النص المفهرس

صفحات 301-320

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
أقوى؛ لأنه قال: يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يرد فيه شيء يسجد قبل
السلام، قال: ولولا ما روي عن النبي ◌ّ﴾له في ذلك لرأيته كله قبل السلام، لأنه من
شأن الصلاة فيفعله قبل السلام، وقال إسحاق مثله، إلا أنه قال: ما لم يرد فيه
شيء يفرق بين الزيادة والنقصان، وهو أعدل المذاهب فيما يظهر، وأما داود
فجرى على ظاهريته، فقال: لا يشرع سجود السهو إلا في المواضع التي سجد
النبيِ وَلّ فيها فقط، وعند الشافعي: سجود السهو كله قبل السلام، وعند الحنفية
كله بعد السلام، ورجح البيهقي طريقة التخيير في سجود السهو قبل السلام أو
بعده، ونقل الماوردي وغيره الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل،
وكذا أطلق النووي، انتهى مختصراً ما قاله الحافظ في ((الفتح))(١).
قلت: اختلفت الأئمة وفقهاء الأمصار في مسألة سجود السهو على تسعة
أقوال؛ بسطها الشوكاني(٢) نقلاً عن العراقي في ((شرح الترمذي)).
الأول: أن سجود السهو كله بعد السلام، وبه قال جماعة من الصحابة
والتابعين، وهو مذهب الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه من الأئمة، وهو قول
للشافعي، وبه قال أهل الكوفة. والثاني: أنه كله قبل السلام، وبه قال الشافعي
في الجديد، واختاره أصحابه، قال العيني: وهو الصحيح من مذهب الشافعي،
وهو رواية عن أحمد. والثالث: التفرقة بين الزيادة والنقصان، فللزيادة بعد
السلام، وللنقص قبله، وهو مذهب مالك وأصحابه، وهو قول للشافعي.
والرابع: أن يستعمل كل حديث كما ورد، ففي السلام من اثنتين بعد السلام
لحديث ذي اليدين، وكذا إذا سلم من ثلاث لحديث عمران، وفي التحري بعد
السلام لحديث ابن مسعود، وفي القيام من ثنتين قبل السلام لحديث ابن
بحينة، وفي الشك يبني على اليقين ويسجد قبل السلام لحديث أبي سعيد وابن
(١) ((فتح الباري)) (٩٤/٣).
(٢) انظر: ((نيل الأوطار)) (١٣٢/٣ - ١٣٥).
٣٠١

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
عوف، وما عدا هذه المواضع يسجد كله قبل السلام، قاله الزرقاني(١).
وقال ابن قدامة في ((المغني)): قال الإمام أحمد: يحفظ عن النبي ◌ُّ خمسة
أشياء: سلم من ثنتين فسجد، سلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة والنقصان، وإذا قام
من ثنتين ولم يتشهد، قال الخطابي: المعتمد عند أهل العلم هذه الأحاديث
الخمسة، يعني حديثي ابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وابن بحينة، اهـ. وإلى ذلك
ذهب أحمد بن حنبل، وبه قال سليمان بن داود الهاشمي من أصحاب الشافعي.
الخامس: يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء مما كان
نقصاً سجد له قبل السلام، وفي الزيادة بعد السلام، وبه قال إسحاق بن راهويه.
السادس: أن الباني على الأقل يسجد قبل السلام، والمتحري يسجد بعد
السلام، وإلى ذلك ذهب أبو حاتم بن حبان(٢). السابع: أنه يتخير الساهي بين
السجود قبل السلام وبعده، حكاه ابن أبي شيبة عن علي. قال الرافعي: هو قول
للشافعي. والثامن: أن محله كله بعد السلام إلا في موضعين؛ أحدهما: من قام
في ركعتين ولم يتشهد، والثاني: أن لا يدري كم صلّى فبنى على الأقل، وإلى
ذلك ذهب أهل الظاهر، وبه قال ابن حزم، وروى النووي في ((شرح مسلم))،
عن داود أنه قال: تستعمل الأحاديث في مواضعها كما وردت، قاله الشوكاني.
قلت: ومذهب داود هو القول التاسع، فإنه قال: لا يشرع إلا فيما ثبت،
كما تقدم من كلام الحافظ، فهذه تسعة أقوال.
ذهبت الحنفية منها إلى الأول، وبه قال إبراهيم النخعي وابن أبي ليلى،
والحسن البصري، وسفيان الثوري، وهو مروي عن علي وسعد بن أبي وقاص
وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وعمار بن ياسر وأنس بن مالك - رضي الله
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٩٧/١).
(٢) فيه نظر فإنه قال في ((صحيحه)) يجب أن تستعمل الأخبار كما وردت، فإن وردت عليه
حالته غير المذكورة في الأحاديث ردها إلى شبهها من الأصول الواردة. اهـ ((ش)).
٣٠٢

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
ټ
عنهم أجمعين -، قاله العيني. زاد الشوكاني: عمران بن حصين والمغيرة بن
شعبة وأبا هريرة على خلاف عنه، ومعاوية على خلاف عنه، ومن التابعين
وغيرهم أبا سلمة بن عبد الرحمن وعمر بن عبد العزيز والسائب القاري على
خلاف عنه، وهو قول للشافعي، قاله الشوكاني. وزاد في ((التعليق
الممجد))(١): حسن بن صالح بن حَيّ.
قال ابن العربي (٢): وتعلق أبو حنيفة بأن السجود استدراك، وذلك يكون
بعد إتمام الصلاة لئلا يطرأ بعده مثله، وما أدق هذا النظر لولا السنة وردت
بخلافه، انتهى.
قلت: كيف وهي السنة بعينها؟ فإنه قد اختلفت الروايات في فعله وَّة في
السهو قبل السلام، أو بعده، كما هو معروف، لكن روايات قوله {ص 84* سالمة
عن المعارضة، فتقدم على روايات فعله ومَثله .
على أن الروايات الفعلية تدل على أن سجود السهو بعد السلام أكثر مما
يدل على القبل، فمنها: ((حديث(٣) ذي اليدين)) بجميع طرقه صريح في السجود
بعد السلام، نعرض عن سرد رواياته لكثرتها، روماً للاختصار.
ومنها : حديث عمران في قصة الخرباق.
ومنها: حديث زياد بن علاقة، قال: ((صلّى بنا المغيرة بن شعبة فنهض
في الركعتين فسبَّح به من خلفه، فأشار إليهم قوموا، فلما فرغ من صلاته وسلّم
سجد سجدتي السهو، فلما انصرف قال: رأيت رسول الله وَلا يصنع كما
صنعت))، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح.
(١) (١/ ٤٥٧).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٨٢/٢، ١٨٣).
(٣) في الأصل: باب هو تحريف.
٣٠٣

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
٠٠
قال النووي في (الخلاصة)): روى الحاكم في ((المستدرك)) نحوه من
حديث سعد بن أبي وقاص ومن حديث عقبة، وقال في كلِّ منها: صحيح على
شرط الشيخين .
ومنها: حديث علقمة: أن ابن مسعود سجد سجدتي السهو بعد السلام،
وذكر أن النبي ◌َّ فعل ذلك، رواه ابن ماجه وآخرون، إسناده صحيح.
ومنها: حديث محمد بن صالح قال: صليت خلف أنس بن مالك صلاة
فنسيها، فسجد بعد السلام، ثم التفت إلينا، وقال: أما إني لم أصنع إلا كما
رأيت رسول الله وق لل يصنع. رواه الطبراني في ((معجمه الصغير)).
وروى ابن سعد في ((الطبقات)) في ترجمة ابن الزبير بسنده عن عطاء بن
أبي رباح قال: صليت مع ابن الزبير المغرب، فسلم في ركعتين، ثم قام فسبح
به القوم، ثم قام فصلى بهم الركعة، ثم سلم ثم سجد السجدتين قال: فأتيت
ابن عباس فأخبرته فقال: ما ماط عن سنة نبيه وَ ل﴿، قاله الزيلعي(١).
قلت: وأما الروايات القولية، فمنها: حديث عبد الله بن جعفر عن
النبي ﴾ قال: ((من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما سلّم)) رواه أحمد
وأبو داود والنسائي والبيهقي، وقال: إسناده لا بأس به. ومنها: حديث ابن
مسعود في سهوه ◌َّة، وفي آخره: فلما أقبل علينا بوجهه قال: ((إنه لو حدث
في الصلاة شيء لنبَّأْتُكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا
نسيت فَذَكِّروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحَرَّ الصواب فليتم عليه، ثم
يسلم، ثم يسجد سجدتين))، رواه البخاري وآخرون، قاله النيموي(٢).
ومنها: حديث ثوبان مرفوعاً: ((لكل سهو سجدتان بعد السلام))، أخرجه
أبو داود وابن ماجه وأحمد في ((مسنده))، والطبراني في ((معجمه))، وعبد الرزاق
(١) ((نصب الراية)) (١٦٩/٢).
(٢) ((آثار السنن)) (٥٩/٢).
٣٠٤
- - --
-------

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
4
في ((مصنفه))، وهي كلها خالية عن المعارضة، فتقدم على روايات الفعل.
فإن قلت: كما تعارضت روايات فعله كذلك تعارضت روايات قوله، فإنه
سيأتي في حديث الخدري: السجود قبل التسليم!
فالجواب: أن الكلام في سجود السهو على الإطلاق لم يعارض حديث
ثوبان، قاله ابن الهمام، على أن فيما قاله الحنفية جمعاً بين روايات فعله ◌َێ؟
لأنهم قالوا: إنه يسلم بعد التشهد عن يمينه فيسجد سجدتي السهو، فيتشهد
ويصلّي ثم يسلّم، وهكذا ورد في بعض الروايات المفصلة في فعله وَله، فهذا
أوجه ما يجمع به اختلاف الحديث.
فالروايات التي ورد فيها سجوده ولار قبل السلام، فالمراد فيها من السلام
سلام الانصراف عن الصلاة، وهو التسليم الثاني في قولنا .
وما ورد فيه السجود بعد السلام، فالمراد فيه سلام الفصل بين الصلاة
والسجدتين، وأيضاً فيه العمل بكل نوع من روايات القول والفعل.
وقد قال الزرقاني بحثاً: إن مذهب المحدثين والأصوليين والفقهاء أنه
متى أمكن الجمع بين الحديثين وجب المنع، اهـ.
فهذا الجمع لشموله وعمومه لجميع الروايات أولى من الجمع بالزيادة
والنقصان مع ما فيه من الإشكال المشهور، أن من اجتمع عليه السهوان،
أحدهما في الزيادة، والثاني في النقصان، فلا مساغ له، وما قالوا: يسجد قبل
السلام تغليباً لجانب النقص لا حجة عليه، والجملة أن الروايات في هذا الباب
مختلفة، وكل من الأئمة الأربعة - شكر الله سعيهم - اختار ما يرجح عنده من
ملاحظة الروايات والآثار.
قال ابن رسلان: قال العلائي: اختلفت الأئمة في كيفية العمل بهذه
الأحاديث، فأبو حنيفة والشافعي سلكا مسلك الترجيح، ومالك وأحمد
وإسحاق سلكوا مسلك الجمع، اهـ.
قلت: بل يصدق على مسلك الحنفية القول بالترجيح والجمع كليهما،
٣٠٥

--- ---
-----
٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٧) حديث
(١٦) باب إتمام المصلي ما ذكر إذا شكّ في صلاته
٢٠٧/ ٦٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ؛
وهذا كله في الاختيار والأفضل، وإلا فقد قال الشوكاني(١): قال القاضي
عياض وجماعة من أصحاب الشافعي: لا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم
من العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة أو النقص أنه يجزئه، ولا
تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل، انتهى.
قال العيني: وفي ((الهداية)): هذا الخلاف في الأولوية، وكذا قاله
الماوردي في ((الحاوي))، وابن عبد البر(٢) وغيرهم، انتهى.
وقال النووي: جميع العلماء قائلون بجواز التقديم وجواز التأخير،
ونزاعهم في الأفضل، اهـ.
(١٦) إتمام المصلي ما ذكر إذا شكّ في صلاته
يعني إذا شكَّ في الصلاة فيُتِمُّ ويبني على ما يحفظه، ويذكره متيقناً.
٢٠٧/ ٦٢ - (يحيى عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار) الحديث
مرسل عند جميع رواة ((الموطأ))، قال ابن عبد البر(٣): لا أعلم أحداً أسنده عن
مالك إلا الوليد بن مسلم، فإنه وصله عن أبي سعيد الخدري. قلت: وصله مسلم
وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد(٤)، قاله
(١) ((نيل الأوطار)) (٣٥٢/٢).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٥٦/٤)، و((التمهيد)) (٣١/٥).
(٣) ((الاستذكار)) (٣٤٨/٤).
(٤) أخرجه مسلم في (٥) كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١٩) ((باب السهو في الصلاة
والسجود له)) ح (٨٨)، والنسائي في (١٣) كتاب السهو (٢٤) ((باب إتمام المصلي على
ما ذكر إذا شك)) ح (١٢٣٧)، وابن ماجه في (٥) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها
(١٣٢)، ((باب ما جاء فيمن شك في صلاته فرجع إلى اليقين)) ح (١٢١٠).
٣٠٦

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٧) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾ قَالَ: ((إِذَا شكَّ أَحَذُكُمْ فِي صَلاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كُمْ
صَلَّى، أَثَلاثَاً أَمْ أَرْبَعاً؟ فَلْيُصَلِّي رَكْعَةً .
السيوطي، وقال الزرقاني(١): تابع مالكاً على إرساله الثوري، وحفص،
ومحمد بن جعفر، ووصله الوليد بن مسلم، ويحيى بن راشد المازني، قال
أبو عمر (٢): هذا الحديث وإن كان الصحيح عن مالك الإرسال، فإنه متصل من
وجوه ثابتة، وهم حُفَّاظ، فلا يضره تقصير من قصّر في وصله، إلا أن الصحيح
أنه من مسند أبي سعيد الخدري، وما أخرجه النسائي من طريق عبد العزيز
الدراوردي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، قال ابن حبان:
وهم عبد العزيز في قوله: ابن عباس، وإنما هو عن أبي سعيد، قاله السيوطي
في ((التنوير)) (٣)، قلت: لم أجده في ((الصغرى)) فلعله في ((الكبرى)).
(أن رسول الله له قال: إذا شك) أي تردد من غير رجحان عند الحنفية،
وهو رواية للحنابلة كما في المغني، ومطلق التردد عند الشافعية والمالكية، كما
سيأتي في بيان المذاهب مفصلاً. قال في ((الفتح الرحماني)): الشك في
اصطلاح الفقهاء ما استوى طرفاه، فإذا قوي أحدهما ولم يطرح الآخر، فهو
ظن، وإذا عقد القلب عليه وترك الآخر، فهو أكبر الظن، وغالب الرأي،
والمرجوح وهم، وقال ابن الشحنة: التحري ظن بلا دليل، انتهى مختصراً،
(أحدكم في صلاته فلم يدر) ولم يغلب على ظنه (كم صلى أثلاثاً أم أربعاً)،
بهمزة الاستفهام في النسخ الموجودة عندي، ولفظ رواية محمد: ثلاثاً أم
أربعاً، بدون الاستفهام، وكذا في رواية أبي داود وغيره عن مالك (فليصل)
بدون الياء في أكثر النسخ من المطبوعة الهندية والمصرية على الباجي، وكذا
في رواية محمد، وفي نسخة الزرقاني بالياء فتكون للإشباع (ركعة) يعني إذا
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٩٨/١).
(٢) «التمهيد)) (٢٠/٥).
(٣) (١١٨/١)، وأخرج البيهقي رواية أبي سعيد في ((السنن الكبرى)) (٣٣١/٢).
٣٠٧

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٧) حديث
وَلْيَسْجُدْ (١) سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ التَّسْلِيم،
شكّ في ثلاث أو أربع فليجعله ثلاثاً ويصلي ركعة (وليسجد سجدتين) للسهو.
ولفظ رواية أبي داود بطريق ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن
يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلّ: ((إذا شك أحدكم في
صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين))،
وحديث الباب حجة لمن قال بوجوب سجدة السهو مطلقاً، وسيأتي تمام الكلام
عليه في باب العمل في السهو، تحت حديث أبي هريرة.
(وهو جالس قبل التسليم) هذا مخالف لمن قال بالسجود بعد السلام في
الزيادة، لأن صلاة هذا الشاك إذاً تدور بين التمام والزيادة، فكان حق هذا
الجمع أن يسجد إذاً بعد السلام.
ولذا قال الباجي(٢): ظاهر الحديث يخالف ما روينا من حديث أبي
هريرة وعمران بن حصين: أن السجود في السهو بالزيادة بعد السلام، وكذلك
في حديث ابن مسعود. ولنا في ذلك طريقان: أحدهما الترجيح، والثاني
الجمع.
أما الترجيح فقلنا: أخبارنا كلها صحاح، لا اضطراب في أسانيدها،
وخبرهم مضطرب الإسناد لأن مالكاً وأكثر الحفاظ على إرساله، وقد اضطرب
في إسناده فرواه ابن بلال وغيره عن عطاء عن أبي سعيد، ورواه الدراوردي
وغيره عن عطاء عن ابن عباس، فكان ما تعلقنا به أولى لسلامة روايته من
الاضطراب. والوجه الثاني: أن خبر عطاء رواه واحد، والأخبار التي تعلقنا
بها رواها جماعة من أئمة الصحابة، والتعلق بخبرهم أولى؛ لأن السهو عن
الجماعة أبعد، والوجه الثالث: أن رواة ما تعلقنا به أثبت، لأن علقمة
ومحمد بن سيرين أثبت من عطاء، فكان التعليق بروايتهما أولى.
(١) في نسخة: يسجد.
(٢) ((المنتقى)) (١٧٦/١).
٣٠٨

٣ - كتاب الصلاة
....
(١٦) باب
(٢٠٧) حديث
فَإِذْ تَانَتْ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً،
وأما الجمع بين الحديثين؛ فإنا نجمع بينهما على أن المراد بالسلام في
حديث أبي هريرة وغيره السلام من الصلاة، والمذكور في حديث عطاء سلام
التشهد، وقد أطلق عليه النبي قل* اسم السلام في قوله: ((والسلام كما قد
علمتم))، ووجه ثان: أن المراد من قوله: ((يسجد سجدتين)) يحتمل أن يريد به
مجرد الصلاة، لأنه نص ما يفعله من الركوع والسجود والجلوس والسلام،
وعلى هذا فالراوي قد ترك ذكر سجدتي السهو، ثم أشار إليهما بقوله: شفعها
بهاتين السجدتين، ويقوم ذلك مقام ذكرهما، انتهى.
قلت: لا يذهب عليك أن هذا الكلام متعقب بوجوهٍ يطول الكلام
بذكرها، مع ظهورها بأدنى تأمل، والعجب من العلامة الباجي أنه جمع بين
الروايتين بتوجيه قد أبطله بنفسه جداً، رداً على الشافعية وغيرهم، فقال قبيل
هذا الكلام: فإن قيل: يحتمل أن يراد بذلك أي في حديث أبي هريرة، السلام
الذي في التشهد.
فالجواب: أن السلام إذا أطلق في الشرع وأضيف إلى الصلاة اقتضى
السلام من الصلاة، لأنه لا خلاف في أنه الأظهر فيه، فيجب أن يحمل عليه
حتى يدل الدليل على خلافه.
وجواب ثان: أنه لو تساوى مع الإطلاق لكان قوله بعد السلام يقتضي
استغراق جنس السلام، فيجب أن يكون السجود بعد كل ما ينطلق عليه هذا
الاسم، إلى آخر ما قاله. ولمثل هذا قال أهل الفارسية في المثل السائر
عندهم: (يك بام دوهواي)) والشارح - رحمه الله - لم يلتفت - عند تضعيف
الحديث، وبيان ضعفه واضطرابه - إلى أنه سيق لإثبات مذهبه، ولذا حاول
الزرقاني وجماعة إلى تصحيحه واتصاله، كما تقدم في أول الحديث، والحنفية
لما قالوا بالسلامين لم يخالفهم شيء من الروايات، فلله الحمد.
(فإن كانت الركعة التي صلى) بعد الشك في الثلاثة والأربعة (خامسة) بأن
كانت ركعته المشكوك فيها رابعة في الحقيقة، وبزيادة هذه الركعة صارت
٣٠٩

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٧) حديث
شَفَعَها بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً، فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ
لِلشَّيْطَانِ)) .
الركعات خمساً (شفعها) أي صَيَّرَها شفعاً (بهاتين السجدتين) اللتين سجدهما
للسهو، يعني لو لم يسجد للسهو لكانت الخامسة لا تناسب أصل المشروعية،
فلما سجد سجدتي السهو ارتفعت الوترية وجاءت الشفعية المناسبة للأصل،
قاله ابن رسلان.
(وإن كانت) تلك الركعة التي صلاها بعد التردد (رابعة) في الحقيقة،
وكانت الصلاة قبل ذلك ثلاث ركعات، وكملت صلاته إذ ذاك (فالسجدتان)
للسهو (ترغيم) أي إغاظة وإذلال، مأخوذ من الرغام، وهو التراب (للشيطان)
فإنه تكلف في التلبيس فأضلَّ الله سعيه، حيث جعل وسوسته سبباً للتقريب
السجدة استحق اللعين بتركها الطرد. ((بذل))(١).
وغرض المصنف بإيراد هذه الرواية مع كونها مخالفة لمذهبه في مسألة
السجود بعد السلام هو الاستدلال على مسألة الشك في الصلاة.
واختلف الفقهاء في تلك المسألة على أقوالٍ، فذهب قوم إلى أن من
دخل عليه الشك فلم يدر زاد، أم نقص، سجد سجدتين ليس عليه غير ذلك،
حكاه الطحاوي عن طائفة، وحكاه النووي عن الحسن البصري وطائفة من
السلف، واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا صلى أحدكم فلم يدر أثلاثاً
صلى أم أربعاً، فليسجد سجدتين وهو جالس))، أخرجه الجماعة، فعملوا على
هذا، وأهملوا أحاديث التحري، والبناء على اليقين، وغير ذلك، وقال الشعبي
والأوزاعي وجماعة من السلف: إذا لم يدر كم صلى لزمه أن يعيد الصلاة مرة
بعد أخرى أبداً حتى يستيقن، وقال بعضهم: يعيد ثلاث مرات، فإذا شكّ في
الرابعة فلا إعادة عليه، قاله العيني (٢).
(١) (بذل المجهود)) (٣٩٦/٥).
(٢) ((عمدة القاري)) (٦٤٨/٥).
٣١٠
.. - .

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٧) حديث
قال ابن رشد في ((البداية))(١): هؤلاء رجحوا حديث أبي هريرة، وأسقطوا
حديث أبي سعيد وابن مسعود، وهذا أضعف الأقوال، انتهى. وقال بعضهم:
يبني على اليقين، وهو الأقل، وإليه ذهب الشافعي ومالك، كما قاله النووي
والزرقاني، وللإمام أحمد في ذلك ثلاث روايات ذكرها الشيخ في ((البذل))(٢)
عن ((الهدي)) وابن قدامة في ((المغني)) إحداها: البناء على اليقين مطلقاً،
والثانية: البناء على التحري مطلقاً، والثالثة: البناء على اليقين للمنفرد والتحري
للإمام وهو ظاهر مذهبه، وقالت الحنفية بالتفصيل في ذلك، وجمعوا بين
الروايات الواردة في الباب جمعاً حسناً فقالوا: إذا شك أحد، وهو مبتدئ
بالشك لا مبتلى فيه، استأنف الصلاة، وإن كان يعرض له الشك كثيراً بنى على
أكبر رأيه، وإن لم يكن له رأي بنى على اليقين، قاله العيني.
قال الإمام محمد في ((موطئه))(٣): ومن أدخل عليه الشيطان الشك في
صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً؟ فإن كان ذلك أول ما لقي، تكلم،
واستقبل صلاته، وإن كان يُبْتلى كذلك كثيراً مضى على أكثر ظنه ورأيه، ولم
يمض على اليقين، فإنه إن فعل ذلك لم ينج فيما يرى من السهو الذي يدخل
عليه الشيطان، وفي ذلك آثار كثيرة، اهـ.
ومعنى قولهم: ((مبتدئ به)) على ما قاله ((البدائع))(٤): أنه لم يصِرْ عادة
له، لا أنه لم يسه في عمره قط.
ولا بد من التفصيل للجمع بين الروايات لكثرة اختلافها، ولهذا اضطر
جماعة إلى حمل حديث أبي هريرة الآتي في العمل في السهو على
(١) ((بداية المجتهد)) (١٩٩/١).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣٩٠/٥).
(٣) (١/ ٤٥٧).
(٤) انظر: ((بدائع الصنائع)) (١/ ٤٠٣).
٣١١

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
.-
-- --
(٢٠٧) حديث
المستنكح (١)، واضطر آخرون بحمل التحري على البناء على اليقين، ومع هذا
فقد اضطروا إلى ترك بعض الروايات، ولا ينكر أحد له المساس بالأحاديث أن
الجمع عند التعارض أولى من طرح بعض الروايات، ولا يستطيع أحد على أن
ينكر التعارض في الروايات الصحاح الواردة في الشك في الصلاة، فالجمع
بينها أولى وأرجح.
وأخرج محمد في ((كتاب الآثار)): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم
فيمن نسي الفريضة، فلا يدري أربعاً صلى أم ثلاثاً، قال: إن كان أول نسيانه
أعاد الصلاة، وإن كان يكثر النسيان يتحرى الصواب، فإن كان أكبر رأيه أنه
أتم الصلاة سجد سجدتي السهو، وإن كان أكبر رأيه أنه صلى ثلاثاً أضاف
إليها واحدة، ثم سجد سجدتي السهو، قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي
حنيفة، اهـ.
فاستدل الحنفية على قولهم في الإعادة بما ثبت عندهم برواية ابن مسعود
مرفوعاً: ((إذا شك أحدكم في صلاته كم صلى فليستقبل الصلاة))، وكذا روي
عن ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص أنهم قالوا هكذا، كذا
في ((البذل)) عن (البدائع)).
وقال الشوكاني(٢): واحتجَّ القائلون بالاستئناف بما أخرجه الطبراني في
(الكبير)) عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله وَّرَ سُئِل عن رجل سها في
صلاته، فلم يدر كم صلى، فقال: ((ليُعِدْ صلاته وليسجد سجدتين قاعداً))، وهو
من رواية إسحاق بن يحيى بن عبادة، قال العراقي: لم يسمع إسحاق من جده،
انتهى .
(١) أي الذي يغلب عليه الوهم، كأنه من استنكح النوم عيونهم: أي غلبها.
(٢) ((نيل الأوطار)) (١٣٦/٣).
٣١٢

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٧) حديث
وأنت خبير بأن أقصى ما أورد عليه الشوكاني هو الإرسال، وهو لا يرد
على المستدلِّ بهذه الرواية .
ثم قال: واحتجوا أيضاً بما أخرجه الطبراني عن ميمونة بنت سعد، أنها
قالت: ((أفتنا يا رسول الله في رجل سها في صلاته فلا يدري كم صلى؟ قال:
ينصرف ثم يقوم في صلاته حتى يعلم كم صلى)) الحديث، وفي إسناده عثمان بن
عبد الرحمن الطرائفي الجزري، مختلف فيه، وهو كبقيةً في الشاميين، يروي
عن المجاهيل، وفي إسناده أيضاً عبد الحميد بن يزيد، مجهول، اهـ.
قلت: عثمان هذا من رواة أبي داود والنسائي وابن ماجه، وثّقه ابن معين
وابن شاهين وغيرهما، وأنكر أبو حاتم على البخاري إدخاله في ((الضعفاء))،
وعبد الحميد بن يزيد لم ينبه عليه من هو، لينظر فيه؛ فإن المسمى في كتبهم
بهذا الاسم عدة رواة، ولو سُلِّم فالرواية الضعيفة المؤيدة بالروايات والآثار
ترتقي إلى درجة الحسن.
قال الزيلعي(١): وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن ابن عمر قال في
الذي لا يدري كم صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ قال: (يعيد حتى يحفظ))، وفي لفظ
قال: ((أما أنا إذا لم أدر كم صليت فإني أعيد))، انتهى. وأخرج نحوه عن
سعيد بن جبير وابن الحنفية وشريح، اهـ. وأخرج محمد في كتابه ((الآثار)) نحوه
عن إبراهيم النخعي .
قلت: واستدل لهم ابن قدامة في ((الشرح الكبير)) برواية أبي داود عن أبي
هريرة، قال وَ﴾: ((لا غرار في صلاة ولا تسليم))، واستدلوا على ما اختاروا
من التحري إذا كثر الشك بحديث ابن مسعود مرفوعاً: ((إذا شك أحدكم في
صلاته فلم يَدْر أثلاثاً صلى أم أربعاً؟ فليتحر أقربه إلى الصواب، ولِيَبْنِ عليه)).
أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم.
(١) انظر: نصب الراية (١٧٣/٢)، و((عمدة القاري)) (٧٥٠/٣).
٣١٣

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٧) حديث
وأخرج الطحاوي عن عمرو بن دينار قال: سُئل ابن عمر وأبو سعيد
الخدري عن رجل سها، فلم يدر كم صلى؟ قالا: يتحرى أصوب ذلك فيتمه،
ثم يسجد سجدتين، وأخرج الإمام محمد في كتابه ((الآثار)): أخبرنا أبو حنيفة
عن حماد عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود قال: إذا شك أحدكم في
صلاة، فلا يدري ثلاثاً صلى، أم أربعاً، فليتحر؛ فلينظر أفضل ظنه، فإن كان
أكبر ظنه أنها ثلاث، قام فأضاف إليها الرابعة، ثم تشهد، فسلم، وسجد
سجدتي السهو، وإن كان أفضل ظنه أنه صلى أربعاً، تشهد، ثم سلم، ثم سجد
سجدتي السهو، قال محمد: وبه نأخذ إلا أنا نستحب له إذا كان ذلك أول ما
أصابه أن يعيد الصلاة. محمد قال : أخبرنا مالك بن مغول عن عطاء بن أبي
رباح أنه قال: يعيد، انتهى.
وأخرج الطحاوي(١) عن أبي سعيد الخدري أنه قال في الوهم: يتحرى،
قلت: عن النبي ◌ُّ﴾؟ قال: عن النبي ◌َّ. وأخرج أيضاً عن ابن عمر بطرق:
أنه كان يقول: إذا شك أحدكم في صلاته فليتوخّ الذي يظن أنه نسي من صلاته
فليصله ويسجد سجدتين وهو جالس. وسيأتي في ((الموطأ)) أيضاً. وأخرج
النسائي عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون: إذا أوهم، يتحرى الصواب، ثم
يسجد سجدتين .
واستدلوا على قولهم البناء على الأقل المتيقن عند تساوي الطرفين
بروايات؛ استدل بها الشافعية ومن وافقهم في البناء على اليقين مطلقاً، منها :
حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ((إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم
صلى؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن))، الحديث. أخرجه مسلم وأبو
داود وأحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي، واختلف فيه على عطاء، فروي
مرسلاً، وروي بذكر أبي سعيد فيه، قاله الشوكاني.
(١) ((شرح معاني الآثار)) (١/ ٢٥١).
٣١٤
- -
---

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٧) حديث
ومنها: حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً: ((إذا شك أحدكم في
صلاته فلم يدر واحدة صلى أم ثنتين، فليجعلها واحدة))، الحديث. أخرجه
أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وقال الشوكاني(١): الحديث معلول، ثم
بسط الكلام عليه تبعاً لما قاله الحافظ في (التلخيص)).
والحاصل أن الروايات الواردة في الشك في الصلاة مختلفة جداً، سيما
في بابي التحري والبناء على الأقل، واختلفت الأئمة في العمل على تلك
الروايات، وكلٌّ من الأربعة اختار ما ترجح عنده بملاحظة الروايات والآثار،
فاختار الإمام الشافعي ومن وافقه البناء على اليقين مطلقاً، وأَوَّلُوا الروايات
الواردة في التحري إلى ذلك، قال الشوكاني: قال الشافعي وداود وابن حزم:
إن التحري هو البناء على اليقين، وحكاه النووي عن الجمهور، انتهى.
قلت: لكن المنقول عن جمهور أهل العلم هو الفرق بين التحري، والبناء
على اليقين كما سترى، والجملة أن الشافعية - ومن وافقهم - أوّلوا روايات
التحري إلى البناء على اليقين.
واختلف النقل عن الإمام مالك ومن تبعه، فقال النووي (٢) في شرح حديث
ابن مسعود في التحري: فيه دليل لأبي حنيفة وموافقيه، وظاهر الحديث حجة لهم،
ثم اختلف هؤلاء فقال أبو حنيفة ومالك ـ رحمهما الله - في طائفة: هذا لمن اعتراه
الشك مرة بعد أخرى، وأما غيره فيبنى على اليقين، وقال آخرون: هو على عمومه،
انتهى. كذا نقل عن مالك، وتبعه الشوكاني في ((النيل))(٣) والشيخ في ((البذل)).
لكن قال ابن رشد في ((البداية))(٤): فأما مالك بن أنس حمل حديث أبي
(١) انظر: ((نيل الأوطار)) (١٣٦/٣).
(٢) ((شرح النووي على مسلم)) (٦٢/٥).
(٣) («نيل الأوطار) (١٣٧/٣).
(٤) ((بداية المجتهد)) (١٩٩/١).
٣١٥

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٨) حديث
٢٠٨/ ٦٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ
زَيْدٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا
شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ فَلْيَتَوَعَّ
سعيد الخدري على الذي لم يستنكحه الشك ، وحمل حديث أبي هريرة على
الذي يغلب عليه الشك، ويستنكحه ، وتأول حديث ابن مسعود على أن المراد
بالتحري هنالك هو الرجوع إلى اليقين ، فأثبت على مذهبه الأحاديث
كلها ، اهـ.
وأما عند الإمام أحمد في ظاهر مذهبه أن المنفرد يبني على اليقين،
والإمام على غالب ظنه، قال في ((الشرح الكبير)): هذه الرواية المشهورة عن
أحمد، واختاره الخرقي جمعاً بين الروايات، وقال في ((المغني)): يحمل حديث
أبي سعيد على من استوى عنده الأمران، فلم يكن له ظن، وحديث ابن مسعود
على من له رأي وظن يعمل بظنه، جمعاً بين الحديثين، وعملاً بهما، فيكون
أولى، ولأن الظن دليل في الشرع فوجب اتباعه، كما لو اشتبهت عليه القبلة.
واختار الخرقي التفريق بين الإمام، والمنفرد، فجعل الإمام يبني على الظن،
والمنفرد يبني على اليقين، وهو الظاهر في المذهب، انتهى.
وتقدم مختار الحنفية مفصلاً، وهو الأولى وأرجح من الكل؛ لما فيه
جمع بين الروايات والآثار الواردة في الباب كلها، وأنت خبير بأنهم لو حاولوا
الترجيح لكان حديث ابن مسعود في معنى التحري أصح من الكل، فلله الحمد
والمنة، وهو ملهم الرشد والصواب.
٦٣/٢٠٨ - (مالك عن عمر بن محمد بن زيد) بن عبد الله بن عمر بن
الخطاب المدني نزيل عسقلان، روى له الشيخان، والأربعة، إلا الترمذي كما
رقم عليه في ((التقريب)) و((الخلاصة))، ثقة، مات قبل سنة ١٥٠هـ، (عن) عم
أبيه (سالم بن عبد الله أن) أباه (عبد الله بن عمر كان يقول: إذا شك أحدكم في
صلاته فليتوَخَّ) أي يتحرى، قال في ((المجمع)): توَخَّيْتُه أتوخاه، قصدت إليه
٣١٦

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٨) حدیث
الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَ مِنْ صَلاتِهِ فَلْيُصَلِّهِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجَدَتِي السَّهْوِ،
وَهُوَ جَالِسُ.
وتعمدت فعله وتحريت فيه، اهـ. وقال في ((القاموس)): الوخي: القصد
والطريق المعتمد، وتوخى رضاه: تحراه، كوخّاه، اهـ.
(الذي بظن أنه نسي من صلاته فليصله) قال ابن عبد البر (١): أراد به البناء
على اليقين، وتأوله من قال: بالتحري، أنه أراد العمل على أكثر الظن،
وتأويلنا أحوط وأبين؛ لأنه أمره أن يصلي ما ظن أنه نسيه، انتهى.
قلت: لكنه مخالف لمذهب ابن عمر بنفسه كما سيأتي في آخر الباب
ويأباه لفظ التوخي، ولفظ الظن أيضاً، وحمله الطحاوي(٢) بعدما أخرجه بطرقٍ
على التحري، وهو المتعين، ليوافق مذهب ابن عمر، ولا يدخل في توجيه
القول بما لا يرضى به قائله.
والعجب من مثل ابن عبد البر إذ يقول: هو عنده البناء على اليقين، مع
أن جُلَّ الآثار المنقولة عن ابن عمر على خلاف ذلك، فسيخرج المصنف بنفسه
عن ابن عمر بطريق آخر قال: ((ليتوجَّ الذي نسي))، الحديث. والتوخي هو
التحري بعينه، وقد أخرج الطحاوي بسنده إلى عمرو بن دينار، وقال: سئل ابن
عمر وأبو سعيد الخدري عن رجل سها، فلم يدر كم صلى؟ فقالا : يتحرى
أصوب ذلك.
(تم ليسجد سجدتي السهو وهو جالس) وقد روى ابن عبد البر من طريق
إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن سليمان بن بلال عن عمر بن محمد بسنده
مرفوعاً بمعناه، وقال: لا يصح رفعه؛ لأن مالكاً رواه موقوفاً، ولم يرفعه من
يوثق به فإسماعيل وأخوه ضعيفان، وإنما ذكرته ليعرف، اهـ.
(١) ((الاستذكار)) (٣٦٦/٤).
(٢) (شرح معاني الآثار)) (١/ ٢٥٢).
٣١٧

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٩) حديث
٦٤/٢٠٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَفِيفِ بْنِ عَمْرِو
السَّهْمِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّه قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ
الْعَاصِ، وَكَعْبَ الأَحْبَارِ ؛
٦٤/٢٠٩ - (مالك عن عفيف بن عمرو) بفتح العين، قاله الزرقاني، ابن
المسيب (السهمي) من رواة أبي داود، قال في ((الخلاصة))(١): وثقه النسائي،
وقال في (الميزان))(٢): لا يدرى من هو، وفي ((التهذيب))(٣): ذكره ابن حبان
في (الثقات))، كذا في ((البذل)).
(عن عطاء بن يسار أنه قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل بن
هاشم السهمي أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن القرشي أحد السابقين
المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، استأذن النبي وت سير في أن يكتب
حديثه، فأذن له. قال في ((الخلاصة)): له سبعمائة حديث، وفي ((الإكمال)): كان
يقوم بالليل فيطفئ السراج، ثم يبكي حتى رسغت عيناه، اختلف في موته فقيل:
ليالي الحرّة سنة ٦٣، وقيل: سنة ٧٣، وقيل: مات بمكة سنة ٦٧، وقيل:
بالطائف سنة ٥٥، وقيل: بمصر سنة ٦٥، انتهى. وقيل: بفلسطين سنة ٦٥. وفي
(البذل)): مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف على الراجح.
قلت: وتقدم في ترجمة أبيه عمرو الاختلاف في أن العاصي بالياء، كما
اختاره النووي والزرقاني، أو بحذفها، كما جزم به القاري.
(وكعب الأحبار)، قال الزرقاني: جمع حبر، بكسر الحاء وفتحها،
ويضاف إليه إما لكثرة كتابته بالحبر، أو معناه ملجأ العلماء، اهـ. وقال في
((القاموس)): الحبر - بالكسر -: النّفْسُ(٤).، والعالم، أو الصالح، ويفتح فيهما،
(١) (ص٢٦٨).
(٢) ((ميزان الاعتدال)) (٣/ ٨٤).
(٣) ((تهذيب التهذيب)) (٢٣٦/٧).
(٤) النِّقْس: المداد.
٣١٨
------

٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٩) حدیث
جمعه أحبار وحبور، وكعب الحبر ويكسر، ولا تقل: الأحبار، انتهى. قال
الزرقاني: وقول المجد: لا تقل: الأحبار، فيه نظر، فقد أثبته غير واحد،
ويكفي قول مثل أبي هريرة؛ إذ قال: كعب الأحبار، انتهى.
قال القاري: قال الطيبي: الأحبار جمع حبر بالفتح والكسر والإضافة،
كما في زيد الخيل، انتهى.
هو كعب بن ماتع - بكسر المثناة الفوقانية آخره عين مهملة - كما ضبطه
في ((المغني)) و((جامع الأصول)) أبو إسحاق الحميري، هكذا نسبه أهل الرجال
كما في ((تهذيب الحافظ))(١) و((التقريب)) (٢) و((الإكمال)) و(الخلاصة))(٣)، وكذا
ذكره القاري والزرقاني وغيرهما .
وزاد في رجال ((جامع الأصول)) في نسبه، فقال: هو كعب بن إسحاق بن
ماتع، والظاهر هو تصحيف من الناسخ، بدل فيه أبو بابن، حميري من آل
ذي رعين، وقيل: من ذي الكلاع، يقال: أدرك الجاهلية وأسلم في أيام أبي
بكر، وقيل: في أيام عمر، كذا في ((تهذيب الحافظ))، وقال في ((الإصابة)) (٤):
والراجح أن إسلامه كان في خلافة عمر، وجزم في رجال ((جامع الأصول))
إسلامه في زمن عمر.
وقال الزرقاني: أسلم في زمن عمر على المشهور، ومات سنة ٣٢هـ في
خلافة عثمان، وفي ((التقريب)): مات في خلافة عثمان، وقد جاوز المائة، وفي
((تهذيب الحافظ)»: وقد بلغ مائة وأربع سنين.
(١) (٤٣٨/٨).
(٢) (١٣٥/٢).
(٣) (٣٦٦/٢).
(٤) ((الإصابة)) (٣٢٢/٥، ٣٢٣).
٣١٩

!
٣ - كتاب الصلاة
(١٦) باب
(٢٠٩) حدیث
عَنِ الَّذِي يَشُّكُّ فِي صَلَاتِهِ فَلا (١) يَدْرِي كَمْ صَلَّى، أَثَلاثَاً أَمْ أَرْبَعاً؟
فَكِلَاهُمَا قَالَ: لِيُصَلِّي رَكْعَةً أَخْرَى، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ
جَالِس .
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ
إِذَا سُئِلَ عَنِ النِّسْيَانِ فِي الصَّلاةِ، قَالَّ: لِيَتَوَخَّ أَحَدُكُمُ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ
نَسِيَ مِنْ صَلاتِهِ، فَلْيُصَلَّهِ .
(عن الذي يشك في صلاته، فلا يدري كم صلّى أثلاثاً أم أربعاً فكلاهما
قالا: ليصل ركعة أخرى) بانياً على اليقين (ثم ليسجد سجدتين) للسهو (وهو
جالس) فالظاهر أنهما قالا بالبناء على اليقين، كما هو مختار الإمام مالك،
لكن مذهب كعب الأحبار في هذا لم أجده في غير ((الموطأ))، أما مذهب
عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال الشوكاني في ((النيل)) (٢): وذهب عطاء،
والأوزاعي، والشعبي، وأبو حنيفة، وهو مروي عن ابن عباس، وابن عمر،
وعبد الله بن عمرو بن العاص من الصحابة إلى أن من شكّ في ركعة، وهو
مبتدأ بالشك لا مُبتلى به أعاد، هكذا في ((البحر))، انتهى. إلا أن يقال: إن ما
في ((الموطأ)) مقيد بالمبتلى.
(مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا سُئِل) ببناء المجهول (عن
النسيان في الصلاة قال:) أي ابن عمر في جوابه (ليتوخَّ) أي ليتحرَّ كما تقدم
(أحدكم الذي يظن أنه نسي من صلاته فليصله) قال الزرقاني (٣): وهذا ظاهر في
أنه يبني على اليقين، وقال في ((التعليق الممجد)) (٤): كذا قال ابن عبد البر
(١) في نسخة: فلم يدر.
(٢) ((نيل الأوطار)) (١٣٧/٣).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٩٩/١).
(٤) (١ /٤٥٥).
٣٢٠