النص المفهرس
صفحات 161-180
٣ - كتاب الصلاة (٨) باب (١٨٢) حديث وَالْقُرآنُ الْعَظِيمُ، الَّذِي أُعْطِيتُ)). أخرج البخاريّ مثل هذه القصة عن أبي سعيد المعلّى في: ٦٥ - كتاب التفسير، ١ - باب ما جاء فى فاتحة الكتاب. قال العيني(١): أما السبع فلأنها سبع آيات بلا خلاف، إلا أن منهم من عَدَّ ﴿أَنْعُمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ دون التسمية، ومنهم من ذهب إلى العكس، قاله الزمخشري، اهـ. والأول قول الحنفية، والعكس قول الشافعية، انتهى. وقيل في وجه ذلك: إن فيها سبع آداب، وقيل: لأنها خالية عن سبعة أحرف وهي: ((ثجخز شظف))، وقد يسمى الشيء باسم ضده كالكافور، وكلاهما ليسا بوجيه بل الوجه هو الأول، وأما كونها المثاني، فلأنها تثنى وتكرر في كل ركعة، أو لأنها تثنى بسورة أخرى، أو لأنها يثنى بها على الله عز وجل، أو لأنها استثنيت لهذه الأمة خاصة، أو لأنها تكرر نزولها فنزلت بمكة مرة وفي المدينة أخرى. ولا يذهب عليك أن أهل التفسير اختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ﴾ الآية، فحديث الباب يدل على أن المراد بها سورة الفاتحة، وورد عن ابن عباس أن المراد بالسبع المثاني هي السبع الطوال، أي السبع من أول البقرة واختلفوا في السابعة، وقد ورد في تفسير الآية أقوال أخر لا يتعلق بحديث الباب. (و) من فضائلها أيضاً أنها (القرآن العظيم الذي أعطيت) اختلف المشايخ في معنى هذا القول، فقيل: هذا أيضاً اسم الفاتحة وهذا أيضاً من فضائلها، وإليه مال الباجي(٢) إذ قال: أطلق عليها اسم القرآن العظيم على معنى التخصيص لها، وإن كان كل شيء من القرآن عظيماً، كما يقال: الكعبة (١) ((عمدة القاري)) (٤١٢/١٢). (٢) انظر: ((المنتقى)) (١٥٥/١). ١٦١ ٣ - كتاب الصلاة (٨) باب (١٨٣) حدیث ٣٨/١٨٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي نُعَيْم، وَهْبِ بْن كَيْسَانَ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى رَّكْعَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَلَمْ يُصَلِّ، إِلَّا وَرَاءَ الإِمَامِ . بيت الله، وإن كان البيوت كلها لله، انتهى. وإليه مال الخطابي إذ قال: فيه دلالة على أن الفاتحة هي القرآن العظيم. ومال الزرقاني(١) إلى أنها لا تتعلق بالفاتحة، بل هي مبتدأ وخبر جملة مستأنفة، يعني المراد في قوله تعالى: ﴿وَلْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ هو الذي أعطيت كله من سائر القرآن، فحينئذ لا يختص بالفاتحة، بل فضل الفاتحة انتهى إلى السبع المثاني. ولما كان في الآية ذكر القرآن العظيم أيضاً فسره استطراداً بأن المراد منه سائر القرآن، وذكر هذا الكلام الحافظ في ((الفتح)) بحثاً. ثم هذا الحديث صريح في أن القصة وقعت لأُبيّ بن كعب - رضي الله عنه -، وأخرج البخاري وجماعة مثل هذه القصة لأبي سعيد بن المعلى، وجمع البيهقي بأن القصة وقعت لأبي بن كعب ولأبي سعيد بن المعلى معاً وهو الأوجه لاختلاف مخرج الحديثين، وبه جزم الحافظ في ((الفتح)) (٢) (٣) وتبعه الزرقاني . ٣٨/١٨٣ - (مالك، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول من صلى ركعة) من الصلاة (لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فلم يصلِ) أي لم يصح صلاته (إلا وراء الإمام) فيصح صلاته إذاً؛ لأن إمامه يتكفل القراءة عنه، ومناسبة هذا الأثر بحكم الفاتحة ظاهر من أنه يجب قراءتها في كل صلاة في غير حالة الاقتداء، وأما مناسبته بالفضيلة باعتبار أن توقف كل صلاة على الفاتحة من فضائلها أيضاً. (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٧٤/١). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٧/٨). (٣) ((شرح الزرقاني)) (١ / ١٨٤). ١٦٢ ٣ - كتاب الصلاة (٨) باب (١٨٣) حديث ثم في الحديث ثلاثة مسائل؛ إحداها: توقف الصلاة على الفاتحة. والثانية: أن يقرأ بها في كل ركعة من ركعات الصلاة. والثالثة: قراءتها وراء الإمام، ونستوعب الكلام على المسألة الثالثة في الترجمة الآتية، وهذا الأثر حجة لمن قال بأن لا يقرأ خلف الإمام مطلقاً . أما المسألة الأولى فاختلف الأئمة فيها، وأصل الاختلاف في أن ركن القراءة هل يتوقف على قراءة الفاتحة أم يحصل بدونها أيضاً؟ قال في ((العناية على الهداية)): اختلف العلماء فيما هو الركن من القراءة فذهب علماؤنا إلى ركنية قراءة آية، والشافعي إلى ركنية الفاتحة، ومالك إلى ركنية الفاتحة وضم سورة معها ، اهـ. قلت: وما نسبه إلى الإمام مالك قول لبعض أصحابه، كما حكاه القاضي عياض، وصرح الدردير بركنية الفاتحة فقط، وعَدَّ ضم السورة في السنن، والإمام أحمد موافق للإمام الشافعي في المشهور عنه، ورواية أخرى له موافقة للحنفية، كما في ((نيل المآرب)) (١) و((المغني))(٢)، وبقول الحنفية قال الثوري والأوزاعي كما في الباجي، والحقيقة أن هذا الاختلاف ليس باختلاف شديد بين الأئمة، بل كأنه لفظي، لأن الفرق بين الواجب والفرض من دقائق الحنفية لم يقل به الآخرون، فالفرض عندهم لا يثبت بما سوى القرآن وما في حكمه من المتواتر والإجماع، وقد قال تعالى: ﴿فَقْرَءُوا مَا تَسَّرَ مِنَ اُلْقُرْءَانِ﴾(٣) فالفرض قراءة ما تيسّر، وتعيين الفاتحة إنما يثبت بالحديث؛ يأثم من يتركه، وتجب سجدة السهو لو تركه سهواً، وتجب إعادة الصلاة لو تركه عمداً. (١) ((نيل المآرب)) (١٥٥/١). (٢) انظر: ((الشرح الكبير)) (٥٢٥/١). (٣) سورة المزمل: الآية ٢٠. ١٦٣ ٣ - كتاب الصلاة (٨) باب (١٨٣) حديث واستدل عليه الشيخ الموفق في ((المغني)) بقوله تعالى: ﴿فَقْرَغُواْ مَا تَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِّ﴾، وبقوله عز وجل: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، وبقوله بَّ للمسيء في صلاته: ((ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن))، انتهى. ويستدل عليه أيضاً برواية أبي هريرة عند أبي داود وغيره: ((لا صلاة إلا بقرآن، ولو بفاتحة الكتاب فما زاد)) ولا حاجة إلى الجواب عن الحنفية من أثر الباب؛ لأنهم أيضاً قالوا: بوجوب الإعادة، ولما وجبت الإعادة، فكأنه لم يُصلِّ، وإثبات الفريضة بمثل هذه الأخبار سيما إذا يخالفها عموم القرآن مما لا يخفى على المتأمل. وأما المسألة الثانية فقال الشافعية بوجوبها في كل ركعة، وهو رواية الحسن عن الإمام أبي حنيفة، وصححه العيني وغيره من الحنفية، وهو المصحح عند الحنابلة، كما في ((المغني))، وروايتهم الأخرى وهو المشهور عن الحنفية إيجابها في الركعتين، وبه قال الثوري والنخعي. واختلفت الروايات عن الإمام مالك في هذه المسألة كثيراً (١)، والمشهور عندهم إيجابها في كل ركعة، إلا أنه لو سها في ركعة واحدة تصح صلاته ويسجد للسهو، كما في الباجي، وبهذا أخذ من قال بركنية الفاتحة في الثلاثة عندهم، وقال زفر والحسن البصري والمغيرة المخزومي بإيجابها في ركعة واحدة . واستدل الجمهور على قولهم - بوجوبها في الركعات كلها - بعموم أقواله وَله: ((لا صلاة إلا بقراءة)) كما تقدم، واستدل من قال بوجوبها في الأوليين دون الأخريين بحديث جابر بن سمرة قال: شكا أهل الكوفة سعداً إلى (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٩٤/٤)، و((المغني)) مع ((الشرح الكبير)) (٥٢٥/١)، و((المجموع)) (٢٩٠/٣ - ٢٩٣). ١٦٤ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (٩) باب القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة عمر - رضي الله عنه - فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه، قال: يا أبا إسحاق إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي؟ فقال: أما أنا فإني والله كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ◌َّ ما أخرم عنها، أصلي بهم صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخفف في الأخريين، الحديث. أخرجه البخاري(١) واللفظ له، ومسلم وأبو داود والنسائي. قال العيني(٢): واستدل به من قال بعدم وجوب القراءة في الأخريين، وهو المأثور عن علي وابن مسعود وعائشة، ثم ذكر تخريج الآثار عنهم، قال في ((البدائع)): والتخيير مروي عن علي وابن مسعود وهو مما لا يدركه الرأي فهو كالمرفوع وهو الصارف للمواظبة عن الوجوب، انتهى، وكذا في ((السعاية)). وقال ابن رشد في ((البداية»(٣): روي عن ابن عباس أنه لا يقرأ في صلاة السر، وأنه قال: قرأ رسول الله وَ ﴾ في صلوات، وسكت في أخرى، فنقرأ فيما قرأ ونسكت فيما سكت. وسئل هل في الظهر والعصر قراءة؟ فقال: لا . وتعلق الكوفيون بهذه الأحاديث في ترك وجوب القراءة في الركعتين الأخيرتين من الصلاة الاستواء صلاة الجهر والسر في سكوت النبي ◌َّ في هاتين الركعتين، انتهى. (٩) القراءة خلف الإمام (فيما) أي في صلوات (لا يجهر) الإمام (فيه) الضمير إلى لفظ ما، أي لا يجهر الإمام في تلك الصلوات (بالقراءة) بحرف الجر، وفي بعضها بدونه، فهو مفعول لقوله: ((لا يجهر)). (١) أخرجه البخاري (الحديث ٧٥٥، ٧٧٠). (٢) انظر ((عمدة القاري)) (٤٤٣/٤). (٣) ((بداية المجتهد)) (١٢٦/١). ١٦٥ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب واختلفت الروايات في القراءة خلف الإمام، فيفهم من بعضها الأمر بها خلفه، وفي بعضها ورد النهي مطلقاً، وفي بعضها ورد النهي مقيداً بما إذا جهر الإمام، ولذا اختلفت الأئمة - رضي الله عنهم - في هذه المسألة، وأشار المصنف بالترجمة إلى ما هو المرجح عندهم في الجمع بين اختلاف هذه الروايات، بأنهم حملوا روايات النهي على ما إذا جهر الإمام، وروايات الأمر إذا أخفى الإمام القراءة، ولذا بوّب المصنف أولاً هذه الترجمة وأورد فيها الروايات الدالة على القراءة، ثم بوّب بعد ذلك ترك القراءة فيما إذا جهر، وأورد فيها الروايات الأخرى المناسبة لها، فكأنه جمع بالترجمتين بين الروايات المختلفة الواردة في ذلك الباب. ومما ينبغي أن يحفظ أن الآثار الواردة عن الصحابة في القراءة خلف الإمام لا تختص بالفاتحة، بل الواردة عن كثير منهم قراءة الفاتحة مع السورة، كما في ((مصنف ابن أبي شيبة))، ونفصل أولاً اختلاف الفقهاء في المسألة موضحاً لأقوالهم عن كتب فروعهم، مع أن اختلاف الأئمة في هذه المسألة ليس بشديد، لأن جمهور الأئمة متفقون على عدم وجوب القراءة خلف الإمام. قال الحنفية؛ ولهم قول واحد في هذه المسألة، لا اختلاف بينهم في ذلك: إنه لا يقرأ المؤتم خلف الإمام مطلقاً لا في الجهرية ولا في السرية، وبه قال ابن وهب والأشهب من المالكية كما في الباجي، وبه قال الثوري والأوزاعي في رواية، وبه قال أحمد في رواية، وهو قول ابن المسيب في جماعة من التابعين، كذا في العيني على البخاري، وفي ((إمام الكلام))(١) عن ((البناية)): وبه قال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير والزهري والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى والحسن بن حي، اهـ. (١) انظر: ((إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام)) للإمام اللكنوي (٣٥). ١٦٦ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب ومذهب الإمام مالك: أنه لا يقرأ في الجهرية ويستحب القراءة في السرية، فقد قال الباجي في المأموم فيما يُسِرُّ فيه الإمام: إن الأفضل عنده أن يقرأ، فإن ترك القراءة فلا شيء عليه لأن الإمام يحملها، وإنما يستحب القراءة ليشغل نفسه في الصلاة بالقراءة وذكر الله ولا يتفرغ للوسواس، اهـ. وقال أيضاً (١): فإن قرأ المأموم خلف الإمام حال جهره بالقراءة فبئس ما صنع ولا تبطل صلاته. وروي عن قوم أن صلاته باطلة، وقد روي ذلك عن الشافعي. والدليل على صحة قولنا أنها قراءة قرآن فلم تبطل الصلاة، انتهى. وقال ابن رشد في ((مقدماته))(٢) في ذكر مستحبات الصلاة: وهي ثمان عشرة: أخذ الرداء، والتيامن في السلام، وقراءة المأموم مع الإمام فيما يسر فيه، وإطالة القراءة في الصبح ... إلخ. وقال حفيده في ((بداية المجتهد)): اتفقوا على أن الإمام لا يحمل عن المأموم شيئاً من فرائض الصلاة ما عدا القراءة فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن المأموم يقرأ مع الإمام فيما أسر فيه ولا يقرأ معه فيما جهر به، وهو قول مالك إلا أنه يستحسن له القراءة فيما أسر فيه الإمام، اهـ مختصراً، وكذا قال الإمام الشافعي بالعراق: إنه يقرأ فيما أسر لا فيما جهر. كذا في ((التمهيد)) وغيره. وفي ((مختصر المزني)): إذا أسَرَّ قرأ من خلفه وإذا جهر لا يقرأ، قال المزني: وقد روى أصحابنا عن الشافعي أنه قال: يقرأ من خلفه وإن جهر بأمّ القرآن، اهـ. وفي كتاب ((الأم)) قال الشافعي: واجب على من صلّى منفرداً أو إماماً أن يقرأ بأمّ القرآن في كل ركعة لا يجزئه غيرها، وسأذكر المأموم إن شاء الله تعالى، اهـ. ثم لم أجد ذكر المأموم فيما تتبعت، إلا أنه ظهر بتخصيص ذكر الإمام والمنفرد أن حكم المأموم غيرهما، وقد تقدم عن المزني وغيره الاختلاف في حكمه. (١) انظر: ((المنتقى)) للباجي (١٦١/١). (٢) ((مقدمات ابن رشد)) على هامش ((المدونة الكبرى)) (١ /٨٥). ١٦٧ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب وفي ((إمام الكلام))(١) عن ((البناية))(٢): وعند الشافعي: يجب على المأموم قراءة الفاتحة في السرية والجهرية. وبه قال الليث وأبو ثور. وفي القديم لا يجب في الجهرية، نقله أبو حامد، وحكى الرافعي وجهاً أنه لا يجب في السرية، انتهى. وأما مذهب الإمام أحمد(٣)، فقال الشيخ عبد القادر بن عمر الشيباني الحنبلي في ((نيل المآرب)» (٤) في باب الجماعة: ويُسَنُّ للمأموم أن يقرأ الفاتحة وسورة أيضاً حيث شرعت في سكتات إمامه ويقرأ المأموم استحباباً الفاتحة وسورة فيما لا يجهر فيه الإمام متى شاء، أو كان لا يسمعه لبُعْد أو طرش، فإن سمع همهمة الإمام ولم يفهم قراءته لم يقرأ، نص عليه، انتهى. وفي ((الروض المربع)) من فقه الحنابلة أيضاً: ولا قراءة على مأموم، أي يتحمل الإمام عنه قراءة الفاتحة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من كان له إمام فقراءته له قراءة)) رواه أحمد. ويستحب للمأموم أن يقرأ في إسرار إمامه أي فيما لا يجهر فيه الإمام، وفي سكوته أي سكتات الإمام، وفيما إذا لم يسمعه لبعد، انتهى. فلعلك قد دريت مما تقدم أن جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة متواطئون على سقوط الوجوب عن المقتدي، والاختلاف فيما بينهم في الاستحباب وليس القول بالوجوب إلا قول واحد للإمام الشافعي، وهذا القول وإن كان المشهور عند أصحابه، لكن مع القول بوجوبها يسقط قراءة الفاتحة عندهم في مواضع، كما لا يخفى على من طالع كتب الفقه الشافعية، ففي ((الأنوار)) وحواشيه من فقه الشافعية: يجب قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم والمنفرد (١) ((إمام الكلام)) للإمام اللكنوي (ص٣٥). (٢) (٢٩٦/٢). (٣) انظر: ((المغني)) (٥٦٣/١). (٤) انظر: ((نيل المآرب)) (٢١٧/١). ١٦٨ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب رے في السرّية والجهرية في كل ركعة إلا في ركعة المسبوق، فإنه يتحملها عنه الإمام. وفي معنى المسبوق كل من تخلف عن الإمام لعذر كزحمةٍ ونسيانٍ وبطء حركةٍ بأن لم يقم من السجود إلا والإمام راكع أو هاوٍ للركوع، وحينئذ فقد يتصور سقوط الفاتحة في سائر الركعات بأن أدرك الإمام راكعاً في الأولى، ثم زحم عن السجود في كل ركعة فلم يقم من السجود إلا والإمام راكع أو هاوٍ للركوع، انتهى، وبمثل هذا في ((الإقناع)) وحواشيه و((التوشيح)) وغير ذلك من كتب الشافعية. فعلم بهذا أن قوله ◌َّلجر: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) مجمع عند الأربعة أنه مخصوص بغير المأموم، والإمام يتحمل عنه وجوب الفاتحة مطلقاً عند الثلاثة، وفي بعض الأحيان عند الشافعية أيضاً، ومن ينقل عنهم غير ذلك، فهو إما جهل عن كتب مذهبهم أو تخليط لأقوالهم لخداع الناس، والله الموفق لما يحب ويرضى. هذا وقد أخرج الإمام الترمذي(١) عن الإمام أحمد بن حنبل هذا التأويل نصاً إذ قال: وأما أحمد بن حنبل فقال: معنى قول النبي ◌َّر: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) إذا كان وحده. واحتج بحديث جابر المذكور في الباب السابق، قال أحمد: فهذا رجل من أصحاب النبي 18ّ تأول قول النبي ◌َّ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) أن هذا إذا كان وحده. واختار أحمد مع هذه القراءة خلف الإمام، اهـ. قلت: وقد تقدم أن للإمام أحمد فيه روايتين، ولا يذهب عليك أن الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء ذهبوا إلى أن مدرك الإمام في الركوع هو مدرك الركعة، قال ابن عبد البر: هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري والأوزاعي وأبي ثور وأحمد وإسحاق، انتهى. ولا يتمشى هذا القول (١) جامع الترمذي (١٢٣/٢) باب (٢٣٣). ١٦٩ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٤) حديث ٣٩/١٨٤ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَعْقُوبَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ، مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، يقول سمعت أبا هريرة يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلّه يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى صَلاةً إلا بكفاية الإمام عن قراءة المقتدي، وما أورد عليه الشوكاني مردود عليه. ٣٩/١٨٤ - (مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب) هكذا في ((الموطأ)) عند جميع الرواة، وانفرد مطرف في غير ((الموطأ)) فرواه عن مالك، عن الزهري، عن أبي السائب، بلفظ ((الموطأ)) سواء وليس بمحفوظ، قال الدارقطني: غريب لم يروه غير مطرف، قاله الزرقاني(١)، وضَعَّفَ بعضهم هذا الحديث بعلاء بن عبد الرحمن هذا، قال ابن معين: الناس يَتَّقون حديثه، وليس حديثه بحجة، مضطرب الحديث ليس بذاك، وهو ضعيف، وقال ابن عدي: ليس بالقوي، وقد انفرد بهذا الحديث فلا يُحتجُّ به كذا في ((التعليق الممجد))(٢). (أنه سمع أبا السائب) الأنصاري المدني، قال الحافظ: يقال: اسمه عبد الله بن السائب، ثقة، وقال ابن رسلان: يقال: اسمه السائب، قال ابن عبد البر: لا يعرف اسمه، وهذا هو الأصح، وكان من جلساء أبي هريرة، اهـ. وفي ((التنوير)): وقال النووي: لا يعرف اسمه. (مولى هشام بن زهرة) ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة (يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صَلّ يقول: من صلّى صلاة) مفعول به أو مفعول مطلق، وقال ميرك(٣): التنكير فيه إن أريد (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٧٥/١). (٢) (٤٠٥/١) قلت: قد ردّ الإمام اللكنوي على من ضعّف هذا الحديث بعلاء بن عبد الرحمن، وقال في (٤٠٨/١): ضعفه لكونه غير موافق لمذهبه، مع أنه روى عن العلاء الأئمة الثقات، كمالك، وسفيان بن عيينة وغيرهما، وهو ثقة، صدوق، انتهى. (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٢/٢). ١٧٠ .--- ----- -- ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٤) حديث لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامِ))، به البعضية كالظهر والعصر وغيرهما كان مفعولاً به، وإن أريد به الجنس يحتمل أن يكون مفعولاً به وأن يكون مفعولاً مطلقاً، اهـ (لم يقرأ فيها بأمّ القرآن) أي الفاتحة، وفيه ردٌّ على من كره التسمية بذلك. (فهي خِداج) بكسر الخاء المعجمة ودال مهملة فألف فجيم أي ذات نقصان، حذف لفظ ذات وأقيم خداج مقامه. وقال القاري(١): أي ناقصة أو منقوصة، وذات خداج من قولهم: خَدَجَتِ الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذا ولدته ناقصاً وإن كان لتمام الولادة هكذا قاله الخليل وغيره، وقال جماعة من أهل اللغة: خدج وأخذج بمعنى (هي خداج هي خداج) زاده تأكيداً لقوله الأول (غير تمام) بيان لقوله: خداج أو بدل منه، وقيل: إنه تأكيد، وقيل: تفسير من أحد الرواة لقوله: خداج، قاله القاري. والظاهر أنه تأكيد من كلامه بَّر لئلا يتوهم أن من لم يقرأ بفاتحة الكتاب تبطل صلاته، كذا في ((البذل)). قال الزرقاني(٢): هو حجة قوية على وجوب قراءتها في كل صلاة لكنه محمول عند مالك ومن وافقه على الإمام والفذ، لقوله صل#: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) رواه مسلم . قال ابن عبد البر (٣): وزعم من لم يوجب قراءتها في الصلاة أن قوله: خداج يدل على جوازها، لأن الصلاة الناقصة جائزة. وهذا تحكّم فاسد؛ لأن الناقص لم يتم، اهـ. (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٨٣/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧٥/١). (٣) ((الاستذكار)) (١٩٢/١). ١٧١ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٤) حدیث قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! إِنِّي أَحْيَاناً أَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ. قَالَ: فَغَمَزَ ذِرَاعِي، والظاهر أن هذا رد منهما على الحنفية، لأن عامتهم يزعمون أن الحنفية قالوا بجواز الصلاة بدون الفاتحة، ولذا تعجب الحافظ في ((الفتح)) أشد التعجب، والحقيقة ليست كذلك، والحنفية أبداً ما قالوا بجوازها بدون الفاتحة، ولله در الحنفية ما قالوا إلا ما ورد في الحديث، إن هذه الصلاة ناقصة ذات خداج، ونقصان يجب إعادتها، نعم من أثبت بهذا الحديث بطلان الصلاة فهذا تحكّم منه فاسد، لأن الناقص لا يقال له: معدوم، فليت شعري لمن يكون الحديث حجة قوية، وليت شعري ممن العجب أكثر؟ أَمِنَ الذين قالوا بنقص الصلاة من غير الفاتحة بعين ما جاء في الحديث، أو مِنَ الذين قالوا بالبطلان زائداً على مؤدى الحديث؟ ولو فرض أن الحديث لا يدل إلا على الفرضية، فلا يخالف الحنفية لأنهم قالوا بوجوب الفاتحة، والوجوب يثبت بالأخبار الآحاد الدالة على الفرضية، فلا بد للوجوب أن يكون بعض الأدلة دليلاً على الفرضية، ليبقى الوجوب بعد ذلك لكونها أخبار آحاد، فتأمل فإنه دقيق بل أجلى من الشمس. (قال) أبو السائب: (فقلت: يا أبا هريرة إني أحياناً) أي في بعض الأوقات (أكون وراء الإمام) قال الباجي(١): وهذا اعتراض من أبي السائب على العموم بالعمل الشائع عنده وما شاهده من الأئمة في ترك القراءة وراء الإمام، انتهى. (قال) أبو السائب: (فغمز) أي كبس بيده (ذراعي) وهو الساعد، تأنيساً وتنبيهاً له على فهم مراده. قلت: بل إشارة إلى أن ما يقوله من عموم القراءة ليس مما يشتهر به، فإنه لما أنه خلاف ما عليه الجمهور لا يشيعه في الناس، فإن أبا هريرة (١) انظر: ((المنتقى)) (١٥٧/١). ١٧٢ -------- ---- -- ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٤) حديث ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ يَا فَارِسيُّ . - رضي الله عنه - قد يعمل على ظاهر ألفاظ الحديث أدباً بالحديث وإغراماً به، كما هو معلوم عند المحدثين، ولذا قال في حلية الوضوء: يا بني فرُّوخ أنتم ههنا، لو أعلم أنتم ههنا ما توضأت هذا الوضوء، الحديث. أخرجه مسلم، قال القاضي: إنما أراد أبو هريرة بكلامه هذا: أنه لا ينبغي لمن يقتدى به إذا ترخّص في أمر الضرورة أو تشدّدَ فيه - لاعتقاده مذهباً شَذَّ به عن الناس - أن يفعله بحضرة العامة الجهلة إلخ. فعلم بهذا أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قد يأخذ بالشدائد في الاجتهاد خلافاً لما عليه جمهور الفقهاء، ولذا نازعه ابن عباس - رضي الله عنهما - في الوضوء مما مست النار بالوضوء من الماء الحار، فإنه لما روى أبو هريرة: ((توضأوا مما مست النار))، فقال له ابن عباس - رضي الله عنهما -: يا أبا هريرة إنا ندهن بالدهن، وقد سخن بالنار، ونتوضأ بالماء، وقد سخن بالنار، الحديث، وغير ذلك ما لا يخفى على من له نظر في كتب الحديث، فلما كان الأمر بقراءته خلف الإمام مطلقاً من اجتهاده - رضي الله عنه -، ولذا ذكر مستدله بغمز ذراعه. وهذا إذا أثبت به خلاف الجمهور كما عليه المشايخ، وإلا فظاهر الحديث عندي لا يدل على القراءة خلف الإمام كما ستقف عليه. (ثم قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي) أي يا عجمي، ولعل أصله كان من فارس وهو الشيراز وما حوله. كذا في ((حاشية الطحاوي)) عن ((كشف المغطى))، وقال ابن رسلان: وليس تسميته بالفارسي في مسلم، اهـ. ثم اعلم أن المشهور بينهم أن هذا الأثر حجة للقراءة خلف الإمام، فلو ثبت مذهب أبي هريرة - رضي الله عنه - القراءة خلف الإمام مطلقاً بشيء من الروايات نصاً، فيؤول هذا القول إليه، ويقال معناه: اقرأ بها سراً، وإلا فحقيقة القراءة في النفس هي إجراؤها في القلب المعبر بالتدبر في المعاني الذي هو عين الخشوع في الصلاة، ويؤيده ما سيأتي من رواية أبي هريرة - رضي الله ١٧٣ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٤) حديث فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ مَ﴾: يَقُولُ: ((قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي عنه - بنفسه أنهم تركوا القراءة فيما جهر بها، وقال عيسى وابن نافع: ليس العمل على قوله ((اقرأ بها في نفسك))، ولعله أراد إجراءها على قلبه دون أن يقرأها بلسانه. (فإني سمعت رسول الله وَ#) هذا احتجاج منه على ما ذهب إليه من عموم القراءة، وبيان لمأخذ اجتهاده، (يقول: قال الله تبارك وتعالى) وهذا النوع من الحديث يقال له في الاصطلاح: ((الحديث القدسي)). قال القاري: هو ما يكون بإلهام أو منام أو بواسطة ملك بالمعنى، فيعبره بلفظه وينسبه إلى ربه. قال العيني: ويسمى بالحديث القدسي والإلهي والربّاني، والفرق بينه وبين القرآن أن لفظه معجز ومنزل بواسطة جبرائيل عليه السلام. وقال الطيبي: القرآن هو اللفظ المنزل به جبرائيل عليه السلام على رسول الله ◌َّ للإعجاز، والقدسي إخبار الله رسوله معناه بالإلهام أو بالمنام فأخبره رسول الله ◌َّه بعبارة نفسه، وسائر الأحاديث لم يُضِفْه إلى الله ولم يروه عنه. (قسمت الصلاة) أي الفاتحة، سميت صلاة؛ لأنها لا تتم إلا بها، كقوله عليه السلام: ((الحج عرفة)) فهو مجاز من إطلاق الكل على الجزء، أو لأنها بمعنى الدعاء كما بسط الباجي (بيني) قدم ذاته؛ لأنه الموجود حقيقة (وبين عبدي) هذا الوصف هو غاية كمال الإنسان، ولذا وصف نبينا ◌َّ في مقام الكرامة في قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ الآية(١)، وفي: ﴿نَزََّ اُلْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ الآية(٢)، وفي: ﴿فَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى﴾(٣)، ولذا قالت الصوفية: لا مقام أشرف من العبودية، إذ بها ينصرف من جميع الخلق إلى (١) سورة الإسراء: الآية ١. (٢) سورة الفرقان: الآية ١. (٣) سورة النجم: الآية ١٠. : ١٧٤ ------- .. .- " ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٤) حديث نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ))، المالك، كذا في ((البذل))(١). (بنصفين) بزيادة الباء في النسخ، كذا في رواية يحيى، فهي للملابسة أو زائدة، وفي بعض الروايات بدون الباء، وكذا في نسخ ((موطأ محمد))، والمراد التنصيف باعتبار الآيات، كما هو ظاهر. وفيه أيضاً دليل آخر على أن التسمية ليست جزءاً من الفاتحة. (فنصفها لي) خاصة (ونصفها لعبدي) فإنها سبع آيات، الثلاثة الأول فيها تحميد وثناء ، والرابعة مشتركة ، وهي قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴾ ففيها إقرار العبودية من العبد والاستعانة منه تعالى، والثلاثة الأخرى خالصة للعبد دعاء له . قال الزرقاني(٢): فيه حجة قوية على أن البسملة ليست من الفاتحة، وقال النووي: هو أوضح ما احتجُّوا به، لأنها سبع آيات بالإجماع، وقال الزيلعي في (نصب الراية))(٣): وهذا الحديث ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة، وإلا لابتدأ بها؛ لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة، حتى إنه لم يخلّ منها بحرف، والحاجة إلى قراءة البسملة أمسّ ليرتفع الإشكال، قال ابن عبد البر(٤): حديث العلاء هذا قاطع تعلق المتنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثاً في سقوط البسملة أبين منه، اهـ. (ولعبدي ما سأل) يعني: لذاتي ما وصف من الثناء ثابت، فَأُعْطِي لعبدي ما سأل من أحد النصفين، فهو وعد منه عز وجل بإجابة النصف الذي للعبد، ويحتمل أن يكون هذا وعداً لما وراء النصف، يعني أن نصفها ثابت لي ونصفها لعبدي متحقق، وآذن له أن يسأل ما شاء غيره أيضاً. (١) ٤٠/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧٦/١). (٣) (٣٣٩/١). (٤) ((الاستذكار)) (٤/ ٢٠٠). ١٧٥ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٤) حديث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((اقْرَءُوا، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿اُلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ اَلْعَلَمِينَ﴾، يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي. وَيَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. (قال رسول الله (قديمة) في توضيح ما قاله تعالى وتفصيل ما أجمل من التنصيف: (اقرءوا) الفاتحة ليتبين معنى القسمة، ويظهر أن الله عز وجل يسمع كلامه ويلتفت إليه، (يقول العبد) وليس في رواية مسلم: ((اقرءوا)) ولفظه: ((فإذا قال العبد)): (﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾) فيه أيضاً دليل لمن قال: إن التسمية ليست بجزء للفاتحة، وهو حجة بوجهين: الأول: أنه ◌َّ لم يقرأها في ذاك التفصيل، ولم يبين فضلها كما بَيَّن فضل كل جزء، والثاني: أنه بدأ القراءة بالحمد لله رب العالمين، كذا في الباجي (١). (يقول الله تبارك وتعالى: حمدني عبدي) والحمد هو الثناء على الجميل الاختياري نعمة كان أو غيرها، ولأهل العرف تدقيقات في تعريفه، كما في ((حواشي جلال التهذيب)). (ويقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) وفيه أيضاً إشارة إلى أن التسمية ليست بجزء الفاتحة، وإلا فيكون هذا مجرد تكرار، ثم فرق بينهما بوجوده، كما في كتب التفسير، وفي ((المنطوق لمعرفة الفروق)) قال الضحاك: إن الرحمن بأهل السماء، والرحيم بأهل الأرض، وقال عكرمة: الرحمن برحمة واحدة، والرحيم بمائة رحمة، وقال ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يُسْأَل يغضب، وفي ((تفسير القرطبي)): الرحمن لمن آمن، والرحيم لمن تاب، وفي ((تفسير الرازي)): الرحمن يخلق ما لا يقدر عليه العبد، والرحيم ما يقدر على جنسه العبد، قال النيسابوري وغيره: الرحمن خاص باللفظ، فلا يسمى به غيره تعالى، وعام معنى؛ لأنه يعم خلقه بالرزق، والرحيم عام لفظاً؛ لأنه يطلق على غيره، وخاص معنى، فإنه لا يرحم في الآخرة إلا المؤمن، اهـ. (١) انظر: ((المنتقى)) (١٥٨/١). ١٧٦ -- -------- ------------- -- ----- ----- ---- ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٤) حديث يَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي. وَيَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي. قال البيضاوي: الرحمن أبلغ من الرحيم؛ لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، وقال الغزالي في ((جواهر القرآن)): لما ابتدأ سبحانه وتقدس كتابه بـ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، علم أن النفوس ترهب بذلك، فعقَّبه بقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ ليجمع في صفاته بين الرهبة والرغبة إليه، اهـ. (يقول الله تعالى: أثنى على عبدي) والثناء هو ذكر الخير باللسان على جهة التعظيم، فهو أعم من الحمد والمدح والشكر وغير ذلك، كما يظهر من كتب التفاسير، قال ابن رسلان: جمعهما الثناء لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية، اهـ. وتفصيله: أن الرحمة رحمتان: رحمة ذاتية مطلقة امتنانية هي التي وسعت كل شيء، لا سبب لها ولا موجب، وليست بمقابلة شيء، والأخرى: هي الفائضة عن الرحمة الذاتية مقيدة بشروط موجبة لها من أعمال وأحوال وغيرهما، ومتعلق طمع إبليس هو الأول، كذا في تأويل سورة الفاتحة. (يقول العبد: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾) أي الجزاء، وخص بالذكر؛ لأنه لا مالك في هذا اليوم - في الظاهر أيضاً - إلا الله عز وجل، ولفظ المالك بالألف في جميع النسخ الهندية والمصرية إلا في نسخة الزرقاني بحذفها، والصواب الأول لاتفاق النسخ، وكذا في نسخة محمد ونسخ أبي داود وغيره، وإن كان لفظ الملك أيضاً في القراءة المتواترة، فقرأه عاصم والكسائي ويعقوب بالألف، والباقون بدونه، ((بيضاوي)). (يقول الله) عز وجل: (مجَّدني عبدي) أي عظّمني، والتمجيد: الثناء بصفات الجلال، ويوم الدين: يوم الجلال كما في الروايات، أي ذكرني بالعظمة والجلال، وفي هذا، الاعتراف من التعظيم والتفويض للأمر ما لا يخفى. ١٧٧ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٤) حديث يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرُ﴾. فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْنَفِيمَ ٦ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ اَلْضَّالِينَ﴾ . (يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾) أي نخصك بالعبادة، وقدم المعمول للاختصاص والحصر، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي نطلب منك الإعانة في الأمور كلها. روي عن أبي حفص الفرغاني يقول: من أقر بـ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فقد برئ من الجبر والقدر، قاله ابن رسلان. قال البيضاوي: لما ذكر التحقيق بالحمد، ووصف بصفات عظيمة خوطب بشأنه: يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة، ليكون أدل على الاختصاص والترقي من البرهان إلى العيان، والانتقال من الغيبة إلى الشهود، فكأن المعلوم صار عياناً والمعقول مشاهداً، والغيبة حضوراً، بنى أول الكلام على ما هو مبادئ حال العارف من الذكر والفكر، ثم قَفَّى بما هو منتهى أمره من أن يخوض لجة الوصول، ويصير من أهل المشاهدة، اللهم اجعلنا من الواصلين دون السامعين. (فهذه الآية بيني وبين عبدي) فإن أولها تعظيم له تعالى بإقرار العبادة له تعالى، وآخرها دعاء الإعانة منه تعالى، (ولعبدي ما سأل) من العون وغيره، أو كرره تأكيداً، والمراد هو ما ذكره أولاً وتقدم في أول الحديث. (يقول العبد: ﴿أَهْدِنَا﴾) بيان للمعونة المطلوبة، أو إفراد لما هو أعظم مقصوداً (﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ)) أي المنهاج الواضح الذي لا اعوجاج فيه، والمراد دين الإسلام، بل متابعة الحبيب، ولذا بدل به قوله: (﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، (﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾) أي اليهود، (﴿وَلَ﴾) بمعنى غير (﴿الضَّالِينَ﴾) أي النصارى، عند الجمهور. وجاء هذا التفسير مفسراً في حديث عدي بن حاتم وقصة إسلامه، أخرجه ١٧٨ -٠ 1 ---- ----- 1 --------- ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٤) حديث فَهُؤُلاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ)). أخرجه مسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ١١ - باب وجوب قراءة الفاتحة في کل ركعة، حديث ٣٨. الطيالسي في ((مسنده)) والترمذي في ((جامعه))، ويشهد له قوله عز وجل في اليهود: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾، وفي النصارى: ﴿قَدْ ضَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيراً وَضَلُواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ﴾ قاله ابن رسلان. (فهؤلاء) الآيات مختصة (لعبدي) أو ((هؤلاء)) الأدعية موعودة لعبدي، قال ابن رسلان: ((هؤلاء)) إشارة الجمع، وأقل الجمع ثلاثة. قال مالك وغيره: ففيه إشارة إلى أن من قوله: ((اهدنا الصراط)) ثلاث آيات لا آيتان، والمسلمون اتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات ... إلى آخر ما قاله. وهذا لا يتم إلا على القول بأن التسمية ليست بجزء من الفاتحة. (ولعبدي ما سأل) من المذكور، فهو وعد للإجابة، أو المراد غير المذكور، فالمعنى: هذا متحقق، وغيره مما يسأله العبد موعود أيضاً . واختلف المعتنون بحل ((الموطأ)) أن إثبات الترجمة بأي جزء من الحديث، فقيل: بقوله: ((خداج)) باعتبار أنه بمعنى خلاف الأفضل، وقيل: بقوله: ((اقرأ بها في نفسك))، واختاره أكثرهم، لكنه أيضاً لا يوافق مذهب الإمام؛ لأن أمره - رضي الله عنه - بالقراءة في النفس عام للجهرية والسرية، ومذهب الإمام مالك أفضلية القراءة في السرية خاصة. والأولى عندي: أن إدخال الحديث في الترجمة ليس لإثباتها، بل الترجمة بمنزلة الشرح للحديث، يعني ما يظهر من عموم الأمر بقراءة الفاتحة خلف الإمام مقيد عنده بالسرية، فيكون الترجمة بمنزلة التوجيه للحديث، وإثبات الترجمة بالآثار الآتية المصرحة لمذهبه، وتقدم أن الحديث استدل به بعضهم على عموم القراءة خلف الإمام مطلقاً، وهو لا يدل عليه أصلاً كما بسطناه قبل ذلك، ولو سُلِّمَ فهو اجتهاد من أبي هريرة - رضي الله عنه -، واجتهاد الصحابي ١٧٩ ٣ - كتاب الصلاة (٩) باب (١٨٥ - ١٨٦) حديث ٤٠/١٨٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ، فِيمَا لا يَجْهَرُ فِيهِ الإِمامُ بِالْقِرَاءَةِ . ٤١/١٨٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ الإِمَامِ فِيَمَا لا يَجْهَرُ فِيهِ الإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ . لا حجة فيه إذا خالفه جمهور الصحابة، وتقدم أن جمهورهم على ترك القراءة خلف الإمام. ولا يذهب عليك أن الحديث لو دل على القراءة خلف الإمام بوجهٍ واحدٍ مع الخلف فيه، فهو يدل على أن التسمية ليست بجزء من الفاتحة بخمسة وجوهٍ، كما نبهنا عليها من قبلُ، فليتَ شعري ما الباعث على أن المستدلين بهذا الحديث على ما قالوا يقولون بما يدل عليه الحديث بوجه واحد، ولا يقولون بما يدل عليه الحديث بخمسة أوجه؟ فتدبّر. ٤٠/١٨٥ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة (أنه كان يقرأ خلف الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة) ولا يقرأ فيما جهر فيه. ٤١/١٨٦ - (مالك، عن يحيى بن سعيد، وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي (أن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (كان يقرأ خلف الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة). يشكل عليه ما رواه الإمام محمد (١)، أخبرنا أسامة بن زيد المدني، حدثنا سالم بن عبد الله بن عمر قال: كان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام، قال: فسألت القاسم بن محمد عن ذلك، فقال: إن تركت فقد تركه ناس يُقتدى بهم، وإن قرأت فقد قرأه ناس يُقتدى بهم، وكان القاسم ممن لا يقرأ، اهـ (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤٢١/١). ١٨٠ ----- -