النص المفهرس
صفحات 101-120
٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦١) حديث الحمد))، وبه قال مالك، و((اللهم ربنا لك الحمد))، فاستحب الاقتداء في القولين، اهـ. قلت: هو المختار في متون المالكية، كما في ((مختصر الخليل))، و(مختصر عبد الرحمن))، وأما عند ابن القاسم من المالكية، فالأفضل هو القول بـ ((اللهم ربنا ولك الحمد)) كما سيجيء في آخر التأمين، وفي ((المدونة)) قال ابن القاسم: قال لي مالك مرة: ((اللهم ربنا لك الحمد)) ومرة: ((اللهم ربنا ولك الحمد)) قال: وهو أحبُّهما إليّ، اهـ. وقال الشافعي: يقول: ((ربنا لك الحمد)) لأن الواو للعطف، وليس ههنا شيء يعطف عليه، وأجيب: بأنه ثابت بالروايات، والعطف على المقدر جائز، وقيل: هي واو الحال، قاله ابن الأثير وضَعّف ما عداه. قال ابن القيم في ((الهدي)): قال: ((ربنا ولك الحمد)) وربما قال: ((ربنا لك الحمد)) وربما قال: ((اللهم ربنا لك الحمد)) صح ذلك عنه، وأما الجمع بين اللهم والواو فلم يصح، انتهى. قلت: يرد عليه ما سيأتي في التأمين، وهذا ما يتعلق بتحقيق اللفظ. وأما الاختلاف في من يأتي به، فقال الحافظ في ((الفتح)): أما المنفرد فحكى الطحاوي، وابن عبد البر الإجماع على أنه يجمع بينهما، انتهى. قلت: هذا باعتبار المشهور، وإلا فذكر الخلاف فيما بينهم الشامي من الحنفية، فقال: فيه ثلاث روايات، الجمع بينهما وهو المعتمد، وقيل: هو كالمؤتم، وقيل: كالإمام، وذكر الروايتين في مذهبه صاحب ((المغني)) من الحنابلة، وكذا الزرقاني إشارة بلفظ الأصح. وأما الإمام فيأتي بهما عند الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد، قاله الحافظ في ((الفتح))، وقال أبو حنيفة ومالك: يأتي بالتسميع فقط، وأما المؤتمُّ فكذلك عند الشافعي، ويأتي بالتحميد فقط عند الأئمة الخمسة الباقية، كما في ١٠١ ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦١) حديث وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذُلِكَ فِي السُّجُودِ. أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٨٣ - باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء. ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٩ - باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، حديث ٢١ و ٢٢. ((المغني))، والزرقاني، وغيرهما. وقال ابن المنذر: إن الشافعي انفرد بذلك. قلت: قال في ((المغني))(١): لا أعلم في المذهب خلافاً أنه لا يشرع للمأموم قول: ((سمع الله لمن حمده))، وهذا قول ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة والشعبي ومالك وأصحاب الرأي، وقال أبو يوسف، ومحمد والشافعي وإسحاق: يقول ذلك كالإمام، اهـ، فما نقل عن الصاحبين من الحنفية لم أجده في كتبنا . وتعقب عليه الشيخ في ((البذل)) هذا اختلاف الأئمة في ذلك، ولا حجة في حديث الباب لمن ذهب إلى الجمع بين اللفظين، قائلاً: بأن غالب أحواله ◌َل# الإمامة، لأن حديث الباب ليس بنص في أنه كان في المكتوبة، وغالب أحواله وَلّر الانفراد باعتبار النوافل، على أنه معارض للأحاديث القولية من قوله وقال: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد))، والقسمة تنافي الشركة، والقول مقدم على الفعل. (وكان لا يفعل ذلك) أي رفع اليدين (في السجود) لا في الهوي إليه ولا في الرفع منه، كما صرح به في رواية شعيب، عن الزهري بلفظ: ((حين يسجد ولا حين يرفع رأسه)) لكن يُشْكل عليه ما تقدم عن الإمام أحمد أنه صح عن ابن عمر الرفع في كل رفع وخفض، ويشكل عليه أيضاً ما تقدم عن الطبراني، عن ابن عمر: أن النبي ◌ُ ◌ّر كان يرفع عند التكبير للركوع، وعند التكبير حين (١) ((المغني)) (١٨٩/٢). ١٠٢ -- ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٢) حديث ١٧/١٦٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يهوي ساجداً. رواه الطبراني في ((الأوسط))، وقال الهيثمي: إسناده صحيح(١). قال الحافظ: وأصح ما وقفت عليه من الأحاديث في الرفع في السجود ما رواه النسائي، عن مالك بن الحويرث، وفيه: ((وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود))، اهـ. قلت: وروي عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي ◌َّر كان يرفع يديه في الركوع والسجود، رواه أبو يعلى، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وأخرج الدارقطني من حديث وائل بلفظ: ((إذا ركع وإذا سجد)). قال النيموي: إسناده صحيح، فهذه الروايات كلها تخالف حديث الباب، فلو سُلِّم لفظ: ((وكان لا يفعل)) من الإدراك يكون شاذاً لمخالفة الروايات الصحيحة العديدة، اللهم إلا أن يقال: إنها محمولة على أول الزمان ثم نسخ الرفع تدريجاً، ويمكن أن يُوَجَّهَ في روايات الرفع كلها أن الرفع ليس من أفعال الصلاة حتى يسن مطلقاً، لكنه مشير إلى الإقبال إلى واجب الوجود والإعراض عما سواه، فيندب عند غلبة مشاهدة الجمال، وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأوقات، فيتفرع عليه اختلاف الروايات في مواضع الرفع، والله الموفق. ١٧/١٦٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن علي بن) سيد شباب أهل الجنة الإمام (حسين بن علي بن أبي طالب) الهاشمي زين العابدين، ثقة، ثبت، عابد، فقيه، فاضل مشهور، من رجال الجميع، قال الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل منه، مات سنة ٩٣هـ، وقيل غير ذلك. (أنه قال: كان رسول الله وَ لَه)، (١) انظر: ((المجمع)) (٢٧١/١ ح٢٥٩). (٢) انظر: ((المجمع)) (٢٧٠/١ ح ٢٨٥). ١٠٣ ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٢) حديث يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاةِ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلاتَهُ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ. مرسل كما سيجيء (يكبِّر في الصلاة كلما خفض) للركوع والسجود (ورفع) رأسه من السجود فقط . وأما إذا رفع رأسه من الركوع فذِكْرُه التسميع والتحميد كما عليه الجمهور، لكن قال بعض الحنفية باستحباب التكبير عند الرفع من الركوع أيضاً لعموم هذا الحديث، كما في ((الكفاية))، لكنه مرجوح، قال الزرقاني(١) تبعاً للحافظ: ظاهر اللفظ العموم في جميع الانتقالات، لكن خص منه الرفع من الركوع بالإجماع، اهـ. ويؤيده الروايات المفصلة كما سيأتي، وسيأتي أيضاً الكلام في حكم التكبيرات وسبب إثباتها في الروايات. (فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله) عزَّ وجل، قال ابن عبد البر(٢): لا أعلم خلافاً بين رواة ((الموطأ)) في إرسال هذا الحديث. ورواه عبد الوهاب عن مالك، عن الزهري، عن علي، عن أبيه. ورواه عبد الرحمن بن خالد بن نجيح، عن أبيه، عن مالك، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب. ولا يصح فيه إلا ما في ((الموطأ)) مرسلاً. وأخطأ فيه ابن مصعب، فرواه عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، ولا يصح، والصواب عندهم ما في ((الموطأ))، اهـ. قلت: وسيأتي عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - موقوفاً في ((الموطأ))، وأخرج أبو داود عن الزهري، عن أبي بكر وأبي سلمة، عن أبي هريرة، وذكر الاختلاف في ذلك، فلا تغفل عنه. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٥٩/١). (٢) ((التمهيد)) (٩/ ١٧٣). ١٠٤ .. .. ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٣ - ١٦٤) حديث ١٨/١٦٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴾َ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلاةِ. ١٩/١٦٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْن عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ، فَيُكَبِّرُ كُلِّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ ١٨/١٦٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار) تابعي، فالحديث مرسل (أن رسول الله (يوم كان يرفع يديه في الصلاة) قال الباجي(١): إخبار عن رفعهما في الجملة، ولم يعين موضع الرفع؛ فلا حجة فيه إلا على من منع الرفع جملة، اهـ. قلت: لكن رواه شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان كذلك مرسلاً، وفيه: ((إذا كبر لافتتاح الصلاة، وإذا رفع رأسه من الركوع))، وأخرجه ابن أبي شيبة(٢)، عن هشيم، عن يحيى بن سعيد نحوه، نعم يمكن أن يكون رواية الإمام مالك عنه بالإبهام، فيتجه ما قاله الباجي، والقرينة عليه أن الإمام ما أخذ به في المشهور عنه. ١٩/١٦٤ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف) التابعي ابن الصحابي (أن أبا هريرة) حين استخلفه مروان على المدينة، كما في رواية مسلم والنسائي (كان يصلي لهم) باللام أي لأجلهم ولإرائتهم، وفي رواية: ((يصلي بهم)) بالباء أي يؤمهم بها (فيكبر كلما خفض ورفع) وتقدم أنه مخصوص بغير الرفع من الركوع، إذ وظيفته التسميع والتحمید. ويؤيده رواية أبي هريرة في الصحيحين، قال: كان ◌َّ إذا قام إلى (١) ((المنتقى)) (١٤٣/١). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٥/١). ١٠٥ ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٤) حديث فَإِذَا انْصَرَفَ، قَالَ: وَاللَّهِ! إِنِّي لِأَشْبَهُكُمْ بِصَلَاةٍ رَسُولِ اللَّهِ وَلـ أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١١٥ - باب إتمام التكبير في الركوع. ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ١٠ - باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة، حديث ٢٧. الصلاة يكبِّر حين يقوم، ثم يكبِّر حين يركع، ثم يقول: ((سمع الله لمن حمده)) حين يرفع صلبه من الركوع، الحديث. وكذا رواية فعله مفصلاً عند أبي داود. ويؤيِّده أيضاً ما سيأتي من رواية عكرمة عند البخاري بلفظ: ((فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة)) . (فإذا انصرف) أبو هريرة من الصلاة (قال: والله إني لأشبهكم) قال الرافعي: هذه الكلمة مع الفعل المأتي به نازلة منزلة حكاية فعله وَّل، انتهى (١). (بصلاة رسول الله ◌َّة) عموم اللفظ يقتضي الشبه بصلاته وصالر في التكبير وغيره على العموم، لكن الراوي لما ذكر من صلاته التكبير فقط ثم ذكر هذا اللفظ، فعلم أنه هو الذي قصد بهذه الصلاة، ويؤيده روايته القولية في الصحيحين تقدمت قريباً، وكان سبب هذه الإراءة والقول والتعليم أن تكبيرات الصلاة قد تركت في هذا الزمان، كما هو صريح رواية البخاري عن عكرمة، قال: صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق، فقال: ثكلّتك أمك، سنة أبي القاسم بَلّ. وفي أخرى له عن مطرف بن عبد الله قال: صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين، الحديث(٢). وفيه: فقال عمران بن حصين: لقد ذكَّرني هذا صلاة النبي ◌َّ. (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٦٠/١). (٢) انظر: ((التمهيد)) (١٧٦/٩). ١٠٦ ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٤) حديث ٠ ٠ ٥ وروى أحمد والطحاوي عن أبي موسى الأشعري قال: ذكَّرَنا عليٍّ صلاةً كنا نصليها مع رسول الله وَلّ، إما نسيناها وإما تركناها عمداً. وغير ذلك من الروايات الدالة على ترك التكبيرات، ولأحمد عن عمران: ((أول من ترك التكبير عثمان بن عفان حين كَبِرَ وضعف صوته)) وهذا يحتمل ترك الجهر، وللطبراني عن أبي هريرة: ((أول من تركه معاوية))، ولأبي عبيد: ((أول من تركه زياد)) ولا ينافي ما قبله، لأن زياداً تركه بترك معاوية، وكان تركه بترك عثمان، قاله الزرقاني(١) تبعاً للحافظ. وأفاد شيخي ووالدي - نور الله مرقده ــ: أن عثمان بن عفان لغلبة حيائه لا يستطيع الجهر المبالغ، فكان ترك الجهر منه طبعاً، وتركه بنو أمية تبعاً. قال الطحاوي: إن قوماً كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع. قال: وكذلك كانت بنو أمية تفعله . قلت: وأفاد والدي - برد الله مضجعه - في وجهه: أن أقل الجهر يكون في حالة الرفع والصعود أسمع منه في حالة الهبوط والنزول، كما هو مشاهد، فعثمان كان لا يفرق بينهما على الظاهر، ولكنه كان يحصل التفريق بينهما باعتبار السامعين، فيستمعون تكبير الرفع أكثر ممن سمع تكبير الوضع، وبنو أمية لعلهم يفرقون بينهما قصداً إتباعاً له. قلت: ويحتمل أيضاً أن يكون التفريق منه أيضاً قصداً، وكان يجتهد في أداء الجهر في حالة الرفع أشد مما يجتهد في حالة الوضع، وذلك؛ لأن المقتدين في حالتي الركوع والسجود أحوج إلى الصوت منهم من حالة القيام، لأن اتباع الإمام في الرفع عن الركوع والسجود بدون الصوت مشكل، بخلافه في حالتي القيام والقعود، فيحصل بالرؤية أيضاً . وروي عن بعض السلف: أنه لا يكبِّر سوى تكبيرة الإحرام، وفرَّق (١) ((شرح الزرقاني)) (١٥٩/١). ١٠٧ ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٤) حديث بعضهم بين الفذّ وغيره، كما سيأتي عن ابن عمر، لكن استقر الإجماع على التكبير لكل مصلٍ، قاله الباجي والزرقاني. وكان الخلاف فيه في أول الزمان متعارفاً حتى روي عن عمر بن الخطاب أيضاً: أنه لا يرى إلا تكبيرة الإحرام، ونقل ذلك عن قتادة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والحسن والقاسم وسالم وجماعة منهم ابن سيرين، كذا في ((البذل))(١). قال النووي: وهذا مجمع عليه اليوم، وقد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة، وقال البغوي في ((شرح السنة)): اتفقت الأمة على هذه التكبيرات، وقال أبو عمر: قال قوم من أهل العلم: إن التكبير ليس بسنة إلا في الجماعة. وأما من صلّى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبّر، وقال أحمد: أحب إليّ أن يكبّر إذا صلّى وحده في الفرض، أما في التطوع فلا، ثم تكبيرات الصلاة ما عدا تكبيرة الإحرام سنة عند الجمهور من الشافعية والمالكية والحنفية، وواجب عند الإمام أحمد وبعض أهل الظاهر، وهو مؤدى رواية ابن القاسم من المالكية، إذ قال: لو أسقط ثلاث تكبيرات سجد للسهو وإلا بطلت الصلاة. قال ابن قدامة في ((المغني)) (٢): المشهور عن أحمد أن تكبير الرفع والخفض واجب وهو قول داود وإسحاق، وعن أحمد: أنه غير واجب وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن النبي و 18 لم يعلمه المسيء في صلاته ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولأنه لو كان واجباً لم يسقط بالسهو كالأركان، اهـ. قال ابن بطال: ترك الإنكار على من تركه يدل على أن السلف لم يتلقوه على أنه ركن من الصلاة، وقال ابن عبد البر: هذا يدل على أن السلف لم يتلقوه على الوجوب وعلى السنن المؤكدة. (١) انظر: ((بذل المجهود)) (٤٢٥/٤). (٢) (١٨٠/٢). ١٠٨ -- - ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٥) حديث ٢٠/١٦٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الصَّلاةِ، كُلِّما خَفَضَ وَرَفَعَ . وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا اقْتَتَحَ الصَّلَاةَ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ٢٠/١٦٥ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم بن عبد الله أن) أباه (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (كان يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع) زاد أشهب: ويخفض بذلك صوته، قال ابن عبد البر(١): لم يقله عن مالك غيره من الرواة. وقال الإمام أحمد: يروى عن ابن عمر: أنه كان لا يكبر إذا صلّى وحده (٢). ورواية مالك أولى، إلا أن تحمل رواية الإمام مالك، إذا صلى إماماً أو مأموماً، وما حكى أحمد إذا صلى لنفسه. قلت: وقد أخرج ابن أبي شيبة عن يزيد الفقير قال: كان ابن عمر ينقص التكبير في الصلاة، قال مسعر: إذا انحط بعد الركوع للسجود لم يكبر فإذا أراد أن يسجد الثانية لم يكبر، اهـ. (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه) هذه هي الطريق الموقوفة لرواية ابن عمر المصدرة بها الباب، فوقفها نافع ورفعها سالم، قال ابن عبد البر: والقول قول سالم ولم يلتفت الناس فيها إلى نافع، ونقل الحافظ أن البخاري أشار إلى ردّ هذا بأنه اختلف على نافع في رفعه ووقفه، فرواه مالك وغيره عنه موقوفاً، ورواه أيوب عنه مرفوعاً، انتهى. قلت: أما قول ابن عبد البر: لم يلتفت الناس ... إلخ، كان ممكن التسليم لو لم يلتفت الناس إلى قول نافع في أحاديثه الأربعة التي وقفها نافع (١) ((الاستذكار)) (١٢٠/٤). (٢) انظر: ((التمهيد)) (١٧٩/٩ و١٨٤)، و((شرح الزرقاني)) (١٦٠/١). ١٠٩ ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٥) حديث ورفعها سالم، وأما إذا لم يكن كذلك، بل التفت الناس، بل أكابر الناس في بعضها، بل أكثرها إلى وقف نافع وجعلوه قدحاً في الحديث، فأي داعٍ لهم إلى أن لم يلتفتوا إليه، فإن هذه الأربعة الأول منها هو هذا الحديث، والثاني حديث ابن عمر: فيما سقت السماء والبعل العشر، والثالث: الناس كابل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة، والرابع: من باع عبداً وله مال فماله للبائع، الحديث . فحديث ابن عمر: فيما سقت السماء والبعل العشر. قال الحافظ في ((الفتح)): قال النسائي: سالم أجلّ من نافع، وحديث نافع أولى بالصواب، وقال أيضاً في ((تلخيص الحبير))(١): وقد قال أبو زرعة: الصحيح وقفه على ابن عمر، ذكره ابن أبي حاتم عنه في ((العلل))، اهـ. قلت: فلا يلتفت إلى وقف نافع في حديث رفع اليدين، لأنه يوافق مذهبهم، ويلتفت إلى وقفه في العشر لأنه يخالفهم، فمثله بعيد من مثلهم، وكذا حديث: ((من باع عبداً وله مال)) الحديث، رجح مسلم والنسائي حديث نافع ههنا كما أخرجه عنهما البيهقي، وكذا رجح الدارقطني رواية نافع، فليت شعري من الذين هم لم يلتفتوا إلى وقف نافع؟ ولو سُلُّم ترجيح بعضهم للرفع فتكون المسألة مختلفة عند أهل الفن، فحكم ابن عبد البر بعدم الالتفات مما لا ينظر إليه . وأما قول الحافظ: ((أشار البخاري إلخ)) فبعيد من مثله، لأنه لو أشار البخاري إلى الاختلاف في رفعه فقد نص أبو داود على صحة الوقف فيه؛ إذ قال في ((سننه)): قال أبو داود: والصحيح قول ابن عمر وليس بمرفوع، ورواه الليث ومالك وأيوب وابن جريج موقوفاً، وأسنده حماد بن سلمة وحده عن أيوب، اهـ. (١) ((تلخيص الحبير)) (١٦٩/٢). ١١٠ -----.... " = خاسة ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٦) حديث وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا دُونَ ذَلِكَ. أخرجه أبو داود في: ٢ - كتاب الصلاة، ١١٥ - باب افتتاح الصلاة. ٢١/١٦٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي نُعَيْم، وَهْب بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ: فَكَانَ يَأْمُرُّنَا أَنْ نُكَبِّرَ كُلَّمَا حَفَضْنَا وَرَفَعْنَا . ولا يذهب عليك أن الإمام البخاري مع تجنبه رواية حماد بن سلمة، كما هو المشهور عند أهل الفن استشهد ههنا بروايته، هل هذا إلا تحامل؟ لا يقال: إن حديث ابن عمر هذا الذي فيه زيادة الرفع عند القيام من الركعتين غير الحديث الذي رواه عنه سالم، لأن حديثي جابر بن سمرة مع اختلاف سياقهما وتغاير متنيهما يحكم عليهما بالوحدة فأي داع إلى اختلاف حديثي ابن عمر. (وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك) وكذا أخرجه أبو داود بهذا السند(١)، ويعارضه قول ابن جريج: قلت لنافع: أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن؟ قال: لا، ذكره أبو داود وقال: لم يقل: رفعهما دون ذلك غير مالك، اهـ. فكأن أبا داود أشار إلى غرابة هذا اللفظ وشذوذه لتفرد الإمام مالك بذاك اللفظ، وقيل: المعارضة لا تثبت؛ لأن مالكاً أثبت من ابن جريج سيما في نافع فهو راجح، ورُدَّ بأن رواية مسلم المتقدمة بلفظ: ((رفعهما)) كذلك تؤيد رواية ابن جريج فالمعارضة باقية على حالها كما تقدمت الإشارة إليها تحت حديث سالم. ٢١/١٦٦ - (مالك عن أبي نعيم) مصغراً (وهب بن كيسان) بفتح الكاف (عن جابر بن عبد الله أنه) أي جابراً (كان يعلمهم) أي وهباً ومن معه من التابعين (التكبير في الصلاة، قال) وهب: (فكان) جابر (يأمرنا أن نكبر كلما خفضنا) أي هبطنا للركوع والسجود (ورفعنا) عنهما. وكان الأمر على الظاهر؛ (١) انظر: ((بذل المجهود)) (٤٦٤/٤). ١١١ ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٧) حديث ١٦٧/ ٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَاب؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ الرَّكْعَةَ فَكَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً، أَجْزَأَتْ عَنْهُ تِلْكَ التَّكْبِيرَةُ . قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ إِذَا نَوَى، بِتِلْكَ التَّكْبِيرَةِ، افْتِنَاحَ الصَّلاةِ. لما قد ترك الاهتمام به كما تقدم، ويحتمل أن يكون أمر التكبير عنده مؤكداً كما هو مذهب البعض، وتقدم مبسوطاً . قال الزرقاني(١): وفي هذا وفيما قبله رد لما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبزى: صليت خلف النبي ◌َّ فلم يتم التكبير. ونقل البخاري في ((التاريخ)) عن الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل. وقال الطبري والبزار: تفرد به الحسن بن عمارة(٢)، وهو مجهول. وأجيب على تقدير صحته بأنه فعله لبيان الجواز، أو المراد لم يتم الجھر به، أو لم يمده، اهـ. ٢٢/١٦٧ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (أنه كان يقول: إذا أدرك الرجل الركعة) يعني الركوع مع الإمام قبل رفع رأسه (فكبر) ذاك المقتدي (تكبيرة واحدة) واشترك مع الإمام في الركوع (أجزأت عنه) أي الرجل (تلك التكبيرة). قال الزرقاني: ظاهره وإن لم ينو بها تكبيرة الإحرام، اهـ فتأمل. (قال يحيى: قال مالك: وذلك) أي إجزاء التكبير الواحد (إذا نوى بتلك التكبيرة افتتاح الصلاة) لأنه ركن أو شرط عند الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة كما تقدم، إلا أنه لا يشترط النية عندنا الحنفية كما سيأتي، قال ابن عبد البر: ليس في قول ابن شهاب دليل على تفسير مالك، بل هو معروف من مذهب ابن شهاب أن تكبيرة الافتتاح ليست فرضاً، ففسره مالك على مذهبه، كأنه قال: وذلك عندنا، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٦١/١)، وانظر ((نيل الأوطار)) (٦٧/٢). (٢) كذا في (الزرقاني))، والصواب بدله: حسن بن عمران، كما في ((أبي داود)) ح (٨٣٧). اهـ. زکریا . ١١٢ -- ----- ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٧) حديث وَسُئِلَ مَالِكٌ، عَنْ رَجُلِ دَخَلَ مَعَ الإِمَامِ، فَنَسِيَ تَكْبِيرَةَ الافْنِتَاحِ، وَتَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ، حَتَّى صَلَى رَكْعَةً، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الافْنِتَاحِ، وَلا ◌َعِنْدَ الرُّكُوعِ. وَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ؟ قَالَ: يَبْتَدِىءُ صَلاتَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ، قلت: ومذهب الحنفية في ذلك ما قال ابن نجيم في ((البحر)): ولو جاء إلى الإمام وهو راكع، فحنى ظهره، ثم كبر إن كان للقيام أقرب يصح، وإن كان إلى الركوع أقرب لا يصح، ولو أدرك الإمام راكعاً، فكبر قائماً وهو يريد تكبيرة الركوع جازت صلاته، لأن نيته لغت فبقي التكبير حالة القيام، اهـ. وفي ((الكبيرى)) (١): مدرك الإمام في الركوع لا يحتاج إلى التكبيرتين، خلافاً لبعضهم، ولو نوى بها الركوع لا الافتتاح جاز ولغت نيته. كذا ذكره الشيخ كمال الدين بن الهمام(٢)، ولا تغفل عما سبق أنه لا بد وقوع تلك التكبيرة حال القيام وإلا لا يصح الشروع. (قال يحيى: وسئل مالك عن رجل دخل مع الإمام) أي اقتدى به (فنسي تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع حتى صلى ركعة) أي لم يتذكر التكبير إلى أن أتم ركعة (ثم ذكر أنه لم يكن كبر تكبيرة الافتتاح، ولا عند الركوع وكبر في الركعة الثانية؟ قال) الإمام مالك: (يبتدئ صلاته أحبُّ) بتشديد الموحدة (إليَّ) بتشديد المثناة، قال الزرقاني(٣): أي أحب للوجوب، فإنه قد يطلق عليه أحياناً، اهـ. قال في ((المدونة))(٤): إن هو لم يكبر للركوع، ولا للافتتاح مع الإمام، (١) ص ٢٨١، وهو كتاب ((غنية المتملي في شرح منية المصلي)) للشيخ إبراهيم الحلبي الحنفي ت ٩٠٦هـ. المعروف عند علماء الهند بالكبيري، طبعة سهيل أكيدمي باكستان ١٣٩٩ هـ. (٢) ((فتح القدير)) (٤٢٠/١). (٣) ((شرح الزرقاني)) (١٦١/١). (٤) ((المدونة الكبرى)) (٦٦/١). ١١٣ ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٧) حديث وَلَو سَهَا مَعَ الإِمَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الاِفْتِتَاحِ، وَكَبَّرَ فِي الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، رَأَيْتُ ذَلِكَ مُجْزِياً عَنْهُ، إِذَا نَوَى بِهَا تَكْبِيَرَةَ الافْتِتَاحِ. قَالَ مَالِكٌ، فِي الَّذِي يُصَلِّ لِنَفْسِهِ فَنَسِيَ تَكْبِيرَةَ الافْتِتَاحِ: إِنَّه يَسْتَأْنِفُ صَلاتَهُ. حتى ركع الإمام ركعة وركعها معه، ثم ذكر ابتدأ الإحرام، وكان الآن داخلاً في الصلاة، فليتم بقية الصلاة مع الإمام، ثم يقضي ركعة إذا سلم الإمام، اهـ. قلت: وكذلك عندنا الحنفية بل الأربعة، لا تصح صلاته؛ لأنه ما كبر تكبيرة الإحرام، وهو فرض عند الجميع، نعم لو استأنف الصلاة مع الإمام إذا تذكر في الركعة الثانية فتصح الصلاة ويصير مسبوقاً كما تقدم عن ((المدونة)) . (ولو سها) المأموم حال كونه مصلياً (مع الإمام) ومقتدياً به وليس المراد أنه سها الإمام أيضاً. وقيد بالاقتداء؛ لأن صلاة المنفرد والإمام تبطل في هذه الصورة، كما في ((المدونة))، وسيصرح به المصنف أيضاً. (عن تكبيرة الافتتاح، وكبر في الركوع الأول، رأيت ذلك مُجزياً عنه إذا نوى بها) أي بتلك التكبيرة التي كبر بها عند الركوع (تكبيرة الافتتاح) ويكون حينئذ كأنه اشترك في صلاة الإمام عند الركوع، وكذلك عندنا الحنفية. قلت: وهذه هي المسألة المارّة في قول الزهري أعادها توضيحاً. (قال يحيى: قال مالك في الذي يصلّي لنفسه) يعني منفرداً (فنسي تكبيرة الافتتاح أنه يستأنف صلاته) لبطلانها بترك التكبيرة التحريمة، وهي فرض عند الأربعة، وليس حكمه حكم المأموم، فإنه تحمل عنه إمامه وليس له أحد يتحمل، ولذا حرص الصوفية على اتخاذ شيخ يتحمل عنه ما لا يحتمل هو بنفسه . ١١٤ ٣ - كتاب الصلاة (٤) باب (١٦٧) حديث وَقَالَ مَالِكٌ، فِي إِمَامٍ يَنْسِى تَكْبِرَةَ الاقْنِتَاحِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلاتِهِ. قَالَ: أَرَى أَنْ يُعِيدَ، وَيُعِيِّدُ مَنْ خَلْفَهُ الصَّلاةَ، وَإِنْ كَانَ مَنْ خَلْفَهُ قَدْ تَكَبَُّوا، فَإِنَّهُمْ يُعِيدُونَ. قال في ((المدونة)) (١): وذلك يجزئ من خلف الإمام؛ لأن قراءة الإمام وفعله كان يُحسب لهذا لأنه أدرك معه الركعة، فحمل عنه الإمام ما مضى إذا نوى بتكبيره الافتتاح، اهـ. (قال يحيى: قال مالك في إمام ينسى تكبيرة الافتتاح حتى يفرغ من صلاته قال: أرى أن يعيد) الصلاة (ويعيد) أيضاً (من كان خلفه) من المقتدين (الصلاة) لأنها بطلت لعدم التحريمة (وإن كان) الواو وصلية (من خلفه) من المقتدين (قد كبروا) لأنفسهم (فإنهم يعيدون) أيضاً، وهكذا في ((المدونة)) لأن كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم، إلا في مسائل ليست هذه منها، قاله الزرقاني. قلت: وكذلك عندنا الحنفية. ثم لا يذهب عليك أن المصنف لم يذكر وضع اليدين بعد الرفع، ولعل وجهه أنه لم يذهب إليه، ونتبعه في ذكر البحث فيه، إلا أنا نستحسن بيان المذاهب في ذلك جملة، فاختلف الناس في ذلك على ثلاثة أقوال، أحدها : لا يضع كما قاله بعض التابعين، وهو المشهور عن الإمام مالك. والثاني: يضع في النافلة دون الفريضة، وهو رواية عنه. والثالث: يضع مطلقاً ندباً. وبه قال الإمام أبو حنيفة والشافعي وأحمد وسائر الفقهاء. ثم اختلفوا في محل الوضع فقال الإمام أبو حنيفة: تحت السرة. وبه قال الثوري وإسحاق بن راهويه وأبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي. وقال جمهور الشافعية: يضع فوق السرة تحت الصدر. وعن أحمد روايتان كالمذهبين، وقيل: فوق الصدر. كذا في ((العارضة)) وغيره، والبسط في ((البذل))(٢)، ثم رأيت بعد ذلك أنه ذكره قبيل جامع الصلاة، فسيأتي البسط هناك. (١) انظر: ((المدونة الكبرى)) (٦٧/١). (٢) انظر: (٤ /٤٨٤). ١١٥ ٣ - كتاب الصلاة (٥) باب (١٦٨) حديث (٥) باب القراءة في المغرب والعشاء ١٦٨/ ٢٣ - حَدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه (٥) القراءة في المغرب والعشاء عيّن المصنف القراءة في الجهرية فقط ولم يبوِّب للسرية؛ لأنها لم تسمع فيها قراءة النبي ◌َّة، ومن بوّب للسرية كالبخاري وجماعة أرادوا إثبات القراءة فيها وبيان حكمها، ثم قدم المصنف هذه الترجمة على قراءة الصبح؛ لأن الليل سابق النهار، أو لأن هذه الثلاثة الجهرية في النسق على هذا الترتيب. ٢٣/١٦٨ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن محمد (١) بن جبير) بضم الجيم، وفتح الموحدة، فتحتية ساكنة، آخره راء مهملة (ابن مطعم) القرشي النوفلي أبو سعيد المدني ثقة من رجال الجميع، عارف بالأنساب مات على رأس المائة. (عن أبيه (٢)) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل، صحابيٌ أسلم يوم فتح مكة، وقيل قبله، كان أحد الأشراف، ومن علماء قريش، وساداتهم عارفاً بالأنساب، مات سنة ٥٨هـ أو بعدها، (أنه قال: سمعت رسول الله وَّلة) وهذا لما جاء في أسارى بدر، كما للبخاري في الجهاد، ولابن حبان في فداء أهل بدر، وزاد الإسماعيلي: ((وهو يومئذ مشرك))، وللبخاري في المغازي: ((وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي))، وزاد في الطبراني بعده: ((فأخذني من قراءته الكرب)) ولسعيد بن منصور: ((وكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن)). واستدل به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفسق إذا أداه في حالة العدالة، قاله الزرقاني تبعاً للحافظ، وقال الحافظ في ((النخبة)): ويصِحُّ تحمل الكافر أيضاً إذا أداه بعد إسلامه، قال السيوطي في (١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٩١/٩)، و((تهذيب الكمال)) (١١٨٢/٣)، و((سير أعلام النبلاء)) (٥٤٣/٤). (٢) انظر ترجمته في: («تهذيب التهذيب)) (١٦٣/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (٩٥/٣). ١١٦ ٣ - كتاب الصلاة (٥) باب (١٦٨) حديث قَرَأَ بالطُّورِ فِي الْمَغْرِبِ. أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ٩٩ - باب الجهر في المغرب. ومسلم في: ٤ - كتاب الصلاة، ٣٥ - باب القراءة في الصبح، حديث ١٧٤. ((التدريب))(١): تقبل رواية المسلم البالغ ما تحمله قبلهما، ومنع الثاني - أي رواية الصبي - قوم فأخطأوا، ولم يجر الخلاف في الكافر؛ لأن الصبي لا يضبط غالباً ما تحمله في صباه بخلاف الكافر، نعم رأيت القسطلاني في كتابه ((المنهج)) أجرى الخلاف فيه أيضاً، انتهى مختصراً. (قرأ) بصيغة الماضي في النسخ، وفي رواية محمد: ((يقرأ)) وعزا الحافظ إلى ((الموطأ)) لفظ المضارع (بالطور في المغرب). اعلم أولاً أن الأئمة الأربعة - رضي الله عنهم أجمعين - كلهم متقاربون في قراءة الصلاة، فإنهم بعدما أجمعوا على أنه لا يجب تعيين شيء من القرآن في شيء من الصلوات، اتفقوا أيضاً على استحباب طوال المفصل في الصبح، وقصاره في المغرب، كما يظهر من كتب الفروع، واختلفوا بعد ذلك باختلاف يسير، فقالت الحنفية كما في ((الهداية)): الظهر مثل الصبح أو دونه، ويستحب أوساط المفصل في العصر والعشاء، وقصاره في المغرب. وأجاد القسطلاني(٢) الكلام على حكمة هذا التقسيم، وحاصله: أن الصبح والظهر وقت نوم فيناسب التطويل ليدركها المتأخر، والعصر وقت اشتغال، والعشاء وقت راحة، فيناسب الوسط ليدركوا وطرهم، والمغرب وقت تعب وأكل صائم، فناسب القصر، اهـ. وسيأتي الكلام على المفصل قريباً. وفي ((الدر المختار)) (٣): ويسن في الحضر طوال المفصل في الفجر والظهر، وأوساطه في العصر والعشاء، وقصاره في المغرب، قال الشامي: (١) (٥٨٩/٢). (٢) انظر: ((إرشاد الساري)) (٤٨٤/٢). (٣) (٥٠٤/١). ١١٧ ٣ - كتاب الصلاة (٥) باب (١٦٨) حديث وفي ((المنية)): أن الظهر كالعصر لكن الأكثر على ما عليه المصنف، اهـ. وقالت المالكية كما في الباجي: أطول الصلوات قراءةً الصبحُ ثم الظهرُ، ثم العشاءُ ثم المغربُ والعصرُ، فيقرأ بأقصر من طوال المفصل في الظهر، وبمثل ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾﴾ في العشاء، ويقرأ في العصر والمغرب بقصار المفصل. وفي ((مختصر الخليل)): ندبَ تطويلُ قراءةٍ بصبح والظهر تليها، وتقصيرها بمغربٍ وعصرٍ كتوسطٍ بعشاء، اهـ. وكذا في ((مختصر عبد الرحمن)). وقالت الحنابلة كما في ((المغني)): بطوالها في الصبح، وبمثل ثلثين في الظهر، وفي العصر على النصف من ذلك، وفي المغرب بسور آخر المفصل، وفي العشاء بما أشبه والشمس وضحاها . وفي ((الروض المربع)) (١): وتكون السورة في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي كالظهرين والعشاء من أوساطه. وقالت الشافعية كما في ((الإقناع)): ويسن لمنفرد وإمام محصورين في صبح طوال المفصل، وفي ظهر قريب منها، وفي عصر وعشاء أوساطه، وفي المغرب قصاره، اهـ، وفي حاشيته: الطوال من الحجرات إلى عمَّ، والأوساط منها إلى الضحى، والقصار منها إلى الآخر، اهـ، وكذا في ((روضة المحتاجين)) في فقه الشافعي إذ قال: وسن لمنفرد وإمام قوم محصورين راضين بالتطويل لفظاً في صبح طوال المفصل، وفي ظهر قريب منها، وفي عصر وعشاء أوساطه، ولمصل مطلقاً في مغرب قصاره. وإذا تحققتَ هذا فقد علمتَ أنهم اتفقوا على استحباب قصار المفصل في المغرب، حتى روى الترمذي وغيره عن مالك أنه كره القراءة الطويلة في المغرب، واستدل للجمهور لما اختاروا من اقتصارهم في المغرب على قصار (١) (١٧٣/١). ١١٨ ٣ - كتاب الصلاة (٥) باب (١٦٨) حديث المفصل بحديث رافع: ((أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب))، وهذا يدل على تخفيف القراءة، وبحديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله وَ ﴾ من فلان، قال سليمان: فكان يقرأ في الصبح بطوال المفصل وفي المغرب بقصار المفصل. أخرجه النسائي وصححه ابن حبان . واستدل صاحب ((الهداية)) بكتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: أن اقرأ في الفجر والظهر بطوال المفصل، والعصر والعشاء بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل، أخرجه عبد الرزاق. ولابن أبي شيبة من طريق زرارة بن أوفى: ((أَقرَأَني أبو موسى كتاب عمر إليه أن اقرأ في المغرب بقصار المفصّل)»(١) . وأجاب الجمهور عن حديث الباب بأجوبة، قال الإمام محمد في ((موطئه)): نرى أن هذا كان شيئاً فترك، أو لعله كان يقرأ بعض السورة ثم يركع، اهـ. ومال أبو داود في ((سننه)) إلى الأول فادَّعى أنه منسوخ، والطحاوي إلى الثاني فأثبت أنه وَلّ قرأ بعض السورة، وأورد عليهما الحافظ في ((الفتح))، وقيل: لبيان الجواز، وقيل: ورد في رواية بالشك بين المغرب والعشاء، وفي الأخرى: بالجزم في العشاء، بطريق ابن لهيعة، ذكرهما ابن عبد البر. وقال ابن رسلان: قال الدارقطني: وهم فيه بعض الرواة، وإنما هو في الركعتين بعد المغرب، وغير ذلك، ويحتمل في هذا خاصة أنه كان لإسماع جبير فإنه كان مشركاً، فإسماعه خارج الصلاة كان مشكلاً، ولما جاء لاحتياجه كان محتاجاً إلى أن ينتظر فراغه 13 من الصلاة، لأنهم كما يعلمون أن المسلمين لن يتكلموا في صلاتهم ولا بد إذاً من استماع القرآن، ووقع كذلك، (١) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٩٤). ١١٩ ٣ - كتاب الصلاة (٥) باب (١٦٩) حديث ٢٤/١٦٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ أَمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأَ: ﴿ وَالْمُرْسَلَتِ غُرْفًا﴾ فَقَالَتْ لَهُ: يَا بُنَيَّ ! فسمعه وصدع قلبه واستقر الإيمان في قلبه كما تقدم، وهذا كله على المشهور، وإلا فاختار صاحب ((البدائع)) عدم التقدير، وقال: إنه يختلف بالوقت والقوم والإمام كما نقله عنه الشامي، واختاره والدي المرحوم نور الله مرقده. ٢٤/١٦٩ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) مصغراً (ابن عبد الله بن عتبة) بضم المهملة وإسكان الفوقية (ابن مسعود عن) الحبر (عبد الله بن عباس أن) أمه (أم الفضل) اسمها لبابة بضم اللام، وتخفيف الموحدتين المفتوحتين بينهما ألف (بنت الحارث) بن حزن بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي بعدها نون، الهلالية زوج العباس وأم بنيه الستة وأخت ميمونة أم المؤمنين، كان ◌ّلّ يزورها ويقيل عندها، ويقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، ورُدَّ بأن غيرها سبقتها، ماتت بعد العباس في خلافة عثمان وصلى عليها عثمان (سمعته) أي سمعتْ أمُّ الفضل عن ابن عباس (وهو يقرأ) جملة حالية، وفيه التفات من المتكلم إلى الغائب لأن حق العبارة كانت سمعتني وأنا أقرأ (﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا﴾) أي سورة المرسلات، وفي ((الجلالين)): أي الرياح متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضه بعضاً ونصب عرفاً على الحال. قال صاحب ((الجمل)) عن ((القاموس)): والعُرف بالضم شعر عنق الفرس، اهـ. وقال أيضاً: أقسم تعالى بصفات خمسة موصوفها محذوف، فجعله بعضهم الرياح في الكل، وبعضهم الملائكة في الكل، وبعضهم فَصّل، اهـ. (فقالت له: يا بني) بضم الموحدة وشدة الياء، تصغير ابن المضاف إلى ياء المتكلم، وأصله على ما قاله الجوهري (بَنَوّ) حذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل، فلما صغرت عادت الواو فصار (بُنَّيْو) ثم قلبت الواو ياء بقاعدة ١٢٠