النص المفهرس

صفحات 461-480

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
(٢٣٤) حديث
.
ومنها: حديث ابن عمر أيضاً بلفظ: ((من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا
زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) رواه الطبراني في ((الكبير))
و ((الأوسط))، والدارقطني في ((أماليه))، وأبو بكر بن المقري في ((معجمه))،
ولفظ ابن المقري: ((كان له حقاً على الله))، كذا في ((الكلام المبرم)) (١) وبسط
طرقه السبكي، وقال: صححه سعيد بن السكن.
ومنها: حديث ابن عمر أيضاً بلفظ: ((من حج البيت ولم يزرني فقد
جفاني)) قال الشوكاني: هو عند ابن عدي والدارقطني وابن حبان في ترجمة
النعمان، وفي إسناده النعمان بن شبل، وهو ضعيف جداً، ووثّقه عمران بن
موسى، وبسط طرقه أيضاً السبكي، وقال: ذكر ابن عدي أحاديث النعمان، ثم
قال: هذه الأحاديث عن نافع عن ابن عمر يحدث بها النعمان بن شبل عن
مالك، ولا أعلم رواه عن مالك غير النعمان، ولم أر في أحاديثه حديثاً غريباً
قد جاوز الحد فأذكره، وذكر في صدر ترجمته عن عمران بن موسى الزجاجي
أنه ثقة، وعن موسى بن هارون أنه متهم، وهذه التهمة غير مفسدة، فالحكم
بالتوثيق مقدم عليها ، اهـ.
قال القاري: واستدل بهذا الحديث على وجوب الزيارة بعد الاستطاعة،
وهو عند ابن عدي بسند يحتج به.
قال الشوكاني: واستدل به القائلون بالوجوب، لأن الجفاء للنبي
وسام
صَكَ اللّه
محرَّمٌ، فتجب الزيارة لئلا يقع في المحرم، وأجاب عن ذلك الجمهور بأن
الجفاء يقال على ترك المندوب، كما في ترك البر والصلة، اهـ.
ومنها: حديث علي أيضاً بهذا المعنى، أخرجه السبكي عن علي مرفوعاً:
(١) ((الكلام المبرم في نقض القول المحقق المحكم)) تأليف العلامة محمد عبد الحي
اللكنوي .
٤٦١

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
(٢٣٤) حديث
((من زار قبري بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن لم يزرني فقد جفاني))
أخرجه أبو الحسين يحيى بن الحسن بن جعفر في ((أخبار المدينة)) وأبو
عبد الله بن النجار في ((الدرة الثمينة)) وعبد الملك النيسابوري في كتاب ((شرف
المصطفى)).
ومنها: حديث عائشة مرفوعاً مثل رواية حاطب، أخرجه الطبراني في
(الأوسط)) ذكره الشوكاني في ((النيل))، قلت: ولم أره عند غيره، وفي القلب
منه شيء، والظاهر أن الشوكاني وهم فيه، توهم من كلام الحافظ في
((التلخيص)).
ومنها: حديث ابن عباس عند العقيلي مثل رواية حاطب، قاله الشوكاني،
وأخرجه السبكي بلفظ: ((من زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة
شهيداً)) أو قال: ((شفيعاً))، وأخرج عن العقيلي بلفظ: ((من زارني في مماتي كان
كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة
شهيداً))، أو قال: ((شفيعاً)).
ومنها: حديث أنس عند ابن أبي الدنيا بلفظ: ((من زارني بالمدينة محتسباً
كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة))، وفي إسناده سليمان بن زيد الكعبي، ضعّفه
ابن حبان، والدارقطني، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قاله الشوكاني(١)،
وذكره السبكي بلفظ : ((ما من أحد من أمتي له سعة، ثم لم يزرني فليس له
عذر))، ونقل عن ((الدرة الثمينة)) بلفظ: ((من زارني ميتاً فكأنما زارني، ومن زار
قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني
فليس له عذر)).
ومنها: حديث عمر، قال الشوكاني: مثل حديث أنس أخرجه أبو داود
(١) انظر: ((نيل الأوطار)) (٤٥٦/٣).
٤٦٢
-----
--

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
(٢٣٤) حديث
٫٠٠
الطيالسي، وفي إسناده رجل مجهول، وقال السبكي: حديث: ((من زار قبري
أو من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً)) رواه الطيالسي في ((مسنده))، وأخرجه
البيهقي في ((السنن الكبير)) من جهة الطيالسي، وذكره ابن عساكر من جهته.
ومنها: حديث ابن مسعود عن أبي الفتح الأزدي بلفظ: ((من حج حجة
الإسلام وزار قبري، وغزا غزوة، وصلى في بيت المقدس، لم يسأله الله فيما
افترض عليه)) قاله الشوكاني، والظاهر أنه وقع الوهم في لفظ: ((عن))
والصواب: ((عند أبي الفتح)).
وقال السبكي: الحديث التاسع: ((من حج حجة الإسلام)) الحديث، رواه
أبو الفتح الأزدي في الثاني من ((فوائده))، ثم ذكر سنده، وبسط الكلام على
رواته، لكنه ذكر الحديث عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن عمر، فتأمل.
ومنها: حديث أبي هريرة بنحو حديث حاطب المتقدم، قاله الشوكاني،
وسكت عن الكلام عليه، وقال السبكي: الحديث العاشر: ((من زارني بعد
موتي فكأنما زارني وأنا حي)) رواه أبو الفتوح سعيد بن محمد بن إسماعيل
اليعقوبي في جزء، ثم ذكر السبكي سنده وتكلم عليه .
ومنها: حديث ابن عباس في ((مسند الفردوس)) بلفظ: ((من حج إلى مكة
ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان)) قاله الشوكاني، وسكت عن
الكلام عليه .
ومنها: حديث علي عند ابن عساكر بلفظ: ((من زار قبر رسول الله وَال
كان في جواره))، وفي إسناده عبد الملك بن هارون، وفيه مقال، قاله
الشوكاني .
ومنها: حديث أنس مرفوعاً: ((من زارني في المدينة محتسباً كان في
جواري، وكنت له شفيعاً يوم القيامة)). قال الدلجي: لا أعرف من رواه، قال
٤٦٣

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
(٢٣٤) حديث
القاري: رواه العقيلي وغيره بلفظ: ((من زارني متعمداً كان في جواري يوم
القيامة)) ورواه البيهقي بلفظ: ((من زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري
يوم القيامة))، اهـ. وهذه نبذ من الروايات الواردة في الباب، تركنا الكلام على
أسانيدها للاختصار، والبسط في المطولات، قال القاري: الأحاديث في هذا
الباب كثيرة، والروايات فيها شهيرة، اهـ.
وفي ((التعليق الممجد))(١): وأكثر طرق هذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة،
لكن بعضها سالم عن الضعف القادح، وبالمجموع يحصل القوة كما حققه
الحافظ ابن حجر في ((التلخيص))، والتقي السبكي في ((شفاء السقام))، وقال
الحافظ في ((التلخيص)) (٢): وطرق هذا الحديث كلها ضعيفة، لكن صححه من
حديث ابن عمر أبو علي بن السكن في إيراده إياه في أثناء السنن الصحاح،
وعبد الحق في ((الأحكام)) في سكوته عنه، والشيخ تقي الدين السبكي من
المتأخرين باعتبار مجموع الطرق، اهـ.
----
قال الشوكاني: وقد رويت زيارته 18 عن جماعة من الصحابة، منهم:
بلال عند ابن عساكر بسند جيد، وابن عمر عند مالك في ((الموطأ))، وأبو
أيوب عند أحمد، وأنس ذكره عياض، وعمر عند البزار، وعلي عند
الدارقطني، وغير هؤلاء، لكنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شَدَّ الرحل لذلك إلا
عن بلال، لأنه روي عنه أنه رأى النبي ◌َّ وهو بـ((داريا))، يقول: ((ما هذه
الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني)»، اهـ.
قال القاري: وكان عمر بن عبد العزيز يُبرد البريد إلى النبي ◌َّ ليقرأه منه
السلام، رواه البيهقي في ((شعب الإيمان))، قال الشوكاني(٣): احتج أيضاً من
(١) انظر: (٣/ ٤٨١ - ٤٨٢).
(٢) (٩٠٤/٣).
(٣) ((نيل الأوطار)) (٤٥٧/٣).
٤٦٤
---

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
(٢٣٤) حديث
إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِلَى مَسْجِدِي هَذَا،
قال بالمشروعية بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج في جميع الأزمان
على تباين الديار واختلاف المذاهب الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد
زيارته، ويعدون ذلك من أفضل الأعمال، ولم ينقل أن أحداً أنكر ذلك عليهم،
وکان إجماعاً، انتهى.
(إلى المسجد الحرام) بدل بإعادة الجار، قال الحافظ: الحرام بمعنى
المحرم، كقولهم: الكتاب، بمعنى المكتوب، وقال العيني: الحرام أي
المحرم، ولا يصح أن يقال: كَكِتاب، لأن الكتاب على وزن فِعَال بكسر الفاء،
والحَرام فَعَال بالفتح، وإنما الحرام للشيء المحرم.
(وإلى مسجدي هذا) اختلف العلماء ههنا في مسألة، وهي أن المزيد في
المسجد النبوي هل هو في حكم المسجد الذي كان في زمانه ◌َّ أو خارجاً
عنه؟ قال القاري (١): قال النووي: ينبغي أن يتحرى الصلاة فيما كان مسجداً
في حياته ◌َ﴿و لا فيما زيد بعده(٢)، فإن المضاعفة تختص بالأول، ووافقه
السبكي وغيره، واعترضه ابن تيمية وأطال فيه، والمحب الطبري، وأوردا آثاراً
استدلا بها، وبأنه سُلِّم في مسجد مكة أن المضاعفة لا تختص بما كان موجوداً
في زمانه 18، وبأن الإشارة في الحديث لإخراج غيره من المساجد المنسوبة
إليه ◌َ﴾، وبأن الإمام مالكاً سئل عن ذلك، فأجاب بعدم الخصوصية، وقال:
لأنه وَ﴿ أخبر بما يكون بعده، وزُوِيَتْ له الأرض فعلم بما يحدث بعده.
ولولا هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون أن يستزيدوا فيه بحضرة
الصحابة، وبما في ((تاريخ المدينة)) عن عمر أنه لما فرغ عن الزيادة، قال: لو
انتهى إلى الجبانة، وفي رواية: إلى ذي الحليفة، لكان الكل مسجد
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٨٧/٢).
(٢) وقد نقل المحب الطبري رجوع النووي من تلك المقالة كذا في تاريخ السمهودي.
(لمعات التنقيح)) (٤١/٣).
٤٦٥

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
(٢٣٤) حديث
رسول الله وية، وبما روي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لو زيد في هذا المسجد
ما زيد لكان الكل مسجدي))، وفي رواية: «لو بني هذا المسجد إلى صنعاء
لكان الكل مسجدي)»، اهـ.
وقال العيني في ((شرح البخاري))(١): الإشارة تدل على أن التضعيف في
مسجد المدينة يختص بالذي كان في زمنه ◌ّله مسجداً تغليباً لاسم الإشارة، وبه
صرح النووي، فخص التضعيف بذلك، بخلاف المسجد الحرام، فإنه لا يختص
به لأن الكل يعمه اسم المسجد الحرام، اهـ.
قال العيني: إذا اجتمع الاسم والإشارة، هل تغلب الإشارة أو الاسم؟
فيه خلاف، فمال النووي إلى تغليب الإشارة، ثم بيّن العيني مذهبه تغليب
الاسم، قلت: تغليب الاسم ليس على عمومه عندنا الحنفية، كما بسط في
محله من ((الأشباه)) وغيره، وأجمله صاحب ((الهداية)) في ((باب المهر)) إلا أن
المشايخ في مسجد المدينة متفقون على المضاعفة في المزيد كما تقدم عن
القاري والعيني، وكذا في ((الدر المختار)) إذ قال: لما كان الاعتبار للتسمية
عندنا، لم يختص ثواب الصلاة في مسجده عليه الصلاة والسلام بما كان في
زمانه، فليحفظ، اهـ.
قال ابن عابدين: والأصل قوله عليه السلام: ((مسجدي هذا)) ومعلوم أنه
قد زيد في المسجد النبوي، فقد زاد فيه عمر، ثم عثمان، ثم الوليد، ثم
المهدي، والإشارة بلفظ هذا إلى المسجد المنسوب إليه وَلّ، ولا شك أن
جميع المسجد الآن يسمى المسجد النبوي، فقد اتفقت الإشارة والتسمية على
شيء واحد، فلم تلغ التسمية، فتحصل المضاعفة المذكورة فيما زيد فيه،
وخصه النووي عملاً بالإشارة.
(١) ((عمدة القاري)) (٢٥٦/٧/٤).
٤٦٦
.Im

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
(٢٣٤) حديث
وَإِلَى مَسْجِدٍ إِبْلِيَاءَ،
وأما حديث: (لو مد مسجدي هذا إلى صنعاء)) فقد اشتد ضعف طرقه،
فلا يعمل به في فضائل الأعمال، كما ذكره السخاوي في ((المقاصد
الحسنة))(١)، وكان وجهه أنه جعل الإشارة لخصوص البقعة الموجودة يومئذ،
فلم تدخل فيها الزيادة، ويؤيده ما في ((باب الأيمان)): لو قال: لا أدخل هذا
المسجد فزيد فيه حصة فدخلها، لم يحنث، ما لم يقل مسجد بني فلان،
فيحنث، وقد يجاب عنه بأن ما نحن فيه ليس منه، ويؤيده ما في بعض طرق
الحديث بدون اسم الإشارة، وعلى ذكرها، فهي لا، لتخصيص البقعة، بل
لدفع أن يتوهم دخول غير المسجد المدني من بقية المساجد التي تنسب إليه
صَلىالله
وَسِلاً
التي ذكرها أصحاب السير، انتهى.
قلت: ولفظ البخاري برواية الخدري وأبي هريرة: ((لا تشدُّوا الرحال إلا
إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى)) فهذا
يؤيد من قال بالعموم، وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في ((باب ما جاء في
وئيل
مسجد النبي
(وإلى مسجد إيلياء) بكسر الهمزة وإسكان التحتية ولام مكسورة فتحتية
فألف ممدودة، وحكي قصره وشد الياء: بيت المقدس، معرب، قاله
الزرقاني(٢)، وقال ياقوت الحموي في ((معجم البلدان)): بألف ممدودة، اسم
مدينة بيت المقدس، قيل: معناه: بيت الله، وحكى الحفصي فيه القصر. وفيه
لغة ثالثة: حذف الياء الأولى، فيقال: إلياء، بسكون اللام والمد، فالهمزة في
أولها فاء لتكون بمنزلة الجربياء، والكبرياء، وتكون الكلمة ملحقة بطرمساء،
وجلخطاء، وقيل: سميت باسم بانيها، وهو إيليا بن إرم بن سام بن نوح، وهو
أخو دمشق، وحمص، وأردن، وفلسطين، اهـ.
(١) (ص٢٤٩).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٤/١).
٤٦٧

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
(٢٣٤) حديث
أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِس)» يَشْكُّ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ لَقِيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَام،
فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ الأَحْبَارِ، وَمَا حَدَّثْتُهُ بِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ،
فَقُلْتُ: قَالَ كَعْبُ ذُلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلام:
كَذَبَ کَعْبُ .
(أو) قال إلى (بيت المقدس) في محل مسجد إيلياء (يشك) الراوي في
اللفظ الذي قاله شيخه، وفي رواية الصحيحين: المسجد الأقصى، والمعنى
واحد .
(قال أبو هريرة: ثم لقيت) بعد ذلك أبا يوسف (عبد الله بن سلام)
بتخفيف اللام، قاله الزرقاني، وكذا في رجال ((جامع الأصول))، ابن الحارث،
من بني قينقاع، الإسرائيلي من ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام، حليف
بني الخزرج، قيل: كان اسمه الحصين، فسماه النبي ◌َّ: عبد الله، صحابي
مشهور له أحاديث وفضل، مات بالمدينة سنة ٤٣هـ، اهـ.
(فحدثته بمجلسي) أي بجلوسي (مع كعب الأحبار) وأخبرتُه أيضاً (ما
حدثته)، أي كعباً (به)، الضمير إلى الموصول، وفي نسخة بدله، وما حدثنيه:
أي بما أخبرني به كعب (في) فضل (يوم الجمعة فقلت) لعبد الله بن سلام (قال
كعب ذلك) أي يوم الجمعة المتضمن لساعة الإجابة (في كل سنة يوم) واحد،
قال أبو هريرة: (فقال عبد الله بن سلام: كذب كعب) أي غلط منه.
قال الباجي: والكذب إخبار بالشيء على غير ما هو به، سواء تعمد ذلك
أو لم يتعمد، وقال بعض الناس: إن الكذب، إنما هو أن يتعمد الإخبار عن
المخبر عما لیس به، وليس ذلك بصحيح، اهـ.
والأصل: أنه اختلف أهل المعاني في تعريف الصدق والكذب على
أقوال بسطها شُرَّاح ((التلخيص))، قال القاري: وأما قول ابن حجر: قوله:
كذب كعب: ظناً منه أن كعباً مخبر بذلك، لا مستفهم فغير صحيح، لأنه لو
كان مستفهماً لما أجابه أبو هريرة بقوله: بل في كل جمعة، فالصواب أنه
٤٦٨
--- -------. "

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
(٢٣٤) حديث
بَقُلْتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبُّ التَّوْرَاذَ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُّعَةٍ. فَقَالَ
أَعْدُ اللَّهِ بْنُّ سَلامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ. ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلام: قَدْ عَلِمْتُ
أَيَّهَ سَاعَةٍ هِيَ. فَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَاَ تَضَنَّ عَلَيَّ.
فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ أَخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ،
أخطأ(١)، فصدق عليه أنه كذب، اهـ. (فقلت: ثم قرأ كعب التوراة فقال: بل
هي) أي ساعة الإجابة (في كل جمعة) كما أخبر به النبي ◌َّ (فقال عبد الله بن
سلامٍ: صدق كعب، ثم قال عبد الله بن سلام: قد علمت) بصيغة المتكلم (أية
ساعة هي) قال ابن عبد البر: وفيه إظهار العالم لعلمه بأن يقول: أنا عالم لكذا
وكذا، إذا لم يكن على وجه الفخر والرياء والسمعة.
(قال أبو هريرة: فقلت له) أي لعبد الله بن سلام (أخبرني بها) أي بتلك
الساعة التي فيها ساعة الإجابة (ولا تَضَنَّ) بفتح الضاد وكسرها، وبفتح النون
المشددة أي لا تبخل (عليّ) بحرف الجار على ياء المتكلم (فقال عبد الله بن
سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة).
وقول الصحابي فيما لا يدرك بالقياس مرفوع حكماً، ويوهم رفعه صريحاً
رواية ابن ماجه من طريق أبي سلمة عن عبد الله بن سلام، قال: قلت -
ورسول الله جالس -: «إنا لنجد في كتاب الله أن في الجمعة ساعة، وأشار إليّ
رسول الله وَل﴾: أو بعض ساعة؟ فقلت: صدقت، أو بعض ساعة)) الحديث،
وفيه قلت: ((أي ساعة هي؟ قال: هي آخر ساعات النهار)).
قال الحافظ (٢): وهذا يحتمل أن يكون قائل ((قلت)) عبد الله بن سلام،
فيكون الحديث مرفوعاً، أو أبو سلمة فيكون الحديث موقوفاً، وهو الأرجح،
(١) قال الحافظ ابن حجر: قد يطلق الكذب على الخطأ، ((هدي الساري)) (ص١٧٨). وفي
(الاستذكار)) (١٠٠/٥): كذب كعبٌ: أي أخطأ ظنه.
(٢) (فتح الباري)) (٥١١/٣).
٤٦٩

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
(٢٣٤) حديث
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: وَكَيْفَ تَكُونُ آخِرَ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ وَقَدْ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مِ﴿: ((لا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي))، وَتِلْكَ
السَّاعَةُ سَاعَةٌ لَا يُصَلَّى فِيهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أَلَمْ يَقُلْ
رَسُولُ اللَّهِ وَجِ: ((مَنْ جَلَسَ مَجْلِساً يَنْتَظِرُ
لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بأن ابن سلام لم يذكر
النبي ◌َّ في الجواب، أخرجه ابن أبي خيثمة، نعم، رواه ابن جرير من طريق
العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: أنها آخر ساعة بعد
العصر يوم الجمعة، ولم يذكر القصة ولا ابن سلام، ورواه أبو داود والنسائي
والحاكم بإسناد حسن عن جابر مرفوعاً، قاله الزرقاني(١).
قلت: ولفظ أبي داود عن جابر عن رسول الله وَ لّ، قال: ((إن يوم
الجمعة ثنتا عشرة ساعة، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه الله عز وجل،
فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر))، قلت: وأيضاً روي عن أنس مرفوعاً:
(التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس))،
رواه الترمذي .
وقال القاري (٢): رواه الطبراني من رواية ابن لهيعة، وزاد في آخره:
وهي قدر هذا، وأشار إلى قبضته، وإسناده أصح من الترمذي، نقله ميرك،
ورواه ابن جرير مرفوعاً من حديث الخدري، اهـ.
(قال أبو هريرة: فقلت) لعبد الله بن سلام (وكيف تكون آخر ساعة في يوم
الجمعة وقد قال) الواو حالية (رسول الله وَلَد) في بيان تلك الساعة (لا يصادفها)
أي لا يلاقيها (عبد مسلم وهو يصلي) كما تقدم (وتلك ساعة لا يصلى) ببناء
المجهول (فيها؟) للنهي عن الصلاة (فقال عبد الله بن سلام) في توجيه قوله {قلهو:
(ألم يقل رسول الله (وَالر: من جلس مجلساً) أي جلوساً أو مكان جلوس (ينتظر
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٥/١).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٧/٣).
٤٧٠
-
--- --
-------

٥ - كتاب الجمعة
(٧) باب
(٢٣٤) حديث
الصَّلاةَ فَهُوَ فِي صَلاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ؟»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: بَلى،
قَالَ: فَهُوَ ذُلِكَ.
أخرجه أبو داود في: ٢ - كتاب الصلاة، ٢٠٠ - باب فضل يوم الجمعة وليلة
الجمعة .
والترمذيّ في: ٤ - كتاب الجمعة، ٢ - باب ما جاء في الساعة التي ترجى في
يوم الجمعة .
والنسائيّ في: ١٤ - كتاب الجمعة، ٤٥ - باب الساعة التي يستجاب فيها
الدعاء يوم الجمعة.
فيه) أي في هذا المجلس (الصلاة فهو في صلاة) أي في حكمها (حتى يصلي؟)
أي يفرغ من الصلاة.
(قال أبو هريرة: فقلت بلى) أي قال رسول الله وَليل ذلك، (قال) عبد الله بن
سلام: (فهو ذلك) أي هذا هو المراد في قوله {وَلّ: ((وهو قائم يصلي))، قال
السيوطي: هذا مجاز بعيد، ورَدَّه الزرقاني أحسن الرد، بأنه بعد الثبوت وبعد
قبول الصحابي إياه لا بعد فيه، ولا ريب أن الداعي آخر ساعة عازم على
المغرب، وقد ذهب جمع إلى ترجيح قول ابن سلام هذا، فحكى الترمذي عن
أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على هذا.
وقال ابن عبد البر(١): إنه أثبت شيء في هذا الباب، وروى سعيد بن
منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناساً من الصحابة
اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من
يوم الجمعة، ورجحه كثير من الأئمة أيضاً كأحمد وإسحاق بن راهويه
والطرطوشي من أئمة المالكية، وحكى العلائي: أن شيخه الزملكاني شيخ
الشافعية في وقته كان يختاره، ويحكيه عن نص الشافعي.
(١) انظر: ((التمهيد)) (٤٤/٢٣).
٤٧١

٥ - كتاب الجمعة
(٨) باب
(٨) باب الهيئة، وتخطي الرقاب، واستقبال الإمام يوم الجمعة
وذهب آخرون إلى ترجيح حديث أبي موسى مرفوعاً، قال: هي ما بين
أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة، وروى البيهقي أن مسلماً قال: حديث
أبي موسى أجود شيء في الباب وأصحه، وبذلك قال البيهقي وابن العربي،
ورجح بكونه في أحد ((الصحيحين))، وأجيب: بأن حديث مالك هذا صحيح
على شرطهما، رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال: صحيح،
وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال: على شرطهما، وسَلَّمَه
الذهبي .
وقال الحافظ: والترجيح بما في الصحيحين أو أحدهما إنما هو حيث
لا يكون ممن انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا، فإنه أُعِلَّ بالانقطاع
والاضطراب، أما الانقطاع فلأن مخرمة لم يسمع من أبيه، قال أحمد عن
حماد بن خالد عن مخرمة بنفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم عن موسى بن
سلمة عن مخرمة، وزاد: إنما هي كتب كانت عندنا، وقال علي بن المديني:
لم أسمع أحداً من أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه
سمعت أبي.
لا يقال: إن مسلماً يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء، لأن وجود
التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه نص في الانقطاع، وأما الاضطراب
فقد رواه جماعة موقوفاً، وهم عدد، وبكير واحد، ولهذا جزم الدارقطني بأن
الموقوف هو الصواب، ملخص من الزرقاني(١).
(٨) الهيئة، وتخطي الرقاب، واستقبال الإمام يوم الجمعة
الهيئة بفتح هاء وسكون تحتية وفتح همزة، صورة الشيء وشكله وحالته،
كذا في ((المجمع))، والمقصود: تحسين الهيئة للجمعة، وهو بتطهير الثوب
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٢٦/١).
٤٧٢
---

٥ - كتاب الجمعة
(٨) باب
(٢٣٥) حديث
١٧/٢٣٥ - حَدّيني يَحْبَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ؛
أَنَّهُ بَلَعَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَجْ قَالَ:
والبدن من الوسخ والدرن، ومن كماله التدهين والتطيب، قاله القاري (١).
قلت: ولذا أورد المصنف فيها رواية التطيب والتدهين، ولا يذهب عليك
أن الفقهاء فرقوا بين قصد الجمال وقصد الزينة، إذ كرهوا الثاني دون الأول،
وتخطي الرقاب: التجاوز بالخطو عليها، قاله القاري.
وفي ((المجمع)): يتخطى الرقاب: أي يخطو خطوة، هي بالضم بُعْدُ ما
بين القدمين في المشي، وبالفتح: المرة، وقال المجد: تخطى الناس
واختطاهم، ركبهم وجاوزهم، اهـ. وجعل الحافظ في ((الفتح)) روايات النهي
عن التفرقة بين الاثنين عاماً شاملاً للنهي عن التخطي، فقال: قال الزين بن
المنير: التفرقة بين الاثنين يتناول القعود بينهما وإخراج أحدهما والقعود مكانه،
وقد يطلق على مجرد التخطي، وفي التخطي زيادة رفع رجليه على رؤوسهما أو
أكتافهما، وربما تعلق بثيابهما شيء مما برجليه، اهـ.
وسيأتي الكلام على حكم التخطي في شرح الحديث، والاستقبال مصدر
مضاف إلى مفعوله على الظاهر، والمراد استقبال الناس الإمام، كما يدل عليه
قول يحيى الآتي، وعليه الجمهور من الشراح في شرح ترجمة البخاري، إذ
بوّب ((استقبال الناس الإمام إذا خطب)).
١٧/٢٣٥ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه بلغه أن
رسول الله قال:) وصله ابن عبد البر (٢) من طريق يحيى بن سعيد الأموي
عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة، ومن طريق مهدي بن
ميمونة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٤٨/٣).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٣٤/٢٤).
٤٧٣

٥ - كتاب الجمعة
(٨) باب
(٢٣٥) حديث
((ما عَلَى أَحَدِكُمْ
قال الحافظ في ((الفتح))(١): وفي إسناد ابن عبد البر لهذا الحديث عن
عمرة عن عائشة نظر، فقد رواه أبو داود بثلاثة طرق، عن يحيى بن سعيد عن
محمد بن يحيى بن حبان مرسلاً، ووصله أبو داود وابن ماجه من وجه آخر عن
محمد بن يحيى عن عبد الله بن سلام، اهـ.
قال الزرقاني(٢): ويقال: لا نظر؛ لأن الأموي الراوي عن الأنصاري
ثقة، روى له الستة، فأي مانع من كون الأنصاري له فيه شيخان: عمرة
ومحمد بن يحيى.
قلت: والحديث أخرجه أبو داود(٣) بطرق مرسلاً ومسنداً (ما على
أحدكم) استفهام يتضمن التنبيه والتوبيخ، يقال لمن قصر في شيء أو غفل عنه:
ما عليه لو فعل كذا، أي ما يلحقه من ضرر أو عار أو نحو ذلك، قاله
الزرقاني، وقال القاري: قيل: ما موصولة، وقال الطيبي: ما بمعنى ليس،
واسمه محذوف، وعلى أحدكم خبره، وقيل غير ذلك.
وكتب الوالد المرحوم في تقريره: هذا مثل قوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ
أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾(٤)، أورده في صورة نفي الإثم والحرج، رداً لما اعتقدوا من
الإثم فيه، فلذلك ههنا، لما كان ظاهر الفعل يوهم تصنعاً ومُراءاةً بلبس ما
لا يلبسه إذا تخلَّى عن الناس، وكونه صنيع المتكبرة والمتنعمة دفعه برفع
الحرج، والقصد استحبابه، ويمكن هذا إباحة ورخصة فحسب، وإنما يثبت
الاستحباب بنص آخر، وهذا إذا حمل ((ما)) على النفي، ولا يبعد أن يكون
(١) ((فتح الباري)) (٣٧٤/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٠/١).
(٣) ((سنن أبي داود)) (١٠٧٨) باب اللبس للجمعة. وأخرجه ابن ماجه في: ٥ - كتاب أبواب
إقامة الصلاة والسنة فيها، ٨٣ - باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة.
(٤) سورة البقرة: الآية ١٥٨.
٤٧٤
------ -
-

٥ - كتاب الجمعة
(٨) باب
(٢٣٥) حديث
لَرِ أَنَّخَذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ، سِوَىَ ثَوْبَيْ مَهُنَتِهِ)) .
للاستفهام، ومثل هذا الكلام في الإغراء والتحضيض على الفعل بحسب
تحاورهم فيما بينهم، كقوله:
ماذا عليكِ إذا أُخْبِرْتِنِي دَنِفاً رَهْنَ المَنِيَّةِ يَوْماً أَن تَزورينا(١)
وكقوله عز وجل: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ﴾ الآية، بل
الأوفق في التمثيل :
من الفتى وهو المغيظ المحنق
ما كان ضرك لو مننت وربما
فافهم، انتهى. والمقصود على الكل تحضيض على التجمل للجمعة في
اللباس.
(لو اتخذ ثوبين لجمعته) قميص ورداء أو جبة ورداء، قاله ابن عبد البر.
قلت: ويحتمل الحلة، فإن عمر عرض على النبي ◌َّير شراء الحلة ليلبسها يوم
الجمعة، وروت عائشة: ((كان لرسول الله وَّل ثوبان يلبسهما في جمعته، فإذا
انصرف طويتهما إلى مثله)) رواه في ((مجمع الزوائد))(٢) عن ((الأوسط))
و ((الصغير)) بلين.
(سوى ثوبي مهنته) قال ابن الأثير: أي بذلته وخدمته، والرواية بفتح
الميم، وقد تكسر، قال الزمخشري: والكسر عند الأثبات خطأ، قال
الأصمعي: المَهْنة بفتح الميم هي الخدمة، ولا يقال: مِهْنَةٌ بالكسر، وكان
القياس أن يقال: مثل جلسة وخِدمة، إلا أنه جاء على فَعْلة واحدة.
وقال ابن عبد البر: المهنة بفتح الميم: الخدمة، وأجاز غير الأصمعي
كسر الميم، قاله الزرقاني، قال القاري: بفتح الميم ويكسر، أي بذلته
وخدمته، يعني غير الثوبين اللذين معه في سائر الأيام، وفي ((القاموس)): المهنة
(١) هكذا في الأصل وفي (الأشموني)) ص٥١٨ رقم الشاهد (٢٦٦): ((أن تعوديني)).
(٢) (٣٩٤/٢) رقم الحديث (٣٠٧٤) وفيه طويناهما .
٤٧٥

٥ - كتاب الجمعة
(٨) باب
(٢٣٥) حديث
بالكسر والفتح والتحريك، وككلمة: الحُذق بالخدمة والعمل، مهنه كنصره
ومنعه مَهْناً ومَهْنَةً، ويكسر، اهـ.
قال ابن عبد البر(١): وفيه الندب لمن وجد سعة أن يتخذ الثياب الحسان
للجمع والأعياد، ويتجمَّل بها، وكان ◌َّ يفعل ذلك ويعتَمُّ ويتطيب ويلبس
أحسن ما يجد في الجمعة والعيد، وفيه الأسوة الحسنة، وكان يأمر بالطيب
والسواك والدهن، اهـ.
قلت: وأخرج البخاري في الباب حديث عمر في حلة عطارد، قال
العيني(٢): فيه استحباب لبس الثياب الحسنة يوم الجمعة، وروى أبو داود من
حديث ابن سلام قال: قال رسول الله مَله: ((ما على أحدكم لو اشترى ثوبين
ليوم الجمعة، سوى ثوبي مهنته))، وروى ابن ماجه من حديث عائشة قالت:
قال رسول الله وَلجر: ((ما على أحدكم إن وجد سعةً أن يتخذ ثوبين للجمعة سوى
ثوبي مهنته)). وروى ابن أبي شيبة بإسناد على شرط مسلم عن أبي سعيد
مرفوعاً: ((إن من الحق على المسلم إذا كان يوم الجمعة السواك وأن يلبس من
صالح ثيابه))، انتھی.
قلت: وتقدم حديث عائشة في الثوبين طويتهما للجمعة، وأخرج أبو داود
عن عمرو بن العاص مرفوعاً: ((من اغتسل يوم الجمعة ومس طيب امرأته إن
كان لها، ولبس من صالح ثيابه)) الحديث.
قال الشوكاني(٣): وأما لبس صالح الثياب والتطيب، فلا خلاف في
استحباب ذلك، اهـ. وفي ((الشرح الكبير)) لأحمد الدردير: وندب تحسين هيئة
(١) ((الاستذكار)) (١٠٣/٥).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٧٦/٦/٣).
(٣) ((نيل الأوطار)) (١٧٩/٣/٢).
٤٧٦
--

٥ - كتاب الجمعة
(٨) باب
(٢٣٥) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ لَا
بَرُوحُ إِلَى الْجُمُعَةِ إلا اذَّهَنَ، وَتَعَنَّبَ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَاماً.
وجميل ثياب، وهو ههنا الأبيض ولو عتيقاً، بخلاف العيد فيندب الجديد ولو
أسود، اهـ. وقيده بعد ذلك بغير النساء.
(مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان لا يروح إلى) صلاة (الجمعة إلا
أذهن) بتشديد الدال افتعل من الدهن بضم الدال، اسم، وبالفتح مصدر دهنت،
أصله ادتهن قلبت التاء دالاً، وأدغمت الدال في الدال، أي استعمل الدهن
لإزالة شعث الشعر، قال الطحطاوي: لعل المراد به نحو الزيت، فإنه مأمور به
في البلاد الحارة، كما يدل عليه حديث: ((كلوا الزيت وادّهنوا به))، اهـ.
(وتطيب) فيجمع بينهما تكميلاً للتزين وحسن الرائحة، قال في ((الفتح
الرحماني)): وهو المستحب عندنا المطلوب.
قال في ((الاستذكار)): فيه استحباب مس الطيب لمن قدر عليه يوم
الجمعة والعيدين، وذلك مندوب إليه، وقد كان أبو هريرة يوجب الطيب، ولعله
وجوب سنة أو أدب، انتهى.
قال الشوكاني(١): وأما لبس صالح الثياب والتطيب، فلا خلاف في
استحباب ذلك، وقد ادعى بعضهم الإجماع على عدم وجوب الطيب، وقال
الحافظ في ((الفتح)): وقد روي عن أبي هريرة بإسناد صحيح أنه كان يوجب
الطيب يوم الجمعة، وبه قال بعض أهل الظاهر، اهـ.
(إلا أن يكون حراماً) أي محرماً بحج أو عمرة؛ لأن الواجب عليه الكف
عن الطيب .
قال في ((بداية المجتهد)): أجمعوا على أن الطيب كله يحرم على المحرم
بالحج والعمرة في حال إحرامه، واختلفوا في جوازه عند الإحرام قبل أن
يحرم، انتهى.
(١) ((نيل الأوطار)) (٥١٦/٢).
٤٧٧

---- . .
٥ - كتاب الجمعة
(٨) باب
(٢٣٦) حديث
١٨/٢٣٦ - حدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْن
حَزْمِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لِأَنْ يُصَلِّيَ
أَحَدُكُمْ بِظَهْرِ الحِرَّةِ،
١٨/٢٣٦ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو (بن
حزم) فنسب أبوه إلى جد أبيه للشهرة (عمن حدثه) هكذا بالإبهام، أخرجه
البيهقي في ((سننه))(١)، من طريق ابن بكير عن مالك، لكن أخرجه البيهقي أيضاً
بسند آخر من طريق ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن
أبي هريرة مرفوعاً: ((من اغتسل يوم الجمعة واستاك، ولبس أحسن ثيابه،
وتطيّبَ من طيب أهله، ثم أتى المسجد فلم يتخط رقاب الناس، وصلى فإذا
خرج الإمام أنصت كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة الأخرى))، وأخرج أيضاً
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: ((من تخطّ رقاب الناس
كانت له ظهراً)).
وأخرج ابن أبي شيبة في ((المصنف))(٢): حدثنا وكيع والفضل عن سفيان
عن صالح مولى التوأمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: ((لأن أصلي بالحَرَّةِ أحبُّ
إليّ من أن أتخطّى رقاب الناس يوم الجمعة))، وقال الشوكاني: قال سعيد بن
المسيب: ((لأن أصلي الجمعة بالحرَّة، أحبُّ إليّ من التخطي)). وروي عن أبي
هريرة نحوه، ولا يصح، لأنه من رواية صالح مولى التوأمة، انتهى.
(عن أبي هريرة أنه كان يقول: لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة) بفتح الحاء
المهملة والراء الثقيلة أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت بالنار بظاهر
المدينة، قال الحموي: الحرة أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت
بالنار .
(١) ((السنن الكبرى)) (١٩٢/٢).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٥٣/٢).
٤٧٨
-

٥ - كتاب الجمعة
(٨) باب
(٢٣٦) حديث
◌َهْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَفْعُدَ، حَتَّى إِذَا قَامَ الإِمَامُ يَخْطُبُ، جَاءَ يَنَخَطَّى
إِذَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وقال الأصمعي: الحرة الأرض التي ألبستها الحجارة السود، فإن كان
فيها نجوة الأحجار فهي الصخرة، فإن استقدم منها شيء فهي كراع، وقال
النضر بن شُميل(١): الحرَّة الأرضُ مسيرة ليلتين سريعتين أو ثلاث، فيها حجارةٌ
أمثالُ الإبل البروك، كأنها شُيِّطَتْ بالنار، وما تحتها أرض غليظة من قاع، ليس
بأسود، وإنما سَوَّدَها كثرة حجارتها وتدانيها، قال أبو عمرو: تكون الحرة
مستديرة، فإذا كان فيها شيء مستطيلاً ليس بواسع، فذلك الكُرَاعُ، واللابة
والحرارُ في بلاد العرب كثيرة، أكثرها حوالي المدينة إلى الشام، ثم ذكر قريباً
من الثلاثين، ولفظ الظهر مقحم، يعني الصلاة في الحرة خير من أن يجلس في
بيته، كذا في ((المحلى)).
قلت: وقد تقدمت الروايات بدون لفظ الظهر (خير له من أن يقعد) في
بيته (حتى إذا قام الإمام) على المنبر (يخطب جاء) ذاك المتأخر (يتخطى) وتقدم
الكلام على معناه في الترجمة (رقاب الناس يوم الجمعة) وقد تقدم النهي عن
التخطي مرفوعاً وموقوفاً .
قال العيني: قال الشافعي: أكره التخطي إلا لمن لا يجد السبيل إلى
المصلى إلا بذلك، وكان مالك لا يكره التخطي إلا إذا كان الإمام على
المنبر(٢)، اهـ.
وفي ((المدونة)): قال مالك: إنما يكره التخطي إذا خرج الإمام، وقعد
على المنبر، فهو الذي جاء فيه الحديث، فأما قبل ذلك فلا بأس به إذا كان
بین یدیه فرج، اهـ.
(١) انظر: ((لسان العرب)) مادة: حرر.
(٢) قال ابن عبد البر: أجمعوا أن التخطي لا يفسد شيئاً من الصلاة. ((الاستذكار)) (١٠٧/٥).
٤٧٩

٥ - كتاب الجمعة
(٨) باب
(٢٣٦) حديث
قلت: وقد بسط العلامة العيني (١) الكلام في أقوال الأئمة في ذلك،
فقال: قال صاحب ((التوضيح)): اختلف العلماء في التخطي، فمذهبنا أنه مكروه
إلا أن يكون قُدَّامه فُرْجة لا يصلها إلا بالتخطي، فلا يكره حينئذ، وبه قال
الأوزاعي والآخرون، وقال ابن المنذر: بكراهته مطلقاً، عن سلمان الفارسي،
وأبي هريرة، وكعب، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وأحمد بن حنبل، وعن
مالك: كراهته إذا جلس الإمام على المنبر، ولا بأس به قبله، وقال ابن المنذر:
لا يجوز شيء من ذلك عندي، لأن الأذى يحرم قليله وكثيره، وعند أصحابنا
الحنفية لا بأس بالتخطي والدنو من الإمام إذا لم يؤذ الناس، اهـ.
قلت: وفي ((الروض المربع))(٢): استثنى الإمام والمؤذن والتخطي إلى
الفرجة، وقال الطحطاوي على ((المراقي)) بعد ذكر الأقوال المختلفة من كتب
الحنفية، وحاصله: أن التخطي مشروط بشرطين: عدم الإيذاء، وعدم خروج
الإمام، لأن الإيذاء حرام، والتخطي عمل، والعمل بعد خروج الإمام حرام،
فلا يرتكبه لفضيلة الدنو من الإمام، بل يستقر في موضعه من المسجد، انتهى.
ثم قال العيني: ثم تقييد التخطي بيوم الجمعة هو المذكور في الأحاديث
وكذلك قيّده الترمذي في حكايته عن أهل العلم، وكذلك قيده الشافعية في كتب
فقههم في أبواب الجمعة، وكذلك هو عبارة الشافعي في ((الأم)) إذ قال: وأكره
تخطي رقاب الناس يوم الجمعة لما فيه من الأذى وسوء الأدب، انتهى.
لكن هذا التعليل يشمل يوم الجمعة وغيره من سائر الصلوات في
المساجد وغيرها، وسائر المجامع من حلق العلم وسماع الحديث، ومجالس
الوعظ فيحمل التقييد بالجمعة على أنه خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة
(١) ((عمدة القاري)) (٢٠٨/٦/٣)، ((باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة))، صحيح البخاري.
(٢) (٣٠٢/١).
٤٨٠