النص المفهرس
صفحات 181-200
٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٦) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ؛ أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُْعِم، كَانَ يَقْرَأْ خَلْفَ الإِمَامِ فِيمَا لا يَجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ . قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ ويمكن أن يجمع بينهما أنه لما كان يجوز الأمرين فقد كان يقرأ وقد لا يقرأ. (مالك، عن يزيد) بتحتية في أوله فزاي (ابن رومان) بضم الراء فسكون واو (أن نافع بن جبير بن مطعم كان يقرأ خلف الإمام فيما لا يجهر فيه) الإمام (بالقراءة). (قال يحيى: قال مالك: وذلك) أي الآثار المذكورة من التابعين الثلاثة (أحبُّ ما سمعت) من الآثار (إليّ) متعلق بأحب (في ذلك) المعنى، متعلق بسمعت، يعني الآثار المختلفة التي سمعتها في باب القراءة خلف الإمام، هذه الآثار المفرقة بين جهر الإمام وسرّه أحب إليّ، فإنها راجحة عند الإمام مالك، ولذا اختار هذا القول مسلكاً، وعند الحنفية الآثار الدالة على ترك القراءة مطلقاً أرجح فاختاروها . قال الإمام محمد في ((موطئه))(١): لا قراءة خلف الإمام فيما جهر فيه ولا فيما لم يجهر فيه، بذلك جاءت عامة الآثار، ثم خرّج الإمام محمد الآثار في ذلك المعنى . فروى عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: من صلى خلف الإمام كفته قراءته، وأخرجه الإمام مالك أيضاً كما سيأتي في الباب الآتي. وأخرج عن القاسم بن محمد: أنه كان لا يقرأ خلف الإمام، وتقدم الكلام عليه . (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤١٠/١). ١٨١ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٦) حديث وروى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - بطرق وألفاظ مختلفة، منها : أنه قال: أنصت فإن في الصلاة شغلاً، سيكفيك الإمام. وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة والطحاوي عنه، وفي ((التنسيق)): جيد الإسناد لا يتصور فيه الكلام، وأيضاً أخرج الطحاوي (١) بسنده عنه بلفظ: ((ليت الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه تراباً)). وعن علقمة بن قيس بلفظ: ((أن أعض على جمرة أحب إليّ من أن أقرأ خلف الإمام))، وأخرجه في كتابه ((الآثار)) عن إبراهيم، قال: ما قرأ علقمة بن قيس قط فيما يجهر ولا فيما لا يجهر، الحديث. وروى عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أنه قال: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة، ورواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) بلفظ: ((في فيه حجر)) وروي عنه بلفظ: ((لا صلاة له)). وروى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجراً، قال في (التنسيق)): وهذا سند جيد لا كلام فيه، ثم ردّ ما نقل عنه بخلافه فارجع إليه . وروى عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه قال: من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له، وأخرج مسلم في (صحيحه)) بسنده عن زيد قال: لا قراءة مع الإمام في شيء، وأخرجه الطحاوي بمعناه. وروي في الباب عن ابن مقسم أنه سأل عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وجابراً، قالوا: لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات، أخرجه الطحاوي . (١) انظر: هذه الآثار في ((شرح معاني الآثار)) (١٢٩/١). ١٨٢ ----- --- -------- .------- ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٦) حديث وعن علي - رضي الله عنه - قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة، أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وبسط الكلام على هؤلاء الآثار في ((التنسيق))(١) . وروي عن أبي الدرداء، أخرجه النسائي وصوب وقفه، والطحاوي، قلت: ولو سلم وقفه فلا ينكر من تقريره عليه السلام. وفي الباب عن ابن عباس - رضي الله عنهما - سئل: أقرأ والإمام بين يدي؟ قال: لا. أخرجه الطحاوي(٢)، وروي عنه بمعناه مرفوعاً، لكن قال الدار قطني: رفعه وهم. وتقدم أثر جابر - رضي الله عنه - عند مالك في الباب السابق بلفظ: ((لم يصلِّ إلا وراء الإمام))، وأخرجه محمد في ((موطئه)). وفي ((التنسيق)): رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: ((لا تقرأ خلف الإمام إن جهر ولا إن خافت)). هذا إجمال الكلام على الآثار ذكرناه تبعاً للإمامين الهمامين مالك ومحمد - رحمهما الله - وإلا فالكلام على المسألة بسيط جداً لا يسعه هذا الوجيز، فإنها ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع جمهور الصحابة والقياس نشير إليها استطراداً . أما الكتاب: فثبت بالروايات الكثيرة أن نزول قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ اُلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾(٣) في القراءة خلف الإمام، قال في ((التنسيق)): إنهم أجمعوا واتفقوا على أنها نزلت في القراءة خلف الإمام. وأخرج البيهقي (١) انظر: ((تنسيق النظام)) (ص٥٩). (٢) ((شرح معاني الآثار)) (١٣٩/١). (٣) سورة الأعراف: الآية ٢٠٤. ١٨٣ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٦) حديث عن الإمام أحمد قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة، وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١): هذا عند أهل العلم عند سماع القرآن في الصلاة، لا يختلفون أن هذا الخطاب نزل في هذا المعنى دون غيره، كذا في ((الفرقان)). وأما السنة: فتقدمت الآثار الكثيرة في هذا الباب، وهي في حكم المرفوع لكون المسألة مما لا يتطرق إليه إلا بالسماع. وأما من الأحاديث المرفوعة نصاً، فحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((إذا قرأ فأنصتوا))، أخرجه مالك وأبو داود وابن ماجه وغيرهم، وروي من حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم وغيره. ومنها: حديث جابر - رضي الله عنه - أخرجه محمد في ((موطئه))(٢): فقال: أبو حنيفة نا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ◌َ ◌ّر: (من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة))، وهذا الحديث مشهور، روي عن جماعة من الصحابة غير جابر، منهم: ابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس بن مالك، - رضي الله عنهم -، ذكر طرقهم والكلام عليها في المطولات من ((البذل))(٣) وغيره، وأنت خبير بأن الرواية إذا بلغت درجة الشهرة يجوز بها الزيادة على الكتاب فضلاً أن يكون أوفق لآية أخرى من القرآن، فإنه وإن كان فيه الزيادة على قوله تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ﴾ لكنه موافق لقوله عز وجل: ﴿وَأَنْصِتُواْ﴾ . ومنها: حديث أبي سعيد الخدري قال: سألت رسول الله وَله عن الرجل خلف الإمام لا يقرأ شيئاً أيجزئه؟ قال: نعم، أخرجه البيهقي في ((المعرفة)) .. (١) ((الاستذكار)) (٢٣٠/٤). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤١٦/١). (٣) انظر: ((بذل المجهود)) (٥١/٥ وبعدها). ١٨٤ -- ---- - --- - ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٦) حديث ومنها: حديث علي - رضي الله عنه - قال: سأل رجل النبي ◌َّل﴾، أقرأ خلف الإمام أو أنصت؟ قال: ((بل أنصت فإنه يكفيك))، أخرجه البيهقي في ((المعرفة)) . ومنها: حديث ابن عباس في مرضه الذي توفي فيه وَلّ، فإن فيه: أن النبيِ وَ﴿ل وجد من نفسه خِفّةً، فخرج بين رجلين حتى جلس إلى جنب أبي بكر، فقرأ من المكان الذي انتهى إليه أبو بكر من السورة. بسط الكلام على طرقه في ((الفرقان)). والتحقيق: أن الروايات والآثار في ترك القراءة خلف الإمام أكثر من أن تُحصى، ولذا قال صاحب ((الهداية)) من الحنفية: وعلى ترك القراءة خلف الإمام إجماع الصحابة . وقال الشيخ عبد الله بن يعقوب السبذموني في ((كشف الأسرار)) عن زيد بن أسلم قال: كان عشرة من أصحاب رسول الله ولم ينهون عن القراءة خلف الإمام أشد النهي، الخلفاء الأربعة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم -. وفي ((إمام الكلام))(١) عن العيني(٢): وقد روي منع القراءة عن ثمانين نفراً من كبار الصحابة منهم: المرتضى والعبادلة الثلاثة وأساميهم عند أهل الحديث، هذا وقد تقدم ما ورد في الروايات أن نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ اُلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ كان في القراءة خلف الإمام وأنه مجمع عليه، فلا كلام بعد ذلك في هذا الباب. (١) (ص٢٣٩). (٢) ((البناية)) للعيني (٢٩٦/٢). ١٨٥ ٣ - كتاب الصلاة (١٠) باب (١٨٧) حدیث (١٠) باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه ١٨٧/ ٤٢ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ هَلْ يَقْرَأُ أَحَدٌ خَلْفَ الإِمَامِ؟ قَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ خَلْفَ الإِمَامِ فَحَسْبُهُ قِرَاءَةُ الإِمَامِ، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيَقْرَأْ . قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ. قَالَ يَحْيَىُ: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ يَقْرَأَ الرَّجُلُ وَرَاءَ الإِمَامِ، فِيمَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ؛ وَيَتْرُكُ القِراءَةَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ. (١٠) ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة ٤٢/١٨٧ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل) ببناء المجهول (هل يقرأ أحد خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه) أي كافيه (قراءة الإمام) ولا يقرأ خلفه مطلقاً؛ لقوله وَ له: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) (وإذا صلى وحده فليقرأ، قال) نافع: (وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام) مطلقاً. ومذهب ابن عمر في ترك القراءة خلف الإمام مطلقاً مشهور، وأثر ابن عمر - رضي الله عنهما - هذا أخرجه الإمام محمد في ((موطئه)) (١) بطرق مختلفة، فروى بطريق نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - بلفظ: ((من صلى خلف الإمام كفته قراءته))، وبطريق أنس بن سيرين عن ابن عمر أنه سئل عن القراءة خلف الإمام، قال: ((تكفيك قراءة الإمام))، وروى عن سالم أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان لا يقرأ خلف الإمام. وحمله الإمام مالك كما يظهر من الترجمة على ما إذا جهر الإمام. ولكن عموم الأثر لما كان مخالفاً للترجمة فأعقبه يحيى قول الإمام مالك إذ قال: (قال يحيى: سمعت مالكاً يقول: الأمر) المرجح (عندنا أن يقرأ الرجل) استحباباً (وراء الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة ويترك) المقتدي (القراءة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة). قال ابن عبد البر: وحجته قوله تعالى: ﴿وَإِذَا (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤١٤/١، ٤١٥). ١٨٦ .- . ٣ - كتاب الصلاة (١٠) باب (١٨٧) حديث قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ لا خلاف أنه نزل في هذا المعنى دون غيره، ومعلوم أنه في صلاة الجهر لأن السر لا يسمع، فدل على أنه أراد الجهر خاصة، انتھی. قلت: إلا أن عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ﴾ يأبى آخر كلام ابن عبد البر، ولو كان كما قال ما احتيج إلى زيادة قوله عز شأنه: ﴿ وَأَنْصِتُواْ﴾ فلا شك في أن السر لا يسمع، لكن الأمر بالإنصات يعم السر أيضاً. ويؤيده قوله عليه السلام: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) ومن المعلوم أن الإمام في السرية أيضاً يقرأ. وأيضاً لو قيد هذه العمومات بالجهرية، لم يبق عندهم الإسقاط الوجوب عن المقتدي في السرية دليل، مع أنه ساقط عند الجمهور والأئمة الأربعة إلا في قول للشافعي كما تقدم مبسوطاً . فالصواب أن هذه العمومات هي مسقطة لوجوب القراءة عن المقتدي مطلقاً، إلا أن الإمام مالكاً ومن قال بقوله استحب القراءة في السرية، لما وقع في بعض الروايات من تخصيص الجهرية كما سيجيء، أو لأمر آخر كما يظهر من كلام الباجي(١)، إذ قال: استحب له أن يقرأ؛ لأنه إذا لم يشغل نفسه بالتفكر في قراءة الإمام إذا جهر، ولم يشغل نفسه بالتدبر، ولا يقرأ هو إذا أسر الإمام تفرغ للوسواس وحديث النفس وما يشغله عن الصلاة، فاستحب له أن يقرأ، انتهى. قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي))(٢): يقال للشافعي: عجباً لك كيف يقدر المأموم في الجهرية على القراءة، أينازع القرآن الإمام، أم يعرض عن استماعه، أم يقرأ إذا سكت؟ فإن قال: يقرأ إذا سكت، قيل له: فإن لم يسكت، وقد أجمعت الأمة على أن سكوت الإمام غير واجب فمتى يقرأ؟ (١) انظر: ((المنتقى)) (١٥٩/١). (٢) (١١٠/٢). ١٨٧ ٣ - كتاب الصلاة (١٠) باب (١٨٨) حديث ٤٣/١٨٨ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه انْصَرَفَ مِنْ صَلاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: ((هَلْ قَرَأَ مَعِي مِنْكُمْ أَحَدٌ آنِفاً؟))، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - لا يقرأ خلف الإمام، وكان أعظم الناس اقتداء برسول الله وَالر، انتهى. قلت: لكن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان لا يقرأ في الجهرية ولا في السرية كما تقدم فكيف يفرقون بينهما؟. ٤٣/١٨٨ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن ابن أكيمة)(١) بضم الهمزة وفتح الكاف مصغر أكمة واسمه عمارة بالضم والتخفيف آخره هاء، وقيل: عمار، وقيل: عمرو، وقيل: عامر (الليثي) أبو الوليد المدني، ثقة مات سنة ١٠١ هـ وله ٧٩ سنة (عن أبي هريرة أن رسول الله وقال انصرف) أي فرغ أو توجه إلى الناس (من صلاة جهر فيها بالقراءة) وعند ابن عبد البر من طريق سفيان عن الزهري سمعت ابن أكيمة يحدث سعيداً قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى رسول الله وَّل صلاة الصبح، وكذا عند أبي داود في حديث سفيان لكن فيه: نظن أنها الصبح. (فقال) ◌َّر: (هل قرأ معي منكم) أحد، وهذا السؤال ظاهر في أنه ما قرأ بالجهر، وإلا فيقول وقال: ((من قرأ معي))، وفيه أصرح دليل على أن الشائع عند الصحابة كان عدم القراءة مطلقاً، وإلا لما احتيج إلى السؤال بهذا السياق، (آنفاً) بمد أوله وكسر النون، أي قريباً ومدها هو المشهور وقد يقصر. يقال: فعلته آنفاً أي في أول وقت، كذا في ((البذل)) (٢)، ومما يجب التنبيه عليه أنه وقع في الطبع الأول تحريف، إذ كتب فيه لفظ يكسر بدل يقصر وأصل التحريف من كاتب ((البذل))، فقد وقع فيه كذلك. (١) له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٢٤٤/٥)، و((الكاشف)) (٩٣/٢)، و((تعجيل المنفعة)) (١٤٤٠). (٢) ((بذل المجهود)) (٦٢/٥). ١٨٨ ۔۔ ---- -------- ٣ - كتاب الصلاة (١٠) باب (١٨٨) حديث فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ، أَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: (إِنِّي أَقُولُ مَا لِي أَنَازَعُ الْقُرْآنَ))، فَانْتَهِى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِ ﴾، فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ لَه بِالْقِرَاءَةِ، حِينَ سَمِعُوا ذُلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ و ◌َهِ. أخرجه النسائيّ في: ١١ - كتاب الافتتاح، ٢٨ - باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به . (فقال رجل) - وهذا دليل آخر على ما قلته أولاً من أن الشائع كان خلافه، وإلا فيقول كل واحد: نحن قرأناه -: (نعم أنا) قرأت (يا رسول الله. قال) أبو هريرة: (فقال رسول الله لل: إني) كنت (أقول) في نفسي (ما لي أنازع) بفتح الزاي (القرآن) بالنصب على أنه مفعول ثان، ((بذل)). قال الباجي(١): قد يقال مثل هذا اللفظ لمعان؛ أحدها: أن يعاتب الإنسان نفسه فيقول: ما لي فعلت كذا وكذا، وقد يقال لمعنى التثريب واللوم لمن فعل ما لا يجب، فيقول: ما لي أوذى وما لي أمنع حقي، وقد يقال إذا أنكر أمراً غاب عنه سببه، فيقول: ما لي لم أدرك أمر كذا، وما لي لم أوقف على أمر كذا، اهـ. ومعنى ذلك في الحديث هو الثاني، يعني ما لي ينازعونني في القراءة ويقرؤون معي ولا يفردونني بالقراءة. وقوله: (فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صل﴾. فيما جهر فيه) من الصلوات (رسول الله ◌َ﴾) فاعل لقوله: جهر (بالقراءة حين سمعوا ذلك) التثريب (من رسول الله وَلا) أثبت أكثر المحدثين كونه من كلام ابن شهاب، وحقق الشيخ في ((البذل)»(٢) كونه من كلام أبي هريرة وهو الصواب، ولو سلم كونه من كلام الزهري، فإذاً يكون الحديث أوفق بقول من يمنع القراءة خلف الإمام (١) ((المنتقى)) (١٦٠/١). (٢) (٦٥/٥). ١٨٩ ٣ - كتاب الصلاة (١٠) باب (١٨٨) حديث مطلقاً، لأنه لم يبق إذاً تخصيص الجهرية، وبقي عموم قوله وقّير: ((ما لي أنازع القرآن))، ولذا ترك الصحابة - رضي الله عنهم - القراءة خلف الإمام مطلقاً كما تقدم عن ((الهداية)). وغرض المصنف بهذه الرواية تأييد لما قاله أولاً من ترجيح ترك القراءة في الجهرية، والأمر المرجح عندنا الحنفية هو ترك القراءة خلف الإمام مطلقاً، كما تقدم الكلام عليه مبسوطاً . وصنف شيخ مشايخنا المحدث العلامة قطب أوانه وفخر زمانه مولانا الشيخ الجنجوهي نور الله مرقده فيه رسالة وجيزة في اللسان الهندي، سماها (هداية المعتدي في قراءة المقتدي)) جمع فيها الروايات المختلفة في الباب، وأثبت فيها بالمنقولات والقرائن أن مذهب أكثر الصحابة كان ترك القراءة خلف الإمام مطلقاً، وحَقَّقَ فيها أن الروايات الواردة في أمر القراءة خلف الإمام لا يصح الاستدلال بها على وجوب القراءة للمقتدي، وأن المؤتم كان القراءة له مباحاً في أول الإسلام ثم نسخ، وبقي إباحة الفاتحة، ثم نسخ بالمنع مطلقاً . ولشيخ مشايخنا العلامة رأس المتكلمين حجة أهل النقل والعقل الشيخ النانوتوي - نوّر الله مرقده - رسالة أخرى سماها بـ «توثيق الكلام في القراءة خلف الإمام)) أثبت فيها بالمعقولات وأيده بالمنقولات، أن النظر على نظام العالم يقتضي أن قوماً إذا أرادوا أن يحضروا عند السلطان وافدين، فحقهم أن يقدموا واحداً يُعَبِّر عنهم بمقصدهم ويُؤَمِّنُوا على قوله، وأفرد المشايخ التأليفات(١) الكثيرة في هذا الباب، لا يسعها المقام، والله الموفق. (١) منها ((إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام))، للإمام اللكنوي. و((فصل الخطاب في مسألة أم الكتاب)» للمحدث الكشميري. ١٩٠ ٣ - كتاب الصلاة (١١) باب (١١) باب ما جاء في التأمين خلف الإمام (١١) ما جاء في التأمين خلف الإمام التأمين مصدر أَمَّن بالتشديد، أي قال: آمين، بالمد والتخفيف عند جميع القُرَّاء، وحكي عن حمزة والكسائي الإمالة، وفيها ثلاث لغات أخرى وهي شاذة، القصر وأُنْكِرَ، ونقل عن ثعلب أنه أجازه في الشعر، والتشديد مع المد، أو القصر، وخطأهما جماعة من أهل اللغة، وفيها لغات أخر، وبيَّن الشامي فيها تسع لغات وذكر في بعضها فساد الصلاة، قال العيني(١): نص أهل اللغة أن التشديد لحن العوام، وهو خطأ في المذاهب الأربعة، واختلفت الشافعية في فساد الصلاة بذلك، وعند أبي حنيفة تفسد، وعندهما لا تفسد، وعليه الفتوى، اهـ. وهي من أسماء الأفعال، ومعناه: اللهم استجب، عند الجمهور. وقيل غير ذلك مما يرجع إلى المعنى؛ فقيل: ليكن كذلك، وقيل: اقْبَل، وقيل: لا تُخيِّبْ رجاءنا، وقيل: لا يقدر على هذا غيرك. وقيل: كنز من كنوز العرش لا يعلمه إلا هو. ولا خلاف في أن آمين ليس من القرآن، ((بذل))(٢). قال العيني(٣): آمين ليس من أوزان كلام العرب، وهو مثل هابيل وقابيل، وقيل: هو تعريب همين، وقيل: اسم من أسمائه تعالى إلا أنها سقط حرف النداء فأقيم المد مقامه، وفي ((المجتبى)): لا خلاف أن آمين ليس من القرآن حتى قالوا بارتداد من قال إنه منه، انتهى. واختلفت الأئمة في تأمين الإمام، فالمشهور عن الإمام مالك وهي رواية عن الإمام أبي حنيفة أنه لا يؤمن، وهي رواية ابن القاسم عن مالك وهو (١) ((عمدة القاري)) (٤/ ٤٩٧). (٢) (٢٢١/٥). (٣) ((عمدة القاري)) (٤/ ٤٩٧). ١٩١ ٣ - كتاب الصلاة (١١) باب المعتمد عندهم، وعنه أنه لا يؤمن في الجهرية ويؤمن في السرية، ورواية المدنيين عنه أنه يؤمن، ولكن قال الباجي(١): إذا أسر القراءة فلم يختلف أصحابنا في أنه يقول آمين، اهـ. وقال الأئمة الثلاثة بتأمين الإمام، إلا أنهم اختلفوا في الجهر بعد اتفاقهم على أنه لا يجهر بها في السرية، فقال الحنفية: لا يجهر في الجهرية أيضاً، وكذا عند المالكية كما في الباجي، وقال الشافعي وأحمد: يجهر بها في الجهرية، وفي ((السعاية))(٢) قال الشافعي في الجديد: إن المنفرد والإمام والمأموم كل منهم يسر بآمين جهرية كانت الصلاة أو سرية، اهـ. وأما المأموم فبعد اتفاق الأربعة على أنه يأتي بها اختلفوا في الجهر بها، فقال الحنفية ومالك والشافعي في الجديد: يأتي بها سراً، وقال الشافعي في القديم وأحمد: يجهر بها في الجهرية، كذا في ((العيني))(٣) و((البذل))(٤). ثم التأمين مندوب عند الجميع، وأوجبه الظاهرية لظاهر الأوامر، والعجب من الرافضة إذ قالوا: بدعة تفسد به الصلاة، وقال ابن حزم: يقولها الإمام سنة والمأموم فرضاً، والحجة للجمهور في صرف الأوامر إلى الندب حديث المسيء حيث اقتصر فيه وَّر على الفرائض ولم يذكر له التأمين، قاله الزرقاني، وقال ابن العربي(٥): ليس في التأمين حديث صحيح. .---- (١) ((المنتقى)) (١٦٣/١). (٢) (١٧٣/٢). (٣) ((عمدة القاري)) (٥٠١/٤). (٤) (٢٢٣/٥). (٥) ((عارضة الأحوذي)) (٤٨/٢). ١٩٢ ٣ - كتاب الصلاة (١١) باب (١٨٩) حديث ١٨٩/ ٤٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِ له قَالَ: ((إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، ٤٤/١٨٩ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنهما) أي سعيداً وأبا سلمة (أخبراه) أي الزهري (عن أبي هريرة) رضي الله عنه، (أن رسول الله ◌َ﴾ قال: إذا أمَن الإمام)، هذا ظاهر في أن الإمام أيضاً يؤمن، ولا حاجة إلى الجواب عن الإمام مالك على رواية المدنيين. وأما على الرواية المشهورة فأجيب بأجوبة؛ منها: أنها قضية شرطية، وتعقب بأن التعبير ((بإذا)) يشعر بتحقيق الوقوع. ومنها: أنه لا يوجد في غير حديث الزهري، وتُعُقِّب بأن الزهري إمام لا يضره التفرد مع أنه يوجد في غيره أيضاً. ومنها: أنه رجح الروايات الدالة على أن الإمام لا يؤمن بجهة المعنى، وهي أن الإمام يختص بالدعاء فينبغي أن يختص المأموم بآمين. ومنها: أن معنى أمَّنَ بلغ موضع التأمين، كما يقال: أنجد: بلغ نجداً وإن لم يدخلها، كذا في الزرقاني(١) مفصلاً، وتعقب بأنه مجاز والحقيقة أولى. وقال الباجي(٢): الأظهر في الجواب أن إخباره ◌َلول عن تأمين الإمام لا يدل على الوجوب ولا على الندب إليه، لأنه قد يخبر عن فعل مباح ولا ينكر على فاعله، اهـ وفيه ما فيه. (فأمنوا) أي قولوا آمين. استدل بهذا الحديث على المسألتين، ذكرهما شُرّاح البخاري. الأولى: ما قال بعضهم: إن تأمين المأموم موقوف على تأمين الإمام، (١) انظر: (شرح الزرقاني)) (١٧٩/١، ١٨٠). (٢) (المنتقى)) (١٦٢/١). ١٩٣ ٣ - كتاب الصلاة (١١) باب (١٨٩) حديث فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). قال الحافظ: ظاهر سياق الأمر أن المأموم إنما يؤمن إذا أمن الإمام لا إذا ترك، وقال به بعض الشافعية، وادَّعى النووي في ((شرح المهذب)) الاتفاقَ على خلافه، ونص الشافعي في ((الأم)) على أن المأموم يُؤَمِّن ولو تركه الإمام سهواً أو عمداً، انتهى. والثانية: ما قال الحافظ: استدل به على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام لأنه رتب عليه بالفاء. ولكن المراد إذا أراد التأمين، وبذلك قال الجمهور، اهـ (١). قلت: حجة الجمهور في كلتا المسألتين الحديث الآتي. (فإنه) الضمير للشأن (من وافق تأمينه)، ولفظ البخاري: ((فإن الملائكة تؤمن فمن وافق تأمينه)) (تأمين الملائكة) في القول والزمان لا في الإخلاص، كما جزم به ابن حبان وغيره، قال ابن العربي(٢): يحتمل الموافقة في الزمان والوقت، وتحتمل في الإخلاص، والأظهر الوقت، اهـ. والظاهر أن المراد بالملائكة: التي في السماء، كما سيجيء في الرواية الآتية، ولفظ مسلم: فوافق ذلك قول أهل السماء، وقيل: المراد بهم الحفظة، وقيل: الذين يتعاقبون منهم، وقيل: الذين يشهدون تلك الصلاة. (غفر له ما تقدم من ذنبه) قال الباجي(٣): ظاهره غفران جميع ذنوبه المتقدمة، وقال الحافظ: هذا محمول عند العلماء على الصغائر، اهـ قلت: لو حصل كمال الندم عند القيام بحضرته عزَّ شأنه وجل برهانه فلا مانع من التعميم كما تقدم في الوضوء، وقيل: ليس المكفر هو التأمين الذي فعل العبد بل وفاق الملائكة، وليس ذلك إلى صنعه بل فضل من الله سبحانه (١) جاء في ((فتح الباري)) (٢٦٤/٢) بأن المراد بقوله: ((إذا أمّن)) أي أراد التأمين ليتوافق تأمين الإمام والمأموم معاً . (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٥١/٢). (٣) ((المنتقى)) (١٦٢/١). ١٩٤ ٣ - كتاب الصلاة (١١) باب (١٩٠) حديث قَالَ ابْنُ سِهَابٍ: وَكَانَ رَسُوَلُ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((آمِينَ)). أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١١١ - باب جهر الإمام بالتأمين. ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ١٨ - باب التسميع والتحميد والتأمين، حدیث ٧٢. ٤٥/١٩٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٌّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾ قَالَ: (إِذَا قَالَ الْإِمَامُ ﴿عَيْرِ الْمَعْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ. بمجرد وفاق، فيعم الكبائر والصغائر، لكن خص منها حقوق الناس [فلا يغفر بالتأمين]، قاله الزرقاني(١). ثم وقع في بعض الروايات زيادة: ((وما تأخر)) وأثبت الزرقاني تبعاً للحافظ شذوذها . (قال ابن شهاب: وكان رسول الله ﴿ ل يقول: آمين) هذا مرسل، وكذا في ((موطأ محمد))(٢) ووصله حفص بن عمر المدني، عن مالك عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به، أخرجه الدارقطني في ((العلل))، وقال: تفرد به حفص وهو ضعيف، وذكر له الزرقاني بعض طرق أخر، وهذا محمول عند المالكية على الانفراد كما في الباجي، وعمومه حجة للجمهور منهم الحنفية. ١٩٠/ ٤٥ - (مالك عن سمي) بضم السين المهملة مصغراً (مولى أبي بكر) ابن عبد الرحمن بن الحارث (عن أبي صالح السمان) بائع السمن ذكوان بن صالح (عن أبي هريرة، أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ فقولوا) أيها المقتدون به (آمين). قالت المالكية: هذا حجة ظاهرة على أن الإمام لا يؤمن؛ لأن القسمة (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٨١/١). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤٤٥/١). ١٩٥ ٣ - كتاب الصلاة (١١) باب (١٩٠) حديث تنافي الشركة، وهو الحامل على صرف قوله وَ الر: ((إذا أمن)) عن ظاهره، وأنت خبير بأن هذا الحديث لا يدل على أن الإمام لا يؤمن بل هو ساكت عنه، ولا شك في أن الحديث السابق نص في معناه، هذا وقد ورد في بعض الروايات بعد ذلك زيادة قوله عليه السلام: ((فإن الإمام يقولها))، وهو نص لا يقبل التأويل، أخرجه النسائي في ((سننه))، وعبد الرزاق في ((مصنفه))، وابن حبان في ((صحيحه))؛ فعلم أن الروايات الخالية عنها مختصرة، كذا في ((السعاية))(١). والأوجه ما قاله المشايخ: إن تأمين الإمام لما لم يكن ظاهراً؛ لأنه يخفيه، علّق تأمين المأموم على قوله: ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فمؤدى هذا الحديث والذي قبله واحد، وهو الموافقة مع تأمين الإمام، ولذا قال العلماء كما في ((التعليق الممجد))(٢): إن المأموم في كل شيء يتعقب الإمام إلا التأمين فيستحب المقارنة، وبه صرح جمع من الشافعية كما صرح في كتب فروعهم، ولتحصيل المقارنة علق التأمين في هذا الحديث على قوله : ﴿ وَلَ الضَّالِّينَ﴾ فالغرض بهذا السياق الإشارة إلى المقارنة، أو إشارة إلى أن تأمين المأموم لا يتوقف على تأمين الإمام كما توهم بعضهم بقوله وَالر: ((إذا أمن الإمام)) كما تقدم في الحديث السابق، أو إشارة إلى بيان وقت تأمين الإمام، فإن الإمام إذا أسر بالتأمين لا يعرف المقتدي وقته إلا بسماع ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فتأمل. ولم يذكر المصنف حديثاً ولا أثراً يدل نصاً على جهر آمين أو إخفائها، ولعل وجهه ما تقدم أن الراجح عندهم الإخفاء، وهو الأصل في الدعاء، ويقال: إن حديث الباب يدل على الإخفاء فاكتفى به. واستدل الجمهور على إخفاء آمين بروايات منها : (١) (١٧٣/٢). (٢) ٤٤٣/١). ١٩٦ ٣ - كتاب الصلاة (١١) باب (١٩٠) حديث ١ - حديث الباب، فإنه وَ له علّق فيه التأمين على قوله: ﴿وَلَ الضَّالِّينَ﴾ ولو جهر به الإمام لم يحتج إلى قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بل علقه على ((آمين)) وهو حديث صحيح، أخرجه الشيخان والجماعة، وبمعناه أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي موسى الأشعري. ٢ - ومنها: حديث أبي هريرة: ((إذا قال الإمام ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: (آمين))، فإن الإمام يقولها)) الحديث، رواه أحمد والنسائي والدارمي وإسناده صحيح، ورواه ابن حبان في ((صحيحه)). وفيه دليل صريح على إخفاء الإمام، وإلا فلم يحتج إلى قوله وَّة ((فإن الإمام يقولها)). ٣ - ومنها: حديث وائل بن حجر: أنه صلى مع النبي ◌َّ﴾، فلما بلغ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾ قال: ((آمين، وأخفى بها صوته)). رواه أحمد وأبو داود والطيالسي وأبو يعلى الموصلي والدارقطني والحاكم في ((المستدرك))، وأخرجه في كتاب القراءات بلفظ: ((خفض بها صوته)) وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وللمحدثين في هذا الحديث كلام طويل لا يسعه المقام، فأوردوا على الحديث بعدة وجوهٍ ردّها الشيخ في (البذل))(١)، والشيخ النيموي في ((آثار السنن))، والشيخ التهانوي في ((إعلاء السنن))، شكر الله مساعيهم، فارجع إلى هذه المؤلفات إن شئت التفصيل. وفي الباب آثار كثيرة توافق المذهبين، والمرجح عندنا الحنفية آثار الإخفاء، لما قد تلونا عليك غير مرة أن أول نظر الحنفية يقع على كلامه تبارك وتعالى، فما يوافق نظمه فهو المرجح عندهم بلا مرية، والأوفق به ههنا الإخفاء لقوله سبحانه وتقدس: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾(٢) وأجمع أهل (١) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٢٢/٥). (٢) سورة الأعراف: الآية ٥٥. ١٩٧ ٣ - كتاب الصلاة (١١) باب (١٩١) حديث فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)) . أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١١٣ - باب جهر المأموم بالتأمين. ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ١٨ - باب التسميع والتحميد والتأمين، حديث ٧٦. ٤٦/١٩١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ﴾ قَالَ: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ. وَقَالَتْ الْمَلائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، اللغة أن آمين هو الدعاء، فالأصل فيه الإخفاء، والله ملهم الرشد والصواب. وقال ابن عبد البر: في الحديث دليل على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام إذا جهر لا بأمّ القرآن ولا بغيرها؛ لأن القراءة بها لو كانت عليهم لأمرهم إذا فرغوا من الفاتحة أن يؤمن كل واحد بعد فراغه من قراءته، لأن السنة فيمن قرأ بأمّ القرآن أن يؤمن عند فراغه منها، إلى آخر ما قاله. (فإنه من وافق قوله قول الملائكة) المتقدم ذكرها (غفر له ما تقدم من ذنبه). ٤٦/١٩١ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ ل قال: إذا قال أحدكم آمين) أي في الصلاة كما في حديث مسلم بهذا السند، أو عقب قراءة الفاتحة مطلقاً، كما يؤيده رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد بلفظ: ((إذا أمن القارئ فأمنوا))، ويؤيده رواية أبي زهير عند أبي داود في قصة من ألحّ في الدعاء، قال عليه الصلاة والسلام: ((إن ختم بآمين فقد أوجب)). (وقالت) بالواو في النسخ الموجودة وكذا في البخاري وغيره، فما في بعض النسخ من حذفه ليس بشيء، لأنه ليس جواب الشرط إذ جوابه لفظ: (غفر له)) (الملائكة في السماء آمين) فيه تخصيص بملائكة السماء، وإشارة إلى أنها لا تختص بالحفظة، اللهم إلا أن يقال: إن العرب تقول: كل ما علا سماء، قال ابن عبد البر: الله أعلم بمراد رسوله بقوله: في السماء، اهـ. ١٩٨ ---- ٣ - كتاب الصلاة (١١) باب (١٩٢) حديث فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأَحْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَذْبِهِ». أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١١٢ - باب فضل التأمين. ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ١٨ - باب التسميع والتحميد والتأمين، حديث ٧٥. ٤٧/١٩٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَّ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الإِمَامُّ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ . .... ........ (فوافقت) كلمة (إحداهما الأخرى) يعني وقع تأمينهما في وقت واحد كما تقدم (غفر له ما تقدم من ذنبه) فإن قيل: قد تقدم في حديث أبي هريرة وعبد الله الصُّنابحي غفران الذنوب بالوضوء، وإن مشيه إلى المسجد يكون نافلة، فما الذي يغفر له بآمين؟ قال الداودي: يحتمل أن يكون قاله قبل قوله في الوضوء، ويحتمل أن يكون قاله بعده، فيكون معناه أن يغفر له ما يحدث في ممشاه من الذنوب، قيل: ويحتمل أن يكون هذا مقيداً بتمام الخشوع ونحوه، فإنه لو عدم ذلك في الوضوء فغفرت عند قوله آمين، ويحتمل أن يختص كل شيء من ذلك بغفران نوع من الذنوب، والله ورسوله أعلم، قاله الباجي(١). قلت: والمعروف عند المشايخ أن الغفران إذا صادف موضعاً فارغاً عن الذنوب يكون سبباً لرفع الدرجات، ومن ذاك النوع اتصال الغفران بالأنبياء، فكذلك ههنا لو كان عليه شيءٌ من الذنوب غُفِرَ له بهذا القول، وإلا يكون سبباً لرفع الدرجات. ٤٧/١٩٢ - (مالك، عن سُمَي مولى أبي بكر) بن عبد الرحمن (عن أبي صالح السمان) ذكوان (عن أبي هريرة، أن رسول الله قال: قال: إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده) أي تقبل الله دعاء من حمده، وفيه ترغيب في التحميد (١) انظر: ((المنتقى)) (١٦٣/١). ١٩٩ ٣ - كتاب الصلاة (١١) باب (١٩٢) حديث فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّه مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)». أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١٢٥ - باب فضل اللهم ربنا ولك الحمد. ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ١٨ - باب التسميع والتحميد والتأمين، حديث ٧١. (فقولوا: اللهم ربنا) أي يا الله ويا ربنا، ففيه تكرار النداء لمزيد الخشوع (لك الحمد)، وفي رواية: ((ولك)) بالواو، قال النووي: فيكون متعلقاً بما قبله، أي سمع الله لمن حمده، ربنا فاستجب دعاءنا، ولك الحمد على هدایتنا . وفيه رد على ابن القيم، حيث جزم بأنه لم يرد الجمع بين اللهم والواو في ((ولك الحمد))، قاله الزرقاني تبعاً للحافظ، وتقدم اختلاف الأئمة والكلام في التسميع والتحميد مبسوطاً، فلا تغفل، قال الباجي(١): وفي رواية سعيد عن أبي هريرة: ((اللهم ربنا ولك الحمد)) وروي عن مالك أنه كان يقوله، واختاره ابن القاسم، وروي عنه أنه كان يقول: ((اللهم ربنا لك الحمد)) واختاره ابن الأشهب، اهـ. قلت: وقد تقدم ما قاله الشامي: إن الأفضل عندنا الحنفية هو القول بـ((اللهم ربنا ولك الحمد))، والحديث حجة لمن قال بالقسمة كما تقدم مبسوطاً. (فإنه من وافق قوله قول الملائكة) يعني توافق تحميده تحميد الملائكة (غفر له ما تقدم من ذنبه) ومناسبة الحديث بالترجمة خفية، إلا أن يقال: إن الغرض منه استشهاد على قوله: إن المأموم يؤمن بخلاف الإمام، فإن في هذا الحديث أيضاً قسمة، فكما لا يقول الإمام: ربنا لك الحمد فكذلك لا يؤمن، وهذا يختص بمسلك المالكية خلافاً للجمهور، ويحتمل أن يكون تأييداً لغفران الذنوب بتوافق الملائكة في القول فيكون موافقاً للكل، والله أعلم، وعلمه أتم. (١) ((المنتقى)) (١٦٤/١). ٢٠٠ -- ۔۔