النص المفهرس

صفحات 281-300

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٣) حديث
٠
لهما ثم يسلم، واختلف عنه، هل يتشهد إذا كانتا قبل السلام؟ ومذهب أبي
حنيفة وأصحابه، أنه يتشهد بعد سجدتي السهو، وقال أحمد: متى سجد قبل
السلام لم يحتج إلى تشهد؛ وكان سلامه بعد سجود السهو، وأما أصحابنا
فقالوا: إذا فرعنا على الصحاح المنصوص أن السجود مطلقاً قبل السلام؛ فلا
تشهد .
وحكى ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١): أن البويطي نقل عن الشافعي أنه
رأى التشهد بعدهما واجباً؛ وأما إذا سجد بعد السلام فهل يتشهد؟ بسط فيه
الاختلاف. وقال في آخره: نقل المزني في ((المختصر)) قال: سمعت عن
الشافعي يقول: إذا كانتا سجدتا السهو بعد السلام تشهدهما؛ وإن كانتا قبل
السلام أجزأه التشهد الأول، اهـ.
قال العيني: وهل يتشهد في سجود السهو أم لا؟ فعندنا يتشهد(٢)، وعند
الشافعي في الصحيح لا يتشهد كما في سجود التلاوة، وقال ابن قدامة (٣): إن
كان قبل السلام يسلم عقبه، وإن كان بعده يتشهد ويسلم، انتهى. ثم استدل
صاحب (المغني)) (٤) على التسليم برواية ابن مسعود وفيها: ((ثم سجد سجدتين
ثم سلم))؛ وبرواية عمران بن حصين مثله أخرجهما مسلم، واستدل على التشهد
برواية عمران بن حصين عند أبي داود بلفظ: ((فسجد سجدتين ثم تشهد ثم
سلم))، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
قلت: حديث عمران أخرجه الترمذي، وابن حبان، والحاكم وقال:
(١) (٣٨١/٤).
(٢) قال ابن عابدين: فإن سجدة السهو تقطع التشهد، اهـ، زكريا .
(٣) («المغني)) (٤٣١/٢).
(٤) انظر: ((المغني)) (٤٣٢/٢).
٢٨١

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٤) حديث
٥٩/٢٠٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ
أَبِي سُفْيَانَ
صحيح على شرطهما، وصححه ابن حبان، وحسنه الترمذي، وضعفه البيهقي
وابن عبد البر وغيرهما، وقالوا: المحفوظ في حديث عمران أنه ليس فيه ذكر
التشهد، كذا في ((النيل)) (١)، وأنت خبير بأن تضعيف الآخرين لا يقاوم تصحيح
من قبلهم، وهم أئمة الجرح والتعديل .
قال الحافظ بعد نقل الكلام على زيادة التشهد في هذا الحديث: لكن قد
جاء التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائي، وعن
المغيرة عند البيهقي، وفي إسنادهما ضعف، إلا أنه باجتماع الأحاديث الثلاثة
ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عند
ابن أبي شيبة عن ابن مسعود من قوله، كذا في ((الفتح))(٢).
قلت: وحديث ابن مسعود عند أبي داود والنسائي بلفظ: قال: قال
رسول الله وَر: ((إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث أو أربع، وأكثر ظنك على
أربع تشهدت ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهدت
أيضاً، ثم تسلم))، وأكثر ما أورد عليه البيهقي أنه مختلف في رفعه، وهو مرسل،
وأنت تعلم أنهما ليسا بقدح عند أهل التحقيق، ولفظ المغيرة عند البيهقي: أنه وَثّلـ
تشهد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو، كما في ((النيل))(٣).
٥٩/٢٠٤ - (مالك عن داود بن الحصين) بالحاء والصاد المهملتين مصغراً
(عن أبي سفيان) اسمه وهب على ما قال الدارقطني، وقال غيره: اسمه قزمان -
بضم القاف وسكون الزاي -، ثقة من الثالثة، قليل الحديث، قال الحافظ: ولا
(١) (٣٦٥/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٩٩/٣).
(٣) ((نيل الأوطار)) (٣٦٥/٢).
٢٨٢
--
.-

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٤) حديث
مُؤْلَى ابْنِ أَبي أَحْمَدَ، أَنّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: صَلَّى
رَسُولُ اللّهِ إِل﴾ِ صَلاةَ الْعَصْرِ،
يصح له اسم سوى كنيته، كان يؤم بني عبد الأشهل، وفيهم ناس من الصحابة،
روى له الستة. (مولى) عبد الله (بن أبي أحمد) بن جحش القرشي الأسدي،
وقيل: كان مولى بني عبد الأشهل، وانقطع إلى ابن أبي أحمد، فنسب إليه.
ولد عبد الله هذا في حياة النبي نَّر، وذكره جماعة في ثقات التابعين، وأما
أبوه أبو أحمد فصحابي، قال في ((الفتح الرحماني)): اسمه عبد بن جحش،
أخو زينب بنت جحش زوج النبي ◌َلّ.
(أنه) أي أبا سفيان (قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلّى رسول الله (وَلّ)
كذا في رواية يحيى، وكذا في رواية محمد. قال الزرقاني(١): زاد ابن وهب
والقعنبي والشافعي وابن القاسم وقتيبة: لنا، اهـ. قيل: فهذه الزيادة تشير إلى
وجود أبي هريرة في القصة، وقد تقدم الكلام عليه مبسوطاً، ورواية القعنبي،
عن مالك في حديث أيوب، عند أبي داود خالية عن هذه الزيادة، بل نفى أبو
داود هذه الزيادة في رواية القعنبي، فتأمل .
قال الأبّي في ((إكمال الإكمال))(٢): استشكل بأن القضية كانت قبل بدر،
وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر، وأجيب بأنه سمعه من غيره، فأرسله مع أن
قوله: ((بنا ولنا)) يحتمل أنهما من تغير الراوي لما سمع الحديث منه، ولم يذكر
من يرويه ظن أنه كان من الحاضرين فنقله بالمعنى، أو أن أبا هريرة أراد
بالضمير الصحابة الحاضرين، وإن لم يكن حاضراً معهم، إلى آخر ما قاله.
(صلاة العصر) كذا في هذه الرواية بهذا السند عند مسلم، وله عن أبي
سلمة عن أبي هريرة: ((صلاة الظهر)) كما تقدم، وفي البخاري ومسلم من وجه
آخر: ((الظهر أو العصر)» بالشك، ولمسلم: ((إحدى صلاتي العشي)) بالإبهام،
(١) ((شرح الزرقاني)) (١/ ١٩٣).
(٢) (٢٧٠/٢).
٢٨٣

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٤) حديث
٠
قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا. قال ابن رسلان: قال
النووي(١): قال المحققون: هما قصتان، قال العلائي: جعل النووي حديث
أبي هريرة قصتين، كأن السهو في إحداهما في الظهر، وفي الأخرى في
العصر، وجمع بذلك بين الروايات المختلفة في الصلاة المسهو فيها، ثم قال:
وفي ذلك نظر، بل الظاهر الذي يقتضيه كلام ابن عبد البر والقاضي عياض
وغيرهما أن حديث أبي هريرة قضية واحدة، لكن اختلفت رواتها، فمنهم من
تردد، ومنهم من جزم، فالأصل عدم التعدد، فيمكن أن تكون القصة وقعت
مرتين كما قال النووي، لكن الظاهر خلافه، انتهى مختصراً.
وقال ابن رسلان(٢) أيضاً في موضع آخر وتابع ابن خزيمة تلميذه الحافظ
أبو حاتم بن حبان، فقال في حديثي أبي هريرة وعمران: إنهما واقعتان، لكنه
زاد شيئاً آخر فجعل حديث أبي هريرة أيضاً واقعتين كأن السهو في إحدهما في
صلاة الظهر، وفي الآخر في صلاة العصر، انتهى.
وقال الحافظ(٣): والظاهر أن الاختلاف من الرواة، وأبعد من قال:
يحمل على أن القصة وقعت مرتين، فالظاهر أن أبا هريرة روى الحديث كثيراً
على الشك، وربما غلب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها، وطرأ الشك في
تعيينها على ابن سيرين أيضاً، قاله الحافظ، كذا قال الولي بن العراقي، قلت:
وقوع الشك على أبي هريرة وابن سيرين معاً وجيه يجمع به اختلاف الروايات،
لكن ما استدل به الحافظ على ذلك من رواية النسائي فيه تأمل. ذكره الشيخ في
((البذل))(٤) والأكثر في روايات عمران بن حصين العصر، فلو قيل بتوحيد القصة
(١) (٦٩/٥).
(٢) انظر: هامش ((البذل)) (٣٩٥/٥).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (٩٧/٣).
(٤) ((بذل المجهود)) (٣٥٣/٥).
٢٨٤
---

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٤) حديث
فَسَلْمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقَصُّرَتِ الصَّلاةُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِ نَسِيتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «كُلُّ ذُلِكَ لَمْ يَكُرْ)»،
كما قال به بعض الفحول، فالراجح في حديث الباب أيضاً روايات العصر،
وإلا فلا .
ورجح الحافظ في ((الفتح)) توحيد القصة، إذ قال: وهذا صنيع من يوحد
حديث أبي هريرة بحديث عمران، وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة
ومن تبعه مالوا إلى التعدد، اهـ.
قلت: وتعقب على ترجيح الحافظ الزرقاني في ((شرح الموطأ)»، وتقدم
عن العلائي وغيره أيضاً أنهم مالوا إلى التعدد، وهو الأوجه عندي.
(فُسلّم) وَّر (في) الجلوس بعد (ركعتين) وفي الناس أبو بكر وعمر،
فهابا أن يكلماه * كما ورد في الروايات (فتأم ذو اليدين) الخرباق السلمي،
وقد تقدم هل هو ذو الشمالين أو غيره، (فقال: أقصرت) بصيغة الغائب ببناء
الفاعل أو المفعول، كما تقدم مبسوطاً (الصلاة) بالضم على كليهما (يا رسول الله
أم نسيت؟) بتاء الخطاب (فقال رسول الله وَلين: كل ذلك لم يكن) يعني لم أنسَ
على ظني ولم تقصر الصلاة، أي في الحقيقة.
قال ابن رسلان: فنفى الأمرين، وهذه رواية البخاري دون مسلم، وفيه
تأويلات؛ أحدها: لم يكن المجموع. والثاني وهو الصواب: لم يكن ذا ولا
ذا في ظني، بل في ظني أني أكملت الصلاة أربعاً، قال الكرماني: هذا يتضمن
أمرين؛ أحدهما: حكم في الدين، وهو لم تقصر، عصمه الله تعالى من الغلط
فيه، لئلا يعرض في أمر الدين إشكال، والآخر حكاية عن نفسه، وقد جرى
الخطأ فيه إذا كان ◌َل غير معصوم عما يدفع إليه البشر من الخطأ والنسيان،
وتلافي المنسي سهل، والأمر موضوع عن الناس، انتهى. فقد قال رَّة: ((رفع
عن أمتي الخطأ والنسيان))، وقال ◌ّ: ((أنسى كما تنسون))، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا
أَنَاْ بَشَرٌ مِّئْتُكُمْ﴾، وقال ◌َّ: (نسي آدم فنسيت ذريته))، قال أهل المعاني: لفظ
٢٨٥

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٤) حديث
فَقَالَ: قَدْ كَانَ بِعْضُ ذُلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ،
((كل)) إذا تقدم على النفي كان نافياً لكل فرد لا للمجموع، بسطه ابن رسلان في
شرحه على أبي داود.
ولذا أجابه ذو اليدين (فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله) وفي رواية
أخرى: بلى قد نسيت، لأنه قد تردد أولاً في القصر والنسيان، لكنه وَّ لما
نفى الأمرين وتقدم عصمته ◌ّلل في البلاغ، استدل بذلك على تعيين النسيان،
قال الأبّي في ((إكمال الإكمال)) (١): لا يجوز عليه وَّ﴾ الكذب لا عمداً ولا
نسياناً، وأخبر أنه لم ينس، وقد نسي وأجيب: بأن المعنى مجموع الأمرين
على المعية لم يكن، وهذا ضعيف، وقيل: التقدير كل ذلك لم يكن في ظني،
وهو لو صرح بذلك لم يكن كذباً، فكذا إذا كان المعنى عليه تقديراً.
وقيل: نفي النسيان إنما يرجع إلى السلام، أي لم أُسلِّم نسياناً بل قصداً
فالسهو في العدد لا في السلام، وهذا أيضاً ضعيف، وقيل: إنه وَّ يسهو ولا
ينسى، لأن النسيان غفلة، وهو لا يغفل عن الصلاة ويسهو بأن تشغله حركات
الصلاة للشغل بها، وهذا إن ثبت الفرق يصح، وظهر لي ما هو أحسن وأقرب
من الجميع، وهو أنه إنما نفى نسبة النسيان إليه، أي لم أنس من قِبَلِ نفسي،
ولكني نسيت، وهو الذي نهى عنه بقوله: ((بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية
كذا)»، انتهى.
قلت: والأوجه عندي الجواب الثاني، وكون النفي بحسب الظن مما لا
يخفى على من له أدنى شائبة العقل، فلا يتوهم بهذه القصة تأييد الفرقة الباطلة
الضالة التي نشأت بقاديان في الهند، يدَّعي رأسهم أنه نبي، ويتفوَّه بالأكاذيب
والأباطيل، فإن الكذب عيب على النبي، فلا يجوز لا قصداً ولا عمداً، ولا
سهواً ولا غلطاً، وقد أجمعت الأمة على ذلك فيما طريقه البلاغ، كما نقله
القاضي في ((الشفاء)»، وكذلك فيما ليس سبيله سبيل البلاغ.
(١) (٢٧٢/٢).
٢٨٦

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٤) حديث
فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْن؟))،
فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ فَلَه، فَأَتَمَّ مَا بَفِيَ مِنَ الصَّلاةِ، ثَمَّ
سََذَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَهُوَ جَالِسٌ.
أخرجه مسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ١٩ - باب السهو
في الصلاة والسجود له، حديث ٩٩.
قال القاري: وأما ما ليس سبيله سبيل البلاغ فالذي يجب اعتقاده تنزيه
النبي ◌َّ عن أن يقع خبره في شيء من ذلك، بخلاف مخبره، لا عمداً ولا
سهواً ولا غلطاً، وأنه معصوم من ذلك في حال رضاه وسخطه، وجده ومزحه،
وصحته ومرضه، ودليل ذلك اتفاق السلف من الصحابة والتابعين، وإجماعهم
على أنه لا يصدر منه شيء بخلاف إخباره وقّ﴿ وبيانه، إنا نعلم من عادة
الصحابة مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره في أي باب
كانت بلا توقف ولا تردد، ولا استثبات حاله عند ذلك، هل وقع فيه سهو أم
لا؟ إلى آخر ما بسطه في ((شرح الشفاء))(١)، فارجع إليه، وأجاب عن قصة
السهو هذه ببعض الأجوبة المذكورة قبل ذلك في كلامنا .
(فأقبل رسول الله ولة على الناس) الذين صلوا معه (فقال) سائلاً عنهم:
(أصدق) بهمزة الاستفهام (ذو اليدين) فيما قال؟ (فقالوا) بالإشارة أو باللسان،
وهو ظاهر اللفظ: (نعم) صدق، (فقام) أي جاء (رسول الله( 18) في محل
الصلاة (فأَتم) بشد الميم أي أكمل (ما بقي من الصلاة) وهي الركعتان (ثم سجد
سجدتين) للسهو (بعد التسليم) كما قاله الحنفية، وسيأتي بسط الكلام على ذلك
(وهو) مَ﴾ (جالس) .
وظاهر الحديث أنه ◌َّ لم يتذكر السهو، ولذا أنكره أولاً، ثم سجد
لاتفاقهم على تصديق ذي اليدين.
قال العيني: واختلف العلماء في أن الإمام إذا شك في صلاته، هل
(١) انظر: ((شرح الشفاء)) (٣٦١/٤).
٢٨٧

-----
٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٥) حديث
٦٠/٢٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
أَبِي بَكْرَ
يرجع إلى قول المأموم أم لا؟ واختلف عن مالك في ذلك، فقال مرة: يرجع
إلى قولهم، وبه قال أبو حنيفة، وقال مرة: يعمل على يقينه ولا يرجع إلى
قولهم، وهو مذهب الشافعي الصحيح عند أصحابه، اهـ.
قلت: قال في ((مختصر عبد الرحمن)): إذا سلَّم الإمام قبل كمال الصلاة
سبَّح به من خلفه، فإن صدقه كمل صلاته وسجد بعد السلام، وإن شك في
خبره سأل عدلين، وجاز لهما الكلام في ذلك، وإن تيقن الكمال عمل على
يقينه وترك العدلين، إلا أن يكثر الناس خلفه، فيترك يقينه ويرجع إليهم، اهـ.
وفي ((مختصر خليل)): ورجع إمام فقط بعدلين إن لم يتيقن، وإلا لكثرتهم
جداً، اهــ فعلم أن عندهم فيه التفصيل.
ومذهب الحنابلة في ذلك في ((المغني))(١) و((الشرح الكبير)): من سبح به
اثنان يثق بقولهما، لزمه الرجوع سواء غلب على ظنه صواب قولهما أو خلافه،
فإن لم يرجع بطلت صلاته وإن سبح به واحد لم يرجع إلى قوله إلا أن يغلب
على ظنه، فيعمل بغلبة ظنه لا بتسبيحه، لأنه وقّي لم يرجع إلى قول ذي اليدين
وحده، اهـ.
ومذهب الحنفية في ذلك ما قال ابن عابدين في ((رد المحتار)) و((حاشية
البحر)): لو وقع الاختلاف بين الإمام والقوم، فإن كان الإمام على يقين بالتمام
لا يعيد، وإن كان في الشك فيعيد بقولهم، فلو استيقن الواحد بالنقصان وشك
الإمام والقوم أعادا احتياطاً، إلا إذا استيقن عدلان بالنقصان وأخبرا بذلك، اهـ
ملخصاً (٢)، وفيه تفاصيل محلها الفروع.
٦٠/٢٠٥ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي بكر) قال ابن
(١) (٤١٢/٢).
(٢) انظر: ((لا مع الدراري)) (٢٢٣/٣).
٢٨٨

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٥) حديث
ابْنِ سُلَيْمَانَ بْن أَبِى حَتْمَةً؛ قَالَ: بَلَغَنِى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ ﴾َ رَكَعَ
الْعَلَيْنِ مِنْ إِحْدَى صَلَانَى النَّهَارِ، الْظَهْرِ أَوِ الْعَصْرِ. فَسَلَّمَ مِنِ
الَتْنِ، فَقَالَ لَّهُ ذُوِ الشَّمَالنِ :
عبد البر: لا يوقف له على اسم، وهو من ثقات التابعين، عارف بالنسب.
قلت: هو من رواة الستة إلا ابن ماجه، له في الصحيحين حديث واحد،
كما يظهر من كلام الحافظ في ((تهذيبه)).
زامن سليمان بن أبي حثمة بفتح الحاء المهملة وإسكان المثلثة، ابن غانم
العدوي، في ((الإصابة)): أبوه سليمان له رؤية، وجده أبو حثمة صحابي من
مسلمة الفتح، قال في ((تهذيب الحافظ)): اسم أبي حثمة عبد الله.
(قال: بلغني) قال أبو عمر: حديثه هذا منقطع عند جميع رواة ((الموطأ))
أن رسول الله(@ رائع ركعتين من إحدى صلاتي النهار) وجاء في بعض
الروايات: إحدى صلاتي العشي، والمعنى واحد، فإن العشي - بفتح العين
وكسر الشين - من الزوال إلى الغروب (الطهر أو العصر) ويصح عليهما كلا
الإطلاقين، وتقدم الكلام في تعيين الصلاة (فسلم من اثنين) أي ركعتين (فقال
أم ذو الشمالين رجل من بني زهرة بن كلاب (١)) وتقدم أن هذا وذا اليدين واحد
عند الحنفية، والذين فرقوا بينهما قالوا: هذا استشهد ببدر، وذو اليدين عاش
مدة بعد النبي رَليل .
قال الزرقاني (٢) نقلاً عن الحافظ: اتفق أئمة الحديث، كما نقله ابن
عبد البر وغيره، على أن الزهري وهم في ذلك؛ لأنه قتل ببدر، وهي قبل
إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين، إلى آخر ما قاله.
وأنت خبير بأن هذا الكلام لم ينقل في محله؛ لأن حديث الباب ليس فيه
(١) ليست في نسخة ف (رجل من بني زهرة بن كلاب).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٩٥/١).
٢٨٩

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٥) حديث
أَفَصُرَتِ الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
((مَا قَصُرَتِ الصَّلاةُ، وَمَا نَسِيتُ))، فَقَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ: قَدْ كَانَ بَعْضُ
ذُلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿َ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ:
(أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْن؟»، فَقَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَتَّمَّ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ، مَابَقِيَ مِنَ الصَّلاةِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
ذكر أبي هريرة، بل هو منقطع، فلا حجة فيه على وهم الزهري، على أن ما
نقل من اتفاق المحدثين يردُّه ما تقدم من نصوص مشايخ الحديث على
توحيدهما، مع أن الزهري لم ينفرد في ذلك، بل تابعه عليه جماعة كما تقدم،
وليس عند من أوهم الزهري حجة، ولا نصف حجة، والحق أن الحديث حجة
لمن قال: إن ذا الشمالين وذا اليدين واحد، لما في الحديث من إطلاق
الاسمين على مسمى واحد.
(أقصرت) بتاء الغائبة وهمزة الاستفهام (الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟)
بتاء الخطاب (فقال) له (رسول الله قال: ما قصرت الصلاة) بتاء الغائبة وما
النافية (وما نسيت) بتاء المتكلم (فقال له) وَ﴾ (ذو الشمالين): بلى (قد كان
بعض ذلك يا رسول الله) وهو النسيان، كما تقدم في الأولى (فأقبل رسول الله وعد له
على الناس) الذين صلوا معه وَ ل وفيهم أبو بكر وعمر كما تقدم (فقال: أصدق
ذو اليدين؟) فيه دليل لما قاله الحنفية من اتحاد ذي اليدين وذي الشمالين كما
تقدم، لأن في الحديث لقب بهما الرجل الواحد (فقالوا) أي الصحابة بالقول،
أو الإيماء كما مر، وحقيقة القول التكلم (نعم) يا رسول الله صدق ذو
الشمالين .
(فأتم رسول الله وَّل ما بقي من الصلاة) وهي الركعتان (ثم سلَّم)، قال
الباجي(١): لم يذكر ابن شهاب في حديثه هذا سجود السهو، وقد ذكره جماعة
من الحفاظ عن أبي هريرة، والأخذ بالزائد أولى إذا كان رواية ثقة.
(١) ((المنتقى)) (١٧٥/١).
٢٩٠
.1m
----- -
----------
-
------
---
--..-
- . .

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
٦١/٢٠٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، مِثْلَ ذلِكَ.
قلت: وأخرج أبو داود حديث أبي بكر بسند الزبيدي والبيهقي أيضاً،
وفيه: ولم يسجد سجدتي السهو، لكن ما يخطر في البال أن قوله: ((لم يسجد
سجدتي السهو)) مختصر من أحد الرواة أو مؤوَّل، فإن أبا داود(١) أخرج عن
الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعبيد الله، عن أبي هريرة بهذه القصة
قال: ولم يسجد سجدتي السهو حتى يَقَّنَه الله، وأخرج أيضاً عن الزهري: أن
أبا بكر بن سليمان أخبره أنه بلغه أن رسول الله وَل# بهذا الخبر قال: ولم يسجد
السجدتين حتى لَقاه الناس. فعلم بهذا أن رواية ((الموطأ)) مختصرة، فلا تكون
مخالفة للروايات المثبتة للسجدة(٢).
٦١/٢٠٦ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب،
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مثل ذلك) الحديث المتقدم، وهو حديث
الزهري عن أبي بكر بلاغاً، وحديث الزهري عن أبي سلمة وأبي بكر بن
سليمان، وصله النسائي.
قال أبو بكر: كان ابن شهاب أكثر الناس بحثاً عن هذا الشأن، فكان
ربما اجتمع له في الحديث جماعة، فحدّث به مرة عنهم، ومرة عن أحدهم،
ومرة عن بعضهم على قدر نشاطه حين تحديثه، وربّما أدخل حديث بعضهم في
حديث بعض، كما صنع في حديث الإفك وغيره، وربما كسل فلم يُسِند،
وربما انشرح فوصل وأسند على حسب ما تأتي به المذاكرة، فلذا اختلف عليه
أصحابه اختلافاً كثيراً، ويبين ذلك رواية حديث ذي اليدين، رواه عنه جماعة،
فمرة يذكر واحداً، ومرة اثنين، ومرة جماعة، ومرة جماعة غيرها، ومرة يصل،
ومرة يقطع، اهـ.
(١) انظر: ((سنن أبي داود)) (الحديث: ١٠١٢، ١٠١٣).
(٢) انظر: ((بذل المجهود في حل أبي داود)) (٣٧٥/٥).
٢٩١

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
فعُلم بهذا أن رواية الزهري في هذا الباب أقدم من غيره؛ لكونه أكثر
الناس بحثاً في هذا الشأن، ولا يمكن الحكم على روايته بالاضطراب، كما
توهمه بعضهم؛ لكثرة ما عنده من الروايات في هذه القصة.
ثم اعلم أن هذه الأحاديث وإن كانت مسوقة لسجدة السهو في الصلاة،
وسيأتي الكلام على ذلك، لكن اختلف الأئمة ههنا في مسألة أخرى وهي
الكلام في الصلاة، والأئمة الأربعة بعد أن أجمعوا على أن من تكلّم في
صلاته عالماً عامداً - وهو لا يريد إصلاح صلاته - أن صلاته فاسدة، كما نقل
عليه الإجماع ابن المنذر وغيره، على ما في ((المغني)) و((الشوكاني)) وغيرهما،
اختلفوا في أنواع الكلام التي لا تفسد الصلاة.
وجعل الكلام في ((المغني))(١) خمسة أقسام:
أحدها: أن يتكلم جاهلاً بتحريم الكلام في الصلاة قال: ليس عن أحمد
فيه نص، وقال القاضي: يحتمل أن لا تبطل صلاته؛ لأنه في حكم الناسي.
والثاني: أن يتكلم ناسياً، وذلك نوعان: أحدهما: أن ينسى أنه في
صلاة، ففيه روايتان: إحداهما؛ لا تبطل الصلاة وهو قول مالك والشافعي،
والثانية؛ تبطل، وهو قول النخعي وقتادة وحماد بن أبي سليمان وأصحاب
الرأي، لعموم أحاديث المنع من الكلام. والنوع الثاني: يظن أن صلاته تمت،
فهذا إن كان سلاماً، لا تبطل روايةً واحدة. وإن لم يكن سلاماً، فالمنصوص
عن أحمد في رواية جماعة من أصحابه أنه إذا تكلم بشيء مما يكمل الصلاة،
أو شيء من شأن الصلاة لم تفسد، والرواية الثانية تفسد بكل حال، قال في
رواية حرب: أما من تكلم اليوم أعاد الصلاة، وهذه الرواية اختيار الخلال،
وقال: على هذا استقرت الروايات عن أبي عبد الله بعد توقفه، وهذا مذهب
(١) ((المغني)) (٤٤٥/٢).
٢٩٢
------ -------

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
أصحاب الرأي لعموم الأخبار في منع الكلام، وذكر بعده روايات أخر في
المذهب .
الثالث: أن يتكلم مغلوباً على الكلام مثلاً خرجت الحروف من فيه بغير
اختياره، أو نائماً، أو بالإكراه. وبسط الكلام على أنواعه، وذكر التوقف في
بعضها، واختلاف الروايات في الآخر.
والرابع: أن يتكلم بكلام واجب مثل أن يخشى على صبي، أو ضرير
الوقوعَ في المهلكة، وذكر فيه الروايتين لأحمد.
الخامس: أن يتكلم لإصلاح صلاته، وذكر فيه ثلاث روايات، واختار
الماتن أن صلاة الإمام خاصة لا تبطل بخلاف المؤتم، وبسط في اختلاف
الأقوال في الفساد في بعضها دون بعض أشد البسط. وقال بعد ذلك: وكل
كلام حكمنا بأنه لا يفسد الصلاة، فإنما هو في اليسير منه، فإن كَثُرَ وطال
أفسد الصلاة، وهذا منصوص الشافعي، انتهى.
وفي ((نيل المآرب)) (١): وتبطل الصلاة بتعمد السلام قبل إتمامها،
وبالكلام ولو كان سهواً إماماً كان أو مأموماً، عمداً كان أو جهلاً، طائعاً أو
مكرهاً، واجباً كتحذير معصوم عن مهلكة أو لا، فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً.
وفي ((الروض المربع))(٢): وإن سلّم قبل إتمامها عمداً بطلت، وإن كان
سهواً ثم تذكر قريباً أتمها، وإن طال الفصل عرفاً، أو تكلم بغير مصلحتها
بطلت، ككلامه في صلبها أي في صلب الصلاة، سواء كان إماماً أو غيره،
وسواء كان الكلام عمداً أو سهواً أو جهلاً، طائعاً أو مكرهاً، وسواء كان
لمصلحتها أو لا، وإن تكلم من سلم ساهياً لمصلحتها، فإن كثر بطلت، وإن
كان يسيراً لم تبطل .
(١) انظر: (١٨٦/١).
(٢) (٢٠٥/١).
٢٩٣

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
قال الموفق: هذا أولى لحديث ذي اليدين، وقدم في ((التنقيح)) وتبعه في
((المنتهى)): تبطل مطلقاً، انتهى مختصراً.
فعلم بهذا كله أن الراجح عند الإمام أحمد هو بطلان الصلاة مطلقاً،
وعليه استقر الروايات عنه كما تقدم، خلافاً لبعض مقلديه حيث رجحوا بعض
الروايات الأخر.
وقال في ((الدرر البهية على متن العشماوية)): وتبطل الصلاة أيضاً بالكلام
عمداً إلا إذا كان لإصلاح الصلاة فلا تبطل بيسيره، بل تبطل بكثيره ولو كان
لإصلاح الصلاة، اهـ مختصراً.
وفي ((مختصر خليل)): وبطلت بقهقهة أو كلام وإن بِكُرْهٍ، أو وجب لإنقاذ
أعمى، إلا لإصلاحها فبكثيره، انتهى. وفي ((مختصر عبد الرحمن)): وإذا سلم
الإمام قبل الكمال سَبَّح به من خلفه، فإن صدّقه كَمَّلَ صلاته وسجد بعد السلام،
وإن شك في خبره سأل عدلين، وجاز لهما الكلام في ذلك، وإن تيقن الكمال ترك
العدلين، وعمل بيقينه، إلا أن يكثر الناس خلفه فيترك يقينه ويرجع إليهم، انتهى.
وقال ابن عبد البر: قال الأوزاعي: من تكلم في صلاته لإحياء نفس
وغير ذلك من الأمور الجسام لم يفسد، وهو قول ضعيف ترده السنن.
والمشهور من مذهب مالك وأصحابه أنه إذا تكلم على ظن أنه أتم الصلاة لم
يفسد، عامداً كان الكلام أو ساهياً، وكذا تعمد الكلام إذا كان في صلاحها
وبيانها، وقال الشافعي وأصحابه وبعض أصحاب مالك: إن المصلي إذا تكلم
ساهياً أو تكلم وهو يظن أنه أكمل صلاته لا يفسد، وإن تعمد عالماً بأنه لم يتمها
يفسد وإن كان لإصلاحها، وذهب الكوفيون أبو حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم
إلى أن الكلام في الصلاة مفسد على كل حال، سواء كان عمداً أو لا، الإصلاح
الصلاة أو لا، على ظن الإتمام أو لا، كذا في ((التعليق الممجد))(١).
(١) (٤٥٢/١).
٢٩٤
---
---- --

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
فعلم أن في الراجح من مذهب الإمام مالك أن قليل الكلام لإصلاح
الصلاة لا يفسد وإن كان عمداً، وقال سحنون من المالكية كما نقله عنه
الحافظ في ((الفتح)): إنما ينهى من سلم من ركعتين، كما في قصة ذي اليدين؛
لأن ذلك وقع على غير القياس فيقتصر به على مورد النص، انتهى.
وأما مذهب الشافعية في ذلك فما في ((حاشية الإقناع)) (١) فَقال: والذي
يبطل الصلاة الكلام - ولو لمصلحة الصلاة - العمدُ مع العلم بتحريمه وأنه في
صلاة، فلا تبطل بقليلٍ كلام ناسياً للصلاة، أو سبق إليه لسانُه، أو جهل
تحریمہ فیھا، اهـ.
وقال الحافظ (٢): في الحديث جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي
سهواً، وقال سحنون: إنما يبني من سلّم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين،
لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر به على مورد النص، والذين قالوا:
بجواز البناء مطلقاً قيدوه بما إذا لم يطل الفصل، واختلفوا في قدر الطول،
فحده الشافعي في ((الأم)) بالعرف، وفي (البويطي)) بقدر ركعة، انتهى.
وقال ابن رشد في ((بداية المجتهد)): أما الأقوال التي ليست من أقاويل
الصلاة لم يختلفوا أنها تفسد الصلاة عمداً لقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾(٣)
واختلفوا في ذلك في الموضعين: أحدهما: إذا تكلم ساهياً، والآخر: إذا
تكلم عامداً لإصلاح الصلاة، والمشهور من مذهب مالك أن التكلم عمداً على
جهة الإصلاح لا يفسدها، وقال الشافعي: يفسدها التكلم كيف كان إلا مع
النسيان، وقال أبو حنيفة: يفسدها التكلم كيف كان، انتهى.
(١) (٣٢٧/١).
(٢) (فتح الباري)) (١٢٦/٣).
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٣٨.
٢٩٥

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
٠ ٠ ٥
والحاصل أن الكلام في الصلاة بأنواعه المتقدمة مفسد للصلاة مطلقاً عند
الحنفية، والراجح عند الإمام أحمد، وبه قال النخعي وقتادة وحماد بن أبي
سليمان وابن وهب وابن نافع من أصحاب مالك، كذا في ((العيني))، وعند
الأئمة الثلاثة قليل الكلام لا يفسد بالتفصيل المذكور قبل، فعند الإمام أحمد
في الراجح عند بعض أصحابه، والمشهور عند الإمام مالك: أنه لا يفسدها
قليل التكلم لمصلحة الصلاة، وعند الشافعية: قليل التكلم ناسياً لا يبطلها
بشرط أن لا يطيل الفصل.
وأنت خبير بأن روايات قصة ذي اليدين بعمومها لا يطابق مسلك أحد
من الأئمة بعمومها، فلا بد من التأويل في بعضها لكلٍّ من الأئمة، وراجعت
بعض المالكية في المدينة المنورة - على صاحبها ألف ألف صلاة وتحية - في
هذه الروايات لما فيه من الخروج عن المسجد، كما ورد في بعض طرقها وغير
ذلك من الأمور الكثيرة، فقال: مشكل عندنا أيضاً، إلا أن يحمل على
خصوصية ولا بد منها، أما على أصول المالكية، فلأن قول سرعان الناس :
قصرت الصلاة، ليس من إصلاح الصلاة، وكذلك سلام الرجل شاكّاً في تمام
الصلاة مفسد عند المالكية، قال في ((مختصر عبد الرحمن)): ومن سَلَّم شاكّاً
في التمام يفسد صلاته، وأنت ترى أن في حديث الباب سلامَ(١) ذي اليدين من
هذا القبيل؛ لأنه قال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ بالشك. وكذلك عند
الشافعية - رضي الله عنهم - لا بد فيه من التأويل، فإن قول السرعان، وكذلك
قول ذي اليدين، وكذلك قول أبي بكر وعمر، نعم وأمثال ذلك كلها ليست من
الأقوال الناسية، فلا بد من التأويل على أصولهم أيضاً .
قال الحافظ في ((الفتح)) (٢): واستدل به على أن تعمد الكلام لمصلحة
(١) كذا في الأصل والظاهر ((كلام)).
(٢) ((فتح الباري)) (١٢٧/٣).
٢٩٦
-----------

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
الصلاة لا يفسد، وتُعُقِّب بأنه ◌َّ لم يتكلم إلا ناسياً، وأما قول ذي اليدين له:
(بلى قد نسيت))، وقول الصحابة له: ((صدق ذو اليدين))، فإنهم تكلموا معتقدين
النسخ في وقت يمكن وقوعه فيه، وهو فاسد؛ لأنهم تكلموا بعد قوله: (لم
تقصر))، وأجيب بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومأوا كما عند أبي داود، وهذا
اعتمده الخطابي، وقال: حمل القول على الإشارة مجاز سائغ كما تقدم، لكن
يبقى قول ذي اليدين: بلى قد نسيت، ويجاب عنه وعن البقية على تقدير ترجيح
أنهم نطقوا بأن كلامهم كان جواباً للنبي و سل و، وجوابه لا يقطع الصلاة كما
سيأتي البحث في ذلك، انتهى.
وأنت خبير بأن الحافظ مال إلى وجوب الإجابة أعم من أن يقطع الصلاة
أم لا، كما تقدم في محله، ومع هذا فما الجواب عن قول السرعان: قصرت
الصلاة؟ والجملة أن الأخذ بعموم هذه الروايات لما فيها من الأمور المتكثرة
مشكل على الكل من الأئمة الأربعة، وأَوَّلُوا الروايات إلى ما تَرَجَّحَ عندهم من
ملاحظة الأحاديث والآثار، ومع هذا استدل بها من أباح نوعاً من أنواع
الكلام، واستدل مَنْ منعه مطلقاً كالحنفية ومن وافقهم بقوله عز وجل: ﴿وَقُومُواْ
لِلَّهِ قَكِتِينَ﴾ وبعموم الروايات الواردة في الباب، منها حديث معاوية بن الحكم
السلمي أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم مطولاً ومختصراً، وفيه: ((إن
هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير
وقراءة القرآن)) الحديث، والاستدلال به من وجهين: الأول: بعموم قوله:
((شيء من كلام الناس))، والثاني: بحصر إنما هو.
ومنها الروايات الواردة في سهو الإمام من قوله و لر: ((من نابه شيءٌ في
الصلاة فليُسبِّح الرجال وليُصفّقِ النساء))، وأنت خبير بأن الكلام لو كان مباحاً
لإصلاح الصلاة ما احتاجوا إلى التسبيح، والتصفيق، على أنهما مبهمان، لا
يُفَهِّمَان محلَ السهو، والروايات في هذا المعنى مشهورة، رويت بطرق عديدة
اكتفينا بذكر الباب عن سرد الروايات. ومنها حديث أبي عمرو الشيباني عن
٢٩٧

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
زيد بن أرقم قال: ((كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا
بالسكوت))، الحديث. وزيد بن أرقم لم يصحب النبي ◌َّ إلا بالمدينة، قال أبو
عمر: الصحيح أن بالمدينة نسخ الكلام في الصلاة، كذا في ((البذل))(١).
ومنها حديث ابن مسعود مرفوعاً: ((إن الله يُحدث من أمره ما شاء، وإنه
قضى أن لا تتكلموا في الصلاة))، وأجابوا عن روايات الباب بحملها على ما
قبل نسخ الكلام، وهذا جواب مشهور عند المشايخ، ويُجَاب أيضاً بما سنح
في خاطري أن الروايات المتقدمة بعمومها تنفي كل أنواع الكلام مطلقاً، ورواية
ذي اليدين هذه لو سُلِّم تأخّرها على قولكم، لا بد أن تكون ناسخاً للنهي
المتقدم، فمع ما فيها من تكرار النسخ لا تصلح ناسخاً لكونها مبهمة المراد،
لم يتحقق بعد أن الكلام كان للسهو أو للإصلاح أو لأمر آخر.
ويجاب أيضاً بما في ((أحكام القرآن)) للجصاص أن قصة ذي اليدين
ليست فيها التسبيح المأمور به، ففيه دليلٌ على أنها كانت على أحد وجهين:
إما قبل حظر الكلام في الصلاة، أو تكون بعد الحظر، فأبيح به الكلام ثم
حظر بقوله: التسبيح للرجال، اهـ. وبما تقدم من كلام الحافظ في ((الفتح)) أنهم
تكلموا معتقدين النسخ في وقت يمكن وقوعه فيه إلى آخر ما قاله.
وبما قال ابن حبان في ((صحيحه)) في النوع السابع عشر من القسم
الخامس بعد ما أخرج حديث أبي هريرة من قصة ذي اليدين: قال الزهري:
كان هذا قبل بدر، ثم أَحْكِمَتْ الأمور بعد، وقد وافقه على ذلك ابن وهب على
ما حكاه عنه العلامة ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) حيث قال: إنما كان
حديث ذي اليدين في بدء الإسلام، ويؤيده ما أخرجه الطحاوي عن ابن عمر أنه
ذكر له حديث ذي اليدين فقال: كان إسلام أبي هريرة بعدما قتل ذو اليدين.
(١) (بذل المجهود)) (٣٥٧/٥).
٢٩٨

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حديث
وبما في ((العرف الشذي)): أنه عليه الصلاة والسلام أتى جذعاً من نخلة
وهي الحنّانة، وقد دُفِنَتْ بعد وضع المنبر، ووضع المنبر في السنة الثانية،
فكانت الوقعة قبل ذلك.
وبأن عمر كان حاضراً في هذه القصة لما تقدم، ولما وقع له مثل ذلك
أعاد الصلاة، أخرج الطحاوي في ((معاني الآثار)) بإسناده عن عطاء قال: صلى
عمر بن الخطاب بأصحابه فسلم في الركعتين، ثم انصرف، فقيل له: فقال:
إني جهزت عيراً من العراق بأحمالها وأحقابها حتى وردت المدينة، فصلى بهم
أربع ركعات، قال النيموي: هذا مرسل جيّد كذا في ((البذل))(١). قال
الطحاوي: ولم ينكره على عمر أحد من الصحابة.
وبما قيل: إن هذا كان خطاباً للنبي وَ لّ وجواباً له كما قال النووي.
وبأنه وقع في بعض هذه الروايات الأمور المستكثرة من المشي،
والخروج من المسجد، والدخول، والأذان، والإقامة، وغير ذلك من الأمور
التي تظهر من ملاحظة الروايات، ولم يقل بها أحد من الأئمة، بل ولا من
الأمة، فلا بد أن تحمل على بدء الزمان، ولا تعجب منهم في أنه إذا يكون
البحث في الكلام في الصلاة يكون حديث ذي اليدين ناسخاً ومؤخراً، وإذا
يكون البحث في محل سجود السهو يكون حديث ذي اليدين منسوخاً متقدماً
على الروايات الواردة في ذلك.
قال الحازمي في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) (٢): اختلفت النسخ في هذه
المسألة أي محل السجود على أربعة أقوال؛ فطائفة رأت السجدة بعد السلام،
وذهبت طائفة إلى أن السجود قبل السلام، أخذاً بحديث ابن بحينة، وزعموا أن
حديث ذي اليدين منسوخ، انتهى.
(١) ((بذل المجهود)) (٣٥٦/٥).
(٢) انظر: ((الناسخ والمنسوخ)) (ص٢١٧). وفيه ((اختلف أهل العلم)).
٢٩٩

٣ - كتاب الصلاة
(١٥) باب
(٢٠٦) حدیث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌّ: كُلُّ سَهْوِ كَانَ نُقْصاناً مِنَ الصَّلاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ
قَبْلَ السَّلامِ، وَكُلُّ سَهْوٍ كَانَ زِيَادَةً فِي الصَّلاةِ، فإنَّ سُجُودَهُ بَعْدَ السَّلامِ.
(قال يحيى: قال مالك: كل سهو كان نقصاناً من الصلاة) كترك الجلوس في
الوسط مثلاً (فإن سجوده) ينبغي أن يكون (قبل السلام) كما في حديث ابن بحينة.
قلت: وكذلك عندهم إذا اجتمع النقص مع الزيادة تغليباً للنقص.
(وكل سهو كان زيادة في الصلاة)، قال الزرقاني (١): كفعله ◌َلّر في قصة
ذي اليدين، لأنه زاد سلاماً وعملاً وكلاماً، اهـ.
قلت: أطلق الزرقاني على هذه الأمور الزيادة في الصلاة، وهو محتمل
باعتبار البعض، والأوجه أن يقال: إن هذا مبني على رواية ابن القاسم، إذ
قال: إنه يجب عليه في مثل هذه الصورة أن يجلس، ثم يقوم ويتم صلاته، لأن
قيامه الأول كان في غير صلاة، وقيامه للصلاة أي الركعة الثالثة مستحق،
فيجب أن يعود إلى الهيئة التي تحلل من صلاته فيها، خلافاً لابن نافع إذ قال:
لا يجلس، كما بسطه الباجي، فحمله على رواية ابن القاسم أوجه؛ لأن هذا
الجلوس الثاني يكون زيادة في الصلاة لا محالة.
(فإن سجوده) أي المصلي في صورة الزيادة يكون (بعد السلام) قال
الحافظ: وهكذا أي بالتفرقة قال مالك والمزني وأبو ثور من الشافعية، وزعم
ابن عبد البر أنه أولى من قول غيره؛ للجمع بين الخبرين، وقال ابن دقيق
العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادّعاء النسخ، لكن قال الخطابي:
لم يرجع من فرق بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح، وأيضاً فقصة
ذي اليدين وقع السجود فيها بعد السلام، وهي نقصان، وأما قول النووي:
أقوى المذاهب فيها قول مالك ثم أحمد(٢) فقد قال غيره: بل طريق أحمد
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٩٧/١).
(٢) كذا قاله الحافظ في ((الفتح))، لكن قال النووي في (شرح مسلم)): أقوى المذاهب هنا
مذهب مالك ثم مذهب الشافعي، اهـ. ز.
٣٠٠
.---