النص المفهرس
صفحات 201-220
٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٢) باب العمل في الجلوس في الصلاة (١٢) العمل في الجلوس في الصلاة يعني كيف يجلس في الصلاة، أعم من أن يكون للتشهد أو بين السجدتين، وما يلحق بالجلوس كالإشارة في التشهد. واختلفت الأئمة في سنة الجلوس في الصلاة: فالسنة عندنا الحنفية، الافتراش، وهو أن ينصب اليمنى ويفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، قال الترمذي(١): وهو قول الثوري، وابن المبارك، وأهل الكوفة، اهـ. والسنة عند مالك في المشهور: التورك في الجلسات كلها، وهو أن ينصب اليمنى ويثني رجله اليسرى ويقعد على الأرض، وعند بعض المالكية: الافتراش فيهما، كما عند الحنفية، كذا في ((التنسيق)). والسنة عند الشافعية في الجلسات بين الصلاة كالحنفية، وفي آخر الصلاة كالمالكية . والسنة عند الحنابلة، كما في (المغني)) و((نيل المآرب)): أن لا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما . فالفرق بين الشافعية والحنابلة: أن في الصبح والجمعة مثلاً يتورك عند الشافعية (٢)، دون الحنابلة، والتحقيق أن الاختلاف بينهما مبني على علة التورك، فهي تطويل التشهد عند الشافعية، والتفريق بين التشهدين عند الحنابلة، فما ليس فيه إلا تشهد واحد، لا حاجة فيه إلى التفريق، كذا في ((المغني)). قلت: والأوجه عندي أن مدار التورك عند الشافعي تعقيب السلام، كما يظهر من كلام النووي في ((شرح مسلم))(٣)، إذ قال: قال الشافعي: السنة أن (١) ((جامع الترمذي)) مع ((عارضة الأحوذي)) (٨٦/٢). (٢) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٢٦٥/٤): والشافعي يذهب في الجلسة الأخيرة إلى حديث أبي حميد الساعدي، أخرجه الترمذي في السنن (١٠٥/٢ - ١٠٨). (٣) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢١٥/٤). ٢٠١ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب ٠٠٠ يجلس كل الجلسات مفترشاً إلا التي يعقبها السلام، فلو كان مسبوقاً وجلس إمامه متوركاً جلس المسبوق مفترشاً، لأن جلوسه لا يعقبه سلام، انتهى. وقال في ((شرح المهذب)): قال أصحابنا: الحكمة في الافتراش في التشهد الأول، والتورك في الثاني، أنه أقرب إلى تذكر الصلاة وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن السنة تخفيف التشهد الأول فيجلس مفترشاً ليكون أسهل للقيام، والسنة تطويل الثاني، ولا قيام بعده فيجلس متوركاً؛ ليكون أعون له وأمكن ليتوفر الدعاء، ولأن المسبوق إذا رآه علم أنه في أي التشهدين، اهـ. وقال الحافظ: وقد قيل في حكمة المغايرة بينهما: إنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثاني، ولأن المسبوق إذا رآه علم قدر ما سبق به، اهـ. واستدل الحنفية في ذلك برواية عائشة عند مسلم بلفظ: كان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، قال النووي(١): فيه حجة لأبي حنيفة ومن وافقه. وبرواية وائل بن حجر (٢) بلفظ: ((فلما قعد وتشهد فرش قدمه اليسرى على الأرض وجلس عليها)) رواه سعيد بن منصور، والطحاوي، قال النيموي(٣): إسناده صحيح، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجه. وعن ابن عمر قال: من سنة الصلاة أن تَنْصِبَ القدم اليمنى واستقباله بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى. رواه النسائي(٤)، قال النيموي(٥): إسناده صحيح. وبحديث رفاعة: أن النبي ◌َّ قال (١) انظر: ((شرح النووي على مسلم)) (٢١٤/٤). (٢) انظر: ((التمهيد)) (١٩٤/١٣ - ١٩٥) و(٢٤٦/١٩). (٣) ((آثار السنن)) (١/ ١٢٣). (٤) أخرجه: البخاري (ح ٨٣٧)، وأبو داود (ح ٩٥٨، ٩٥٩)، والنسائي (ح ١١٥٨). (٥) ((آثار السنن)) (١٢٣/١). ٢٠٢ --- -- - .....--. .. . ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٣) حديث ٤٨/١٩٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُسْلِم بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَلِيٌّ بُنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْمُعَاوِيِّ؛ أَنَّه قَالَ: رَآنِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنَا أَعْبَتُّ بِالْحَصْبَاءِ للأعرابي: ((إذا جلست فاجلس على رجلك اليسرى)) رواه أحمد وأبو داود، قال الشوكاني: ولا مطعن في إسناده، وأخرجه ابن أبي شيبة وابن حبان. ووجه الاستدلال بتلك الروايات أنهم ذكروا هذه الصفة لجلوس التشهد ولم يُقَيِّدوه بالأول، واقتصارهم عليها من دون تعرض لذكر غيرها مُشعِر بأنها هي الهيئة المشروعة في التشهدين جميعاً، ولو كانت مختصة بالأول لذكروا هيئة الأخير ولم يهملوه، سيما وهم بصدد بيان صلاة رسول الله وَ ل وتعليمه لمن لا يحسن الصلاة، فعلم بذلك أنها شاملة لهما، كذا في ((النيل)). ٤٨/١٩٣ - (مالك، عن مسلم بن أبي مريم) (١) واسمه يسار المدني مولى الأنصار، وثقه أبو داود وغيره، وأثنى عليه مالك، وكان رجلاً صالحاً يهاب رفع الحديث، روى له الشيخان، مات في خلافة المنصور، (عن علي بن عبد الرحمن)(٢) تابعي مدني ثقة، (المعاوي) بضم الميم وفتح العين وبعد الألف واو، كذا في الزرقاني، وكذا بالضم ضبطه في ((الخلاصة)) و((الأنساب)) للسمعاني، فما في ((التقريب)) بفتح الميم لعله سهو من الكاتب، قال ابن عبد البر: منسوب إلى بني معاوية فخذ من الأنصار، قلت: وفي ((الأنساب)) هي نسبة إلى معاوية، وهم جماعة منهم علي بن عبد الرحمن، وهو ينسب إلى بني معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بطن من الأوس، اهـ. قال في ((التقريب)): ثقة من الرابعة. (أنه قال: رآني عبد الله بن عمر، وأنا أعيت بالحصباء) أي صغار الحصى (١) انظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) (١٣٢٧/٣)، و((تهذيب التهذيب)) (١٣٨/١٠)، و((تقريب التهذيب)) (٢٤٧/٢). (٢) انظر ترجمته فى: ((تهذيب الكمال)) (٩٩٤/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٣٦١/٧)، و((تقريب التهذيب)» (٢٤٠/٢). ٢٠٣ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٣) حديث فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفْتُ نَهَانِي. وَقَالَ: اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه يَصْنَعُ. فَقُلْتُ: وَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّه يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، .... (في الصلاة) متعلق بقوله: أعبث، وهل كان ابن عمر أيضاً في الصلاة أو خارجها، محتملان، والصواب الأول، لرواية ابن عيينة عن مسلم بن أبي مريم ((فلما انصرف))، ومرة قال: ((فلما فرغ عن صلاته)) الحديث، (فلما انصرفت) وانصرف هو أيضاً عن الصلاة، ولفظ القعنبي، عن مالك عند أبي داود بلفظ: ((فلما انصرف)) (نهاني) عن ذلك لكراهته في الصلاة، ولم يأمر بالإعادة؛ لأن العمل إذا لم يكثر لا يكون مفسداً، وهذا إجماع من الأئمة الأربعة لا يخفى على من طالع كتب الفروع، صرَّح به فقهاء الحنفية، وابن رشد في ((مقدماته)) من المالكية، وابن قدامة في ((المغني)) من كتب الحنابلة، وابن رسلان والنووي من الشافعية، تركنا بسط أقوالهم روماً للاختصار. وفي ((الشرح الكبير)): والعمل المستكثر في العادة من غير جنس الصلاة كالحك والمشي تبطل الصلاة بكثيره عمداً كان أو سهواً بالإجماع، وإن كان متفرقاً لم تبطل لحديث حمل أمامة في الصلاة، فهذا لو اجتمع كان كثيراً، وإن كان العمل يسيراً لم يبطلها، والمرجع في الكثير واليسير إلى العرف، انتهى. (وقال) أي ابن عمر، ولم يقتصر على المنع من العبث فقط، بل أرشده إلى أدب الجلوس في الصلاة تكميلاً للفائدة (اصنع كما كان رسول الله اَل يصنع) في جلوس الصلاة، (فقلت) حرصاً ومبادرة لتحصيل السنة (كيف كان رسول الله ولم يصنع؟ قال) ابن عمر: (كان) وَّ (إذا جلس في الصلاة) أي للتشهد؛ إذ ليس هذا حكم الجلوس في الصلاة مطلقاً، والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي بألفاظ مختلفة بمعناه، وروى البيهقي من حديث عبد الله بن الزبير قال: ((كان رسول الله وَ ل﴿ إذا جلس في اثنتين أو أربع، وضع يديه على ركبتيه وأشار بأصبعه))، (وضع كفه اليمنى) أي بسطها أولاً (على فخذه اليمنى وقبض) بعد ذلك (أصابعه كلها). ٢٠٤ 1 ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٣) حديث وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَقَالَ: هُكَذَا كَان يَفْعَلُ. أخرجه مسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٢١ - باب صفة الجلوس في الصلاة، حديث ١١٦. قال ابن الهمام في ((فتح القدير)) (١): لا شك أن وضع الكف مع قبض الأصابع لا يتحقق حقيقة، فالمراد - والله أعلم - وضع الكف ثم قبض الأصابع بعد ذلك للإشارة، وهو المروي عن محمد، وكذا عن أبي يوسف في ((الأمالي))، انتهى. وهذا أحد الوجوه الواردة في كيفية الإشارة، وقد رويت فيها روايات مختلفة كما سيجيء الكلام على بعضها، والأمر مُتَّسع. قال الرافعي: الأخبار وردت مختلفة وكأنه ﴾ كان يصنع مرة هكذا ومرة هکذا، انتهى. ثم اختلف الفقهاء في وقت العقد، فجمهور الشافعية كما يفهم من كتبهم على أنه يعقد حين يجلس، والمختار عند أصحابنا أنه يبسط أولاً ثم يعقد عند الإشارة كما تقدم عن ابن الهمام، ويؤيد كلامه حديث الباب، وقال القاري في ((تزيين العبارة)): المعتمد عندنا لا يعقد إلا عند الإشارة لاختلاف ألفاظ الحديث، وبما اخترنا يحصل الجمع بين الأدلة، فإن بعضها يدل على أن العقد من أول القعود، وبعضها يشير إلى أنه لا عقد أصلاً مع الاتفاق على تحقيق الإشارة، انتهى. (وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام) وهي السبابة، زاد ابن عبد البر(٢) في حديث سفيان عن مسلم: وقال هي مِذبَّة الشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بأصبعه، اهـ. قلت: وليست هذه الزيادة في حديث سفيان عن النسائي. (ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى) باسطاً عليه، (وقال) ابن عمر: (هكذا كان) رسول الله وَ له (يفعل). قال الإمام محمد(٣): وبصنيع رسول الله وَالـ نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، اهـ. (١) ((فتح القدير)) (٢٧٢/١). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦٢/٤). (٣) ((التعليق الممجد)) (٤٦٤/١). ٢٠٥ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٣) حديث قلت: وفي الحديث استحباب الإشارة بالسبابة في التشهد، وهو مجمع عند الأئمة الأربعة، كما هو معروف في كتب المذاهب، وما قاله بعض الحنفية من عدم استحبابه عندنا ردَّه المحققون، كما حققه الشيخ في ((البذل)) (١). نعم اختلفت الأئمة فيما بينهم في مسألتين: أولاهما: في كيفية الإشارة؛ فقد وردت فيها روايات مختلفة كما تقدمت الإشارة إليها؛ منها: أن يقبض الأصابع كلها إلا المُسَبِّحة والإبهام، فيعقد كأنه يعقد ثلاثاً وخمسين، وهي رواية ابن عمر. ومنها: كأنه يعقد ثلاثاً وعشرين، وهي رواية ابن الزبير. ومنها: يقبض الأصابع الثلاثة ويرسل الإبهام والوسطى، وهي رواية أبي حميد الساعدي، قلت: كذا في ((السعاية))، وقد تتبعت من روايات أبي حميد الساعدي فلم أجد فيها ذكر القبض، بل ظاهر روايات أبي حميد الإشارة مع البسط. ومنها: يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى والإبهام، وهي رواية وائل، وهي المرجحة عندنا الحنفية كما سيجيء. قال الطيبي(٢): وللفقهاء في كيفية القبض ثلاثة وجوهٍ، وفي تتمة أصحاب الشافعي في كيفية القبض ثلاثة أقوال، كذا في ((السعاية))، قال ابن رسلان: والأصح عند الشافعية: أن يقبض الوسطى والإبهام أيضاً، وفي كيفية قبض الإبهام على هذا وجهان، أصحهما كأنه عاقد ثلاثة وخمسين، والثاني كأنه عاقد ثلاثة وعشرين. قال الأصحاب: وكيف فعل من هذه الهيئات فقد أتى بالسنة، وإنما الخلاف في الأفضل، انتهى. وقال البيهقي بعد حديث وائل: ونحن نجيزه، ونختار ما روينا في حديث ابن عمر، ثم ما روينا في حديث ابن الزبير لثبوت خبرهما وقوة سندهما، اهـ. (١) (٣١٧/٥). (٢) ((شرح الطيبي)) (١٠٣١/٣). ٢٠٦ -- ---- ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٣) حديث ولم أظفر بعد في كتب المالكية على كيفية الإشارة، نعم ذكر ابن رشد، وغيره في المندوبات الإشارة بدون ذكر الكيفية، وما رأيت من عمل المالكية في المدينة المنورة هو الإشارة ببسط اليدين، وذكره الخطابي فعل أهل المدينة. والمرجح عندنا الحنفية التحليق، كما في رواية وائل، أو قبض الأصابع كلها سوى المسبحة، كما في ((السعاية)) (١)، والأشهر هو الأول. وفي ((التعليق الممجد))(٢): والمختار عند أصحابنا هو العقد أو التحليق، والثاني أحسن، كما حققه القاري في رسالته ((تزيين العبارة)). قلت: وقال في ((المرقاة))؛ لرواية وائل: هو المختار عندنا؛ وهو المختار عند الحنابلة، فذكر ابن قدامة في ((المغني))، ثلاث صور: الأولى: التحليق، والثانية: العقد، والثالثة: الإشارة باسطاً يديه، ثم قال: والأول أولى؛ وذكر في المندوبات من ((نيل المآرب)) و((الروض المربع)): التحليق فقط دون غيره؛ وهذا إجمال الكلام في المسألة الأولى. وأما الثانية: فهي في تحريك الأصابع؛ فلا يحرك الأصبع عندنا الحنفية، وكذا عند الحنابلة كما في ((المغني))، وهو المفتى به عند الشافعية، كما في ((البذل))(٣) و((السعاية)) (٤) عن العزيزي، وبه قال ابن القاسم من المالكية، كما قاله الباجي، والمشهور عند المالكية التحريك، لكن أنكره ابن العربي. وقال الباجي(٥): وقد روي عن مالك أنه كان يخرجها من تحت البرنس ويواظب على تحريكها ، اهـ. (١) (٢٢٠/٢). (٢) (٤٦٣/١). (٣) (٢٢٠/٥). (٤) (٢٢٠/٢). (٥) ((المنتقى)) (١٦٥/١). ٢٠٧ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٣) حديث قلت: وفي قول بعض الشافعية تبطل الصلاة بتكرر التحريك، كما في كتب فروعهم، لأنه عمل كثير، واستدل الجمهور برواية ابن الزبير، أنه والقر كان يشير بأصبعه إذا دعا ولا يحركها، أخرجها أبو داود والنسائي. قال النووي: إسناده صحيح، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه))، وقال ابن حجر: وخبر تحريك الأصابع مذعرة للشيطان، ضعيف، وقال العزيزي: سنده ضعيف، والمفتى به عند الشافعية ندب رفعها بلا تحريك، اهـ. قلت: وكذا أنكر على التحريك ابن العربي المالكي أشد الإنكار، كما سيجيء من كلامه، وأخرج البيهقي حديث ابن الزبير في عدم التحريك، ثم ذكر حديث وائل في التحريك، ثم قال: فيحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة لا تكرير تحريكها، فيكون موافقاً لرواية ابن الزبير، انتهى. قلت: وإليه يظهر ميل النسائي إذ بوَّب في ((سننه)) موضع البصر عند الإشارة وتحريك السبابة، ولم يذكر فيه حديث التحريك، بل أورد حديث ابن الزبير الدال على خلافه كما أوضحته فيما علقته على ((المجتبى)). قال الشوكاني: ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي رواية أبي داود لحديث وائل، فإنه بلفظ: ((وأشار بالسبابة))، قلت: وجُلُّ روايات وائل بلفظ: ((يحركها يدعو بها))، فالظاهر أن لفظ ((يدعو بها)) تفسير لقوله: ((يحركها)) والمراد بها حركة الإشارة لا حركة أخرى بعد الإشارة، وفي الحاشية عن ((المحلى)) عند مالك والجمهور: المراد بالتحريك هو الرفع لا غير، فلا يعارضه ما في رواية أخرى بلفظ ((يشير بأصبعه ولا يحركها)»، اهـ. وبناء على هذا الاختلاف اختلف العلماء في معنى الإشارة، فمن ذهب إلى عدم التحريك، فقال: إنه إشارة إلى التوحيد بالفعل مطابقة للقول تأكيداً له، وكان ابن الزبير يقول: لم يكن رسول الله ولم يحرك مسبحته إلا عند إشارته، وكان ينوي بها التوحيد والإخلاص، ورأى ابن عمر رجلاً يشير ٢٠٨ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٤) حديث ٤٩/١٩٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن دِينَارِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَصَلَّى إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ، فَلَمَّا جَلَسَ الرَّجْلُ فِي أَرْبَعِ، تَرَبَّعَ وْثَى رِجْلَيْهِ، بأصبعين، فقال له: إنما الله إله واحد فأَشر بأصبع واحدة، كذا في ((كشف الغمة)). وقد أخرج البيهقي(١) عن خفاف بطرق، قال: رأيته و # كان يشير بأصبعه إذا جلس يتشهد، وكان المشركون يقولون: إنما يسحرنا، وإنما يريد النبي صَلى له التوحيد. وروي عن ابن عباس مرفوعاً قال: هكذا الإخلاص، يشير بأصبعه التي تلي الإبهام، ومن ذهب إلى التحريك قال: هو قمع وطَرْدٌ للشيطان واشتغال به عن السهو، كما في الباجي. قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي))(٢): إياكم وتحريك أصابعكم في التشهد، ولا تلتفتوا إلى رواية ((العتبية)) بليةً، وعجباً ممن يقول: إنها مقمعة للشيطان إذا حركت، اعلموا أنكم إذا حركتم للشيطان أصبعاً حرك لكم عشراً، إنما يقمع الشيطان بالإخلاص والخشوع والذكر والاستعاذة، فأما بتحریکه فلا، وإنما عليه أن يشير بالسبابة، كما جاء في الحديث، وحديث وائل بلفظ: تحرك أيديهم تحت الثياب، لم يصح، وإن صح فمعناه تحرك عند البسط والقبض وتصويف الهيئة المذكورة، انتهى. ٤٩/١٩٤ - (مالك، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع عبد الله بن عمر) بن الخطاب (و) الحال أنه قد (صلى إلى جنبه) أي جنب ابن عمر (رجل) لعله ابنه، كما في الحديث الآتي (فلما جلس) ذاك (الرجل في) الرابعة من (أربع) ركعات، وظاهره أنه لم يجلس في ما بعد الركعتين هكذا، ووجهه ظاهر فإن الجلوس بعد الركعتين طويل فالعذر فيه أقوى (تربَّع وثنى رجليه). (١) ((السنن الكبرى)) (١٣٣/٢). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٨٥/٢ - ٨٨). ٢٠٩ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٤) حديث فَلَمَّا انْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ، عَابَ ذُلِكَ عَلَيْهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّكَ تَفْعَلُ ذُلِكَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: فَإِنِّي أَشْتَكِي. قال الباجي(١): التربّع على ضربين؛ أحدهما: أن يخالف بين رجليه فيضع رجله اليمنى تحت ركبته اليسرى ورجله اليسرى تحت ركبته اليمنى. والثاني: أن يتربع ويثني رجليه من جانب واحد فتكون رجله اليسرى تحت فخذه وساقه اليمنى ويثني رجله اليمنى فتكون عند أليته اليمنى، ويشبه أن هذه كانت قعدة الرجل، انتهى. قلت: والعجب من الباجي كيف اختار هذه الصورة؛ لأنها هي التورك بعينه، فيكون إنكار ابن عمر على الرجل متعلقاً بجلوس التورك، اللهم إلا أن يقال: إنها لما كانت منصوصة كما ستجيء في رواية إراءة القاسم فاضطر الباجي إلى اختياره؛ فالحديث حينئذ حجة لمن أنكر التورك؛ وحمله على العذر كما لا يخفى. (فلما انصرف عبد الله) من الصلاة (عاب ذلك) الجلوس (عليه) أي على الرجل؛ لأنه ترك سنة الجلوس في الصلاة (فقال الرجل) لعبد الله معتذراً (فإنك تفعل ذلك) يعني تجلس مثل ذاك الجلوس (فقال عبد الله بن عمر) في اعتذاره (فإني أشتكي) يعني إني لا أفعل هذا لكونه سنة الجلوس في الصلاة، وإنما أفعله لشكوى في رجلي. قال الباجي(٢): كان ابن عمر فُدِعَ بخيبر؛ فلم تعد رجلاه على ما كانت عليه، وكان يشتكيها، فكان يجلس في الصلاة على حسب ما كان يقدر عليه، اهـ. وفي الحديث دليل على أن التربع لا يجوز للجالس في صلاته من الرجال إذا كانوا أصحّاء، واختلف فيه للنساء، وفيه دليل على أن من لم يقدر على (١) ((المنتقى)) (١٦٥/١). (٢) ((المنتقى)) (١٦٥/١). ٢١٠ - ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٥) حديث ... ٥٠/١٩٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَدَفَةَ بْنِ يَسَارٍ، الإتيان بسنة الصلاة أو فريضة، جاء بما يقدر عليه منها مما يناسبها، كذا في ((الاستذكار))(١)، قلت: سيأتي الكلام على تربع الرجل. وأما المرأة: فالمستحب لها التورك عندنا مطلقاً، وجعله في ((البرهان)) و ((رسائل الأركان)) إجماعياً، والصواب أن فيه خلافاً بين الأئمة كما تقدم في كلام ((الاستذكار))؛ قال العيني: حكى القاضي عياض عن بعض السلف أن سنة المرأة التربع؛ قال النووي: جلوس المرأة كجلوس الرجل، اهـ. نعم توافق مالك وأحمد والحنفية في هذه المسألة. قال ابن قدامة في ((المغني)): وتجلس متربعة أو تُشْدل رجليها فتجعل في جانب يمينها. قال أحمد: والسدل أعجب إليَّ، واختاره الخلّال. قال علي: إذا صلت المرأة فلتحتفز ولتضم فخذيها، اهـ. وصرح في ((المدونة)): أن المرأة تجلس على الورك كالرجل. قلت: وفي ((مسند الإمام أبي حنيفة)) عن نافع، عن ابن عمر، أنه سئل كيف كن النساء يصلين على عهد رسول الله وَ﴾؟ قال: كن يتربعن ثم أمرن أن يحتفزن. قال القاري(٢): أي يَضْمِمْنَ من أعضائهن بأن يتوركن، اهـ. وفي ((مصنف ابن أبي شيبة))(٣) بسنده إلى خالد بن اللجلاج قال: كن النساء يؤمرن أن يتربعن إذا جلسن في الصلاة، الحديث. وعن نافع: أن صفية كانت تصلي وهي متربعة؛ وعن نافع قال: كن نساء ابن عمر يتربعن في الصلاة. ١٩٥/ ٥٠ - (مالك، عن صدقة بن يسار) بفتح التحتانية والسين المهملة ضد اليمين، الجزري بالجيم والزاي. قال في الأنساب: بفتح الجيم والزاي نسبة إلى الجزيرة، وهي إلى عدة بلاد، نزيل مكة، تابعي صغير ثقة مات سنة (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦٣/٤). (٢) انظر: ((شرح مسند الإمام أبي حنيفة)) (ص١٩١). (٣) (٣٠٣/١). ٢١١ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٥) حدیث عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيم؛ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَرْجِعُ فِي سَجْدَتَيْنِ فِي الصَّلاةِ، عَلَى صُدُورٍ قَدَمَيْهِ، ١٣٢ هـ (عن المغيرة بن حكيم) بالياء في أكثر النسخ وجميع كتب الرجال؛ فما في بعضها بدون الياء سهو من الناسخ؛ الأبناوي الصنعاني، تابعي ثقة من رواة مسلم وغيره، أخرج له البخاري تعليقاً . (أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع في السجدتين) أي بين السجدتين (في الصلاة على صدور قدميه) قال الباجي (١): معنى رجوع ابن عمر على صدور قدميه في السجدتين أنه كان يرجع عليهما عند رفع رأسه من كل واحدة من سجدتيه في الصلاة إلى أن يستوي على قدميه، فرجوعه من الأولى إلى القعود على رجليه، لأنه أقرب ما كان يقدر عليه من هيئات الجلوس مما كان أيسر عليه في الرجوع إلى السجدة، وهذه الهيئة يتيسر عليها الرجوع منها إلى السجود، وأما في السجدة الثانية فلا يخلو إما أن يكون رجوعه إلى قيام أو جلوس، فإن كان رجوعه إلى جلوس عاد إلى تلك الحالة ثم تربَّع، لأنه كان لا يقدر على غير ذلك، وإن كان إلى قيام رجع على صدور قدميه إلى الاعتماد عليها، وهو قاعد، ثم ينهض إلى القيام، انتهى مختصراً. قلت: والظاهر أن المراد منه جلوسه بين السجدتين لا غير، كما هو لفظ رواية محمد في ((موطئه))(٢) عن المغيرة بن حكيم، قال: رأيت ابن عمر - رضي الله عنهما - يجلس على عقبيه بين السجدتين في الصلاة، الحديث. فحمل قوله: في السجدتين على بين السجدتين وجيه. ثم اعلم أن هذه إحدى الصورتين فسر بهما الإقعاء المنهي عنه في الروايات، وتوضيح الكلام فيه: أنه اختلفت الروايات في الإقعاء، ففي رواية (١) ((المنتقى)) (١٦٦/١). (٢) (٤٦٣/١). ٢١٢ -- ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٥) حديث ابن عباس أنه قال: سُنَّةُ نبيكم، وفي بعض الروايات ورد النهي منه، رواه الترمذي وغيره من حديث علي، وابن ماجه (١) من رواية أنس، وأحمد بن حنبل من رواية سمرة، وأبي هريرة، والبيهقي من رواية سمرة وأنس. واختلف المشايخ في ذلك، فذهب بعضهم إلى طريق الجمع، قال النووي: وقد اختلف العلماء في حكم الإقعاء وتفسيره اختلافاً كثيراً، والصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان؛ أحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض وهو النوع المكروه الذي ورد عنه النهي، والنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهو مراد ابن عباس - رضي الله عنهما - بقوله: ((سنة نبيكم)) وقد نص الشافعي على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وحمل عليه حديث ابن عباس جماعة من المحققين، منهم البيهقي والقاضي عياض وغيرهم، وذهب الجمهور إلى طريق الترجيح بينهم . قال ابن قدامة في ((المغني)) (٢): ويكره الإقعاء، وهو أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه، بهذا وصفه أحمد، قال أبو عبيد: وهذا قول أهل الحديث، والإقعاء عند العرب جلوس الرجل على أليتيه ناصباً فخذيه، ولا أعلم أحداً قال باستحباب الإقعاء على هذه الصفة، أما الأول فكرهه علي وأبو هريرة وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم، وفعله ابن عمر - رضي الله عنهما - وقال: لا تقتدوا بي، ونقل مُهَنّا عن أحمد أنه قال: لا أفعله ولا أعيبه، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: هو سنة نبيكم - 18 -، ولنا ما روي عن علي وأنس مرفوعاً، وقد روي (١) ((سنن ابن ماجه)) (٢٨٨/١ - ٢٨٩)، و((مسند أحمد)) (٢٦٥/٢)، و((السنن الكبرى)) للبيهقي (١٢/٢). (٢) (٢٠٦/٢). ٢١٣ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٥) حديث فَلَمَّا انْصَرَفَ ذَكَرَ لَهُ ذُلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةَ الصَّلاةِ، وَإِنَّما أَفْعَلُ هُذَا مِنْ أَجْلِ أَنِّي أَشْتَكِي. الافتراش من صفة جلوسه ول# في حديث أبي حميد وعائشة، وهذه الأحاديث أكثر وأصح فتكون أولى، انتهى ملخصاً . فعلم منه أن الأئمة الأربعة في المشهور عنهم ذهبوا إلى كراهة الإقعاء المفسر بالجلوس على العقبين، وما تقدم عن النووي من الاستحباب عن الشافعي قول له، كما صرح به النووي في ((شرح المهذب))، ونقله عنه في ((السعاية))، وأما المشهور عنه فهو الافتراش، كما نقله ابن قدامة وصرح به ابن رسلان . وحاصل الكلام أن الإقعاء المفسر بالجلوس على الأرض ناصباً فخذيه مجمع على كراهته، كما تقدم عن ((المغني))، وكذا نقل عليه الإجماع في ((الاستذكار)) (١) . وأما الإقعاء المفسر بالجلوس على العقبين فمكروه أيضاً عند الأربعة ترجيحاً لروايات النهي إلا في قول للشافعي وأحمد، وكذا عند النووي والبيهقي وبعض من السلف جمعاً بين الروايات فتدبر. (فلما انصرف) أي فرغ ابن عمر عن الصلاة (ذكر) ببناء الفاعل والضمير إلى مغيرة (له) أي لابن عمر، ولفظ محمد: فذكرت له (ذلك) أي استفسر عن ذاك الجلوس هل هو سنة الصلاة؟ واحتيج إلى الاستفسار؛ لما أنه رأى من فعل غيره ما يخالفه فقد تقدم أن الجمهور على كراهته (فقال) ابن عمر - رضي الله عنهما - (إنها) أي تلك الهيئة (ليست سنة الصلاة) بل سنتها الافتراش (وإنما أفعل) وأجلس (هذا) الجلوس (من أجل أني أشتكي) فالرجوع إلى السجدة الثانية أيسر حينئذ. (١) (٢٦٨/٤)، و((فتح الملهم)) (١٠٣/١). ٢١٤ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٦) حديث ٥١/١٩٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْفَاسِم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْذَ اَللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلاةِ إِذَا حَلَسَ، قَالَ: فَفَعَلْتُهُ وَأَنَا .... يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ، فَنَهَانِي عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ: إِنَّمَا سُنَّةُ الصَّلاةِ ٥١/١٩٦ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (عن عبد الله بن عبد الله) بتكبير الاسمين في أكثر النسخ الموجودة عندنا من نسخ الموطئين، وفي ((التعليق الممجد)) (١): قد وقع في كثير من نسخ هذا الكتاب عبيد الله بن عبد الله، اهـ. قلت: والصواب هو الأول كما في رواية البخاري وجماعة، قال العيني: والعبد مكبر في الابن والأب معاً. (ابن عمر) بن الخطاب - رضي الله عنهما - أبو عبد الرحمن المدني التابعي الثقة، سمي باسم أبيه، وكني بكنيته، وكان وصي أبيه مات سنة ١٠٥ هـ. (أنه) أي عبد الله بن عبد الله (أخبره) أي عبد الرحمن، وهذا صريح في أن عبد الرحمن أخذ الحديث عن عبد الله بدون الواسطة. قال الحافظ : واختلف فيه الرواة عن مالك، فأدخل معن بن عيسى وغيره عن مالك فيه بين عبد الرحمن وعبد الله قاسماً والد عبد الرحمن، بين ذلك الإسماعيلي وغيره، فكأن عبد الرحمن سمعه من أبيه عنه أولاً ثم لقيه بعد، أو سمعه منه معه وثبته فيه أبوه، انتهى (آنه) أي عبد الله (كان يرى) أباه (عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - أنه (يتربع في الصلاة) بعد أربع ركعات، كما تقدم في الحديث السابق، أو بعد الركعتين أيضاً، كما هو عموم قوله (إذا جلس) للتشهد. (قال) عبد الله بن عبد الله (ففعلته) أي التربع، أنا أيضاً اتباعاً لوالدي (وأنا يومئذ حديث السن) صغير لم أُميِّز بين فعل العذر وغيره (فنهاني) عن ذلك (عبد الله) بن عمر أي والدي. (وقال: إنما سنة الصلاة) هذه الصيغة من ألفاظ الرفع (١) (٤٨٠/١). ٢١٥ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٦) حديث أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى، وَتَثْنِيَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى، حكماً، قال الحافظ في ((شرح النخبة)): والأكثر على أنه مرفوع، ونقل ابن عبد البر فيه الاتفاق، وفيه نظر، ثم بسطه، قال النووي في ((التقريب)): قول الصحابي ((أمرنا بكذا)) أو ((من السنة كذا)) وما أشبهه، كله مرفوع، على الصحيح الذي قاله الجمهور (١). (أن تنصب رجلك اليمنى) أي ترفعها ولا تلصقها بالأرض، قال في (المجمع)): النصب إقامة الشيء ورفعه (وتثني) بفتح أوله بالمثناة الفوقية أي تعطفها، والمراد عندي تفرشها تحت الورك كما سيجيء (رجلك اليسرى) لم يبين في هذه الرواية ما يصنع بعد ثنيها هل يجلس فوقها أو يتورك؟ وهكذا مجملاً أخرجه البخاري في ((صحيحه))، وسيجيء في رواية القاسم أن يجلس على وركه الأيسر لا فوق الرِجل. وروى النسائي من طريق عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، أن القاسم حدثه، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: من سنة الصلاة أن ينصب اليمنى ويجلس على اليسرى، فجمع بينهما الحافظ في ((الفتح)) بحمل رواية النسائي على التشهد الأول ورواية القاسم على الثاني، واختار الزرقاني تفسير أثر الباب برواية القاسم الآتية قريباً، لما أن المرجح عند المالكية التورك في جلسات الصلاة كلها . والعجب كل العجب من الشيخين معاً على جلالة شأنهما سيما من الحافظ مع دقة نظره وسعة علمه، كيف فسرا أثر الباب بأثر القاسم، وهل هذا إلا مجرد العصبية منهما معاً؟ فإن كل واحد من الشيخين فسره بذلك وفق مذهبه . وأنت خبير بأن حديث القاسم الآتي لا يمكن أن يكون تفسيراً لقول ابن عمر - رضي الله عنهما - هذا أصلاً، لأن حديث القاسم الآتي بيان لفعل ابن عمر - رضي الله عنهما - وهذا قول منه - رضي الله عنه - وإرشاد إلى فعل (١) انظر: ((ظفر الأماني)) (ص٢٣١). ٢١٦ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٦) حديث فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّكَ تَفْعَلُ ذُلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ رِجْلَيَّ لَا تَحْمِلَانِّي. أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١٤٥ - باب سنة الجلوس في التشهد . السنة، ورد ونكير على من اقتدى بفعله، ولذا اعتذر عن فعله بأنه لشكوى في رجله لا يستطيع الجلوس على هذا النهج، فليت شعري كيف يكون فعله - رضي الله عنه - الآتي بياناً لقوله هذا؟ ولو كان كذلك فيكون نكيره ورده على ابنه عبد الله في هذا الأثر عبثاً، فلا يمكن أن يكون تفسير هذا القول إلا حديث النسائي القولي، فتأمل فإنه بديع جلي. ولذا قال محمد (١) بعد هذا الحديث: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، فتشكر، والله الموفق الميسر لما يحب ويرضى. (فقلت له) أي لابن عمر - رضي الله عنهما - (فإنك تفعل ذلك) أي التربع (فقال) - رضي الله عنه - اعتذاراً من فعله (إن رجلي) بشد الياء بلا ألف في رواية الأكثر، وفي رواية حكاها ابن التين ((رجلاي)) بالألف على لغة من يلزم المثنى الألف، أو ((إن)) بمعنى نعم، وفيه توجيهات أخر مما قيل في قراءة ﴿إِنّ هَذَانٍ لَسَحِرَنِ﴾ الآية. (لا تحملاني) بتشديد النون ويجوز تخفيفه، صرح به المشايخ. وهذا بناء على جواز إلحاق نون الوقاية وتركه بالمضارع مع النون الإعرابية، قال ابن الحاجب: وأنت مع النون الإعرابية الكائنة فيه - أي في المضارع - ومع لدنّ وإنَّ وأخواتها مخيرٌ بين الإتيان بنون الوقاية وتركها، انتهى. قال ابن عبد البر (٢): اختلفوا في التربع في النافلة وفي الفريضة للمريض، وأما الصحيح فلا يجوز له التربع في الفريضة بإجماع العلماء، كذا (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤٨٥/١). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (١٠٢/٦). ٢١٧ ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٧) حديث ١٩٧/ ٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُم الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ، فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَجَلَسَ عَلَى وَرِكِهِ الأَيْسَرِ، وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَرَانِي هُذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَحَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَفْعَلُ ذُلِكَ . قال، وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لأن أقعد على الرضفتين أحبُّ إليّ من أن أقعد متربعاً في الصلاة، وهذا يشعر بتحريمه عنده، ولكن المشهور عن أكثر العلماء أن هيئة الجلوس في التشهد سنة، فلعل ابن عبد البر أراد بنفي الجواز إثبات الكراهة، قاله الحافظ في ((الفتح))، قلت: وتقدم قريباً مثله عن ((الاستذكار)) . ٥٢/١٩٧ - (مالك، عن يحيى بن سعيد، أن القاسم بن محمد) المذكور (أراهم) أي الناس الحاضرين (الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى وثنى) ماض من الثني أي عطف، قال المجد: ثنى الشيء كسعى ورمى: رد بعضه على بعض، (رجله اليسرى وجلس على وركه) قال في ((المجمع)): الورك ما فوق الفخذ مؤنثة، وقال في ((القاموس)): الورك بالفتح والكسر ككتف، ما فوق الفخذ مؤنثة، والورك محركة عظمها (الأيسر) كذا في النسخ، والأوجه اليسرى، (ولم يجلس على قدمه ثم قال) القاسم: (أراني هذا) الجلوس (عبيد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب. قال الباجي(١): هذا قول أكثر الرواة عن مالك، وأما يحيى بن بكير فقال: عبيد الله بن عبد الله، اهـ. قلت: ظهر منه أن رواية يحيى بالتكبير، فما في النسخ الموجودة من التصغير وهم في رواية يحيى. (وحدثني) أي عبيد الله بن عبد الله (أن أباه) أي عبد الله بن عمر (كان يفعل ذلك) الجلوس لأجل شكوى في رجله. (١) ((المنتقى)) (١٦٧/١)، وفي نسخته: ((عبد الله بن عبد الله بن عمر)). ٢١٨ ..--- --- " ٣ - كتاب الصلاة (١٢) باب (١٩٧) حديث وظاهر السياق أن القاسم وعبيد الله بن عبد الله لا يجلسان هذا الجلوس، بل فعله كل واحد منهما مرة إراءة لهم جلوس ابن عمر، وأما ابن عمر فكان يفعله عادة، كما هو ظاهر الألفاظ. قال الزرقاني(١): والغرض من إيراد هذا الأثر بيان ما أجمل في الرواية المتقدمة من صفة الجلوس، انتهى، كذا قال الزرقاني. وتقدم أن هذا لا يمكن أن يكون تفسيراً لقول ابن عمر، ولكن جزم به الزرقاني لما اختاره المالكية من عموم التورك، ولذا خصه الشافعية بالجلوس الأخير، كما تقدم عن كلام الحافظ . ويشكل على هذا أن فعل ابن عمر كان التربع، وله صورتان كما تقدم في كلام الباجي، وهذه الهيئة لا تنطبق على واحدة منهما . والأوجه عندي في الجواب: أن المشايخ تصدوا بهذه الروايات لإثبات التورك واستحبابه، ولذا يتكلفون في انطباق إحداها بالأخرى، ويشكل عليهم. وما يخطر في البال، أن غرض الإمام مالك ليس بإيراد هذه الآثار إثبات استحباب التورك، فلا حاجة إلى جمع إحداها بالأخرى، بل كلها مستقلة، فإن ابن عمر لأجل شكوى في رجله يجلس كيفما يتيسر عليه، فإنه - رضي الله عنه - ربما يجلس مقعياً، وطوراً يجلس متربعاً، ويجلس متوركاً . وغرض الإمام بهذه الآثار بيان أن الجالس المعذور يجلس كيفما يتيسر عليه، وهذا الغرض مشترك في الآثار كلها، وأما استحباب التورك ففيه آثار أخر، ولذا لم يذكر في ((المدونة)) أثر من ابن عمر بل أثبت التورك برواية أبي حميد الساعدي، وأياً ما كان، فالمرجح عند الحنفية رواية النسائي المتقدمة، إذ هي قولية ومرفوعة حكماً عند أهل الأصول، لما قال: ((من سنة الصلاة أن (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٨٥/١). ٢١٩ ٣ - كتاب الصلاة (١٣) باب (١٣) باب التشهد في الصلاة ينصب اليمنى ويجلس على اليسرى))، ورواية القاسم هذه محتملة بأن ابن عمر يرتكبه لأجل العلة، وعدم حمل رجله القعدة المسنونة، فلا يصح الاستدلال بها على سنية التورك لا في الأولى ولا في الثانية. (١٣) التشهد في الصلاة أي ألفاظ التشهد، وهو تفعّل من الشهادة، سمِّي بذلك لاشتماله على الشهادتين تغليباً له على بقية الأذكار، لشرفهما من حيث إنه يصير بهما الرجل مؤمناً، ويرتفع عنه السيف وغير ذلك، واختلف أهل النقل في حكم التشهد عند العلماء جداً، فمست الحاجة فيه إلى شيء من التفصيل، فأقول: أما الإمام مالك فقال بسنيته مطلقاً (١)، كما قاله الزرقاني وجماعة، وعدّه من السنن أصحاب متونهم، كما في ((مختصر الخليل)) و((مختصر عبد الرحمن)) وغير ذلك، لكن قال ابن العربي(٢): ركن من أركان الصلاة ليس بواجب ولا محله واجب، فتأمل. وأما الإمام أحمد فنقل عنه الزرقاني والحافظ والنووي الإيجاب فيهما، وصاحب ((نيل المآرب)) الحنبلي جعل الأول واجباً والآخر ركناً، وصاحب البيت أدرى بما فيه، وكذا صاحب ((المغني))(٣) الحنبلي عَدَّ التشهد الثاني من الأركان، والأول من الواجبات، قاله العيني في ((شرح البخاري)). وفي ((المغني)): إن كانت الصلاة مغرباً أو رباعية فهما واجبان فيهما على إحدى الروايتين، وهو مذهب الليث وإسحاق، اهـ. وأما الإمام الشافعي فنقل عنه الزرقاني الإيجاب في الآخر دون الأول، (١) انظر: ((بداية المجتهد)) (١٢٩/١)، و((التمهيد)) (٢١٢/١٠)، و((الاستذكار)) (٢٧٦/٤). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٢/ ٨٣). (٣) (٣/١ - ٥)، ((والشرح الكبير)) (٣٢٤/١). ٢٢٠ -----