النص المفهرس

صفحات 81-100

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
رَفَعَهُمَا كَذْلِكَ أَيْضاً،
سيجيء (رفعهما) أي اليدين (كذلك) أي حذو المنكبين (أيضاً) كما رفع في
الافتتاح، ويخالفه ما أخرج أبو داود(١)، عن القعنبي، عن مالك، عن نافع،
عن ابن عمر - رضي الله عنهما - بلفظ: ((وإذا رفع رأسه رفعهما دون ذلك))،
قال أبو داود: لم يذكر ((دون ذلك)) إلا مالك، ثم لم يذكر في الحديث
الانحطاط إلى الركوع، وكذا رواه يحيى والقعنبي والشافعي ومعن ويحيى
النيسابوري وجماعة، ذكرها السيوطي في ((التنوير))(٢) فلم يذكروا فيه الرفع عند
الركوع، ورواه ابن وهب وابن القاسم ومحمد بن الحسن الشيباني وجماعة،
بسطها السيوطي بذكر الرفع عند الركوع، قال ابن عبد البر(٣): هو الصواب،
وكذا لسائر من رواه عن ابن شهاب، وقال جماعة: إن ترك ذكر الرفع إنما أتى
عن مالك، وهو الذي ربما أوهم فيه، لأن جماعة حفاظاً رووا عنه الوجهين
جميعاً، اهـ.
قلت: ما نقمه ابن عبد البر على الإمام مالك وهم منه، وكذا قوله: ((إن
سائر من رواه عن ابن شهاب ذكره)) سهو منه، فإن الحديث أخرجه الزبيدي عن
الزهري عند أبي داود، وليس فيه ذكر الرفع عند الركوع، وأيضاً لم يختلف فيه
على الزهري فقط، بل اختلف سالم ونافع على ابن عمر - رضي الله عنهما -،
كما لا يخفى على من سهر الليالي في تفحص كتب الحديث، وما تقدم من
حديث أبي داود عن القعنبي، يشير إلى أن الرفع عند الانحطاط للركوع ليس
في هذا الحديث، وإلا لم يكن لذكر ((دون ذلك)) في الرفع عن الركوع معنى،
بل كان حقه أن يذكر في الانحطاط؛ لأنه أول رفع بعد رفع الافتتاح.
وروى الطبراني في «الأوسط)) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن
(١) أخرجه أبو داود ح (٧٤٢).
(٢) انظر: ((تنوير الحوالك)) (ص٩٦).
(٣) ((التمهيد)) (٢١٥/٩).
٨١

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
النبي ◌ّر كان يرفع يديه عند التكبير للركوع، وعند التكبير حين يهوي ساجداً،
قال الهيثمي (١): إسناده صحيح، فالحق أن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -
مع أنه مخرّج في الصحيحين مضطرب في مواضع الرفع، ولعل ذاك السر في
أن الإمام مالكاً لم يأخذ به في قوله المشهور، وهو المراد بما في («المدونة»
قال مالك: لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة، لا في خفض ولا
في رفع، إلا في افتتاح الصلاة. قال ابن القاسم: وكان رفع اليدين عند مالك
ضعيفاً إلا في تكبيرة الإحرام، اهـ. قال النووي: هو أشهر الروايات عن
مالك.
اعلم أن العلماء بعد اتفاق الجمهور منهم على رفع اليدين عند التحريمة
كما تقدم، اختلفوا(٢) في غيره.
أما رفع اليدين عند الركوع وبعد الركوع، فقال الشافعي وأحمد
وإسحاق: بسُنَِّةِ الرفع فيهما، وبه قال بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين،
كما في الترمذي، على الاختلاف فيما بينهم في أن هذا الرفع عند رفع الرأس
من الركوع أو بعده في القومة، وبكليهما وردت الروايات، وعند الإمام
الشافعي، روايات الرفع بعد الركوع مؤولة، كما ذكر في محله.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، وهو
المشهور من مذهب مالك المعمول عند أصحابه، قال الباجي: وروي عنه في
((المدونة))(٣): ((كان رفع اليدين ضعيفاً إلا في الافتتاح)»، اهـ.
(١) انظر: ((المجمع)) (٢٧١/٢ ح ٢٥٩٠).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٧٩/٧ - ٨٠) و(١٧٣/٩ وبعدها).
(٣) انظر: ((المدونة)) (٧١/١).
٨٢

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
٠٠٠٠
قلت: وتقدم ما في ((المدونة)) مفصلاً، واقتصر في متون المالكية من
((مختصر الخليل)) وغيره على استحباب رفع اليدين عند الإحرام فقط، وبه قال
الثوري، والنخعي، وابن أبي ليلى، وعلقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، وعامر
الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، وخيثمة، والمغيرة، ووكيع، وعاصم بن
كليب، وزفر، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن سمرة، والبراء، وعبد الله بن
عمر، وأبو سعيد الخدري، - رضي الله عنهم - قاله العيني.
قال ابن عبد البر: قال مالك: إن كان الرفع ففي الإحرام، وهو قول
الكوفيين وأبي حنيفة وسائر أصحابه وسائر فقهاء الكوفة قديماً وحديثاً، وقال
حرب بن شدّاد: الذي عليه أصحابنا أنه لا يرفع إلا في الإحرام لا غير، كذا
في ابن رسلان، وأخرج ابن أبي شيبة عن علي - رضي الله عنه - وأصحابه،
وعمر - رضي الله عنه - وغيرهم ترك الرفع في غير الافتتاح.
وفي (البدائع)) (١): روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال:
العشرة الذين شهد لهم رسول الله قال# بالجنة ما كانوا يرفعون أيديهم إلا في
افتتاح الصلاة، وكذا في العيني عن ((البدائع))، وبه قال غير واحد من الصحابة
والتابعين كما في الترمذي.
وأما رفع اليدين في السجود، فقال الشيخ الموفق في ((المغني)): لا
يستحبُّ رفع يديه في المشهور من المذهب، ونقل عنه الميموني أنه يرفع يديه،
وسئل عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: في كل خفض ورفع، وقال: فيه عن
ابن عمر وأبي حميد - رضي الله عنهم - أحاديث صحاح، ثم رد عليه المصنف
برواية ابن عمر التي فيها إنكار الرفع في السجود، ورواية أبي حميد التي ليس
فيها ذكر الرفع.
(١) ((بدائع الصنائع)) (٤٨٥/١)، وانظر: آثار الصحابة والتابعين في هذه المسألة في ((إعلاء
السنن)» (٤٣/٣ - ٧٢).
٨٣

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
قلت: وفي ((مسند أحمد)) عن جابر - رضي الله عنه - ((كان رسول الله وال
يرفع يديه في كل تكبيرة من الصلاة))، وإلى استحباب رفع اليدين في السجود
ذهب أبو بكر بن المنذر، وأبو علي الطبري من الشافعية، وبعض أهل
الحديث، كما قاله الشوكاني، وقال الحافظ في ((الفتح)): هو خلاف ما عليه
الجمهور، قلت: لكنه ثابت بعدة روايات.
قال الحافظ في ((الفتح)): وأصح ما وقفت عليه من الأحاديث في الرفع
في السجود ما رواه النسائي بسنده، عن مالك بن الحويرث، أنه رأى النبي وَّل
يرفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا
رفع رأسه من السجود، الحديث.
قلت: وعن أنس: أن النبي 18ّ كان يرفع يديه في الركوع والسجود،
رواه أبو يعلى، قال الهيثمي(١): رجاله رجال الصحيح، وغير ذلك من
الروايات الصريحة في ذلك.
وقد ثبت الرفع بين السجدتين أيضاً، قال ابن القطان: صح الرفع بين
السجدتين، وعند النهوض للركعة الثانية، من حديث ابن عباس - رضي الله
عنهما -، ومالك بن الحويرث، عند النسائي والطحاوي، كذا في ابن رسلان،
قلت: وهو مؤيد بعدة روايات.
منها : حديث وائل بن حجر، عند أبي داود(٢)، بلفظ: ((إذا رفع رأسه من
السجود)) وما أورد عليه أبو داود ردّه ابن رسلان، وفي حديث ابن طاووس
وغيره عند أبي داود، وورد في غير ذلك من الروايات، نتركها للاختصار.
وأما رفع اليدين عند ابتداء الركعة الثانية، فمروي في حديث علي
- رضي الله عنه - مرفوعاً بلفظ: ((وإذا قام من السجدتين)) أخرجه الترمذي
(١) انظر: ((المجمع)) (٢٧٠/٢ ح ٢٥٨٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٦/١ ح ٧٢٣).
٨٤

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
وصححه، وأخرجه أبو داود، وأحمد بن حنبل، والنسائي، وابن ماجه،
وصححه أيضاً أحمد بن حنبل فيما حكى عنه الخلال، لكن قال الخطابي: لا
أعلم أحداً من الفقهاء قال به، وقال ابن رسلان: لعله لم يقف على طرق
الحديث، ولو وقف لحمله على الركعتين، كما حمله الأئمة، وقال الشوكاني:
والمراد بالسجدتين الركعتان بلا شك، انتهى.
قلت: اضطروا إلى تأويله لما يخالف ما اختاروه من عدم الرفع في هذا
الموضع، وإلا فلفظ: ((إذا قام من السجدتين)) نصٌّ في معناه، سيما إذا هو
مؤيد بعدة روايات، مثل حديث وائل بن حجر، بلفظ: ((وإذا رفع رأسه من
السجود))، وحديث ابن عمر بلفظ: ((كان يرفع في كل تكبيرة يكبرها قبل
الركوع))، وفي حديث ميمون المكي عند أبي داود: ((وحين ينهض للقيام فيقوم))
وغير ذلك، وتقدم ما قال ابن القطان: صح الرفع عند النهوض للركعة الثانية،
من حديث ابن عباس، ومالك بن الحويرث.
وأما رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول، فروي عن الشافعي استحبابه،
قال النووي: هذا القول هو الصواب، فقد صح في حديث ابن عمر عن
النبي ◌َ﴿ أنه كان يفعله، رواه البخاري، وصح أيضاً من حديث أبي حميد
الساعدي، رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة، قاله الشوكاني.
قلت: لكن أكثر متون الشافعية خالية عن ذكر هذا الرفع، ولم يذكره
أصحاب المتون من المالكية والحنابلة، بل ذكر في ((الروض المربع)) (١):
ونهض مكبراً بعد التشهد الأول ولا يرفع يديه وصلى ما بقي، انتهى.
ولا يذهب عليك أنه صحح البخاري حديث ابن عمر المذكور في ((جزء
رفع اليدين)) وله شواهد من حديث أبي حميد، وعلي بن أبي طالب، أخرجهما
(١) (١/ ١٨٢).
٨٥

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
أبو داود، وصححهما ابن خزيمة وابن حبان، وصحح هذه الزيادة غيرهم،
كما ذكره الحافظ في ((الفتح))، ومع هذا لم يقل به الأئمة، قال ابن بطال:
هذه زيادة يجب قبولها لمن يقول بالرفع، وقال الخطابي: لم يقل به
الشافعي، وهو لازم على أصله في قبول الزيادة، وقال ابن خزيمة: هو سنة
وإن لم يذكره الشافعي، وقال ابن دقيق العيد: قياس نظر الشافعي أنه يستحب
الرفع فيه؛ لأنه أثبت الرفع عند الركوع والرفع منه، لكونه زائداً على من
اقتصر عليه عند الافتتاح، والحجة في الموضعين واحد، قال: والصواب
إثباته. وأما كونه مذهباً للشافعي - لكونه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي -
ففيه نظر، انتهى.
قال الحافظ: ووجه النظر أن محل العمل بهذه الوصية ما إذا عرف أن
الحديث لم يطلع عليه الشافعي، أما إذا عرف أنه اطلع عليه، ورده أو تأوله
بوجه من الوجوه فلا، والأمر ههنا محتمل، بل قال الإمام الشافعي في ((الأم)):
ولا نأمره أن يرفع يديه في شيء من الذكر في الصلاة التي لها ركوع وسجود
إلا في هذه المواضع الثلاثة، انتهى، يعني التحريمة والركوع والاعتدال.
فلعلك قد دريتَ مما تقدم من ذكر الروايات، وأقاويل العلماء، أن رفع
اليدين في الصلاة ثابت بالروايات الصحيحة في مواضع كثيرة، وردت فيها
الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وأخذ بها بعض من الفقهاء أيضاً، ومع ذلك
فالجمهور ما أخذوا منها، إلا المواضع الثلاثة المذكورة، حتى نقل أبو حامد
الإجماع على أنه لا يشرع الرفع في غير المواضع الثلاثة، لكنه متعقب، كما
قاله الحافظ في ((الفتح)) .
ولا يمكن أن يتوهم بهم أنهم تركوا تلك المواضع مع صحة الرواية
فيها بلا وجه، سيما الرفع بعد التشهد، مع كثرة الروايات فيها، وكذلك
الرفع بعد السجدتين، أو السجود، مع صحة الرواية فيهما، نقل الخطابي
٨٦

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
الإجماع على خلافه، واضطر الشوكاني مع ظاهريته إلى تأويله.
وكذلك الرفع بين السجدتين وغير ذلك من مواضع الرفع، فلا يمكن
الإنكار إذاً من أن يقال: إن الجمهور والأئمة الأربعة دعاهم أمر آخر على
تركهم هذه الروايات الصحيحة المنصوصة في معناها، فهذا شاهد عدل على أن
بعض المواضع منها مع ورود الرواية الصحيحة برفع اليدين في ذلك ترجح عند
بعض العلماء بوجهٍ من وجوه الترجيح ترك الرفع فيها، ولذا أوّلوا ما ورد من
الرفع، أو رجحوا ترك الرفع على إثباته، فكذلك الحنفية والمالكية رجحوا
روايات عدم الرفع بوجه من وجوه الترجيح، وترجّح عندهم الروايات التي
روي فيها الرفع مرة واحدة، كما ترجح عند غيرهم الروايات المتضمنة للرفع
في المواضع الثلاثة.
وكما أن القائلين بالرفع تركوا الروايات المتضمنة للرفع بأكثر من
المواضع الثلاثة، لتعارض الروايات، أو بوجوه الترجيح الأخر، فكذلك
القائلون بعدم الرفع، تركوا الروايات المتضمنة بأكثر من رفع واحد بمثل هذه
الوجوه، فما هو جوابكم عن ترككم الروايات الصحيحة على زعمكم فهو
جوابنا .
نعم، وجب علينا حينئذ أن نذكر شيئاً من روايات عدم الرفع، وشيئاً من
وجوه الترجيح، فنسرد أولاً الروايات الدالة على عدم الرفع، ونذكر بعدها
وجوه الترجيح لها على روايات الرفع، ونعرض عن ذكر الجروح الواردة على
تلك الروايات وبيان ما أجيب عنها، لأن مفاوز السباق في تلك الأمور وسيعةٌ
لا يسعها هذا الوجيز، سيما إذ يكون أكثر الجروح التي تورد على روايات
الترك أوهَنُ من بيت العنكبوت، ولا يسلم عن مثلها روايات الرفع أيضاً، فإنها
ليست رواية من روايات الرفع أو الترك إلا وقد تكلم عليها من لم يذهب إليها،
فرأينا الإعراض عنها بكليتها أجدر، ومن شاء التفصيل فليرجع إلى المطولات
٨٧

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
من ((البذل)) و((العيني)) وغير ذلك(١).
أما الأول: يعني بيان الروايات، فمنها حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله
عنه - قال: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله وَّ؟ فصلى ولم يرفع يديه إلا أول
مرة. أخرجه الترمذي وحسنه، وأخرجه محمد في ((موطئه)) والطحاوي وأبو
داود(٢) والنسائي والدارقطني والبيهقي وابن أبي شيبة، وصححه ابن حزم في
((المحلى))، ويورد عليه بعض الإيرادات الساقطة المضحكة، على أن الحديث
صححه ابن القطان، والدارقطني، وأحمد بن حنبل، إلا أنهم أنكروا فيه زيادة
((ثم لم يعد))، وقد حقق الزيلعي(٣) هذه الزيادة.
واستدل الإمام أبو حنيفة في المناظرة مع الأوزاعي بهذا السند: حدثنا
حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود: أن رسول الله وَل# كان
لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة، ولا يعود لشيء من ذلك. وليس فيه من
يتكلم فيه. وأخرج ابن عدي، والدارقطني، والبيهقي من طريق حماد عن
إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: صليت مع
رسول الله وَلّ وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة.
ومنها: حديث البراء بن عازب، أخرجه الطحاوي بعدة طرق، بلفظ:
كان النبي ◌َّ، إذا كبر لافتتاح الصلاة رفع يديه حتى تكون إبهاماه قريباً من
شحمتي أذنيه ثم لا يعود، وأخرجه ابن أبي شيبة، وأخرجه أبو داود بطرق،
وتكلم فيها، ورد كلامه في ((تنسيق النظام)) (٤).
(١) وأحسن ما ألف في هذا الباب: ((نيل الفرقدين في رفع اليدين))، و((بسط اليدين لنيل
الفرقدين)) كلاهما للعلامة محمد أنورشاه الكشميري، وقد جمع في كتابيه لب اللباب.
(٢) أخرجه أبو داود (الحديث: ٧٤٨)، والترمذي (الحديث: ٢٥٧)، والنسائي (الحديث: ١٠٢٥).
(٣) ((نصب الراية)) (٣٩٤/١ - ٣٩٦ وما بعدها).
(٤) (ص ٥٠ - ٥١).
٨٨
--

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
ومنها: حديث علي - رضي الله عنه ـ مرفوعاً، وصوّب الدارقطني وغيره
وقفه، وسيأتي في الآثار.
ومنها: حديث أبي هريرة أنه ◌َ لّل إذا دخل في الصلاة رفع يديه مداً.
أخرجه أبو داود(١) في ((باب من لم يذكر الرفع عند الركوع)) وسكت عليه. قال
المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي.
قلت: وسيأتي في الآثار أن مذهب أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه كان
يرفع يديه حين يكبر لفتح الصلاة.
ومنها: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، وروي عن ابن عمر
- رضي الله عنهما - أيضاً، قال النبي وَل#: ((لا ترفع الأيدي إلا في سبعة(٢)
مواطن)) الحديث، أخرجه الطبراني(٣) عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
مرفوعاً، وابن أبي شيبة موقوفاً، وذكره البخاري في ((جزء رفع اليدين)) تعليقاً،
عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً،
وأخرجه البزار عنهما مرفوعاً وموقوفاً، وكذا البيهقي والحاكم عنهما مرفوعاً،
كذا في الزيلعي.
ومنها: حديث جابر بن سمرة، قال النبي ◌َ﴾: ((ما لي أراكم رافعي
أيديكم كأنها أذناب خيلِ شمْسٍ، اسكنوا في الصلاة))، رواه مسلم، وأبو داود،
والنسائي. وما توهم أن المراد منه رفع اليدين عند السلام مردود على قائله،
ووهم نشأ عن قلة التدبر في سياق الروايتين، ولو سُلِّم وروده على سبب،
فقصر العام على السبب الخاص مذهب مرجوح. قال الشوكاني: هذا الرد
متّجه لولا أن الرفع قد ثبت من فعله ◌َ ◌ّ﴾ ثبوتاً متواتراً، اهـ.
(١) أخرجه أبو داود ح (٧٥٣)، والترمذي ح (٢٤٠)، والنسائي ح (٨٨٢).
(٢) في الأصل ((سبع)) وهو تحريف.
(٣) ذكره الهيثمي في ((المجمع)) رقم (٥٤٦١).
٨٩

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
وادعاء التواتر عند اختلاف الروايات، واختلاف الصحابة، واختلاف
التابعين، واختلاف الأئمة المجتهدين من المضحكات.
ومنها: حديث عباد بن الزبير أن رسول الله وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع
يديه في أول الصلاة ثم لم يرفعها في شيء حتى يفرغ، أخرجه البيهقي في
((الخلافيات))، وعباد تابعي فالحديث مرسل، لكن المرسل حجة عند الجمهور،
سيما إذا توبع بحديث آخر، كذا في ((البذل))، والكلام على ما أوردوا على هذه
الروايات بسطه الشيخ في ((البذل))، والزيلعي في تخريجه، فارجع إليهما إن
شئت .
وفي («تيسير الباري)) عن ((النهاية)): أن ابن الزبير - رضي الله عنهما - رأى
رجلاً يرفع يديه عند الركوع وعند رفع رأسه عنه فنهاه عن ذلك، وقال: هذا
أمر فعله رسول الله ﴾﴾ ثم تركه، اهـ.
قلت: فلو صح هذا كان نصاً في النسخ، والآثار في ذلك كثيرة نلخصها
لك على نهج الروايات المرفوعة.
١ - فمنها: ما روى الطحاوي، والبيهقي، عن إبراهيم عن الأسود قال:
رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود، قال: ورأيت
إبراهيم والشعبي يفعلان ذلك، قال الطحاوي: فهذا عمر - رضي الله عنه - لم
يكن يرفع يديه أيضاً إلا في التكبيرة الأولى، والحديث صحيح، قاله الزيلعي
والطحاوي، وقال النيموي(١): رواه الطحاوي وأبو بكر بن أبي شيبة وهو أثر
صحيح، وقال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)): وهذا السند على شرط
مسلم، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، كذا في ((تعليق آثار السنن)).
٢ - ومنها: ما أخرجه الطحاوي، والإمام محمد في ((موظّئِهِ)) عن
(١) ((آثار السنن)) (١٠٥/١).
٩٠
----

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
عاصم بن كليب عن أبيه: أن علياً - رضي الله عنه - كان يرفع يديه في أول
تكبيرة من الصلاة ثم لا يعود يرفع، وهو أثر صحيح، اختلف في رفعه ووقفه،
وصوّب الدارقطني في ((العلل)) وقفه، قال النيموي: رواه الطحاوي وأبو بكر بن
أبي شيبة والبيهقي، وإسناده صحيح، قال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات،
وقال الزيلعي: أثر صحيح، وقال العيني: إسناده على شرط مسلم، اهـ. قلت:
وأخرجه محمد في كتابه ((الحجج)) و((الموطأ)).
٣ - ومنها: ما أخرجه البيهقي عن عطية العوفي أن أبا سعيد الخدري
وابن عمر - رضي الله عنهم - كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبران ثم لا يعودان.
٤ - ومنها: ما أخرجه الطحاوي، والإمام محمد في ((موظّئه))(١) عن
إبراهيم النخعي قال: كان عبد الله بن مسعود لا يرفع يديه في شيء من الصلاة
إلا في الافتتاح، قال النيموي: رواه الطحاوي وابن أبي شيبة وإسناده مرسل
جيد، رواته كلهم ثقات، لكن النخعي لم يدرك عبد الله بن مسعود، وكان لا
يرسل عن عبد الله إلا بعد تواتر الرواية عنه، وقد أسند الطحاوي عن الأعمش
أنه قال لإبراهيم النخعي: إذا حدثتني فأسند، قال: إذا قلتُ لك: قال عبد الله؛
فلم أقل ذلك حتى حدثنيه جماعة عن عبد الله، وإذا قلت: حدثني فلان عن
عبد الله فهو الذي حدثني، اهـ. وقد استدل الدارقطني بقول إبراهيم هذا في
الديات .
٥ - ومنها: ما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن أبي إسحاق
قال: كان أصحاب عبد الله وأصحاب علي - رضي الله عنهم - لا يرفعون
أيديهم إلا في افتتاح الصلاة، قال وكيع: ثم لا يعود، قال النيموي تبعاً لابن
التركماني: إسناده صحيح.
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٣٩٩/١).
٩١

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
٦ - ومنها: ما أخرجه الطحاوي عن أبي بكر بن عياش قال: ما رأيت
فقيهاً قط يفعله، يعني يرفع يديه في غير التكبيرة الأولى، وأبو بكر هذا من رواة
البخاري، ومن مشايخ الثوري، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، قال
ابن المبارك: ما رأيت أحداً أسرع إلى السنة من أبي بكر بن عيّاش.
٧ - وأخرج ابن أبي شيبة (١) عن الشعبي وقيس وابن أبي ليلى والأسود
وعلقمة وأبي إسحاق: أنهم لا يرفعون أيديهم إلا في الافتتاح.
٨ - ومنها: ما أخرجه الإمام محمد في كتاب ((الحجج)) من طريق مالك
بسنده: أن أبا هريرة كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع، وكان يرفع يديه
حين يكبر لفتح الصلاة، وسيأتي في كلامه.
٩ - ومنها: ما أخرج محمد في ((موطئه))(٢) عن عبد العزيز بن حكيم
قال: رأيت ابن عمر يرفع يديه حِذَاء أذنيه في أول تكبيرة افتتاح الصلاة ولم
يرفع فيما سوى ذلك. وروى الطحاوي عن مجاهد، قال: صليت خلف ابن
عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، قال النيموي: رواه الطحاوي
وأبو بكر بن أبي شيبة والبيهقي في ((المعرفة)) وسنده صحيح، انتهى.
قلت: فهذا مجاهد وعبد العزيز توافقا على رؤيتهما أن ابن عمر
- رضي الله عنهما - ترك الرفع، ووافقهما عطية العوفي كما تقدم، وفي كتاب
((الحجج)) للإمام محمد بن الحسن الشيباني، قال محمد: وجاء الثبت عن
علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود أنهما كانا لا يرفعان في شيء من ذلك
إلا في تكبيرة الافتتاح.
فعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - كانا أعلم
برسول الله وَّ من عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - لأنه قد بلغنا أن
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٧/١).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٣٩٦/١).
٩٢
--. .

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
رسول الله وَّه قال: ((إذا أقيمت الصلاة فليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))، فلا نرى أن أحداً كان يتقدم على أهل بدر
مع رسول الله ◌َّير إذا صلى، فنرى أن أصحاب الصف الأول والثاني أهل بدر
ومن أشبههم في مسجد المسلمين، وإن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -
ودونه من فتيانهم خلف ذلك، فنرى أن علياً وابن مسعود ومن أشبههما من أهل
بدر أعلم بصلاة رسول الله وَّر؛ لأنهم كانوا أقرب، مع أن مالك بن أنس قد
روى عن نعيم بن عبد الله المجمر وأبي جعفر القاري أنهما أخبراه أن أبا هريرة
كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، قالا: وكان يرفع يديه حين يكبر
ويفتتح الصلاة، فهذا حديثكم موافق لعلي وابن مسعود، لا حاجة بنا معهما
إلى قول أبي هريرة ونحوه، لكنا احتججنا عليكم.
أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه
قال: رأيت علي بن أبي طالب رفع يديه في التكبيرة الأولى من الصلاة
المكتوبة ولم يرفعهما فيما سوى ذلك.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا حصين بن عبد الرحمن قال:
دخلت أنا وعمرو بن مرة على إبراهيم النخعي، قال عمرو: حدثني علقمة بن
وائل عن أبيه أنه صلّى مع رسول الله وَّر، فرآه يرفع إذا كبّر وإذا كبّر للركوع،
قال إبراهيم: ما أدري لعله لم ير النبي ◌ُّر، إلا ذاك اليوم، أيحفظ هذا منه
ولم يحفظه ابن مسعود وأصحابه؟!، ما حفظته، ما سمعته من أحد منهم، إنما
كانوا يرفعون أيديهم في بدء الصلاة حين يكبرون، اهـ.
وكذا أخرج هذا الأثر الإمام محمد في ((موطئه))(١)، قال النيموي:
الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم مختلفون في هذا الباب، وأما الخلفاء
الأربعة فلم يثبت عنهم رفع الأيدي في غير تكبيرة الإحرام، اهـ.
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٣٩٠/١ ح ١٠٧).
٩٣

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
قال العيني: وفي ((البدائع))(١): روي عن ابن عباس أنه قال: العشرة
الذين شهد لهم رسول الله 8# بالجنة ما كانوا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح
الصلاة .
لا يقال: إن الروايات المذكورة أكثرها ضعيفة، أو رواتها مجروحون، أو
لم يخرجها الشيخان، أو غير ذلك مما لا يليق بشأن أهل البصيرة في هذا
الفن، لأن مناط التضعيف على أن أئمة الحديث - نوّر الله مراقدهم - لما رأوا
روايات الرفع صحيحة ثابتة عندهم، فكل رواية تروى بخلافه فهم مضطرون
على تركها، بل بعضهم يجترئ على تضعيفها، حتى لو رويت بسلسلة الذهب
وجب لهم تركها، لثبوت خلافها عندهم، ولا بد لهم من القول بالشذوذ لها،
فكذلك ههنا لما تحقق الرفع عندهم ثابتاً، وهذا بخلافه، فلا بد من التضعيف
عندهم .
وكذلك أمر الرواة وتضعيفهم، فإنه لا يخفى على من خاض في كتب
الرجال أن رواة البخاري مع أنه أصح الكتب بعد كتاب الله ما سَلِمَ أكثرهم من
أن يجرح فيهم أحد، حتى إن الشيخين بأنفسهما مع جلالة شأنهما ورفعة
أمرهما ما سلما عن نوع من القدح فيهما، فالكلام في الجروح والمنوع من
أشغال الفراغ، ومجاري السباق فيها وسيعة، ولكلام الفريقين فيها دفاتر طويلة
وهذا هو السر في أن الحنفية - شكر الله سعيهم - ما اعتنوا إلى سرد كثرة
الروايات، أو إثبات التصحيح أو منع الجروح عن الرواة، بل قد بذلوا وسعهم
في تخريج جزئيات الفقه، لأن الأمة المرحومة كانت أحوج إليها للعمل.
وكذلك قولهم من عدم تخريج الشيخين مع كونه خلاف الواقع، فإن
بعضها من مخرجات مسلم ليس مما يتوجه إليه بعدما قال البخاري: إني ما
(١) (٤٨٥/١).
٩٤

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
٠٠٠٠.٠٠
أدخلت فيه إلا صحيحاً، وما تركت من الصحيح أكثر حتى لا يطول، وقال
أيضاً: أحفظ مئة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف غير صحيح.
وأنت خبير بأنه ليس في ((صحيحه)) بالنسبة إلى مائة ألف إلا يسير، فإن
جميع أحاديث ((الجامع الصحيح)) بحذف المكررات أربعة آلاف حديث، فأين
يقع أربعة آلاف بمرأى من مائة ألف حديث، وقال مسلم: ليس كل شيء عندي
صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه، وقال الإمام أحمد: أصح
الأحاديث سبعمائة ألف وكسر، ولا يخفى أن جميع الأحاديث الموجودة عندنا
على ما قاله السيوطي في ((التدريب)): لو تتبعت من المسانيد والجوامع والسنن
والأجزاء وغيرها لما بلغت مائة ألف، بل ولا خمسين ألفاً بلا تكرار.
فالجملة أن الصحاح لا تنحصر في هذه الكتب المتداولة، والكلام في
الجروح عن كلا الفريقين بسيطة، لخص بعضها سيدي ومولاي حضرة الشيخ
العلامة في ((بذل المجهود لحل أبي داود)) إن شئت التفصيل فارجع إليه.
ويكفي لتصحيح هذه الروايات عندي عمل الأئمة الكبار عليها، فإنه أخذ
بها أكبر الأئمة الإمام الأعظم والهمام الأفخم، وصاحباه، وجميع علماء
الكوفة، وإمام دار الهجرة، وأمير المؤمنين في الحديث الثوري - نور الله
مراقدهم -، وهل يبقى بعد ذلك الاحتياج إلى مزيد التصحيح؟ !.
قال الشعراني في ((كشف الغمة)): ولم أعز أحاديثه إلى من خرّجها من
الأئمة؛ لأني ما ذكرت فيها إلا ما استدل به الأئمة المجتهدون لمذاهبهم،
وكفانا صحةً لذلك الحديث استدلال مجتهد به، اهـ. وقال أيضاً: وكفانا صحة
للحديث والأثر استدلال مجتهد به، ولا يقدح فيه تجريح غيره من المحدثين
والمجتهدين، اهـ.
أما الثاني: يعني وجوه الترجيح، فأوجهها أن العارف بمذهب الحنفية
البيضاء لا ينكر أن كلَّما اختلف فيه شيء من الروايات أخذت الحنفية فيها
٩٥

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
الأوفق بالقرآن، وهذا أصل مطّردٌ من أصولهم، له نظائر شهيرة كما في أدعية
الصلاة، وقنوت الوتر، ومنع القراءة للمؤتم، واختيارهم تأخير الفجر والعصر،
لقوله تعالى: ﴿قَبْلَ طُلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾، فإن لفظ ((قبل)) يشير إلى الاتصال
بالطلوع والغروب، وغير ذلك مما لا يحصى عددها، فكذلك مسألة الرفع لما
كان تركه أوفق بقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾، رجحوه به، ولا يلتبس عليك
قولهم بما توهم فيه بعضهم بأن الحنفية أثبتوا ترك الرفع بالقرآن، وليس كذلك،
بل إنهم لما رأوا روايات الترك أوفق به رجّحوها به، وبينهما فرق ظاهر فلا
تغفل .
ومنها: أن بعض أنواع الرفع الثابتة في الروايات متروٌ عند الجميع،
ومجمع عليه كما تقدم، فهذا قرينة على أنه وقع النسخ فيه، فالأخذ بالمتفق
عليه دون غيره أولى وأحوط، وهو الرفع عند التحريمة.
ومنها: أن الصلاة انتقلت من الحركات إلى السكون، فإنه كان في أول
الأمر المشي وأمثاله مباحة، كما في رواية أبي داود(١)، فكلما تعارضت
الروايات أخذت الحنفية الأقرب إلى السكون.
ومنها: أن مقتضى القياس ترجيح روايات الترك؛ لأن الشرع جعل
لانتقالات الصلاة علامة، وهي التكبير والذكر، وجعل لابتداء الصلاة وانتهائها
علامة أخرى أيضاً مع الذكر، وهي الرفع عند البداية، وتحويل الوجه عند
السلام، فينبغي أن يكون حكم الانتقالات واحداً على وفق نظائرها وحكم
الطرفين واحداً .
ومنها: موافقة القياس بطرق أخر، وهو ما قال الباجي: إن كل تكبير
شرع في الصلاة يكون عند عمل قرن به للانتقال من حال إلى حال، فلما لم
(١) انظر: ((سنن أبي داود)) (٣٤٩/١ ح ٩٢٢).
٩٦
--
---

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
٠٠
يكن عند تكبيرة الإحرام عمل من الانتقال من حال إلى حال قرن به رفع
اليدين، كما قرن بالسلام الإشارة بالوجه والرأس؛ لما أنه لم يكن عنده
الانتقال من حال إلى حال.
ومنها: ما قاله الطحاوي: إن مذهبنا قويٌّ من جهة النظر أيضاً، فإنهم
أجمعوا على أن التكبيرة الأولى معها رفع، وإن التكبيرة بين السجدتين لا رفع
معها، واختلفوا في تكبيرة الركوع وتكبيرة الرفع منه، فألحقهما قوم بالتكبيرة
الأولى، وألحقهما قوم بتكبيرة السجدتين، ثم رأينا تكبيرة الافتتاح من صُلْب
الصلاة لا يصح بدونها الصلاة، والتكبيرة بين السجدتين ليست بذاك، ورأينا
تكبيرة الركوع والنهوض ليستا من صلب الصلاة، فألحقناهما بتكبيرة
السجدتين، اهـ.
ومنها: أن روايات الفعل متعارضة، ورواية القول سالمة عن المعارضة،
فتبقى حجة .
ومنها: أن التعارض إذا وقع في الفعل والقول يُقَدَّم القول.
ومنها: ما تقدم في كلام الإمام محمد من أن الناقلين للترك أولو الأحلام
والنُّهى، فكان موقفهم الصفوف الأُوَل، بخلاف مثل عبد الله بن عمر - رضي الله
عنهما -، فإنه استصغر يوم أحد، وأول مشاهده الخندق.
ومنها: أن أكثر من روى أحاديث الرفع يشمل رواياتهم الزائد من
المواضع الثلاثة، كما يظهر عند تفحص الطرق، فهو متروك عند من استدل بها
أيضاً، وأحاديث الناقلين للترك محكمة في مؤداها ليست مما يؤخذ بعضها
ويترك بعضها .
ومنها: أن الرفع في غير التحريمة يدور بين السُّنِّية ونسخها لتعارض
الروايات، ولا يمكن الإنكار عنه، ومعلوم أن الشيء إذا يدور بين السنة
والبدعة يرجح الثاني، ومن المعلوم أيضاً أنه يرجح المحرم على المبيح أبداً.
٩٧

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
٠٠٠
ومنها: أن رواة المنع والترك أفقه من رواة المثبتين، وهذا مما لم يقدر
على إنكاره الأوزاعي أيضاً؛ فيقدم روايتهم.
هذا تلخيص البحث في هذه المسألة وإجمال الكلام فيها، وما تعرضنا
عن الروايات التي استدل بها القائلون بالرفع روماً للاختصار.
إلا أن رواية الباب لما ذكرها المصنف في كتابه، ولم يعمل بها في
المشهور من مذهبه، ناسب لنا أن نذكر شيئاً من الاعتذار عن المصنف في تركه
رواية الباب، وإن لم يجب؛ لما تقدم من كلامه عن ((المدونة)): أن رفع اليدين
كان ضعيفاً عند مالك إلا في تكبيرة الإحرام.
وأيضاً تقدم ما قال مالك: لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير
الصلاة، لا في خفضٍ ولا في رفع، إلا في افتتاح الصلاة، اهـ.
وأيضاً فليس فيها، إلا ذكر الرفع عند التحريمة والرفع بعد الركوع، على
ما رواه يحيى، والقعنبي، والشافعي، ومعن، ويحيى النيسابوري، وابن نافع،
وجماعة، فلم يذكروا فيه الرفع عند الانحطاط للركوع، كما تقدم مفصلاً في
أول الحديث.
وتقدم الكلام أيضاً على ما قال جماعة: إن ترك ذكر الرفع إنما أتى عن
مالك، وهو الذي ربما أوهم فيه؛ لأن جماعة حُفاظاً رووا عنه الوجهين
جميعاً، وهذا وهم من القائلين بذلك، فإن الاختلاف لم يجئ من الإمام
مالك، بل ممن فوقه، كما تقدم.
قال الأصيلي: لم يأخذ بهذا الحديث مالك؛ لأن نافعاً وقفه على ابن عمر،
وهذا أحد الأربع التي اختلف فيها سالم ونافع، فرفعها سالم ووقفها نافع(١)، اهـ.
قال الزرقاني(٢): وبه يعلم تحامل الحافظ في قوله: لم أر للمالكية دليلاً
(١) انظر: (شرح الزرقاني)) (١٥٧/١).
(٢) (١٥٨/١).
٩٨

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
٠ ٠
على تركه ولا متمسكاً إلا قول ابن القاسم، لأنه لما اختلف في رفعه ووقفه
ترك مالك في المشهور القول به، لأن الأصل صيانة الصلاة عن الأفعال،
انتھی .
وسيأتي بيان تلك الأحاديث الأربعة في حديث نافع.
وأجيب عن حديث الباب أيضاً، بأنه قد ثبت فيه زيادة الرفع عند القيام
من الركعتين أيضاً، ولم يقل به الجمهور، فما يلزم الحنفية والمالكية من تركهم
الرفع عند الركوع وبعده، يلزمهم من تركهم الرفع بعد الركعتين، وما هو
جوابهم فهو جوابنا .
وقال ابن رسلان: سئل الإمام أحمد: يرفع عند القيام من اثنتين وبين
السجدتين؟ قال: لا أذهب إلى حديث سالم عن أبيه، ولا حديث وائل؛ لأنه
مختلف في ألفاظه، وقد عارضه حديث ابن عمر في البخاري، ولا يفعل ذلك
حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود، اهـ.
فعلم أن الحديث عند الإمام أحمد مضطرب، وصرَّح بأنه لم يذهب
في قوله برفع اليدين إلى هذا الحديث، قلت: ويؤكد هذا الاضطراب ما
قال ابن قدامة في ((المغني)): وسئل أحمد عن رفع اليدين في الصلاة،
فقال: في كل خفض ورفع، وقال: فيه عن ابن عمر وأبي حميد أحاديث
صحاح، اهـ. فهذا شاهد عدل على أن حديث ابن عمر مضطرب في محل
الرفع، فروي عنه الرفع في كل رفع وخفض، وهو صحيح، وروي عنه
الإنكار في السجود كما في رواية البخاري، وروي عنه الرفع إذا قام من
الركعتين .
وأيضاً فيه المعارضة في مقدار الرفع، كما سيجيء تحت حديث نافع
الموقوف، وأيضاً فيه الرفع بعد ما يرفع رأسه، والقائلون بالرفع لم يقولوا به،
ولذا أوّله الشافعي بأن المراد منه بعدما يشرع في الرفع، وأنت خبير بأنه ترك
العمل بظاهر الحديث، وأيضاً يخالف هذا التوجيه ما أخرجه الطبراني عن
٩٩

٣ - كتاب الصلاة
(٤) باب
(١٦١) حديث
وَقَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ))،
ابن عمر: أنه 18 كان يرفع يديه عند التكبير للركوع، وعند التكبير حين يهوي
ساجداً، قال الهيثمي: إسناده صحيح (١).
وأجيب عنه أيضاً أنه قد صحَّ عن ابن عمر خلافه، فأخرج ابن أبي شيبة
في ((المصنف))(٢): ثنا أبو بكر بن عياش، عن حصين، عن مجاهد، قال: ما
رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا أول ما يفتتح. وهذا سند صحيح كما في ((البذل))،
وأخرجه الطحاوي أيضاً بسنده إلى أبي بكر بن عيّاش. وما قيل: في إسناده
مقال؛ دعوى بلا حجة، ولو سُلِّم فمجاهد لم ينفرد بذاك، بل تابعه على ذلك
عبد العزيز بن حكيم، وعطية العوفي، كما تقدم في الآثار؛ فهذه الأعذار قوية،
تمنع الإمام مالكاً عن العمل بحديث ابن عمر، في قوله المشهور، قائلاً: بأن
الرفع في غير التحريمة ضعيف(٣).
(وقال: سمع الله لمن حمده) قال العلماء: معنى سمع ههنا أجاب وقَبِل،
يقال: سمع الأمير كلام زيد أي قَبِله، فهو دعاء بقبول الحمد، (ربنا ولك
الحمد) بإثبات الواو في النسخ، وكذا في رواية محمد، قال الرافعي: روينا في
حديث ابن عمر بإسقاط الواو وبإثباتها، والروايتان معاً صحيحتان، انتهى.
قلت: وعلى كليهما يزاد لفظ: ((اللهم)) أيضاً فصارت أربعة أوجه.
قال الشامي من الحنفية: أفضلها: ((اللهم ربنا ولك الحمد)» ثم حذف
الواو، ثم حذف ((اللهم)) فقط بإثبات الواو، ثم حذفهما، والأربعة في الأفضلية
على هذا الترتيب، اهـ. وقال صاحب ((المغني)) (٤) من الحنابلة: ورد ((ربنا ولك
(١) انظر: ((المجمع)) (٢٧١/٢ ح ٢٥٨٠).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٦٨/١).
(٣) انظر: ((المدونة الكبرى)) (٧١/١).
(٤) ((المغني)) (١٨٨/٢).
١٠٠
-