النص المفهرس
صفحات 441-460
٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٣) حديث ١٥/٢٣٣ - حَدَّثَنِي يَحْبَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الرِّنَادِ، عَن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴾، ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَ الَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمْ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئاً، .. دـ وفي تقارير المشايخ: أن الراجح عندنا الحنفية هو آخر ساعة من العصر، وعليه كان عمل والدي المرحوم - نوّر الله مرقده وبرّد مضجعه - فإنه - رحمه الله - كان لا يخرج من المسجد بعد العصر حتى يصلي المغرب في يوم الجمعة، وفي ((شرح الأشباه)) عن ((اليتيمة)): أن الدعوة المستجابة في يوم الجمعة في وقت العصر عندنا على قول علمائنا، اهـ، واختاره جمع من المشايخ كما يأتي في آخر الباب. ١٥/٢٣٣ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون، عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - (أن رسول الله وَل): ذكر) يوماً فضل (يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة) يقتضي جزءاً من اليوم، وتقدم الكلام على تحقيق لفظ الساعة في أول الجمعة مبسوطاً، وأبهمها ههنا كليلة القدر، والاسم الأعظم، لتتوفر الدواعي على مراقبتها (لا يوافقها) أي لا يصادفها، وهو أعم من أن يقصد لها، أو يتفق وقوع الدعاء فيها (عبد مسلم) وفيه تخصيص لدعاء المسلمين بالإجابة في تلك الساعة قاله الباجي(١) (وهو قائم) جملة اسمية حالية (يصلي) جملة فعلية حالية، ويصلي حقيقة أو حكماً كما سيأتي في الحديث الآتي. قال القاري (٢): ويحتمل أن يكون معناه يدعو، واختلفت الرواة في ذكر هذا اللفظ كما سيأتي في آخر الحديث. (يسأل الله) تعالى حال أو بدل (شيئاً) مما يليق أن يدعو به، (١) ((المنتقى)) (٢٠٠/١). (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٣/٣). ٤٤١ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٣) حديث إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ))، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِيَدِهِ، يُقَلِّلُهَا . أخرجه البخاريّ في: ١١ - كتاب الجمعة ، ٣٧ - باب الساعة التي في يوم الجمعة . ومسلم في: ٧ - كتاب الجمعة، ٤ - باب في الساعة التي في يوم الجمعة، حديث ١٣ . وللبخاري في الطلاق: ((يسأل الله خيراً)) والمراد بشرائطه المعتبرة في آداب الدعاء، قاله القاري، وستأتي آداب الدعاء (إلا أعطاه إياه) إما أن يعجله له وإما أن يَذَّخره له، ولأحمد من حديث سعد بن عبادة: ((ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم))، ولابن ماجه من حديث أبي أمامة: ((ما لم يسأل حراماً)). قال الجزري في ((الحصن الحصين)): آداب الدعاء منها ما يبلغ أن يكون ركناً، وأن يكون شرطاً، وأن يكون غير ذلك من مأمورات ومنهيات وغيرها وهي: تجنب الحرام في المأكل والمشرب والملبس والمكسب، والإخلاص لله تعالى، وتقديم عمل صالح، وذكره عند الشدائد، والتنظف، والتطهر، والوضوء، واستقبال القبلة، والصلاة، والجثو على الرُّكب، والثناء على الله تعالى أولاً وآخراً، والصلاة على النبي وَلّر، وبسط اليدين، ورفعهما، وأن يكون رفعهما حذو المنكبين، وكشفهما، والتأدب والخشوع، والتمسكن مع الخضوع، وأن لا يرفع بصره إلى السماء، وأن يسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأن يجتنب السجع وتكلفه، إلى آخر ما قاله . (وأشار رسول الله وَل بيده) الشريفة (يقللها) أي يشير بيده إلى القلة، وللبخاري: وضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر، وبيَّنَ أبو مسلم أن الذي وضع هو بشر بن المفضل راويه، فكأنه فسر الإشارة بذلك. والمعنى أنها ساعة لطيفة قليلة، يعني ليست ممتدَّة كليلة القدر، ولفظ: ٤٤٢ - ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث ١٦/٢٣٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَزِيْدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن الْهَادِ، ((قائم يصلي)) ثابت عند أكثر رواة ((الموطأ))(١)، وخالفهم قتيبة وعبد الله بن يوسف وأبو مصعب، فأسقطوا هذا اللفظ، وقالوا: ((وهو يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه))، وهي زيادة صحيحة ثابتة، وحكى محمد بن وضّاح أنه كان يأمر بحذفها من الحديث. وكان سبب ذلك أنه يشكل على أصح الأحاديث الواردة في تعيين هذه الساعة، وهو كونها بعد العصر كما تقدم، لكن لما ثبتت هذه الزيادة من روايات الثقات، فيجاب عن الإشكال بما يجيء من كلام عبد الله بن سلام أن منتظر الصلاة في الصلاة، وقيل: يصلي بمعنى يدعو، وقيل: معناه مواظب على الصلاة من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَاءِمَاً﴾، ((باجي))(٢). فإن قيل: ظاهر الحديث حصول الإجابة لكل داع بشروطه، مع أن الزمان يختلف باختلاف البلاد والمصلي، فيتقدم بعض على بعض، وساعات الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف تتفق مع الاختلاف؟ أجيب باحتمال أن الساعة متعلقة بفعل كل مصل، كما قيل: نظيره في ساعة الكراهة، ويحتمل أن يكون عبّر عن الوقت بالفعل، فيكون التقدير وقت جواز الخطبة أو الصلاة، ونحو ذلك، قاله الزرقاني (٣). ثم لما كانت الساعة مبهمة في الحديث المتقدم، ذكر الإمام تعيين الساعة بالحديث الآتي. ١٦/٢٣٤ - (مالك عن يزيد) (٤) بتحتية في أوله (ابن عبد الله) بن أسامة (بن الهاد) فنسب أبوه إلى جده الليثي أبو عبد الله المدني. وثّقه النسائي وغيره، (١) انظر: ((الاستذكار)) (٨٠/٥)، و((التمهيد)) (١٧/٩). (٢) المنتقى (٢٠٠/١). (٣) (شرح الزرقاني)) (٢٢٢/١). (٤) له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٣٣٩/١١)، و((تقريب التهذيب)) (٣٦٧/٢)، و(«إسعاف المبطأ» (٢٨٨). ٤٤٣ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الُورِ، فَلَقِيْتُ كَعْبَ الأَحْبَارِ، فَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، روى له الستة، مات بالمدينة سنة ١٣٩هـ، قال صاحب ((المغني)): يزيد بن الهاد يقول المحدثون: بحذف الياء والمختار في العربية إثباته، اهـ. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً ساق الحديث أحسن سياقاً من يزيد بن الهاد ولا أتم معنى فيه منه، إلا أنه قال فيه: لقيت بصرة (١) بن أبي بصرة، ولم يتابعه أحد عليه، وإنما المعروف: فلقيت أبا بصرة (عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي) تيم قريش (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف) القرشي المدني (عن أبي هريرة أنه قال: خرجت إلى الطور). قال الباجي(٢): الطور في كلام العرب واقع على كل جبل إلا أنه في الشرع يطلق على جبل بعينه، وهو الذي كلم فيه موسى عليه السلام، وهو الذي عناه أبو هريرة، اهـ. قال القاري: محل معروف، والمتبادر طور سينا، اهـ. وقال ياقوت الحموي في ((معجم البلدان)): وبالقرب من مصر عند موضع يسمى مدين جبل يسمى الطور، ولا يخلو من الصالحين، وعليه كان الخطاب الثاني لموسى عليه السلام عند خروجه من مصر ببني إسرائيل، انتهى. وفي ((مشكل الطحاوي)) عن أبي هريرة قال: لقيت أبا بصرة فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من الطور حيث كلم الله موسى، فقال: لو لقيتك، الحديث (فلقيت كعب الأحبار) جمع حبر، وهو كعب بن ماتع، بفوقية كما تقدم في محله (فجلست معه فحدثني عن التوراة) يعني أخبرني بما في التوراة التي بأيديهم على وجه القصص والأخبار، واعتبار ما يوافق منها ما عند أبي هريرة عن النبي ◌َّةٍ، قاله الباجي. (١) قال ابن عبد البر: والمحفوظ أن الحديث لوالده أبي بصرة، انظر: ((الاستذكار)) (٨٩/٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٠١/١). ٤٤٤ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث وَسَذَّنْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ، أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، يَوْمُ الْجُمُعَةِ. (وحدثته) أي كعباً الأحاديث (عن النبي ◌ِّالر فكان في) جملة (ما حدثته) إياه خبر كان (أن قلت) له اسم كان ومقوله (قال رسول الله ( 18) ولفظ النسائي عن أبي هريرة قال: أتيتُ الطورَ فوجدتُ ثَمَّ كعباً، فمكثت أنا وهو يوماً، أحدثه عن رسول الله وَل﴾ ويحدثني عن التوراة، فقلت له: قال رسول الله وَالر : (خير يوم) قال القرطبي: خير وشر يُسْتعملان للمفاضلة ولغيرها، فإذا كانتا للمفاضلة فأصلهما أخير وأشرر، وههنا كذلك مضافة إلى نكرة موصوفة بقوله: طلعت، إلخ. وبسط ((المجد)) وصاحب ((المجمع)) في معاني الخير والشر، والمعنى: أنهما إذا لم يكونا للمفاضلة فهما من جملة الأسماء كقوله تعالى : ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾(١)، وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾(٢). (طلعت عليه) أي على ما فيه (الشمس يوم الجمعة). استدل به على أنه أفضل من يوم عرفة. قال الزرقاني(٣): الأصح أن يوم عرفة أفضل أيام السنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وقال ابن القيم في ((الهدي)»: اختلف العلماء، هل هو أفضل أم عرفة؟ على قولين، هما وجهان لأصحاب الشافعي، اهـ. قال القاري (٤) نقلاً عن الطيبي: أفضل الأيام، قيل: عرفة، وقيل: الجمعة، هذا إذا أطلق، وأما إذا قيل: أفضل أيام السنة، فهو عرفة، وأفضل أيام الأسبوع، فهو الجمعة، اهـ. (١) سورة البقرة: الآية ١٨٠. (٢) سورة النساء: ١٩. (٣) (٢٢٣/١). (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٢/٣). ٤٤٥ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث فِيهِ خُلِقَ آدَمُ. وَفِيهِ أَهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ . وقال العيني في ((شرح البخاري)): وتظهر الفائدة فيمن نذر الصيام أو علّق عملاً من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يوماً منها، تعين يوم عرفة، لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور، فإن أراد أفضل أيام الأسبوع، تعين يوم الجمعة . وقال الداودي: لم يرد أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة، لأنه قد يكون فيها يوم الجمعة، فيلزم تفضيل الشيء على نفسه، ورُدَّ بأن المراد أن كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة، سواء كان يوم الجمعة أم لا؟، اهـ. وفي ((الحاشية)) عن ((المحلى)): ظاهر الحديث أن الجمعة أفضل من عرفة، وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن عرفة أفضل، ويتأول الحديث بأنها أفضل أيام الأسبوع. (فيه خلق آدم) عليه السلام، والمراد: آخر ساعة منه، كما ورد في رواية مسلم عن أبي هريرة: ((وخلق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة))، وزاد في رواية مسلم بعده: ((وفيه أدخل الجنة)) وفيه دليل على أن آدم لم يخلق في الجنة، بل خلق خارجها، وأدخل فيها، وآدم اسم سرياني، وهو عند أهل الكتاب آدام بإشباع فتحة الدال بوزن خاتام، وامتنع صرفه للعلمية والعجمة، قال الثعلبي: التراب بالعبرانية: آدام فسمي به آدم، وحذفت الألف الثانية، وقيل: هو عربي، جزم به الجوهري والجواليقي، وقيل: بوزن أفعل من الأدمة، وقيل: من الأديم لأنه خلق من أديم الأرض، ومنع للوزن والعلمية، وقيل: هو من أدمت بين الشيئين، إذا خلطت بينهما، لأنه كان ماء وطيناً فخلط جميعاً، قاله الحافظ. (وفيه أهبط من الجنة)، وفي رواية لمسلم: ((وفيه أخرج من الجنة))، وقيل: كان الإخراج من الجنة إلى السماء، والإهباط منها إلى الأرض، فيفيدان أن كلاً منهما كان في الجمعة، قاله القاري. ٤٤٦ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث قال الحافظ ابن كثير: فإن كان يوم خلقه يوم إخراجه، وقلنا: الأيام الستة كهذه الأيام، فقد أقام في الجنة بعض يوم من أيام الدنيا، وفيه نظر، وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه، قلنا: إن كل يوم بألف سنة كما قال ابن عباس ومجاهد والضحاك، واختاره ابن جرير، فقد لبث هناك مدة طويلة(١)، انتهى. قلت: ولو قيل: إن المراد إخراجه في ذلك اليوم، والمراد من اليوم الإطلاق الثاني، كان حسناً، وتقدم عن رواية مسلم: ((أن خلق آدم كان في آخر ساعة من يوم الجمعة))، وفي ((التلقيح)) لابن الجوزي: قال ابن عباس: ((ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس))، وفي ((تاريخ الخميس)): ووقفوا في سجودهم مائة سنة، وفي رواية: خمسمائة سنة، وقال أيضاً: قال الضحاك: ((أدخل آدم الجنة عند الضحوة، وأخرج منها ما بين الصلاتين)). وقال: في مقدار مكثه في الجنة خلاف، قال ابن عباس: مكث نصف يوم من أيام الآخرة، وهو خمسمائة عام، وهو قول الكلبي، وقال الحسن البصري: لبث ساعة من نهار، وهي مائة وثلاثون سنة من سني الدنيا، وفي ((مختصر الجامع)) عن وهب بن منبه: مكث ست ساعات، وقيل: خمس ساعات، وقيل: ثلاث، وقيل: الصحيح أنه خلق لمضي إحدى عشرة ساعة من يوم الجمعة، وهو من أيام الآخرة، فبقي قدر أربعين عاماً، ثم نفخ فيه الروح، وبقي في الجنة بقية الثانية عشرة ساعة من يوم الجمعة، ومقداره ثلاثة وأربعون عاماً وأربعة أشهر من أعوامنا، ثم هبط إلى الأرض، وهذا قول الطبري. وفي ((الأنس الجليل)): كان هبوط آدم وحواء وقت العصر، وبين هبوط آدم والهجرة النبوية ستة آلاف سنة ومائتان وستة عشر سنة على حكم التوراة (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٢٣/١). ٤٤٧ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ. وَفِيهِ مَاتَ. اليونانية، وهي المعتمد عند المحققين المؤرخين (١)، انتهى. وأخرج السيوطي في ((الدر المنثور)) روايات كثيرة متضافرة على أن هبوط آدم كان في أرض الهند، وهبوط حواء بجدة، وهبوط إبليس بأيلة قريباً من مصر، وفي ((تاريخ الخميس)) عن ((معالم التنزيل)): هبط إبليس بأيلة، وحواء بجدة، وآدم بسرنديب من أرض الهند على جبل، يقال له: نود، وهو بأعلى الهند، نحو الصين، جبل عالٍ يراه البحريون من مسافة أيام، وفيه أثر قدم آدم مغموسة . وفي ((عرائس)) الثعلبي: قال ابن عباس: أهبط آدم إلى الأرض على جبل وادي سرنديب، وذلك أن ذروته أقرب ذرى جبال الأرض إلى السماء، اهـ. (وفيه تيب عليه) ببناء المفعول، والفاعل معلوم، قاله الزرقاني. وقال القاري: أي وفق للتوبة، وقبلت التوبة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَهُ رَبُِّ فَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (®﴾(٢)، اهـ. (وفيه مات) وله ألف سنة كما في حديث أبي هريرة وابن عباس مرفوعاً، وقيل: إلا سبعين، وقيل: إلا ستين، وقيل: إلا أربعين، قاله الزرقاني(٣). وذكر هذه الأقوال صاحب ((الخميس)) مفصلاً، وقال: وفي ((الأنس)) كان وصيه شيث، ومدة مرضه أحد عشر يوماً، وتوفي بمكة يوم الجمعة وصلى عليه جبريل واقتدى به الملائكة وبنو آدم، وفي رواية: صلى عليه شيث بأمر جبرائيل، ثم قيل: توفي بمكة ودفن بغار أبي قبيس، وقيل: عند مسجد الخيف بمنى، وقيل: بالهند، وصححه ابن كثير، وقيل: بالقدس، رأسه عند الصخرة، (١) انظر: تاريخ الخميس (٥٣/١). (٢) سورة طه: الآية ١٢٢. (٣) (٢٢٣/١). ٤٤٨ ۔ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ. وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيحَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقَاً مِنَ السَّاعَةِ. إِلَّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ ..... ورجلاه عند مسجد الخليل، قاله الزرقاني(١)، وفي ((الخميس)) عن ((بحر العلوم)) عن ابن عباس أنه قال : لما فرغ آدم من الحج رجع إلى الهند فمات على نود بالهند، ودفن بها، وعن ثابت البناني: دفنوه بسرنديب في الموضع الذي أهبط عليه، وصححه الحافظ عماد الدين بن كثير في ((تفسيره)»، والزمخشري في ((الكشاف))، وفي ((المدارك)): دفنوه بسرنديب، وقيل: غير ذلك كما في ((الخميس)). (وفيه) ينقضي عمر الدنيا حتى (تقوم الساعة) أي القيامة (و) لأجل ذلك (ما من دابة) وهي ما يدب على الأرض، قال المجد: دب يدب دباً مشى على هينته، والدابة: ما دَبَّ من الحيوان، وغلب على ما يركب، وزيادة ((من)) لإفادة الاستغراق في النفي (إلا وهي مصيخة) بالصاد المهملة والخاء المعجمة أي مستمعة مصغية، وروي بسين بدل الصاد، وهما بمعنى، قال ابن الأثير: والأصل الصاد، وقال القاري: في أكثر نسخ ((المصابيح)) بالسين، وهما لغتان. (يوم الجمعة) ظرف لمصيحة (من حين يصبح حتى تطلع الشمس) لأن طلوعها يتميز يوم الساعة عن غيره، فإنها تطلع في يوم الساعة من مغربها (شفةاً) خوفاً (من الساعة) كأنها أعلمت أنها تقوم يوم الجمعة، فتخاف منها في كل جمعة، فإذا طلعت عرفت الدواب أنه ليس ذلك اليوم، قاله الزرقاني. والأوجه عندي أنها يظهر للدواب شيء ويكشف، كما سيجيء من كلام الطيبى . (إلا الجن والإنس) استثناء من الجنس، لأن اسم الدابة يقع على كل ما دب، قال القاري: الصواب أنهم لا يلهمون بأن هذا يوم يحتمل وقوع (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٣/١). ٤٤٩ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث القيامة، والمعنى: أن غالبهم غافلون عن ذلك، لا أنهم لا يعلمون ذلك، كما قاله ابن حجر، اهـ. قال الباجي(١): وجه عدم إشفاقهم أنهم علموا أن بين يدي الساعة شروطاً ينتظرونها وليس بالبيّن، لأنا نجد منهم من لا يصيخ، وليس له علم بالشروط، وقال ابن عبد البر(٢): فيه أن الجن والإنس لا يعلمون من أمر الساعة ما يعرفه غيرهم من الدواب، وهذا أمر يقصر عنه الفهم. وقال الطيبي كل دابة أن الله يلهمها ذلك، ولا عجب وجه إصاخة (٣) . عند قدرة الله سبحانه، ووجه آخر: أنه تعالى يظهر يوم الجمعة من عظائم الأمور وجلائل الشؤون ما تكاد الأرض تميد بها، فتبقى كل دابة ذاهلة دهشة، كأنها مصيخة للرهب، اهـ. ثم قال القاضي عياض(٤): الظاهر أن هذه القضايا المعدودة ليست لذكر فضيلة، لأن الإخراج من الجنة، وقيام الساعة لا يُعَدُّ فضيلة، وإنما هو لبيان ما وقع فيه من الأمور العظام، قلت: واختاره الباجي، فقال: إخبار عن وقوع الأمور العظام فيه، واختصاصها به دون سائر الأيام، حضاً على الاستكثار من الطاعات فيه. وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)): الجميع من الفضائل، وخروج آدم من الجنة سبب لوجود الذرية وهذا النسل العظيم ووجود المرسلين والأنبياء والصالحين، ولم يخرج منها طرداً، بل لقضاء أوطاره، ثم يعود إليها، فلم يكن خروجه منها کخروج إبليس، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٢٠١/١). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٩٥/٥). (٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٢٣/١). (٤) انظر: ((شرح النووي على مسلم)) (٢٠٦/٢) ح (٨٥٤). ٤٥٠ --- --- - ------ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث وَنِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلَّى، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئاً إِلَّا أَنْظَاهُ إِيَّاهُ». قَالَ تَعْبُ: ذَلِكَ فِي ثُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. فَقُلْتُ: بَلْ فِي قُلِّ جُمُعَةٍ. فَقَرَأْ كَعْبُ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ قَالَ أَبُو هُوَيْرَةَ: فَأَتِيْتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِغَارِيَّ، وأما قيام الساعة، فسببٌ لتعجيل جزاء الصالحين والمؤمنين، وإظهار كرامتهم وشرافتهم، قال ابن العربي(١): وذلك أعظم لفضله لما يظهر الله من رحمته وينجز من وعده، اهـ. (وفيه ساعة) قليلة (لا يصادفها) أي يوافقها (عبد مسلم) قصداً أو بدون قصد (وهو يصلي) حقيقة أو حكماً كما تقدم، ولفظ النسائي: وهو في الصلاة (بسأل الله) وفي نسخة: فيسأل الله (شيئاً) بشرائطه كما تقدم (إلا أعطاه إياه) ما لم يسأل إثماً أو قطيعة رحم (قال كعب: ذلك) اليوم (في كل سنة يوم) واحد، قال الباجي: يحتمل أن يكون ذلك على سبيل السهو في الإخبار عن التوراة أو التأويل للفظها (فقلت) لا (بل في كل جمعة) للنص النبوي (فقرأ كعب التوراة) أي راجع إليها بالحفظ أو النظر (فقال: صدق رسول الله(*) زاد النسائي بعده: هو في كل يوم جمعة، اهـ. وهذا معجزة له وَلّ، فأخبر بما خفي على أهل الكتاب مع كونه أمياً . (قال أبو هريرة: فلقيت) في مرجعي من الطور ومجلسي بكعب (بصرة) بفتح الموحدة وسكون الصاد المهملة كذا في ((المغني)) (ابن أبي بصرة الغفاري) قال الزرقاني: بفتح الموحدة وسكون الصاد المهملة: صحابي ابن صحابي، والمحفوظ أن الحديث لوالده أبي بصرة، اهـ. وفي ((جامع الأصول)): بصرة في اسمه وكنية أبيه وجده بفتح الباء وسكون الصاد المهملة، اهـ. وقال أيضاً: كذا في ((الموطأ)) وغير مالك لا يقوله إلا عن أبي هريرة عن أبي بصرة، اهـ. (١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٧٥/٢). ٤٥١ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حدیث وقال ابن عبد البر(١): لا أعلم أحداً ساق هذا الحديث أحسن سياقاً من يزيد بن الهاد ولا أتم معنى منه إلا أنه قال فيه: فلقيت بصرة بن أبي بصرة، ولم يتابعه أحد عليه، وإنما المعروف: فلقيت أبا بصرة، قال: والغلط من يزيد لا من مالك، اهـ. قلت: ويؤيده أن النسائي أخرجه من طريق بكر بن مضر عن ابن الهاد مثل رواية مالك، فعلم أن الغلط من يزيد، فالصواب أن الحديث لأبي بصرة حميل بضم الحاء المهملة مصغراً، قال في ((جامع الأصول)): بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون الياء وباللام، اهـ، فهو حميل بن بصرة، قال المزي في ((التهذيب)»: له هذا الحديث الواحد، وذكره ابن سعد فيمن نزل مصر من الصحابة، قال: هو وأبوه وابنه صحبوا النبي 10َّ- ورووا عنه، وتوفي بمصر ودفن بالمقطم، وقال ابن الربيع: شهد فتح مصر، واختطّ بها داراً، ولهم عنه عشرة أحاديث. وفي حاء ((الإصابة))(٢): حُميل بالتصغير ابن بصرة بن أبي بصرة الغفاري، قال علي بن المديني: سألت شيخاً من غفار هل يعرف فيكم جميل بن بصرة؟ قال: صحفت يا شيخ، إنما هو حميل بالتصغير والمهملة، وهو جد هذا الغلام، وأشار إلى غلام معه. وقال مصعب الزبيري: حميل وبصرة وجده أبو بصرة صحابة، قال ابن السكن: شهد جده أبو بصرة خيبر مع النبي وَّل، وحميل يكنى أبا بصرة أيضاً، انتهى. قلت: وحديث شدِّ الرحال أخرجه البخاري برواية أبي سعيد وأبي هريرة كما سيجيء، قال العيني: وفي الباب عن بصرة بن أبي بصرة، رواه ابن حبان (١) ذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (١/ ١٨٤). (٢) انظر: «أسد الغابة)) (٥٩/٢)، وفي ((الإصابة)) (٤١/٢): ابن نصرة، بالنون فهو تصحيف والصواب ابن بصرة بالباء. ٤٥٢ ل ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الْعُلُورِ. فَقَالَ: لَوْ أَدْرَكْتُّكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ، مَا خَرَجْتَ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ * يَقُولُ: ((لا تُعْمَلُ الميلي .... عنه: سمعت رسول الله ◌َّل# يقول: ((لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد)) الحديث، وعن أبي بصرة أيضاً رواه أحمد والبزار في ((مسنديهما)) والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط)): أنه لقي أبو بصرة الغفاري أبا هريرة وهو جاء من الطور، فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور، صليت فيه، قال: لو أدركتك قبل أن ترتحل ما ارتحلت، الحديث، فعلم من هذا أن الحديث لكليهما . (فقال) أبو بصرة (من أين أقبلت) أي أتيت (فقلت) رجعت (من الطور فقال: لو أدركتك) أي لاقيتك (قبل أن تخرج إليه) أي إلى الطور (ما خرجت) بصيغة الخطاب: أي ما رحت إلى الطور لنهي النبي ◌ُّر، فإني (سمعت يقول). رسول الله قال الباجي(١): وهذا الحديث أخرجه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ◌ّ بلفظ: ((تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد)) ولم يذكر فيه بصرة، فهذا يدل على أن الصحابة كان يرسل بعضهم عن بعض، اهـ. قلت: والحديث أخرجه البخاري برواية أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعاً: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، والمسجد الأقصى)) (لا تعمل المطي) أي لا يسافر عليها، والنفي بمعنى النهي. قال العيني: ونكتة العدول عن النهي إلى النفي لإظهار الرغبة في وقوعه، وقال الطبري: النفي أبلغ من صريح النهي، اهـ، وعمل المطي هو تيسيرها والسفر عليها، لأن ذلك عملها المقصود منها، والمطي جمع مطية، قال المجد في ((القاموس)): مَطَا: جَدَّ في السير، وأسرع، والمطية: الدابة تمطو في سيرها، جمعه مطايا ومطي وأمطاء، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٢٠٢/١). ٤٥٣ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: قال العيني(١): والتعبير بشد الرحال خرج مخرج الغالب في ركوب المسافر وكذلك في بعض الروايات: ((لا يعمل المطي))، وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير، والمشي في هذا المعنى، ويدل عليه قوله في بعض طرقه في ((الصحيح)): ((إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد))، اهـ. فعلم أن المراد مطلق السفر. والمعنى: لا يسافر (إلا إلى ثلاثة مساجد)، قال الزرقاني: استثناء مفرغ، أي إلى موضع للصلاة فيه إلا لهذه الثلاثة، وليس المراد أنه لا يسافر أصلاً إلا لها . قال ابن عبد البر(٢): وإن كان أبو بصرة رآه عامّاً، فلم يره أبو هريرة إلا في الواجب من النذر، وأما في التبرر (٣)، كالمواضع التي يتبرك بشهودها، والمباح كزيارة الأخ في الله ليس بداخل في النهي، انتهى. قلت: بل هو المتعين على الظاهر لما تقدم من رواية أبي هريرة عند أحمد والبزار والطبراني، قال: ((أقبلت من الطور صليت فيه))، وأخرج الطحاوي في ((مشكله)) عن المقبري عن أبي هريرة: ((أنه خرج إلى الطور فصلى فيه، ثم أقبل، فلقي حميل بن بصرة))، الحديث، وفي طريق آخر عن أبي هريرة أنه قال: ((أتيت الطور فصليت فيه)) الحديث. فهذه الروايات صريحة في أن أبا هريرة راح يتبرك بالصلاة في تلك البقعة التي هي محط الأنوار والتكليم، ورَدَّ أبو بصرة على الشد للصلاة فيها . وقال السبكي: ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها حتى يسافر إليها لذلك الفضل غير هذه الثلاثة، وأما غيرها فلا يسافر إليها لذاتها، بل لمعنى (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٥٢/٧/٤). (٢) ((الاستذكار)) (٨٩/٥). (٣) الطاعة . ٤٥٤ --- ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث ٠ ٠٠ فيها من علم أو جهاد أو نحو ذلك، فلم تقع المسافرة إلى المكان، بل إلى من في المكان، انتهى، قاله الزرقاني(١). قال العيني(٢): في الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن المسجد الحرام قبلة الناس وإليه حجهم، ومسجد الرسول ◌َّ، أَسِّسَ على التقوى، والمسجد الأقصى كان قبلة للأمم السابقة، وفيه أيضاً: أن الرحال لا تُشَدُّ إلى غير هذه المساجد الثلاثة، لكن اختلفوا بأي وجه، فقال النووي: معناه: لا فضيلة في شَدِّ الرحال إلى مسجدٍ ما غير هذه المساجد الثلاثة، ونقله عن جمهور العلماء . وقال ابن بطال: هذا الحديث إنما هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة المذكورة، قال مالك: من نذر صلاةً في مسجد لا يصل إليه إلا براحلة، فإنه يصلي في بلده، إلا أن ينذر ذلك في مسجد مكة، أو المدينة، أو بيت المقدس، فعليه السير إليها، وقال ابن بطال: وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعاً بذلك؛ فمباح إن قصدها بإعمال المطي وغيره، ولا يتوجه إليه الذي في هذا الحدیث . وقيل: من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة للصلاة أو غيرها لم يلزمه ذلك، لأنها لا فضل لبعضها على بعض، فيكفي صلاته في أي مسجد كان، قال النووي: لا اختلاف في ذلك إلا ما روي عن الليث أنه قال: يجب الوفاء به، وعن الحنابلة رواية: يلزمه كفارة يمين، ولا ينعقد، وعن المالكية رواية: إن تعلقت به عبادة تختص به كرباط لزم، وإلا فلا . (١) (١ / ٢٢٤) . (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٥٣/٧/٤ - ٢٥٤)، ح (١١٨٩). ٤٥٥ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث واستدل قوم أيضاً بحديث الباب على أن من نذر إتيان أحد هذه المساجد، لزمه ذلك، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في ((البويطي))، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقاً، وقال الشافعي في ((الأم)): يجب في المسجد فقط، وقال ابن المنذر: يجب في الحرمين، وأما الأقصى فلا . وقال القاضي عياض وأبو محمد الجويني من الشافعية: يحرم شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة لمقتضى النهي، وقال النووي: هو غلط، والصحيح عند أصحابنا، وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون: أنه لا يحرم ولا يكره. وقال الخطابي: لا تشد لفظ خبر، ومعناه الإيجاب فيما نذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها، أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك غير هذه الثلاثة، وأوّل بعضهم معنى الحديث على وجه آخر، وهو أن لا يرحل في الاعتكاف إلا إلى هذه الثلاثة، فقد ذهب بعض السلف إلى أن الاعتكاف لا يصح إلا فيها، دون سائر المساجد. وقال شيخنا زين الدين: من أحسن المحامل أن المراد منه حكم المساجد فقط، وأنه لا يشد الرحل إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة، فأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم، والتجارة، والتنزه، وزيارة الصالحين، والمشاهد، فليس داخلاً في النهي، وقد ورد ذلك مصرحاً في بعض طرق الحديث في ((مسند أحمد)) برواية أبي سعيد الخدري، وذكر عنده صلاةً في الطور؛ فقال: قال رسول الله وَّه: ((لا ينبغي للمطي أن يُشَدَّ رحالُه إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا))، وإسناده حسن، انتهى كلام العيني مختصراً، وقال الموفق: الحديث محمول على نفي التفضيل، لا التحريم، اهـ. وقد اختلف المشايخ هاهنا في مسألة أخرى تناسب حديث الباب، وهي ٤٥٦ - ... . - ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث زيارة قبر النبي لة، قال الشوكاني(١): فذهب الجمهور إلى أنها مندوبة، وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية إلى أنها واجبة، وقالت الحنفية: إنها قريبة من الواجبات، وذهب ابن تيمية الحنبلي إلى أنها غير مشروعة، وتبعه على ذلك بعض الحنابلة، وروي ذلك عن مالك والجويني والقاضي عياض، اهـ. وقال القاري في ((شرح الشفاء)) (٢): وزيارة قبره ومَ ل سنة من سنن المرسلين، مجمع على كونها سنة، وممن ادعى الإجماع النووي وابن الهمام، بل قيل: إنها واجبة. وكره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي وَلّ. واختلف في معنى ذلك؛ فقيل: كراهة اسم الزيارة، لما ورد عند الترمذي وغيره: ((لعن الله زوَّارات القبور))، وهذا يردّه قوله عليه السلام: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها))، وقيل: وجه قول مالك ما قيل: إن الزائر أفضل من المزور، وليس عموماً، وقيل: إنما كره مالك أن يقال: طواف الزيارة، وزرنا قبر النبي وقَلل، لاستعمال الناس ذلك بعضهم لبعض، فكره التسوية مع الناس، وأحب أن يخص بأن يقال: سلمنا على النبي *، وأيضاً فإن الزيارة مباحة بين الناس، وواجب شدّ مَلى اللهے وشيل. الرحال إلى قبره والأولى عندي أن كراهة مالك له؛ لإضافته إلى قبر رسول الله وَل، وأنه لو قال: زرنا النبي ◌ّ لم يكره، وذلك لقوله وٍَّ: «اللَّهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه بفعل أولئك، وفيه أنه قد ورد بروايات التصريح بهذه اللفظة، فلا يلتفت إلى هذه العلة، اهـ. (١) ((نيل الأوطار)) (٤٥٤/٣). (٢) (٨٤١/٣). ٤٥٧ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث قال القاري: قد فرط ابن تيمية حيث حَرَّم السفر لزيارة النبي وَّر، كما أفرط غيره حيث قال: كون الزيارة قُربة معلوم من الدين بالضرورة، وجاحده محكوم عليه بالكفر، اهـ. قال الكرماني: وقع في هذه المسألة في عصرنا في البلاد الشامية مناظرات كثيرة، وصنف فيها رسائل من الطرفين، قال الحافظ (١): يشير إلى ما أورد به الشيخ تقي الدين السبكي وغيره على الشيخ تقي الدين بن تيمية، وهي مشهورة في بلادنا . والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شدِّ الرحال إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله وَّل، وأنكرنا صورة ذلك، وفي شرح ذلك من الطرفين طولٌ، ومن جملة ما استدل به على دفع ما ادعاه غيره من الإجماع به على مشروعية زيارة قبر النبي # ما نقل عن مالك: أنه كره أن يقول: زرت قبر النبي ◌َّ﴾، وقد أجاب عنه المحققون من أصحابه أنه كره اللفظ أدباً؛ لا أصل الزيارة، فإنها من أفضل الأعمال وأجلّ القربات الموصلة إلى ذي الجلال، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع، والله الهادي إلى الصواب، انتهى. قال الشوكاني(٢): واحتج من قال بأنها غير مشروعة بحديث شدّ الرحال، وأجاب عنه الجمهور بأن القصر فيه إضافي باعتبار المساجد، لا حقيقي، قالوا: والدليل على ذلك أنه قد ثبت بإسناد حسن في بعض ألفاظ الحديث: ((لا ينبغي للمطيِّ أن يُشَدَّ رحالُها إلى مسجد تبتغى فيه الصلاةُ غير مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى)) فالزيارة وغيرها خارجة عن النهي، وأجابوا ثانياً بالإجماع على جواز شد الرحال للتجارة وسائر مطالب (١) انظر: ((فتح الباري)) (٦٦/٣). (٢) ((نيل الأوطار)) (٢٩٠/٨/٤). ٤٥٨ -------- ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث الدنيا، وعلى وجوبه إلى عرفة للوقوف، وإلى منى للمناسك، وإلى الجهاد والهجرة من دار الكفر، وعلى استحبابه لطلب العلم. واستدلوا على أنها مندوبة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوَاْ أَنفُسَهُمْ جَاءُ وَكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾(١) الآية، والنبي ◌ِّ حي في قبره بعد موته كما في حديث: ((الأنبياء أحياء في قبورهم)) وقد صححه البيهقي، وألف في ذلك جزءاً، قال أبو منصور البغدادي: قال المتكلمون المحققون: إن نبينا مَّ حي بعد وفاته، اهـ. وإذا ثبت أنه وَلر حي بعد وفاته، فالمجيء إليه بعد وفاته كالمجيء إليه قبله، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾(٢) الآية، فكما أن الهجرة إليه مقلية في حياته الوصول إلى حضرته، كذلك الوصول بعد موته. واستدلوا أيضاً بالأحاديث الواردة في مشروعية زيارة القبور على العموم، محلها كتب الجنائز، وكذلك بالأحاديث الواردة في زيارة قبره الشريف خاصة. منها: ما رواه حاطب مرفوعاً: ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي)) رواه الدارقطني وغيره، وبسط طرقه السبكي في ((شفاء السقام)). ومنها: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) رواه ابن خزيمة(٣) والبزار والطبراني، وله طرق وشواهد، حسنه الذهبي لأجلها، وفي رواية: ((حلت له شفاعتي)) رواه الدار قطني وغيره، وصححه جماعة من أئمة الحديث، قاله القاري في ((شرح الشفاء)) (٤). (١) سورة النساء: الآية ٦٤. (٢) سورة النساء: الآية ١٠٠. (٣) انظر: ((تلخيص الحبير)) (٩٠٣/٣). (٤) (٨٤٢/٣). ٤٥٩ ٥ - كتاب الجمعة (٧) باب (٢٣٤) حديث وفي ((المقاصد الحسنة))(١) حديث: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) أخرجه أبو الشيخ وابن أبي الدنيا وغيرهما عن ابن عمر، وهو في ((صحيح ابن خزيمة))، وأشار إلى تضعيفه، وعند ابن عدي والدارقطني والبيهقي بلفظ : ((كان كمن زارني في حياتي)) وضعفه البيهقي، وكذا قال الذهبي: طرقه كلها لينة، لكن يتقوى بعضها ببعض، لأنه ما في رواتها متهم بالكذب. قال السبكي: أقل درجات هذا الحديث أنه حسن، وإن نُوزِعَ في صحته، لما سيأتي من شواهده، وقال ابن حجر المكي: صحّحه جماعة من أئمة الحديث، والطعن في رواته مردود كما بينه السبكي، وأطال فيه، وقول البيهقي: إنه منكر، معناه: تفرد به راويه، والفرد قد يطلق عليه ذلك، كما قاله أحمد في حديث الاستخارة مع أنه في ((الصحيحين)). وقال الشوكاني: الحديث رواه ابن خزيمة في (صحيحه))، وقال: إن صح الخبر فإن في القلب من إسناده(٢)، وقال أيضاً تبعاً للحافظ: صحح هذا الحديث ابن السكن وعبد الحق وتقي الدين السبكي، اهـ. ومنها: حديث ابن عمر أيضاً بلفظ: ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي)) قال القاري(٣): رواه البيهقي وسعيد بن منصور في ((سننهما)) والدارقطني والطبراني وأبو يعلى وابن عساكر، قال الشوكاني: أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)، وابن عدي في ((كامله))، وفي إسناده: حفص بن أبي داود، وهو ضعيف الحديث، وقال أحمد فيه: إنه صالح، اهـ. وأخرجه السبكي في ((شفاء السقام)) بلفظ: ((من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)) وبسط طرقه . (١) (ص٤١٣). (٢) كذا في ((النيل)) (٤٥٥/٣)، والظاهر أنه سقط منه لفظ: ((شيء)). (٣) ((شرح الشفاء)) (٨٤٣/٣). ٤٦٠ ------ ----