذا فرغ - يعني من قيام الليل - اضطجع على شقه الأيمن حتى
يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين، وهذا تصريح أن الضجعة قبل سنة الفجر،
وقال غيره عن ابن شهاب، فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر، وتبيّن له
الفجر، وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن،
قالوا: وإذا اختلف أصحاب ابن شهاب فالقول قول مالك لأنه أثبتهم
وأحفظهم.
(١) انظر: ((التمهيد)) (١٢٣/٨ - ١٢٤).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٢٤٥/١).
٥٧٥

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٤) حديث
وقال الآخرون: بل الصواب في هذا مع من خالف مالكاً، قال أبو بكر
الخطيب: خالف مالكاً عقيل ويونس وشعيب وابن أبي ذئب والأوزاعي
وغيرهم، فرووا عن الزهري: كان يركع الركعتين للفجر ثم يضطجع على شقه
الأيمن، فذكر مالك: أن اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر، وفي حديث
الجماعة: أنه اضطجع بعدهما، فحكم العلماء أن مالكاً أخطأ وأصاب غيره،
انتھی .
قال ابن عبد البر(١): لا يدفع ما قاله مالك لموضعه من الحفظ والإتقان
ولثبوته في ابن شهاب وعلمه بحديثه، قال ابن معين: إذا اختلف أصحاب
ابن شهاب فالقول ما قال مالك فهو أثبتهم، ويحتمل أن يضطجع مرة كذا ومرة
كذا، ولرواية مالك شاهد، وهو حديث ابن عباس الآتي: أن اضطجاعه كان
بعد الوتر قبل ركعتي الفجر، فلا ينكر أن يحفظ ذلك مالك في حديث
ابن شهاب وإن لم يتابع عليه، انتهى.
قلت: واختلف في حديث ابن عباس أيضاً كما سيأتي في محله،
والأوجه بل الصواب، هو الجمع لصحة الحديثين معاً فإن مسلماً أخرج
الحديث عن الزهري بطريق مالك وغيره وصحّح الترمذي طريق مالك.
وأحسن الجمع ما أفادني والدي المرحوم - نوّر الله مرقده وبرّد مضجعه -
أن النبي ◌َّ إذا كان يفرغ من قيام الليل قبل طلوع الفجر يضطجع إلى أن يأتيه
المؤذن لصلاة الفجر، فيقوم فيصلي ركعتي الفجر ويغدو إلى الصلاة، وإذا فرغ
من قيام الليل عند طلوع الفجر، فيصلي ركعتي الفجر أيضاً لما قد حان وقته،
ويضطجع بعد ذلك، فتأمل وتشكر، ثم هذا كله يتعلق برواية الباب، وبمحل
الاضطجاع.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٣١/٥).
٥٧٦

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٤) حديث
٣
وأما حكمه، فقال الباجي: هذه الضجعة ليست بقُرْبة، وإنما يضطجع وَّ
راحة وإبقاءً على نفسه، قال مالك: من فعلها راحة فلا بأس بذلك، ومن فعلها
سنة وعبادة فلا خير فيه، اهـ. قال العيني: فيه رَدُّ على الشافعي في قوله: إنه
كان بعد ركعتي الفجر، وذهب مالك والجمهور إلى أنه بدعة، أهـ.
قلت: حاصل ما للعلماء في ذلك ستة أقوال بسطها الشيخ في ((البذل))(١)
عن العيني والشوكاني(٢) وغيرهما، وأكثر ما أخذه الشيخ عن الشوكاني، وأكثر
ما أخذت عن العيني لأنه أوضح.
الأول: أنه سنة وهو مذهب الشافعي وأصحابه، قال النووي في ((شرح
مسلم)): الصحيح الصواب: أن الاضطجاع بعد سنة الفجر سنة، الثاني: أنه
مستحب، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة، وفي ((المغني))(٣): مستحب عند
أحمد، وعنه: ليس بسنة لأن ابن مسعود أنكره، اهـ. الثالث: واجب مفترض وهو
قول ابن حزم، فقال: من ركع ركعتي الفجر لم تجزه صلاة الصبح إلا بأن يضطجع
على جنبه الأيمن، وسواء ترك الضجعة عمداً أو نسياناً، وسواء صلاها في وقتها أو
صلاها قاضياً لها من نسيان أو نوم، والرابع: أنه بدعة، روي ذلك عن ابن مسعود
وابن عمر، فروى ابن أبي شيبة (٤) عن ابن مسعود أنه قال: ما بال الرجل إذا صلى
الركعتين يتمعَّك كما تتمعَّك الدابة والحمار، إذا سلم فقد فصل(٥) .
وروي عن ابن عمر: أنه رأى رجلاً يضطجع بين الركعتين فقال:
احصبوه، وعن أبي مجلز قال: سألت ابن عمر عن ضجعة الرجل قبل صلاة
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٨٤/٦).
(٢) ((نيل الأوطار)) (٢٨/٣/٢).
(٣) انظر: ((المغني)) (٥٤٢/٢).
(٤) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١٥١/٢).
(٥) هكذا في الأصل، وفي: ((مصنف ابن أبي شيبة)) ((قعد فصلّى)).
٥٧٧

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٤) حديث
الفجر، قال: يتلعَّب بكم الشيطان، وعن ابن عمر أيضاً: أنها بدعة، وقال
النخعي: هي ضجعة الشيطان، وكره ذلك جماعة من التابعين، ومن الأئمة
مالك بن أنس حكاه القاضي عنه، وعن جمهور العلماء، قلت: وتقدم عن
الباجي.
والخامس: أنه خلاف الأولى، تروى عن الحسن، والسادس: أنه ليس
بمقصود، وإنما المقصود الفصل بين ركعتي الفجر والفرض، وحكي عن
الشافعي وغيره.
وجعل الشوكاني الأولين واحداً، وزاد القول السادس: التفرقة بين من
يقوم بالليل، فيستحب له ذلك للاستراحة، وبين غيره، واختاره ابن العربي،
فقال: لا يضطجع بعد ركعتي الفجر لانتظار الصلاة إلا أن يكون قام الليل،
فيضطجع استجماماً لصلاة الصبح فلا بأس به.
ويشهد لهذا ما رواه الطبراني وعبد الرزاق عن عائشة أنها كانت تقول:
إِن النبي وَّ﴾ لم يَضْطَجِعْ لِنَةٍ، ولكنه كان يَدْأَبُ ليله فيستريح، قاله الشوكاني.
وقال ابن العربي(١) في ((شرح الترمذي)): اختلف الناس فيها فقال
ابن القاسم عن مالك: لا بأس بها إن لم يقصد الفضل، قال ابن العربي: ولو
قصد الفضل فإن الله قد فضلها صورة ووضعاً ووصفاً، وكان أحمد بن حنبل مع
مواظبته على قيام الليل لا يفعله ولا يمنعه، وكان يكرهها ابن عمر وجماعة من
الفقهاء، وبلغني عن قوم لا معرفة عندهم أنهم يوجبونها وليس له وجه لأنه وَ له
إنما رآه يفعله عائشة ولم يره غيرها، ولو رآه عشرة في عشرة مواطن ما اقتضى
ذلك أن يكون واجباً في كل موطن، انتهى.
قلت: وهذا القول هو الراجح عندي، وقال ابن عابدين في ((رد
المحتار)): صرح الشافعية بسنية الفصل بين سنة الفجر وفرضه بهذه الضجعة،
(١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٣٠/٢/١).
٥٧٨
.-

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٥) حديث
٩/٢٥٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ
الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّهِ سَأَلَ
﴿، كَيْفَ كَانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِمَ﴾ فِي
◌َائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ
رَمَضَانَ؟
وظاهر كلام علمائنا خلافه حيث لم يذكروها، بل رأيت في ((موطأ محمد))(١)
ما نصه: أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر: أنه رأى رجلاً يركع ركعتي الفجر
ثم اضطجع، فقال ابن عمر: ما شأنه؟ فقال نافع: يفصل بين صلاته، فقال
ابن عمر: وأي فصل أفضل من السلام؟ قال محمد: وبقول ابن عمر نأخذ،
وهو قول أبي حنيفة، انتهى.
قال القاري في ((شرحه)): وذلك لأن السلام إنما ورد للفصل، وهذا لا
ينافي ما سبق أنه عليه الصلاة والسلام كان يضطجع في آخر التهجد، وتارة بعد
ركعتي الفجر في بيته للاستراحة، اهـ.
فظاهر أقوال الأئمة والروايات أن من جعل الضجعة تبعاً لسنة الفجر
للفصل أو لغيره أنكروها وجعلوها بدعة، ومن جعله للاستراحة بعد قيام الليل
سواء بعد ركعتي الفجر لو صلاهما في أول وقته أو قبلهما فلا إنكار عليها عن
أحد من الفقهاء، وجعلوها مندوباً مرغباً، وهو المؤيد بالنظائر، فإنه ◌َّ جعل
القيلولة مندوباً تقوية على قيام الليل، والسحور تقوية للصوم، وغير ذلك، فهذه
الضجعة مقوية لصلاة الصبح بعد قيام الليل، والله الموفق.
٩/٢٥٥ - (مالك عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان (المقبري) بفتح الميم
وسكون القاف وضم الموحدة (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف) التابعي
ابن الصحابي (أنه سأل عائشة) أمّ المؤمنين (زوج النبي﴿ ل#، كيف كانت صلاة
رسول الله : في رمضان؟) ظاهره السؤال عن صفة صلاته وَلل وهو الظاهر،
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٦٣٩/١ - ٦٤٠).
٥٧٩

٧ - كتاب صلاة الليل
(٢) باب
(٢٥٥) حديث
فَقَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلا فِي غَيْرِهِ،
عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً،
بل المتيقن من اللفظ، وأجابته عائشة بقولها: يصلي أربعاً .. الحديث، لكنها
قدّمت ذكر العدد الأكثر استطراداً وإجمالاً لما بينهما من الكيفية، وهو صريح
لفظ كيف كان، ولم يكن السؤال عن كمية الصلاة وإلا فكان حقه أن يسأل كم
كانت صلاته وَ ◌ّل#، ولذا بينت عائشة الكيفية بعد ذكر العدد الأكثر.
(فقالت: ما) نافية (كان رسول اللهمج 8*) في أكثر أحواله (يزيد) في
التهجد، والظاهر أن السائل لما سأل عن صلاة الليل وزاد لفظ رمضان فظنت
أن عنده صلاته وَلّ في التهجد في رمضان تزيد على غيره فدفعته بهذا (في
رمضان) أي في لياليه (ولا في غيره) من الليالي المباركة وغيرها (على إحدى
عشرة ركعة) فعلى هذا لا يخالف شيئاً من الروايات.
ولا ينافي حديثها: كان رسول الله وَلّ إذا دخل العشر يتهجد ما لا يتهجد
في غيره، ولا ينافي أيضاً حديث ابن عباس عند ابن أبي شيبة(١): كان وَل
يصلي في رمضان عشرين ركعة، والوتر، ولا ينافي أيضاً ما سيأتي من روايتها
بثلاث عشرة ركعة، ولا جميع الروايات الواردة في هذا الباب عن ابن عباس
وغيره، فإنه روى ابن عباس ثلاث عشرة ركعة أو أكثر من ذلك كما سيأتي
مفصلاً، وكذلك روي ثلاث عشرة ركعة في حديث أم سلمة.
وروى أحمد والبزار وأبو يعلى من حديث جابر ثلاث عشرة ركعة، وروى
مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، والترمذي في ((الشمائل)) عن زيد بن خالد
الجهني ثلاث عشرة ركعة، وروى أحمد في ((زياداته)) على المسند عن علي: أنه وَال
يصلي من الليل ست عشرة ركعة سوى المكتوبة، قاله العيني.
قال القاري في ((جمع الوسائل)) (٢): سألها عن لياليه وقت التهجد، فلا
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٨٦/٢).
(٢) (٧٣/٢).
٥٨٠
--...-----......