النص المفهرس
صفحات 401-420
٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٥) حديث ٠٠٠ ٠٠ يصح النقل، أنكر عليهم العيني في ((شرح البخاري)) (١) أشدَّ الإنكار، ونقل عن ((الهداية)): وإذا صعد الإمام على المنبر جلس وأذن المؤذنون بين يديه، اهـ. وكذا صرح بسنية الجلوس أول ما صعدَ، الطحطاويُّ في ((شرح المراقي)). ثم قال الباجي(٢): حكم الإمام إذا صعد على المنبر أن يجلس ولا يسلّم، ولذا لم يذكره الزهري من فعل عمر - رضي الله عنه - وهو المشهور من مذهب مالك، وقال الشافعي: يسلم إذا جلس على المنبر، والدليل على ما ذهب إليه مالك عمل أهل المدينة المتصل في ذلك، وهو حجة قاطعة فيما طريقه الخبر، ودليلنا من القياس أن هذا موضع شغل بافتتاح عبادة، فلم يشرع فيه السلام كافتتاح سائر العبادات، انتهى مختصراً . قال الشوكاني(٣): قال أبو حنيفة ومالك: إنه مكروه، لأن سلامه عند دخول المسجد مُغْنٍ عن الإعادة، اهـ. قلت: وأوضح من حديث الباب رواية ابن عمر قال: كان رسول الله عَليه يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب، أخرجه الستة إلا مالكاً، كذا في ((جمع الفوائد))، فإنها استوعبت هيئة الخطبة من أولها إلى آخرها، ولم يذكر فيها السلام، وكذلك جميع الروايات الواردة في الباب خالية عنها، وما ورد في بعض الروايات من ذكر السلام، لا تخلو عن ضعف، كما بيّن في موضعه. وقال الموفق(٤): يسن السلام إذا صعد المنبر عندنا والشافعي، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يسلم، ثم بسط في الدلائل. (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٢١١/٦/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٨٩/١). (٣) ((نيل الأوطار)) (٣١١/٣/٢). (٤) ((المغني)) (٢٩٦/٢). ٤٠١ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٥) حديث وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ وقال العيني(١): ومن السنة عندنا أن يترك الخطيب السلام من وقت خروجه إلى دخوله في الصلاة، وبه قال مالك، وقال الشافعي وأحمد: السنة إذا صعد المنبر أن يسلم على القوم إذا أقبل عليهم بوجهه، كذا روي عن ابن عمر عن النبي ◌َّ. قلت: هذا الحديث أورده ابن عدي من حديث ابن عمر في ترجمة عيسى، وضعفه، وكذا ضعفه ابن حبان، وما روى ابن أبي شيبة عن الشعبي مرسل، فلا يحتج به عندهم، وقال عبد الحق في ((الأحكام الكبرى)): هو مرسل، وإن أسنده أحمد من طريق ابن لهيعة، فهو معروف في ((الضعفاء))، فلا يحتجُّ به، وقال البيهقي: الحديث ليس بقوي، انتهى. وفي ((مراقي الفلاح)): ولا يسلم الخطيب على القوم إذا استوى على المنبر، لأنه يلجئهم إلى ما نهوا عنه، والمروي من سلامه عندنا غير مقبول، انتھی . واستنبط الباجي أيضاً من أثر الباب أن عمر إذا يخرج يرقى على المنبر بأثر دخوله، ولا يركع تحية المسجد، لأن دخوله المسجد يمنع صلاة النافلة، ويقتضي الأخذ في الفرض من الخطبة، وإنما يركع عند دخول المسجد من أراد الجلوس، وأما من شرع في الفرض فليس عليه ركوع، انتهى فتأمل. (وأذن المؤذنون) كذا في جميع النسخ الموجودة عندي، وذكر في هامش المجتبائية أن في بعضها بالإفراد، قلت: وفي رواية محمد أيضاً بالإفراد، وهو الظاهر، وأما على نسخة الجمع فهو حجة الأذان الجوق، وتقدم بيانه في محله . قال ابن عبد البر (٢): هذا موضع شُبه فيه على بعض أصحابنا، وأنكر أن (١) ((عمدة القاري)) (٨٦/٥). (٢) ((الاستذكار)) (٥٦/٥). ٤٠٢ ------- ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٥) حديث (قَالَ ثَعْلَبَةُ): جَلَسْنَا نَتَحَدَّثُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ، وَقَامَ عُمَرُ بَخْطُبُ ، يكون الأذان الذي بين يدي الإمام كان في زمنه وَّر وأبي بكر وعمر، وأن ذلك حدث في زمن هشام بن عبد الملك، وهذا قول من قلّ علمه. قال السائب بن يزيد: كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي ◌َّل1 وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء، أخرجه البخاري(١)، اهـ. ثم لم يذكر في أثر الباب محل هذا الأذان، هل هو داخل المسجد أو خارجه؟ واشتهر البحث والنزاع في ذلك في ديارنا، نتركه للاختصار تبعاً للأصل، ولشيخي العلامة فيه رسالة تسمى ((بتنشيط الآذان))(٢)، فارجع إليها إن شئت . (قال ثعلبة) كرر ذكره إظهاراً وتوضيحاً (جلسنا نتحدث) قال الزرقاني: أي نتكلم بالعلم ونحوه، لا بكلام الدنيا، اهـ. وهذا هو المقصود بذكر الأثر إذ فيه إباحة الكلام بعد خروج الإمام قبل شروع الخطبة، وتأييداً لما اختاره الإمام مالك، وتقدم في أول الباب أن مختار الحنفية آثار ابن مسعود وعلي وابن عباس وابن عمر وغير ذلك من الآثار والروايات. (فإذا سكت المؤذنون) أي فرغوا من الأذان (وقام عمر يخطب) فيه أن سنة الخطبة القيام، واختلفت نقلة المذاهب في حكم القيام عند الأئمة، قال النووي: حكى ابن عبد البر (٣) إجماع العلماء على أن الخطبة لا تكون إلا (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢/ ٣٩٢). (٢) حقق فيها رواية ودراية أن يكون الأذان بين يدي الخطيب داخل المسجد، ولا يكره كما ظن بعضهم، وانظر: ((إعلاء السنن)) (٤٨/٨). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (١٢٩/٥). ٤٠٣ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٥) حديث قائماً لمن أطاقه، وقال أبو حنيفة: تصح قاعداً وليس القيام بواجب، وقال مالك: هو واجب لو تركه أساء وصحت الجمعة، اهـ. قال العيني(١): قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): اشتراط القيام في الخطبتين إلا عند العجز، إليه ذهب الشافعي وأحمد في رواية، وفي ((التوضيح)): القيام للقادر شرط لصحتها، وعندنا وجه: أنها تصح قاعداً للقادر، وهو شاذٌّ. نعم هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد، كما حكاه النووي عنهم، قاسوه على الأذان، وحكى ابن بطال عن مالك كالشافعي وعن ابن القصّار كأبي حنيفة، ونقل ابن التين عن القاضي أبي محمد أنه مُسِيءٌ ولا تبطل، اهـ. --- وقال الشعراني في (ميزانه)): ومن ذلك قول مالك والشافعي بوجوب القيام على القادر في الخطبتين مع قول أبي حنيفة وأحمد بعدم وجوبه، اهـ. قلت: وهو الصواب في مذهب الحنابلة، قال في ((نيل المآرب)): ويسن أن يخطب قائماً، وقال في ((الروض المربع)): ومن سنتهما أي الخطبتين أن يخطب على منبر أو على موضع عالٍ، وأن يخطب قائماً. وقال في ((مختصر خليل)) من فقه المالكية: وفي وجوب قيامه لهما تردد، وفي ((الدسوقي)): وجوب القيام قول الأكثر وسُنِّتُه قول ابن العربي وابن القصار وعبد الوهاب، اهـ. فليت شعري إجماع أي الفقهاء أراد ابن عبد البر في كلامه؟ وقال في ((البدائع)): والقيام سنة وليس بشرط، حتى لو خطب قاعداً يجوز عندنا، لظاهر النص، وكذا روي عن عثمان أنه كان يخطب قاعداً حين كبر وأسن، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة؛ إلا أنه مسنون في حال الاختيار لأنه ◌َّ كان يخطب قائماً، اهـ. (١) ((عمدة القاري)) (٢١٩/٦/٣). ٤٠٤ ..... .-- - ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٥) حديث أَنْصَتْنَا، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنَّا أَحَدٌ. قَالَ ابْنُ شِهَابِ: فَخُرُوجُ الإِمَامِ بَقْطَعُ الصَّلاةَ، وَكَلامُهُ يَقْطَعُ الْكَلامَ . واستدل العيني على جواز الجلوس برواية البخاري عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ◌َّ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله، الحديث. وبحديث سهل: ((مري غلامك يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس))، اهـ. قلت: وأخرج ابن أبي شيبة بطرق عن معاوية أنه كان يخطب جالساً. (أنصتنا، فلم يتكلم منا أحد) بيَّن اتفاقهم على الإنصات، وأن هذا لم يختلفوا فيه . (قال ابن شهاب) في تفسير ما تقدم وتقرير معناه (فخروج الإمام) إلى المنبر (يقطع الصلاة) أي الشروع فيها، وهل يقطع الصلاة عند أحد؟ رأيته في محل لا أتذكره الآن (وكلامه) أي كلام الإمام والمراد شروع الخطبة (يقطع الكلام) أي يمنع المقتدين عن التكلم، ثم هذه مقولة الزهري على رواية (الموطأ)) إلى آخر الأثر، ويؤيده ما نقله الشوكاني(١) عن ((مسند الشافعي))، ولفظه: عن ثعلبة بن أبي مالك قال: كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالسٌ على المنبر، فإذا سكت المؤذن قام عمر، فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين كلتيهما، فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا، انتهى، فاقتصر فيه على الكلام الأول. لكن أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢)، ولفظه عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي: أن جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة، وكلامه يقطع (١) انظر: ((نيل الأوطار)) (٣٢٦/٣/٢)، رقم الحديث (١٢٥٦). (٢) (٢١٧/١) طبع الهند. ٤٠٥ --- ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٦) حديث ٨/٢٢٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ كَانَ يَقُولُ، في خُطْبَتِهِ، فَلَّمَا يَدَعُ ذُلِكَ إِذَا خَطَبَ: إِذَا قَامَ الإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَمِعُوا وَأَنْصِتُوا، فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ، الّذِي لا يَسْمَعُ، مِنَ الْحَظّ، مِثْلَ مَا لِلْمُنْصِتِ السَّامِعِ، الكلام، وقال: إنهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب على المنبر حتى يسكت المؤذن، فإذا قام عمر على المنبر لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما، ثم إذا نزل عمر على المنبر، وقضى خطبته تكلموا، انتهى. قال النيموي(١): إسناده صحيح، فهذا نص في أن الكلام كله من ثعلبة فتأمل، اللَّهم إلا أن يقال: إنه من تصرف الرواة. ٨/٢٢٦ - (مالك، عن أبي النضر) بالنون والضاد المعجمة، سالم بن أبي أمية، القرشي (مولى عمر) بالضم (ابن عبيد الله) مصغراً مع الإضافة (عن مالك بن أبي عامر) الأصبحي جد الإمام مالك (أن عثمان بن عفان) ثالث الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم أجمعين - (كان يقول في خطبته) والمقول: إذا قام الإمام، وأما قوله (قلما يدع) أي يترك (ذلك) القول المذكور (إذا خطب) أي عثمان، فسيق لبيان عادته واستمراره على ذلك، فهذه مقولة مالك بن أبي عامر. وقول عثمان شرع من قوله: (إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا) له (وأنصتوا) وإن لم تسمعوا (فإن للمنصت الذي لا يسمع) الخطبة لبعده مثلاً (من الحظ) أي النصيب من الأجر (مثل ما) موصولة (للمنصت السامع) قال الداودي: إذا لم يفرط في التهجير. وقال الباجي (٢): الظاهر أن أجرهما في الإنصات واحد، ويتباين أجرهما في التهجير، وتلك قربة أخرى غير الإنصات، اهـ. (١) ((آثار السنن)) (٢ /٩٩). (٢) ((المنتقى)) (١٩٠/١). ٤٠٦ - . ------ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٦) حديث فَإِذَ قَامَتِ الصَّلاةُ فَاعْدِلُوا الصُّغُوفَ، وَحَاذُّوا بِالْمَنَاكِبِ، فَإِنَّ اعْتِدَالَ الصُّفُوفِ مِن تَمَامِ الصَّلاةِ يعني أن الذي لم يسمع الخطبة لبعده عن الإمام، وكان ذلك لتأخره في المجيء يكون أجره وأجر من سمع لقربه سواء في الإنصات والاستماع، وإن تفاوت أجرهما باعتبار تعجيل أحدهما وتأخير الثاني. قلت: لكن يشكل على هذا ما في أبي داود من رواية علي: ((أن للمنصت السامع كِفْلان من أجر، ومن جلس حيث لا يسمع فأنصت، كان له كفل من أجر))، الحديث. والجمع بينهما متيسر بوجوه. وكان عثمان - رضي الله عنه - يقول في خطبته أيضاً: (فإذا قامت الصلاة فاعدلوا) أي سَوُّوا (الصفوف وحاذوا) أي قابلوا (بالمناكب) جمع منكب، وهو ما بين الكتف والعنق، كذا في ((المجمع)). وقال في ((القاموس)): هو مجتمع رأس الكتف والعضد، مذكر، وهذا تفسير لقوله: اعدلوا الصفوف، (فإن اعتدال الصفوف) واستواءها (من نمام الصلاة) وكمالها، وقد ورد في البخاري مرفوعاً: ((إن تسوية الصفوف من تمام الصلاة))(١). قال أبو عمر(٢): هذا أمر مجمع عليه، والآثار فيه كثيرة، ثم بيّن بعضها، وقال بعد ذلك: وتعديل الصفوف من سنة الصلاة، وليس بشرط في صحتها عند الأئمة الثلاثة. وقال أحمد وأبو ثور: من صلى خلف الصفوف بطلت صلاته، انتهى، وسيأتي البسط فيما جاء في تسوية الصفوف. قال الشوكاني: قال ابن دقيق العيد: وقد يؤخذ من قوله: تمام الصلاة الاستحباب، لأن تمام الشيء في العرف أمر خارج عن حقيقته التي لا يتحقق إلا بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على ما لا تتم الحقيقة إلا به، انتهى. (١) أخرجه البخاري (٧٢٣) في الصلاة: باب إقامة الصفّ من تمامِ الصلاةِ. (٢) ((الاستذكار)) (٥٩/٥). ٤٠٧ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٧) حديث ثُمَّ لا يُکَبِّرُ، حَتَّى يَأْتِيَهُ رِجَالٌ قَدْ وَكَّلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفوفِ، فَيُخْبِرُونَهُ أَنْ قَدِ اسْتَوَتْ، فَيُكَبِّرُ. ٩/٢٢٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَأَى رَجُلَيْنِ يَتَحدَثَّانِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَحَصَبَهُمَا، أَنِ اصْمُتَا . قلت: وبهذا المعنى قالت الحنفية: إن الصلاة بدون الفاتحة غير تمام. (ثم) بعد الخطبة (لا يكبر) عثمان (حتى يأتيه رجال قد وكلهم) بخفة الكاف وتشديدها، أي عَيَّنَهم (بتسوية الصفوف) فيأتونه بعد تسويتهم الصفوف (فيخبرونه أن قد استوت) الصفوف (فيكبر) عثمان بعد ذلك. ٩/٢٢٧ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر رأى رجلين يتحدثان، والإمام يخطب يوم الجمعة فَحَصَبَهُمَا) أي فرماهما بالحصباء، يريد به (أن اضْمُتا) فحرف ((أن)) مفسرة، قال المجد في ((القاموس)): الصمت والصموت والصمات: السكوت، كالإصمات والتصميت، أصمته وصمته: أسكته، لا زمان، ومتعدیان. وقال الباجي(١): معنى ذلك أنه أنكر على المتحدثَيْن، ولم يكن له أن يتكلم بالإنكار عليهما، فحصبهما، لكن قال الزرقاني(٢): قال عيسى بن دينار: ليس العمل على حصبه، ولا بأس أن يشير إليهما، ونقل عن الباجي: أن مقتضى مذهب مالك أن لا يشير إليهما، لأن الإشارة بمنزلة قوله: اصمتا، وذلك لغو، اهـ. وكذلك في ((مختصر خليل)): جعل السلام وردّه ونهي لاغ وحصبه والإشارة له كلها في حكم واحد. (١) ((المنتقى)) (١٩٠/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢١٧/١). ٤٠٨ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٨) حديث ١٠/٢٢٨ . وحدثني عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهِ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً عَطَسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَشَمَّتَهُ إِنْسَانٌ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ سَعِدَ بْنَ الْمُسَبِبِ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ: لَا تَعُدْ. فعلم بهذا أن حصبه لا يوافق مختار الإمام مالك، وأما عندنا الحنفية فلا بأس بذلك، قال الطحطاوي على ((المراقي)): وإذا لم يتكلم بلسانه ولكنه أشار برأسه أو بيده أو بعينه لإزالة منكر أو جواب سائل لا يكره على الصحيح، كما في ((المضمرات)) و ((الفتح))، انتهى. ١٠/٢٢٨ - (مالك، أنه بلغه) ذكره الإمام مالك بلاغاً، وأسند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) أثر سعيد فقال: ثنا وكيع عن عبد الله بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب، وسأله رجل عن رجل شمّت رجلاً والإمام يخطب النا(١)؟ قال: لا، ولكن لا يعود (أن رجلا عطس) بفتحات من باب ضرب ونصر (يوم الجمعة والإمام يخطب فشمته) أي العاطس (إنسان) كان (إلى جنبه) أي العاطس، والتشميت أن يقال: (يرحمك الله))، يقال: شمته، وسمته، وقال ابن الأنباري: والشين أفصح، والتشميت الدعاء، فمعنى شمته أي دعا له، قاله (٢) الباجي (٢). وقال المجد في ((القاموس)): التسميت ذكر الله تعالى على الشيء والدعاء العاطس، وقال في الشمت: التشميت: التسميت، وفي ((المجمع)): هو بشين وسين: الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما، ويأتي البسط في لفظه، وحكمه في تشميت العاطس من كتاب الاستئذان (فسأل) ذاك المشمت أو رجل آخر (عن ذلك) الفعل (سعيد بن المسيب) مفعول لسأل (فنهاه) سعيد (عن ذلك وقال: لا تعد) نهي من العود، يعني: لا تفعل مرة أخرى، ويحتمل أن يكون النهي عن إعادة الصلاة، والمعنى أن صلاته تامة بخلاف ما يتوهم بظاهر (١) كذا في الأصل، ز. وقلت: وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٣١/٢). ((ألغا؟)). (٢) ((شرح الموطأ)) للباجي (١/ ١٩١). ٤٠٩ أ ٥ - كتاب الجمعة (٢) باب (٢٢٨) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّه سَأَلَ ابْنَ شهَابٍ عَنْ الْكَلَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِذَا نَزَلَ الإِمَامُ عَنِ الْمِنْبَرِ، قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ. فَقَالَ ابْنُ شِهَابِ: لا بَأْسَ بِذْلِكَ. النصوص أن من لغا فلا جمعة له، ويؤيد ظاهر لفظ ابن أبي شيبة هذا المعنى الثاني، والظاهر أنه سأل بعد الفراغ عن الصلاة. قال ابن عبد البر(١): قد منعه كرد السلام أكثر أهل المدينة، ومالك وأبو حنيفة والشافعي في القديم، وقال في الجديد: يشمِّت ويرد السلام لأنه فرض، وأكره أن يسلم عليه أحد، اهـ. قال الترمذي: كرهوا للرجل أن يتكلم والإمام يخطب، فقالوا: إن تكلم غيره فلا ينكر عليه إلا بالإشارة، واختلفوا في رد السلام وتشميت العاطس، فرخص فيهما أحمد وإسحاق، انتهى مختصراً. وتقدم عن ((بداية المجتهد»: أنه مذهب الثوري والأوزاعي، وفي ((المدونة))(٢): قال الإمام مالك فيمن عطس والإمام يخطب، فقال: يحمد الله في نفسه سراً، ولا يُشَمِّت أحد العاطس، وفي ((الدر المختار)): وكل ما حرم في الصلاةَ حرم في الخطبة، فيحرم أكل وشرب، وكلام ولو تسبيحاً، أو ردًّ سلام أو أمراً بمعروف، والأصح أنه لا بأس بأن يشير برأسه أو يده عند رؤية منكر، ولا يجب تشميت ولا ردّ سلام، به يفتى، قال ابن عابدين: وعن أبي يوسف: لا يكره الرد، لأنه فرض، قلنا: ذاك إذا كان السلام مأذوناً شرعاً، وليس كذلك في حالة الخطبة، بل يرتكب بسلامه مأتماً، انتهى(٣). (مالك، أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن الكلام يوم الجمعة) بعد الخطبة (إذا نزل الإمام عن المنبر قبل أن يكبر) للصلاة (قال ابن شهاب) في هذا السؤال (لا بأس بذلك) (١) انظر: ((الاستذكار)) (٤٦/٥ - ٤٧)، وقال ابن عبد البر: وقد أجمعوا أن من تكلم ولغا لا إعادة عليه للجمعة. (٢) (١٣٩/١). (٣) ((رد المحتار على الدر المختار)) (٤٠/٣). ٤١٠ ٥ - كتاب الجمعة (٣) باب (٣) باب فيمن أدرك ركعة يوم الجمعة أي يجوز للفراغ عن الخطبة التي أمر بالاستماع إليها، وعليه العمل، والفتيا بالمدينة خلاف ما ذهب إليه العراقيون، قاله الزرقاني. قلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما في ((البذل))(١) عن ((البدائع)): قال: وأما عند الأذان الأخير حين خرج الإمام إلى الخطبة، وبعد الفراغ من الخطبة، حين أخذ المؤذن في الإقامة إلى أن يفرغ، هل يكره ما يكره في حال الخطبة؟ على قول أبي حنيفة يكره، وعلى قولهما لا يكره الكلام، وتكره الصلاة، اهـ. وفي ((مراقي الفلاح)): إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام، وهو قول الإمام، لأنه نص عليه النبي وهلر، وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس بالكلام إذا خرج قبل أن يخطب، وإذا نزل قبل أن يكبر، واختلفا في جلوسه إذا سكت، فعند أبي يوسف يباح، وعند محمد: لا يباح، اهـ. وبسط ابن العربي المالكي الكلام على المسألة في ((العارضة))(٢)، وبيَّنَ وجه تبويبهم بذلك، ورجّح السكوت، فقال: وأما التكلم يوم الجمعة بين النزول من المنبر والصلاة، فقد جاءت فيه الروايتان، والأصح عندي أن لا يتكلم فيها . قلت: وأخرج ابن أبي شيبة عن طاووس، قال: كان يقال: لا كلام بعد أن ينزل الإمام عن المنبر حتى يقضي الصلاة، وروي عن ابن عون قال: نُبِّئتُ عن إبراهيم أنه كرهه. (٣) فيمن أدرك ركعة يوم الجمعة يعني هل يضيف إليها ركعة أخرى، فيصلي ركعتين للجمعة، أو يصلي (١) ((بذل المجهود)) (١٢١/٦). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٣٠٨/٢/١). ٤١١ ٥ - كتاب الجمعة (٣) باب أربعاً للظهر، كما قال به مجاهد وعطاء وجماعة من التابعين إذا قالوا: من فاتته الخطبة يصلي أربعاً، واحتجوا بالإجماع على أن الإمام لو لم يخطب لم يصلوا إلا أربعاً، وجمهور فقهاء الأمصار على الأول مع الخلاف فيما بينهم في مدرك أقل من الركعة، فقال الليث والشافعي وأحمد ومالك: إن لم يدرك ركعة صلى أربعاً. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وجماعة: إن أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام، صلى ركعتين، قاله الزرقاني. وأوضح المذاهب الباجي، وزاد: من أدرك بعض الخطبة لا خلاف في إدراكه الجمعة، وفي ((الجوهر النقي)) عن (الاستذكار)) (١): قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أحرم في الجمعة قبل سلام الإمام صلى ركعتين، وروي ذلك عن النخعي، وقاله الحكم وحماد وداود، انتهى. قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢): روي عن عطاء بن أبي رباح في الرجل تفوته الخطبة يوم الجمعة يصلي أربعاً، وروى سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وعطاء وطاووس، قالوا: من لم يدرك الخطبة يوم الجمعة صلى أربعاً، وقال ابن عون: ذكر لابن سيرين قول أهل مكة: إذا لم يدرك الخطبة صلى أربعاً، قال: هذا ليس بشيء. واختلف السلف وفقهاء الأمصار فيمن أدرك الإمام في التشهد، فروي عن ابن مسعود (٣) قال: من أدرك التشهد فقد أدرك الصلاة، وروي عن معاذ بن جبل قال: إذا دخل في صلاة الجمعة قبل التسليم وهو جالس فقد أدرك الجمعة، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أدركهم في التشهد صلى ركعتين، (١) (٦٦/٥)، وانظر مذاهب الأئمة في هذه المسألة في ((المغني)) (٣١٢/٢). (٢) (٤٤٦/٣). (٣) انظر: ((نصب الراية)) (٢٠٠/٢). ٤١٢ ------ - ٥ - كتاب الجمعة (٣) باب ٠ ٠٠٠ وقال زفر ومحمد: يصلي أربعاً، وذكر الطحاوي عن محمد أنه قال: يصلي أربعاً يقعد في الثنتين الأوليين قدر التشهد فإن لم يقعد قدر التشهد أمرته أن يصلي الظهر أربعاً، وقال مالك والثوري والشافعي: يصلي أربعاً، إلا أن مالكاً قال: إذا قام يكبر تكبيرة أخرى، وقال الثوري: إذا أدرك الإمام جالساً لم يسلم صلى أربعاً ينوي الظهر، وأحبُّ إليّ أن يستفتح الصلاة. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: قعد بغير تكبيرة، فإذا سلّم الإمام قام فكبر ودخل في صلاة نفسه، وإن قعد مع الإمام بتكبيرة سَلَّم إذا فرغ الإمام، ثم قام فكبر للظهر، قال أبو بكر: لما قال النبي ◌َّه: ((ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا)) وجب على مدرك الإمام في تشهد الجماعة اتباعه فيه والقعود معه، ولما كان مدركاً لهذا الجزء من الصلاة، وجب عليه قضاء الفائت منها بظاهر قوله عليه السلام: ((وما فاتكم فاقضوا)) والفائت منها هي الجمعة، فوجب أن يقضي ركعتين، وأيضاً لما كان مدرك المقيم في التشهد لزمه الإتمام إذا كان مسافراً، وكان بمنزلة مدركه في التحريمة، وجب مثله في الجمعة إذ الدخول في كل واحدة منهما بغير الفرض، انتهى مختصراً. قلت: وما ذكر من أقوال الأئمة الثلاثة فهي على الراجح في مذهبهم، وإلا فالمسألة مختلفة عندهم كما يظهر من كلام ابن العربي، إذ قال في ((عارضة الأحوذي))(١): فإن لم يدرك منها ركعة، يبني على إحرامه مع الإمام، وصلى ظهراً أربعاً في الأصح من أقوال علمائنا، اهـ. وكذلك اختلف فيه عند الحنابلة، كما يأتي من ((نيل المآرب)). قلت: ومسلك الحنفية في ذلك أوضح من مسالك غيرهم ببداهة العقل وتوارد النقل، فإن المؤتمَّ خلف من يصلي بهم الجمعة لا يستطيع أن يحرم (١) (٣١٤/٢). ٤١٣ ٥ - كتاب الجمعة (٣) باب بالظهر، فيكون مخالفاً للإمام، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ولا تختلفوا عليه))، واختلاف النية من أكبر الاختلافات، ولذا ترى الأمة مجتمعين على أنه لا يجوز صلاة الظهر خلف من يصلي الفجر، وكذلك لو أحرم بالجمعة لا يستطيع أن يبني عليها الظهر. ولذا ترى الأئمة القائلين ببناء الظهر في مسألة الباب اختلفوا فيما بينهم جداً، فمن قائلٍ: يكبر بعد سلام الإمام، ومن قائلٍ: يستأنف الصلاة، وغير ذلك، وتقدم مذهب الإمام مالك في كلام الجصاص، وقال الإمام الشافعي كما في كتب فروعه من ((الإقناع)) وغيره: من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة، وإن أدرك دون الركعة فاتته الجمعة، لمفهوم الخبر، فيتم بعد سلام إمامه ظهراً، وينوي وجوباً في اقتدائه جمعة موافقة للإمام، انتهى. ومذهب الإمام أحمد كما في ((نيل المآرب)»(١): وإن أدرك أقل من ركعة نوى ظهراً عند إحرامه إن كان دخل وقت الظهر، وإلا بأن لم يكن دخل وقت الظهر عند إحرامه أو نوى الجمعة. وقد فاته ركوع الركعة الثانية مع الإمام، فإنه يتم صلاته نفلاً، وعنه يكون مدركاً للجمعة بإحرامه بها في وقتها ولو لم يدرك مع الإمام ركعة، انتهى. وفي ((الروض المربع))(٢): وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً إذا كان نوى ظهراً ودخل وقته، وإلا أتمها نفلاً، اهـ. فعلم بهذا أن القائلين ببناء الظهر اختلفوا فيما بينهم جداً في ذلك مع مخالفتهم الأصول في اقتداء مصلي الظهر بمن يصلي الجمعة، أو بناء الظهر (١) انظر: (٢٦٥/١). (٢) (٢٨٩/١). ٤١٤ ----- . ٠ ٠ ٥ - كتاب الجمعة (٣) باب (٢٢٩) حديث ١١/٢٢٩ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَاب؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً، فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَهِيَ السُّنَّةُ. قَالَ مَالِكٌّ: وَعَلَى ذُلِكَ أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعَلْمِ بِبَلَدِنَا، على الجمعة، وهما صلاتان مستقلتان، والمسألة مختلفة في الصحابة والتابعين ومن بعدهم(١). ومن الآثار المؤيدة للحنفية مما أخرجه ابن أبي شيبة (٢) ما رواه بسنده، قال عبد الله: من أدرك الجمعة فهي ركعتان، ومن لم يدرك فليصل أربعاً، وعنه(٣) أيضاً: من أدرك التشهد فقد أدرك الصلاة، وعن شعبة قال: سألت الحكم وحماداً عن الرجل يجيء يوم الجمعة قبل أن يسلم الإمام؟ قالا: يصلي ركعتين . وعن الضحاك قال: إذا أدرك الناس يوم الجمعة جلوساً صلى ركعتين، وعن إبراهيم قال: يصلي ركعتين، هذا، وقوله وَ﴾: ((ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) حديث مشهور، والفائت هو الجمعة دون الظهر، فتأمل. ١١/٢٢٩ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (أنه كان يقول: من أدرك من صلاة الجمعة) مع الإمام (ركعة فليصل) أمر من الوصل قال المجد: وصل الشيء بالشيء وصلاً وصِلَةً، والشيء وإليه وصولاً: بلغه، وفي بعض النسخ: أمر من الصلاة (إليها) ركعة (أخرى) بعد سلام الإمام. (قال مالك: قال ابن شهاب: وهي) الطريقة (السنة) مجمع عند الأئمة. (قال يحيى: قال مالك: وعلى ذلك) الفعل أو القول (أدركت أهل العلم ببلدنا) (١) انظر: ((المغني)) (٣١٤/٢ - ٣١٥). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧). (٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٤٠/٢). ٤١٥ ٥ - كتاب الجمعة (٣) باب (٢٢٩) حديث وَذُلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِلهِ، قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلاةِ رَكْعَةً، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاةَ)). حديث: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) رواه أبو هريرة عن النبيّ ◌َّر. فأخرجه البخاريّ في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة، ٢٩ - باب من أدرك من الصلاة ركعة. ومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٠ - باب من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة، حديث ١٦١. قَالَ مَالِكٌ، فِي الَّذِي يُصِيبُهُ زِحَامٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَيَرْكَعُ وَلا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَسْجُدَ، حَتَّى يَقُومَ الإِمَامُ، أَوْ يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ صَلاتِهِ: إِنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَسْجُدَ، إِنْ كَانَ قَدْ رَكَعَ، فَلْيَسْجُدْ إِذَا قَامَ النَّاسُ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَسْجُدَ، حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ المدينة المنورة زادها الله تعالى شرفاً وكرامة (و) دليل (ذلك) من الحديث (أن رسول الله (8( قال) كما تقدم مسنداً مشروحاً في المواقيت (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) وتقدم الكلام على شرحه، وهذا بعمومه يتناول الجمعة أيضاً، زاد في رواية: إلا أنه يقضي ما فاته، وهذا بلفظه مستدل الجمهور، خلافاً لمن قال: يتم أربعاً، وبمفهومه دليل لمن قال: إن مدرك ما دون الركعة يبني الظهر عليها، خلافاً لمن أبى اعتباراً لمفهوم المخالف. (قال يحيى: قال مالك في الذي يصيبه زحام) أي مضايقة، قال المجد: زحمه كمنعه زحماً وزحاماً بالكسر ضايقه، وازدحم القوم وتزاحموا (يوم الجمعة فيركع) مع الإمام في الركعة الأولى (ولا يقدر على أن يسجد) مع الإمام للازدحام (حتى يقوم الإمام) إلى الركعة الثانية (أو) لم يقدر على السجدة حتى (يفرغ الإمام من صلاته). فقال الإمام مالك في هاتين الصورتين (إنه) أي المزاحم (إن قدر على أن يسجد) حين قيام الإمام فإنه (إن كان قد ركع) مع الإمام (فليسجد) حينئذ (إذا قام الناس) إلى الثانية وتتم صلاته (وإن لم يقدر على أن يسجد حتى يفرغ الإمام ٤١٦ .-- ٥ - كتاب الجمعة (٣) باب (٢٢٩) حديث مِنْ صَلاتِهِ، فَإِنَّهُ أَحَبُّ إِلَىَّ أَنْ يَبْتَدِىءَ صَلانَهُ طُهْراً أَرْبَعاً. من صلاته فإنه أحب إليّ) أي وجوباً كما سيجيء (أن يبتدئ) ويستأنف (صلانة. ظهراً أربعاً). قال الزرقاني(١): أي وجوباً لأنه لم يتم له مع الإمام ركعة فيبني عليها، ولفظ: ((أحب)) ههنا على معنى اختياره من مذاهب من قبله، وذلك واجب عنده وعند أصحابه، قاله ابن عبد البر(٢)، انتهى. قلت: تحت هذا الكلام مسائل من الفروع مختلفة الروايات بسطها الباجي، ينبغي أن يرجع لها إلى كتب الفقه، كالتفرقة بين النعاس والزحام في رواية ابن القاسم وغيره، وأن المزاحم يتبع الإمام أم لا؟. وحاصل ما ذكر في المتن مسألتان، أولاهما: أصاب المصلي زحام ولم يقدر لأجله على السجود مع الإمام، لكن سجد بعد قيام الإمام إلى الركعة الثانية فصلاته صحيحة، والثانية: أصابه زحام لم يقدر لأجله على السجود مع الإمام ولم يسجد حتى فرغ الإمام من صلاته، فلا تصح صلاته وعليه الإعادة. قال النووي في ((شرح المهذب)): أما إذا زُحِمَ عن الركوع أو السجود حتى سلّم الإمام، فمذهبنا أن المأموم المزحوم تفوته الجمعة ويتمها ظهراً أربعاً، وبه قال أيوب السختياني وقتادة ويونس وأبو ثور وابن المنذر، وقال الحسن والنخعي والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد: يصلي الجمعة، وقال مالك: أحب أن يتمها أربعاً، اهـ. وأما مذهب الحنفية في المسألتين أن الصلاة صحيحة، قال في ((الدر المختار)): اللاحق من فاتته الركعات كلها أو بعضها بعد اقتدائه بعذر، كغفلة (١) (٢١٨/١). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٦٨/٥). ٤١٧ ٥ - كتاب الجمعة (٤) باب (٢٣٠) حديث (٤) باب ما جاء فيمن رَعَفَ يوم الجمعة ٢٣٠/ ١٢ - قَالَ مَالِكٌ: مَنْ رَعَفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَخْرَجَ فَلَمْ يَرْجِعْ، حَتَّى فَرَغَ الإِمَامُ مِنْ صَلاتِهِ، فَإِنَّهُ يُصَلَّي أَرْبَعاً . قَالَ مَالِكٌ، فِي الَّذِي يَرْكَعُ رَكْعَةً مَعَ الإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ، فَيَأْتِي وَقَدْ صَلَّى الْإِمَامُ الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا: وزحمة وسبق حدث، وكذا بلا عذر بأن سبق إمامه في ركوع وسجود، فإنه يقضي ركعة، وحكمه كمؤتم فلا يأتي بقراءة ولا سهو، ولا يتغير فرضه بنية إقامة ويبدأ بقضاء ما فاته، عكس المسبوق، ثم يتابع إمامه إن أمكنه. (٤) ما جاء فيمن رعف يوم الجمعة ١٢/٢٣٠ - (قال يحيى: قال مالك) الإمام: (من رعف) بفتح العين وضمها (يوم الجمعة والإمام يخطب) جملة حالية (فخرج) لغسل الدم عند المالكية، وللوضوء أيضاً عند الحنفية لما تقدم أن الرعاف عندنا ناقض للوضوء خلافاً للإمام مالك (فلم يرجع) إلى الصلاة (حتى فرغ الإمام من صلاته فإنه يصلي) للظهر (أربعاً) لأنه لم يدرك شيئاً من الجمعة، وهذا متفق بين الأمة. (قال يحيى: قال مالك في الذي يركع ركعة) قال الباجي: بسجدتيها (مع الإمام يوم الجمعة ثم يرعف) بضم العين وفتحها من بابي نصر ومنع، قاله الزرقاني(١)، وقال المجد في ((القاموس)): رعف كنصر ومنع وكرم وعُنِي وسمع: خرج من أنفه الدم رعفاً ورعافاً، والرعاف أيضاً: الدم بعينه، انتهى (فيخرج) لغسل الدم عندهم والوضوء أيضاً عندنا (فيأتي) أي يرجع إلى الصلاة (وقد صلى الإمام) بعده (الركعتين كلتيهما) فإنه قد صار لاحقاً لما أنه قد أدرك (١) ((شرح الزرقاني)) (٢١٩/١). ٤١٨ .---- - --- . ٥ - كتاب الجمعة (٤) باب (٢٣٠) حديث إِنَّهُ بَبْنِي بِرَكْعَةٍ أُخْرَى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ. قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى مَنْ رَعَفَ، أَوْ أَصَابَهُ أَمْرٌ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ، أَنْ يَسْتَأْذِنَ الإِمَامَ يَوْمَ الْجُمُّعَةِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ. أول الصلاة وفات عنه آخرها فحكمه (إنه يبني) على الجمعة (بركعة أخرى ما ثم يتكلم) وما لم يأت بشيء مما ينافي البناء. وشرائط البناء مبسوطة في كتب الفروع، وقيده الإمام بركعة لما قد تقدم في أبواب الطهارة، قال مالك: من رعف في صلاته قبل أن يصلي ركعة فينصرف ويغسل الدم ويرجع فيبتدئ الإقامة والتكبير، ومن أصابه في وسط صلاته أو بعد أن يركع ركعة بسجدتيها، ينصرف ويغسل الدم ويبني على ما صلى حيث شاء إلا الجمعة فإنه لا يصليها إلا في الجامع(١)، انتهى. قلت: وتقدم الكلام على المذاهب مبسوطاً في أبواب الطهارة في العمل في الرعاف. (قال يحيى: قال) الإمام (مالك: ليس) بواجب (على من رعف أو أصابه) الضمير لمن (أمر لا بد له من الخروج) كالحدث وغيره عند الخطبة أو في الصلاة (أن يستأذن الإمام) للخروج (يوم الجمعة إذا أراد أن يخرج) وبه قال جمهور الفقهاء المشهورين لأنه يشق الاستئذان على الناس، سيما مع كثرتهم، وتأولوا قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْرِ جَامِعِ لَّمْ يَذْهَبُوْ حَتَّى يَسْتَذِنُوهُ﴾(٢) على السرايا والجهاد، ويعني لا يخرج من العسكر إلا بإذن الإمام. وقال جماعة من التابعين: لا يخرج في الجمعة حتى يستأذن الإمام، وقال ابن سيرين: كانوا يستأذنون الإمام يوم الجمعة وهو يخطب في الحدث والرعاف، فلما كان زمن زياد كثُر ذلك، فقال زياد: من أخذه مانعه فهو إذن، قاله الزرقاني(٣). (١) انظر: ((الاستذكار)) (٦٩/٥). (٢) سورة النور: الآية ٦٢. (٣) (٢١٩/١). ٤١٩ ٥ - كتاب الجمعة (٤) باب (٢٣٠) حديث قلت: وتوضيحه أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه العزيز: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ الَِّينَ ءَامَنُواْ بِلّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُوْ مَعَهُ﴾ - أي مع الرسول - ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ ج حَقَّى يَسْتَذِنُوهُ﴾ الآية، واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: ((أمر جامع))؛ قال الحسن وسعيد بن جبير: في الجهاد، وقال عطاء: في كل أمر جامع، وقال مكحول: في الجمعة والقتال، وقال الزهري: الجمعة، وقال قتادة: كل أمر هو طاعة الله، قال أبو بكر: هو في جميع ذلك لعموم اللفظ كذا في ((أحكام القرآن))(١). وفي ((تفسير الخازن)): قال المفسرون: كان رسول الله وَل* إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو عذر، لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله ◌َّ، بحيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ليستأذن، فيأذن لمن شاء منهم. قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده، قال أهل العلم: كذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام، لا يخالفونه، ولا يرجعون عنه إلا بالإذن، وإذا استأذن الإمام، إن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن، وهذا إذا لم يكن حدث سبب يمنعه من المقام، فإن حدث سبب يمنعه من المقام بأن يكون في المسجد فتحيض امرأة منهن، أو يجنب رجل أو يعرض له مرض، فلا يحتاج إلى الاستئذان، انتهى. قال الجصاص: وقيل: لا معنى الاستئذان المحدث في الجمعة؛ لأنه لا وجه لمقامه، ولا يجوز للإمام منعه، فلا معنى للاستئذان فيه، وإنما هو فيما يحتاج الإمام فيه إلى معونتهم في القتال أو الرأي، اهـ. وبَوَّب أبو داود في ((سننه))(٢) ((باب استئذان المحدث الإمام)) وأخرج بسنده عن عائشة مرفوعاً: ((إذا أحدث أحدكم في صلاته، فليأخذ بأنفه ثم لينصرف)). (١) انظر: ((أحكام القرآن)) (٣٣٧/٣). (٢) (٤١٦/١). ٤٢٠