النص المفهرس
صفحات 501-520
٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤٠) حديث فَلَّمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ◌َلِ، فعلم من مجموع الروايات أن ترك الخروج كان في الليلة الرابعة، وهذا كله على توحيد القصة، وإلا فالمرجح عندي تعددها كما سيأتي مفصلاً، فلا يحتاج إذاً إلى التأويل، بل تحمل الروايات كلها على ظاهرها (فلم يخرج إليهم رسول الله (18) ففقدوا صوته، وظنوا أنه قد تأخر، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج ◌َّ إليهم، وبعضهم يسبح، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب، كما ورد في الروايات، وفي رواية أحمد عن ابن جريج: حتى سمعت ناساً منهم يقولون: الصلاة. قال ابن عبد البر: تفسر هذه الليالي المذكورة في حديث عائشة بما رواه النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول الله مَّر في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، وكانوا يسمون به السحور، أخرجه النسائي(١)، انتهى. قلت: وقد وقع مثله في حديث أبي ذر (٢) - رضي الله عنه - قال: صمنا مع رسول الله وَّير فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله لو نَفَلتَنَا قيام هذه الليلة، فقال: ((إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة))، فلما كانت الرابعة لم يقم بنا حتى بقي ثلث الليل، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، ثم لم يقم بنا بقية الشهر، رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وروى ابن ماجه نحوه. (١) أخرجه النسائي في الصلاة، باب ((في قيام شهر رمضان)) (٢٠٣/٣). (٢) أخرجه أبو داود، ح (١٣٧٥)، وابن ماجه ح (١٣٢٧)، والنسائي (٢٠٢/٣)، وانظر: ((التمهيد)) (١١٢/٨). ٥٠١ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤٠) حديث قال القاري(١): وصححه الترمذي والحاكم، وهذا على المشهور من الروايات وإلا فقد وقع في تفسيرها ما سيأتي في حديث أنس، ولا معارضة بينها لأن النبي وقال﴿ إذا كان يُرَغِّبهم ويَحُضُّهم على قيام رمضان، فيبعد أن لا يقوم هو بنفسه أو لم يقم إلا مرة واحدة، بل الظاهر أنه وَسلّ كما يحضُّ عليها الناس يقوم بها دائماً بنفسه الشريفة، وقد يقتدي به الصحابة الوالهون في الاتباع والعبادات، ويؤيد ذلك اختلاف الروايات الواردة في ذلك من ترك الخروج عليهم كما تقدم، وتعيين الليالي وعدد الركعات وغير ذلك مما لا يخفى على من سهر الليالي في ملاحظتها . وأما عدد ما صلى فيه، فقال الزرقاني في حديث ضعيف عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أنه صلى عشرين ركعة والوتر، أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني، وروى ابن حبان عن جابر - رضي الله عنه - قال: صلى بنا رسول الله وَ﴾ في رمضان ثمان ركعات ثم أوتر، وهذا أصح. قال الحافظ: لم أر في شيء من طرق حديث عائشة بيان العدد، لكن روى ابن خزيمة وابن حبان عن جابر قال: صلى بنا رسول الله وَلا ثمان ركعات ثم أوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا، ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله ... الحديث. فإن كانت القصة واحدة احتمل أن جابراً - رضي الله عنه - ممن جاء في الليلة الثانية، فلذا اقتصر على وصف ليلتين، انتهى. قلت: وما قيل: إن حديث جابر أصح من حديث ابن عباس فيه تأمل، لأن مداره على عيسى بن جارية، قال الذهبي: قال ابن معين: عنده مناكير، وقال النسائي: منكر الحديث، وعنه أيضاً متروك، وقال أبو زرعة: لا بأس به، (١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٨/٣). ٥٠٢ -- -----... ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤٠) حديث وقال في ((الخلاصة)): وَثّقه ابن حبان، وقال أبو داود: منكر الحديث، قاله النيموي . وأنت خبير بأن رواية ابن عباس - رضي الله عنهما - إذ هي مؤيدة بآثار الصحابة أولى من رواية جابر وإن كان فيها بعض الضعف، فإن جمهور الصحابة متفقة على صلاة التراويح بعشرين ركعة، كما سيجيء في محله. قال ابن عبد البر(١): هو قول جمهور العلماء، وهو الصحيح، عن أبي بن كعب من غير خلاف من الصحابة، قاله العيني. ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء والترمذي عن أكثر الصحابة، قلت: وهذا كله على توحيد القصة وإلا فظاهر الروايات هو تعدد القصص، فإن الجمع بين هذه الروايات المختلفة جداً عسير، وصرفٌ عن ظاهرها بلا ضرورة، فالظاهر أن قصة حديث جابر كانت في رمضان آخر. ويؤيده ما قاله الحافظ في ((الفتح)»(٢)، وما في مسلم عن أنس - رضي الله عنه -: كان ◌َّ يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، فجاء رجل، فقام حتى كنا رهطاً فلما أحسَّ بنا تجوَّز، ثم دخل رجل، الحديث. فالظاهر أن هذا كان في قصة أخرى، انتهى. قلت: بل هو المتعين، لرواية محمد بن نصر في ((قيام الليل)) عن أنس قال: كان النبي ◌ُّلّ يجمع أهله ليلة إحدى وعشرين فيصلي بهم إلى ثلث الليل، ثم يجمعهم ليلة اثنتي وعشرين، فيصلي بهم إلى نصف الليل، ثم يجمعهم ليلة ثلاث وعشرين فيصلي بهم إلى ثلثي الليل، ثم يأمرهم ليلة أربع وعشرين أن يغتسلوا، فيصلي بهم حتى يصبح ثم لا يجمعهم. (١) ((الاستذكار)) (١٥٧/٥). (٢) ((فتح الباري)) (١٣/٣). ٥٠٣ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤٠) حدیث فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ: ((قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ)) (فلما أصبح) رسول الله وَ له (قال: قد رأيت الذي صنعتم) من رفع الأصوات وغيره، وللبخاري: فلما قضى رسول الله وَّر صلاة الفجر أقبل على الناس فتشهَّد ثم قال: ((أما بعد فإنه لم يخف علَيَّ مكانكم))، وفي رواية مسلم: ((شأنكم))، وفي رواية أبي سلمة: ((اكلفوا من العمل ما يُطيقون))، وفي رواية معمر: أن الذي سأله عن ذلك - بعد أن أصبح - عمر بن الخطاب. (فلم يمنعني من الخروج إليكم) للصلاة (إلا أني خشيت أن يُفْرض عليكم) أي القيام، وفي نسخة: ((أن تُفْرض عليكم))، أي تلك الصلاة فتعجزوا، كما في رواية مسلم، والمعنى: تشق عليكم، وليس المراد العجز الكلي لأنه يسقط التكليف. فهذه الروايات صريحة في أن عدم خروجهم * * كان للخشية عن فرضية هذه الصلوات لا لعلَّةٍ أخرى، واستشكلت هذه الخشية مع قوله سبحانه وتقدس: ﴿مَا يُبَدَّلُ اُلْقَوْلُ لَدَىَّ﴾ هُنَّ خمس، وهُنّ خمسون، فإذا أمن التبديل كيف يخاف من الزيادة؟ وأجاب عنه الخطابي(١): بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه وَّلّ، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة اقتداؤه فيها عند المواظبة، فترك الخروج لئلا يدخل فيه بطريق الاقتداء، لا من طريق إنشاء فرض جديد، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر، فيجب عليه، ولا يلزم منه زيادة فرض. وأجيب أيضاً: بأنه تعالى لما فرض خمسين، وحظّ معظمها بشفاعة النبيِ وَ*، فإذا التزمت الأمة ما اسْتُعْفِيَ لهم، لم ينكر أن يثبت ذلك فرضاً كما التزم ناس الرهبانية من قبل أنفسهم ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ فخشي النبي ◌َّ أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، اهـ. وتبع الخطابي جماعة من الشراح. وأجاب الكرماني: بأن حديث الإسراء أمن من النقص لا الزيادة، وفيه (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٣/٣). ٥٠٤ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤٠) حديث * نظر، وأجاب آخرون: بأن الزمان قابل للنسخ فلا مانع من خشية الافتراض، وأشكل بأن قوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوَّلُ لَدَىَّ﴾ خبر لا يحتمل النسخ. قال الباجي(١): قال أبو بكر: يحتمل أنه تعالى أوحى إليه أنه إن واصل الصلاة معهم فرضها عليهم، ويحتمل أنه # ظن أن ذلك سيفرض عليهم لما جرت العادة بأن ما داوم عليه على سبيل الاجتماع فرض على أمته، ويحتمل أنه خاف أن يظن أحد من أمته بعده إذا داوم عليها وجوبها، وإلى ذلك نحا القرطبي، فقال: قوله: أن يفرض عليكم أي تظنونه فرضاً فيجب عليه، كما إذا ظن مجتهد حل شيء أو حرمته يجب عليه العمل به. وقال ابن بطال: يحتمل أن هذا القول صدر منه # لما كان قيام الليل فرضاً عليه دون أمته فخشي أن يسوي بينهم إن التزموه، لأن أصل الشرع المساواة، وقال الحافظ (٢): حديث: ((لا يبدل القول لديّ))(٣) الحديث يدفع هذه الأجوبة، وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة سواها؛ أحدها: أنه خاف جعل التهجد في المسجد جماعة شرطاً في صحة النفل، ويُومئ إليه حديث زيد بن ثابت: ((خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم))، فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقاً عليهم من اشتراطه، فأذن لهم في المواظبة على ذلك في بيوتهم، وثانيها: أنه خاف افتراضه على الكفاية لا عيناً، فلا يكون زائداً على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد، ثالثها: أنه خاف فرض قيام رمضان خاصة، ففي حديث الباب: أن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سفيان بن حسين: ((خشيت (١) ((المنتقى)) (٢٠٤/١). (٢) ((فتح الباري)) (١٣/٣)، و((شرح الزرقاني)) (٢٣٤/١). (٣) هكذا في الأصل، وفي ((الزرقاني)) وحديث هنّ خمسٌ وهنّ خمسون ((لا يبدّل القول لديّ)). ٥٠۵ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤١) حديث وذُلِكَ فِي رَمَضَانَ . أخرجه مسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٢٥ - باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، حديث ١٧٨. ٢/٢٤١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ، كَانَ يُرَغِّبُ أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر))، ويرتفع الإشكال لأن رمضان لا يتكرر كل يوم فلا يكون زائداً على الخمس، وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة عندي الأول، انتهى. قلت: ونظير ذلك قول عائشة في سُبحة الضحى: إن كان النبي ◌َّ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، الحديث. (وذلك في رمضان) كلام عائشة ذكرته إدراجاً لتبين أن هذه القصة كانت في شهر رمضان، قاله العيني(١). ٢٤١/ ٢ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري، قال العيني: وفي رواية ابن القاسم عند النسائي عن مالك قال: حدثني ابن شهاب (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف) ذكره مالك بلفظ: ((عن))، والبخاري برواية عقيل عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة، ورواه عقيل ويونس وشعيب وغيرهم عن الزهري عن حميد بدل أبي سلمة، وصح عند البخاري الطريقان، فأخرجهما على الولاء فأخرجه النسائي عن مالك عن الزهري عن حميد وأبي سلمة جميعاً، وبسط الزرقاني(٢) شيئاً من هذا الاختلاف، ثم قال: وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وصحح الطريقين. (عن أبي هريرة) اختلف في هذا الحديث اتصالاً وإرسالاً، ورجح الزرقاني بعد ذكر الاختلاف اتصاله (أن رسول الله مَ لير كان يرغب) بضم أوله وفتح الراء وشد (١) ((عمدة القاري)) (٤٥٧/٥) رقم الحديث (١١٢٩). (٢) ((شرح الزرقاني (١/ ٢٣٧). ٥٠٦ --------- --* -* * ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤١) حديث فِي قِيام رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُّرَ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: ((مَنْ قَامَ رَمَضَانَ الغين المعجمة المكسورة أي يحضهم ويندبهم (في قيام رمضان) أي في صلاة التراويح كما قاله النووي وغيره، وقيل: مطلق صلاة الليل، والمرجح الأول، حتى قال الكرماني: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح. قال الباجي(١): وقيام رمضان يجب أن يكون صلاة تختص به، ولو كان شائعاً في جميع السنة لما اختص به ولا انتسب إليه، كما لا تنسب إليه الفرائض والنوافل التي تصلى في جميع السنة، وفي ((شرح الإقناع)): التراويح عشرون ركعة، اتفقوا على سنيتها وعلى أنها المراد من قوله : ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً)) الحديث. (من غير أن يأمر بعزيمة) أي بعزم وبت وقطع، يعني بفرضية. قال الطيبي: العزيمة والعزم: عقد القلب على إمضاء الأمر، والمعنى: يأمره من غير أن يوجبه إيجاباً لا يحل تركه، بل أمر ندب وترغيب، ثم بين الترغيب بقوله (فيقول) أي رسول الله وَّ﴾ (من قام رمضان). قال ابن عبد البر: أجمع رواة ((الموطأ)) على لفظ: قام، ولذا أدخله مالك في قيام رمضان، ويقويه قوله: ((كان يرغب في قيام رمضان))، وتابع مالكاً عليه معمر ويونس وأبو أويس، كلهم عن الزهري بلفظ: ((قام)) ورواه ابن عيينة وحده عن الزهري بلفظ: ((من صام رمضان)) بالصاد، وكذا رواه محمد بن عمر ويحيى بن أبي كثير ويحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: ((صام)) ورواه عقيل عن الزهري بلفظ: ((من صام رمضان وقامه)) انتهى، والظاهر أن الحديث عند الزهري باللفظين معاً، فتارةً يروي بأحدهما وتارة يجمعهما، لأن الرواة المذكورين عن ابن شهاب كلهم حفاظ، ويقوي ذلك رواية عقيل عنه بالجمع بينهما (٢). (١) ((المنتقى)) للباجي (٢٠٦/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٥/١). ٥٠٧ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤١) حديث إِيماناً واحْتِسَاباً، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) . (إيماناً) بصدق النبي ◌َّل في ترغيبه فيه، وقال القاري: مؤمناً بالله ومصدقاً بأنه تقرب إليه، وقال ابن رسلان: أي لأجل الإيمان بالله تعالى أو يقدر لفظ: ((من)) والمراد بالإيمان إما الإيمان بكل ما أوجبه الإيمان بالله تعالى، أو الإيمان بأن هذا القيام حق وطاعة، اهـ. (واحتساباً)(١) أي طلباً للثواب لا لرياء ونحوه مما يخالف الإخلاص ويفسد العمل، قال القاري: محتسباً بما فعله عند الله أجراً لم يقصد به غيره، يقال: احتسب بالشيء أي اعتد به فنصبهما على الحال، ويجوز أن يكون على المفعول له، قال في ((الفتح الرحماني)): منصوبان على المفعول له، وجوز أبو البقاء أن يكونا على الحال مصدراً بمعنى الوصف، أي مؤمناً محتسباً، اهـ. واختار العيني نصبهما على الحال، قال المنذري: قال الخطابي: إيماناً واحتساباً، أي نية وعزيمة، أي يصومه على التصديق والرغبة في الثواب طيبة به نفسه غير كاره له ولا مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه، لكن يغتنم طول أيامه، لعظم الثواب، وقال ابن رسلان: ((إيماناً واحتساباً)) مفعول له أو تمييز أو حال. (غفر له ما تقدم من ذنبه) لفظ ((من)) بيان لـ ((ما)) لا للتبعيض: أي غفر ذنوبه المتقدمة كلها، والمراد بها الصغائر عند الجمهور كما تقدم مفصلاً، قال في ((الفتح الرحماني)): الإجماع على أن حقوق العباد لا تسقط إلا برضا أهلها، اهـ. قال الزرقاني(٢): والمراد الصغائر دون الكبائر، كما قطع به إمام الحرمين (١) قال ابن عبد البر: وفي قوله عليه السلام: ((إيماناً واحتساباً)) دليل على أن الأعمال الصالحة إنما يقع بها غفران الذنوب، وتكفير السيئات مع الإيمان والاحتساب، وصدق النيات. ((الاستذكار)) (١٤٥/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٦/١). ٥٠٨ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤١) حديث ٠ والفقهاء، وعزاه عياض لأهل السنة، وجزم ابن المنذر بأنه يتناولهما، وقال الحافظ: إنه ظاهر الحديث، وقال ابن عبد البر: اختلف فيه العلماء، فقال قوم: يدخل فيه الكبائر، وقال آخرون: لا تدخل فيه إلا أن يقصد التوبة والندم ذاكراً لها، وقال بعضهم: يجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة. قال الحافظ في ((الفتح)) (١): وزاد حامد بن يحيى عن ابن عيينة عن الزهري في هذا الحديث لفظ: و ((ما تأخر)) قال ابن عبد البر: هي زيادة منكرة في حديث الزهري، ودفعه الحافظ بأنه تابعه على ذلك جماعة من الحفاظ، ثم ذكرها ونقل عنه الزرقاني. قلت: وقال المنذري في ((ترغيبه))(٢): وفي حديث قتيبة: وما تأخر، وانفرد بهذه الزيادة قتيبة عن سفيان وهو ثقة ثبت وإسناده على شرط الصحيح، ورواه أحمد بالزيادة بعد ذكر الصوم بإسناد حسن، اهـ. ثم قال: وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر عدة أحاديث جمعتها في كتاب مفرد، واستشكل بأن المغفرة تستدعي سبق الذنب، والمتأخر من الذنوب لم يأت فكيف يغفر، وأجيب بأن ذنوبهم تقع مغفورة، وقيل: كناية عن حفظ الله إياهم في المستقبل. قلت: والأوجه ما أفاده المشايخ أن الغفران إذا صادف محلاً مغفوراً يكون موجباً لرفع المراتب . قال النووي في ((شرح مسلم)): قد يقال: إذا كَفَّر الوضوء، فماذا تكفر الصلاة؟ وذكر غير ذلك من المكفرات، ثم قال: والجواب ما أجاب به العلماء أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يُكفِّره من (١) (فتح الباري)) (٣٠٦/٤) رقم الحديث (٢٠٠٨). (٢) (٩٠/٢). ٥٠٩ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤١) حديث قَالَ ابْنُ شِهَابِ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِمَلهَ، وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، الصغائر كفّره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات، ورفعت به درجات، وإن صادفت كبيرة أو كبائر، ولم تصادف صغيرة رجونا أن يخفف من الكبائر، اهـ. (قال ابن شهاب) قال الباجي: وهذا مرسل، أرسله الزهري وأدرجه معمر في نفس الحديث، رواه الترمذي، ولفظه: عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ◌َلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ويقول: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))، فتوفي رسول الله صَلىالله وَبيَّة والأمر على ذلك، الحديث. قلت: والحديث أخرجه محمد بن نصر في كتاب (( قيام الليل)) مثل ((الموطأ)) فنسب هذا القول إلى ابن شهاب، وأخرجه أبو داود (١) مثل الترمذي فلم يميزه عن الحديث، والظاهر عندي أنهم مختلفون في اتصاله وإرساله(٢)، والراجح إرساله لجلالة من أرسلوه مع كثرتهم، وأيضاً مع المرسلين زيادة فتقبل. (فتوفي) أي قبض (رسول الله وَ لير، والأمر على ذلك) أي على ترك اهتمام الجماعة في صلاة التراويح مع الندب إلى القيام، وأن لا يجمعوا فيه على إمام يصلي بهم خشية أن يفرض عليهم. قال الحافظ: وما رواه ابن وهب عن أبي هريرة، خرج رسول الله وله وإذا الناس يصلون في ناحية المسجد، فقال: ((ما هذا؟))، فقيل: ناس يصلي بهم أُبيّ بن كعب، فقال: ((أصابوا، ونِعْمَ ما صنعوا))، ذكره ابن عبد البر؛ ففيه (١) أخرجه أبو داود في الصلاة (١٣٧١). (٢) انظر: ((التمهيد)) (١٩٦/٧). ٥١٠ ٦ - كتاب الصلاة (١) باب (٢٤١) حديث ٠٠٠٠٠٠ ٥ ٠٠٠ ۔ ....... مسلم بن خالد، وهو ضعيف، والمحفوظ أن عمر هو الذي جمع الناس على أبي، انتهى. قلت: وهذا الحديث أخرجه أبو داود(١) وغيره، ومسلم بن خالد الزنجي مختلف في توثيقه، فروي عن جماعة من أئمة الجرح تضعيفه، وروي عن جماعة منهم توثيقه، قال الحافظ في ((تهذيبه)): قال البخاري: يعرف وينكر، وقال ابن عدي: حسن الحديث، وأرجو أنه لا بأس به، وذكره ابن حبان في (الثقات)) وقال: كان من فقهاء الحجاز، منه تعلم الشافعي الفقه قبل أن يلقى مالكاً، وعن ابن معين: ثقة، وقال الساجي: صدوق كثير الغلط، وقال الدار قطني: ثقة، حكاه ابن القطان. وجمع عمر الناس على أُبيّ لا يمنع أن أبياً قد صلى بالناس في زمانه ، كيف وقد أخرج محمد بن نصر عن جابر: جاء أبيّ بن كعب في رمضان، فقال: يا رسول الله كان مني الليلة شيء، قال: وما ذاك يا أُبيّ؟ قال: نسوة داري قلن: إنا لا نقرأ القرآن، فنصلي خلفك بصلاتك، فصليت بهن ثمان ركعات والوتر. فسكت عنه، وكان شبه الرضا، وسند ذلك بعينه هو سند حديث جابر المذكور في بيان عدد ما صلى فيه، وحكم عليه الحافظ بالأصحية . ويؤيده أيضاً ما أخرج محمد بن نصر وأبو داود وسكت عليه هو والمنذري عن أبي سلمة عن عائشة قالت: كان الناس يصلون في مسجد رسول الله وَل# في رمضان بالليل أوزاعاً، يكون مع الرجل الشيء من القرآن، فيكون معه النفر الخمسة أو الستة، وأقل من ذلك وأكثر، يصلون بصلاته، قالت: فأمرني رسول الله وَ ﴿ ليلة من ذلك أن أنصب له حصيراً، الحديث. (١) أخرجه أبو داود (١٣٧٧) وقال: هذا الحديث ليس بالقوي، مسلم بن خالد ضعيف، قلت: وثقه جماعة كما في ((البذل)) (١٥٩/٦). ٥١١ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤١) حديث فهذا أيضاً صريح في أن الصلاة بجماعة كان شائعاً في زمانه وَّر فيبعد أن لا يصلي بهم أبيّ مع كثرة حفظه، وليس المراد من جمع عمر الناس على أُبيّ إلا مثل جمع عثمان على القرآن، للمنع عن التوزيع والتشتت الذي كان في زمانه الر، ويؤيده أيضاً الحديث الآتي المجمع على صحته، فإن خروج عمر على الناس قبل جمعه على أُبيّ كان والناس أوزاع، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل مع الرهط، فهذه الصلاة مع الرهط إذا لم تكن في زمانه وَّر، فليت شعري في أي زمان حدث، فلا مجال لإنكار أنه كان في زمنه وَلير، فأي شيء يمنع إمامة أُبيّ في زمانه وَ ل﴾؟ وأيضاً الروايات الكثيرة الشهيرة بلفظ: ((شهر رمضان فرض الله صيامه وأنا سننت قيامه)) الآتية في محلها كلها صريحة في أن التراويح قد بدأت في زمانه وَالر، والصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يصلونها بالجماعة، ولم يكن إحداث عمر إلا الجمع على إمام واحد، كما سيأتي في محله، وروي عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، قال: خرج رسول الله وَ﴿ ذات ليلة في رمضان، فرأى ناساً في ناحية المسجد يصلون، فقال: ((ما يصنع هؤلاء؟)) قال قائل: يا رسول الله هؤلاء ناس ليس معهم القرآن، وأُبيّ بن كعب يقرأ وهم معه يصلون بصلاته، قال: ((قد أحسنوا وقد أصابوا))، رواه البيهقي في ((المعرفة)) وإسناده جيد، قاله النيموي(١). قلت: وأخرجه أيضاً في ((السنن الكبير)) (٢) بطرق، فهو شاهد لحديث أبي داود، وهذا صريح في أن التراويح كانت تُصلّى في زمن النبي وَّ مع الجماعة، فهذه الروايات كلها مؤيدة لرواية أبي داود، فحكم الضعف عليها من المشايخ من المستغربات. وله شواهد أخر عندي تؤيد صحة إمامة أُبيّ في التراويح في زمانه ◌َل (١) ((آثار السنن)) (٥٠/٢). (٢) ((السنن الكبرى)) (٤٩٥/٢). ٥١٢ --------- ------- ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (١) باب (٢٤١) حديث ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذُلِكَ فِي خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَصَدْراً مِنْ خِلَافَةٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. أخرجه البخاريّ في: ٣١ - كتاب صلاة التراويح، ١ - باب فضل من قام رمضان . ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٢٥ - باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، حديث ١٧٤. (ثم كان الأمر) لصلاة التراويح (على ذلك) الحال يعني على وفق ما كان في زمان النبي ◌ّر (في خلافة) أول الخلفاء (أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه -، يعني في جميع زمان خلافته (وصدرا) بالنصب عطفاً على خبر كان، وفي نسخة بالخفض عطفاً على خلافة، وصدر الشيء أوله، والمراد السنة الأولى من خلافته لأن بدء خلافته في أخرى الجمادين سنة ثلاث عشرة، واستقر أمر التراويح في سنة أربع عشرة من الهجرة في السنة الثانية من خلافته كما في ((تاريخ الخلفاء)) و((ابن الأثير)) و ((طبقات ابن سعد)) (من خلافة) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) - رضي الله تعالى عنه -. قال الباجي(١): وإنما أمضاه على ذلك أبو بكر، وإن كان قد علم أن الشرائع لا تفرض بعد النبي و 8* لأحد وجهين: إما لأنه شغل بأمر أهل الرِدّة وغير ذلك من مهمات الأمور (٢)، ولم يتفرغ للنظر في جميع أمور المسلمين مع (١) ((المنتقى)) (٢٠٦/١). (٢) قال ابن العربى فى ((القبس)) (٢٨٢/١) ولاشتغاله بتأسيس القواعد وربط المعاقد وبنيان الدعائم، وتحصين الحوزة وسد الثغور بأهل النجدة، ثم جاء عمر - رضي الله عنه - والأمور منتظمة والقلوب لعبادة الله تعالى فارغة، فلما رآهم عمر في المسجد أوزاعاً رأى أن ينظم شملهم بإمام واحد أفضل ديناً وأكثر انتفاعاً، فجمعهم على أُبيّ اقتداءً برسول الله وَّر في لياليه الثلاث التي صلى فيها، ولعلمه بأن العلة التي ترك النبي ◌َ# الصلاة لها من خوف الفريضة قد زال، فصار قيام رمضان سنة للاقتداء بالنبي ◌َلل بعد زوال العلة التي تركها لأجلها وصار بدعة لأنه لم يكن مفعولاً فيما سلف من الأزمنة، ونعمت البدعة سنة أُحييت وطاعة فُعلت. ٥١٣ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (٢) باب (٢) باب ما جاء في قيام رمضان قصر المدة، أو لأنه رأى من قيام الناس في آخر الليل وقوتهم عليه ما كان أفضل عنده من جمعهم على إمام واحد في أول الليل، ثم رأى عمر أن يجمعهم على إمام واحد، انتهى مختصراً. والأوجه عندي: الأول. (٢) ما جاء في قيام (شهر) رمضان ويسمى التراويح كما تقدم، قال الكرماني: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان التراويح، وبه جزم النووي وغيره، قال الباجي(١): يجب أن يكون صلاة تختص به، ولو كان شائعاً في جميع السنة لما اختص به ولا انتسب إليه، اهـ. وفي ((الإقناع)): اتفقوا على أن التراويح هي المراد من قوله وقَ﴾: ((قام رمضان)) الحديث، وفي ((الشرح الكبير)): التراويح هي قيام رمضان، ثم التراويح جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، كتسليمة من السلام، سميت الصلاة جماعة في ليالي رمضان تراويح لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، قاله الحافظ في ((الفتح)) (٢). وقال المجد في ((القاموس)): ترويحة شهر رمضان سميت بها لاستراحة بعد كل أربع ركعات، وقال ابن نجيم في ((البحر)): التراويح جمع ترويحة، وهي في الأصل مصدر بمعنى الاستراحة، سميت به الأربع ركعات المخصوصة لاستلزامها استراحة بعدها كما هو السنة فيها، قال في ((الفتح الرحماني)): قال في ((المبسوط)) وغيره: أجمعت الأمة على مشروعيتها، ولم ينكرها أحد من أهل القبلة إلا الروافض، ثم ذكر الأقوال في أنها سنة مؤكدة. (١) ((المنتقى)) (٢٠٧/١). (٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٢٥٠). ٥١٤ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (٢) باب # وقال في ((البرهان)): أجمعت الأمة على شرعية التراويح وجوازها، ولم ينكرها أحد من أهل القبلة إلا الروافض، وفي تعاليق ((الأنوار)): حكى غير واحد الإجماع على سنيتها، وفي ((النهر الفائق)): قد حكى غير واحد الإجماع على سنيتها، وفي موضع آخر: قد أطبقوا على سنيتها، وكذا حكي الإجماع في ((البحر)) و((شرح المنية)) و((رد المحتار)) وغير ذلك. نعم: اختلف العلماء في كونها سنة أو تطوعاً، ذكر الأقوال فيها شُرَّاح الحديث والفقه، والراجح عند الأئمة الأربعة كونها سنة مؤكدة، قال في ((الدر المختار)): التراويح سنة مؤكدة المواظبة الخلفاء الراشدين للرجال والنساء إجماعاً، قال ابن عابدين: قوله: سنة مؤكدة صححه في ((الهداية)) وغيرها، وهو المروي عن أبي حنيفة. وذكر في ((الاختيار)): أن أبا يوسف سأل أبا حنيفة عنها وما فعله عمر، فقال: التراويح سنة مؤكدة، لم يتخرجه عمر من تلقاء نفسه، ولم يكن فيه مبتدعاً، ولم يأمر به إلا عن أصل لديه، وعهد من رسول الله وَ ◌ّة، ولا ينافيه قول القدوري: إنها مستحبة، لأنه قال: يستحب أن يجتمع الناس، وهو يدل على أن الاجتماع مستحب، وحكى غير واحد الإجماع على سنيتها، ثم قال: قوله: ((إجماعاً)) راجع إلى قوله: للرجال والنساء، وأشار إلى أنه لا اعتداد بقول الروافض: إنها سنة الرجال فقط، على ما في ((الدرر)) و ((الكافي)) أو أنها ليست بسنة أصلاً كما هو المشهور عنهم، لأنهم أهل بدعة يتبعون أهواءهم لا يُعَوِّلُون على كتاب ولا سنة، وينكرون الأحاديث الصحيحة، انتهى. وفي ((الأنوار الساطعة)): التراويح سنة مؤكدة للرجال والنساء، في كل ليلة من رمضان، قال في ((الجوهرة)): الأصح أنها سنة مؤكدة، وفي ((المراقي)): سنة عين مؤكدة على الرجال والنساء، هذا عندنا الحنفية، ووافقته كتب الفروع من الأئمة الثلاثة كلها . ٥١٥ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (٢) باب أما من كتب الشافعية ففي ((التوشيح)): ثلاث نوافل مؤكدات، والثالث منها صلاة التراويح، وهي عشرون ركعة ولو فُرادى، وتسن الجماعة فيها. وفي ((الروضة)): ومنه صلاة التراويح عشرون ركعة، كل ركعتين بتسليمة، لا يجوز فيها غير ذلك، لورودها كذلك، لأنها بمشروعية الجماعة فيها أشبهت الفرائض؛ فلا تغير عما وردت، اهـ. وتقدم عن ((شرح الإقناع)): اتفقوا على سنيتها وعلى أنها المراد من قوله ولية: ((من قام رمضان إيماناً)) الحديث، وفي ((الأنوار الساطعة)): ومن النفل المؤقت صلاة التراويح سنة مؤكدة، عشرون ركعة بعشر تسليمات في كل ليلة من رمضان، اهـ .. وأما من كتب المالكية ففي ((الشرح الكبير)) (١): وتأكد تراويح وهو قيام رمضان، والجماعة فيه مستحبة، اهـ. وفي ((الأنوار الساطعة)): وتتأكد صلاة التراويح في رمضان عشرون ركعة بعد صلاة العشاء، يُسَلُّم من كل ركعتين، اهـ. وأما من كتب الحنابلة ففي ((نيل المآرب)) (٢): التراويح سنة مؤكدة عشرون ركعة برمضان، والأصل في مسنونيتها الإجماع، اهـ. وفي ((الروض)): التراويح سنة مؤكدة، عشرون ركعة، لما روي عن ابن عباس: ((أن النبي ◌َّ كان يصلي في رمضان عشرين ركعة))، اهـ. وفي ((الأنوار)): صلاة التراويح سنة مؤكدة، عشرون ركعة في كل ليلة من رمضان، اهـ، فهؤلاء فقهاء الأمصار - رضوان الله عليهم أجمعين - بأجمعهم كلهم مجمعون على سنيتها، بل تأكدها، وإنما أطلنا الكلام في سرد أقوالهم، لما أن بعض الجهلة في هذا الزمان أنكروا سنيتها تبعاً للروافض. (١) (٣١٥/١). (٢) (١/ ٢٠٠). ٥١٦ ----- . . -- --- ---- ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (٢) باب (٢٤٢) حديث ٣/٢٤٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ شُرْوَهَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ ...... سَعَ ثُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ قال في ((البرهان)): أجمعت الأمة على شرعيتها، ولم ينكرها أحد من أهل القبلة إلا الروافض - لا بارك الله فيهم - ثم قال: ويصلي بجماعة في الأصح على وجه الكفاية، وقوله عليه السلام: ((عليكم بالصلاة في بيوتكم))، فقيام رمضان مستثنى من ذلك لما تقدم من فعله وق لتر، وبيان العذر في تركه، وفعل الخلفاء الراشدين حتى قال علي: ((نور الله قبر عمر كما نور مساجدنا))، والمبتدعة أنكروا أداءها بجماعة في المسجد، فأداؤها بالجماعة جعل شعاراً للسنة كأداء الفرائض بالجماعة شرع شعاراً للإسلام، انتهى. وكفى لإثبات شرعيتها إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ذلك بلا نكير منهم، فلم يرو عن أحد من الصحابة في زمن الخلفاء، ولا من بعدهم الإنكار على ذلك، بل قد وافقوا عمر في كونه حسناً، وباشروا به وأمروا واهتموا كما لا يخفى على من له أدنى ممارسة بالآثار، والله ولي التوفيق. ٣/٢٤٢ - (مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد)(١) بالتنوين (القاري) بشدة الياء نسبة إلى القارة بطن من خزيمة، ولفظ البيهقي: ((قال عروة أخبرني عبد الرحمن بن عبد القاري، وكان من عمّال عمر يعمل مع عبد الله بن أرقم على بيت مال المسلمين)) الحديث. (أنه قال: خرجت مع) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) (في) ليلة من ليالي (رمضان) سنة أربع عشرة من الهجرة كما صرح به السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) (٢) (إلى المسجد) النبوي (فإذا الناس) بعد صلاة العشاء جماعة واحدة، (١) له ترجمة في: ((طبقات ابن سعد)) (١٧٩/٣)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٢٣/٦). (٢) (ص١٥٠). ٥١٧ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (٢) باب (٢٤٢) حديث أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلَّيِ الرَّجُلُ فَيُصَلَّ بِصَلاتِهِ الرَّهْطُ. فَقَال عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَانِي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ عَلَى قَارِىءٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، وكلمة ((إذا)) للمفاجأة (أوزاع) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها زاي فألف، فعين مهملة أي جماعات متفرقة، لا واحد له من لفظه (متفرقون) تأكيد لفظي، لأن الأوزاع هو الجماعات المتفرقة، وذكر المجد وغيره الأوزاع الجماعات، ولم يقولوا: متفرقين، فيكون متفرقون، النعت للتخصيص. (يصلي الرجل لنفسه) أي منفرداً، هذا وما بعده بيان لما أجمله أولاً بقوله: أوزاع (ويصلي الرجل) الآخر (فيصلي) مقتدياً (بصلاته الرهط) وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى الأربعين (فقال عمر: والله إني لأراني) أي أرى نفسي، فالفاعل والمفعول عبارتان عن معبر واحد، وهذا من خصائص أفعال القلوب، قاله العيني، والرؤية إدراك المرئي، وذلك أضرب بحسب قوى النفس، كما بسطه الراغب في ((مفرداته)). (لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد) يأتَمُّون به، ويسمعون قراءته، ولفظ ابن أبي شيبة(١): عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: ((خرج عمر بن الخطاب في شهر رمضان والناس يصلون قطعاً، فقال: لو جمعنا هؤلاء على قارئ واحد كان خيراً)) الحديث (لكان أمثل) أي أفضل وأسرَّ، لأنه أنشط لكثير من المصلين، فيكون أكمل ثواباً . قال ابن عبد البر(٢): لم يسن عمر إلا ما رضيه وَّل، ولم يمنعه من المواظبة عليه إلا خشية أن يفرض على أمته ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فلما أمن ذلك عمر أقامها وأحياها في سنة أربع عشرة من الهجرة، ويدل على أنه وَ لّ (١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٢٨٧/٢). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٣٧/١). ٥١٨ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (٢) باب (٢٤٢) حديث فَسَمَعَهُمْ عَلَى أَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: تُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، النَّاسُ يُصَلُونَ بِصلاةٍ فَارِئِهِمْ، a ـة E سنَّ ذلك، قوله: ((إن الله فرض عليكم صيام رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) (جمعهم) أي الرجال منهم، لأنه جمع النساء على سليمان بن أبي حثمة (على أبيّ بن كعب، أي جعله إماماً لهم، واختاره لقوله وَّر: ((أقرؤهم أُبيّ)) وقال عمر: ((أقرأنا أُبيّ وإنا لنترك أشياء من قراءة أبيّ)) هكذا المشهور عند المشايخ. والأوجه عندي في اختيار أُبيّ أنه كان يؤم الناس بالتراويح في زمانه وَّل كما تقدم مفصلاً، ثم لا ينافيه ما ورد أنه جمعهم على تميم الداري كما سيأتي. (ثال) عبد الرحمن (ثم خرجت معه) أي مع عمر - رضي الله عنه - (أبلة إنربى) من ليالي رمضان (والناس يصلون) مقتدين (بصلاة قارئهم) أي إمامهم، والإضافة للعهد، وظاهره أن عمر كان لا يصلي معهم لشغله بأمور المسلمين، أو كان يصليها منفرداً . قال العلامة العيني(١): اختلف العلماء في التراويح، فذهب الليث بن سعد وابن المبارك وأحمد وإسحاق إلى أن قيام التراويح مع الإمام أفضل منه في المنازل، وقال به قوم من المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة والشافعي، واحتجوا بحديث أبي ذر مرفوعاً، قال: ((صمت مع النبي ◌ّل رمضان، فلم يقم بنا حتى بقي سبع))، الحديث. وفيه: فقلنا: يا رسول الله! لو نفّلتَنا، فقال: ((إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة)) أخرجه الترمذي والنسائي والطحاوي وابن ماجه، ويحكى ذلك عن عمر بن الخطاب وابن سيرين (١) ((عمدة القاري)) (١٧٧/٧/٤). ٥١٩ ٦ - كتاب الصلاة في رمضان (٢) باب (٢٤٢) حديث وطاووس، قال العيني: وهو مذهب أصحابنا الحنفية وذهب مالك والشافعي وربيعة إلى أن صلاته في بيته أفضل، وإليه مال الطحاوي. قلت: وتقدم عن ((الشرح الكبير)) للمالكية أن الجماعة فيها مستحب، وتقدم عن (البرهان)): أن أداءها بالجماعة جعل شعاراً للسنة لما أن المبتدعة أنكروها، وفي ((الروضة)) للشافعية: وتسن الجماعة فيها، وكذا في ((التوشيح)) وغيره من فروعهم، فما نسب إلى الشافعي أو مالك يكون رواية لهم. وكذا في كتب الفروع للحنابلة، ففي ((نيل المآرب)): التراويح سنة مؤكدة عشرون ركعة برمضان جماعة نصاً، وفي ((الروض المربع)): التراويح سنة مؤكدة عشرون ركعة تفعل ركعتين ركعتين في جماعة، انتهى. فعلِم أن سنية الجماعة إجماع الأربعة، وما نقله العيني عن الطحاوي أنه مال إلى الأفضلية في البيت، يخالف ما نقله عنه غيره، قال الحافظ وغيره: وبالغ الطحاوي، فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية، اهـ. لكن ميلان الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) إلى الأول. وقال النووي في ((شرح مسلم)): اختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفرداً في بيته أم في جماعة في المسجد؟ فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة - رضي الله عنهم -، واستمر عمل المسلمين عليه لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد، وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية: الأفضل فرادی في البيت، اهـ. فعلم ما قاله العيني هو مذهب بعض الشافعية، ولا يذهب عليك أن اختيار الموالك أفضلية البيت مقيد بعدم تعطل المساجد كما صرح به في ((مختصر خليل)). ٥٢٠ -- -------- -------