النص المفهرس

صفحات 41-60

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
الخلاف فيه توهم ببعض أقوال الإمام محمد فإنها موهمة إليه، ويوضحه كلام
صاحب ((البدائع)) وصاحب ((السعاية))(١) فارجع إليهما إن شئت.
وجملة الكلام فيه أن التثويب، وهو الإعلام بعد الإعلام يطلق على
الإقامة أيضاً، كما تقدم في حديث إدبار الشيطان وله ضراط، وعلى قوله:
((الصلاة خير من النوم)) أيضاً، كما نقله الترمذي عن أحمد وابن المبارك،
وعلى الإعلام بين الأذان والإقامة أيضاً، وهذا هو المُحدَثُ.
قال في ((الهداية))(٢): والتثويب في الفجر: ((حي على الصلاة، وحي على
الفلاح)) مرتين بين الأذان والإقامة حسن؛ لأنه وقت نوم وغفلة؛ وكره في سائر
الصلوات، وهذا تثويب أحدثه علماء الكوفة بعد عهد الصحابة لتغير أحوال
الناس، وخصُّوا الفجر به؛ لما ذكرنا، والمتأخرون استحسنوه في الصلوات
كلها لظهور التواني في الأمور الدينية، اهـ. فعلم أن التثويب في كلامهم
نوعان: قدیم، ومحدث.
ثم مستدل الجمهور في الاختلاف الأول يعني في تربيع التكبير ما أخرجه
أبو داود، عن عامر الأحول، عن مكحول، عن ابن محيريز، عن أبي
محذورة، وفيه تربيع التكبير، وأخرجه الحاكم في كتابه المخرج على مسلم من
جهة عبد الله بن سعيد وأبي موسى وإسحاق بن إبراهيم كلهم عن معاذ بن
هشام، وفيه التربيع، وأخرجه ابن منده بسنده وفيه التربيع، وزعم ابن القطان
أن الصحيح عن عامر في هذا الحديث إنما هو التربيع، هكذا رواه عنه
جماعة، منهم عفان وسعيد وحجاج، بذلك يصح كون الأذان تسع عشرة كلمة
كما ورد، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بطريق ابن جريج عن
(١) (٢٠/٢).
(٢) ((الهداية)) (٢٧٧/١).
٤١

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
عبد العزيز، وفيه التربيع، وأخرجه أبو داود أيضاً بطريق ابن جريج عن
عثمان بن السائب وفيه التربيع.
قال ابن عبد البر(١): قد اختلفت الروايات عن أبي محذورة فروي عنه
التربيع وروي التثنية، والتربيع فيه من رواية الثقات الحفاظ، وهي زيادة يجب
قبولها، والعمل عندهم بمكة في آل أبي محذورة بذلك إلى زماننا، اهـ. وأيضاً
التربيع في حديث عبد الله بن زيد في قصة المنام، قاله الزيلعي في ((نصب
الراية»(٢).
ومستدل الحنفية والحنابلة في الاختلاف الثاني يعني في عدم الترجيع،
حديثُ عبد الله بن زيد، فإنه بطرقه كلها ناطق بعدم الترجيع وهو الأصل في
باب الأذان. قال ابن الجوزي في ((التحقيق)): حديث ابن زيد أصل في
التأذين، وليس فيه ترجيع، فدل على أن الترجيع ليس بمسنون، انتهى.
ومنها حديث ابن عمر: كان الأذان في عهد رسول الله وال مرتين مرتين،
رواه أبو داود والنسائي والدارمي، فإنه يدل على التثنية لا التربيع، فيدل على
الترجيع، ومنها: أخبار أذان بلال، فإنه قد أذن في حياته وَّل ثم أذن بين يدي
أبي بكر في زمان خلافته وهو رئيس المؤذنين وقدوتهم، وقد اتفقوا على أن لا
ترجيع في أذانه، ولم يختلف فيه أحد صرح به ابن الجوزي وغيره، وللطبراني
في ((الصغير)) حديث فيه الترجيع في أذان بلال - رضي الله عنه -.
ومنها: أنه لا ترجيع في أذان ابن أم مكتوم، وكان يؤذن في مسجد
النبي ◌َّ﴾، ومنها: حديث أبي محذورة عند الطبراني بدون الترجيع، ومنها:
حديث أبي المثنى مؤذن مسجد الجامع عن ابن عمر: كان الأذان في عهده وَلـ
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٢/٤).
(٢) (٢٦٨/١).
٤٢

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
فَأَسَّ الإِقَامَةُ، فَنَّهَا لَا تُثَنَّى وَذُلِكَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْم
بِبَلَذِنَا ...
مثنى مثنى رواه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان، وله طريق آخر عند
الدار قطني والبيهقي في سننهما، وأخرجه أبو عوانة في ((مسنده))، ومنها: حديث
أذان سعد القرظ المؤذن بمسجد قبا، وغير ذلك من الروايات الشهيرة الكثيرة
الخالية عن الترجيع.
قال ابن قدامة في ((المغني))(١): والجملة أن اختيار أحمد أذان بلال،
وجاء في خبر عبد الله بن زيد وهو خمس عشرة كلمة لا ترجيع فيه، والأخذ به
أولى؛ لأن بلالاً كان يؤذن به مع رسول الله وَّر دائماً سفراً وحضراً، وأقرّه
النبي ◌َّ﴿ على أذانه بعد أذان أبي محذورة، قيل لأبي عبد الله: أليس حديث
أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد؟ فقال: أليس رجع النبي وَّل إلى
المدينة، فأقرّ بلالاً على أذان عبد الله بن زيد؟ انتهى.
قال ابن رسلان: حكى الخرقي عن أحمد أنه لا ترجيع فيه، وحكي في
((الاستذكار))(٢): قيل لأبي عبد الله أحمد: حديث أبي محذورة صحيح؟ قال:
أما أنا فلا أدفعه(٣)، قيل له: أفليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن
زيد؟ لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة، فقال: أليس قد رجع النبي وَل
إلى المدينة، فأقرّ بلالاً على أذان عبد الله بن زيد؟، انتهى.
(فأما الإقامة فإنها لا تشى) حتى لفظ: قد قامت الصلاة أيضاً على
المشهور عند الإمام مالك (وذلك الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا) أي
المدينة المنورة.
واختلف العلماء فيهما في الموضعين؛ الأول في سائر ألفاظ الإقامة دون
(١) ((المغني)) (٥٦/٢).
(٢) (١٥/٤).
(٣) في الأصلين. ((فلا أربعه))، والظاهر ((فلا أدفعه)) كما في ((الاستذكار)) (١٥/٤).
٤٣

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
لفظ: قد قامت الصلاة، فقالت الأئمة الثلاثة: بإيتار ألفاظها، وقال الإمام
الأعظم وأصحابه بتثنيتها مثل الأذان، وبه قال الثوري وابن المبارك وأهل
الكوفة، والثاني في لفظ قد قامت الصلاة، فالمشهور عن الإمام مالك أنه
يقولها أيضاً مرة واحدة، وقال الأئمة الثلاثة بتثنيتها .
فالحاصل أن الإقامة عند مالك في المشهور عنه عشر كلمات، وعند
الشافعي وأحمد في المشهور عنهما إحدى عشرة كلمة، وإلا فقد روى النووي
ثلاث روايات عن الشافعي، وعند الحنفية سبع عشرة كلمة قولاً واحداً. وفي
((المغني))(١): قال أبو حنيفة: الإقامة مثل الأذان، ويزيد الإقامة مرتين؛ لحديث
عبد الله بن زيد، أن الذي علمه الأذان أمهل هنيهة، ثم قام فقال مثلها، رواه
أبو داود. وروى ابن محيريز عن أبي محذورة، أن النبي بَّر علمه الإقامة سبع
عشرة كلمة، قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وقال مالك: الإقامة عشر
كلمات، تقول: ((قد قامت الصلاة)) مرة واحدة؛ لما روى أنس، قال: أُمِرَ بلالٌ
أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة(٢)، انتهى.
وتمسك القائلون بتثنية لفظ قد قامت الصلاة بالاستثناء في روايات الإيتار
بلفظ: ((إلا قد قامت الصلاة))، وأثبت المالكية إدراجه، وأثبت القائلون به
اتصاله، والكلام فيه طويل لا يسعه هذا المختصر.
واستدل الحنفية لتثنية ألفاظ الإقامة بأن عامة روايات عبد الله بن زيد
بتنظير الإقامة للأذان، وبما رواه ابن أبي شيبة عن أبي ليلى بسند رجاله رجال
الصحيحين في قصة منام عبد الله بن زيد، كأن رجلاً عليه بردان أخضران، فقام
على حائط فأذن مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى.
(١) ((المغني)) (٥٨/٢).
(٢) أخرجه البخاري (رقم الحديث ٦٠٣، ٦٠٥، ٦٠٧، ٣٤٥٧)، ومسلم في الصلاة ح (٣/
٣٧٨)، وأبو داود (٣٠٥/١)، والترمذي ح (١٩٣)، والنسائي ح (٦٢٦)، وابن ماجه ح (٧٣٠).
٤٤

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
وَأَمَّا قِيَامُ النَّاسِ، حِينَ تُقَامُ الصَّلاةُ، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ بِحَدٌ
يُقَامُ لَهُ إِلَّا أَنِّي أَرَى ذَلِكَ عَلَى قَدَرِ طَاقَةِ النَّاسِ. فَإِنَّ مِنْهُمْ الثّقِيلَ
قال ابن دقيق العيد في ((الإمام)): رجاله رجال الصحيح، وهو متصل على
مذهب الجماعة، وقال ابن حزم: هذا إسناد في غاية الصحة قاله النيموي،
وبما قاله الطحاوي(١) تواترت الآثار عن بلال أنه كان يثني الإقامة حتى مات،
وبروايات أبي محذورة المفصلة جُلُّها على تثنية الإقامة، وروي عنه أيضاً علمه
الإقامة سبع عشرة كلمة، وهو نص في الباب، وبما روي عن النخعي كانت
الإقامة مثل الأذان حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة، يعني بني أمية.
قال ابن الجوزي: كان الأذان مثنى مثنى والإقامة مثل ذلك، فلما قام بنو
أمية أفردوا الإقامة. وفي ((السعاية)) عن النخعي: أول من نقص الإقامة
معاوية بن أبي سفيان. وعن مجاهد في الإقامة مرة مرة إنما هو شيء استخفه
الأمراء، وبغير ذلك من الروايات والآثار بسطها في ((البذل))(٢) و((تنسيق النظام))
و ((آثار السنن))(٣)، وهذا المختصر لا يسعها.
وقال الشيخ ابن القيم في ((زاد المعاد)): وملخص الاختلاف أن الشافعي
أخذ بأذان أبي محذورة وإقامة بلال، وأبو حنيفة أخذ بأذان بلال وإقامة أبي
محذورة، ومالك أخذ بما رأى عليه أهل المدينة - رضي الله عنهم - كلهم فإنهم
اجتهدوا في متابعة السنة، انتهى.
(وأما قيام الناس) إلى الصلاة (حين تقام الصلاة فإني لم أسمع في ذلك)
الأمر (بحد يقام له) أي لم يرد فيه حد لا يتقدم عليه ولا يؤخر عنه حتماً (إلا
أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس) وسهولتهم (فإن منهم الثقيل) فلا يقوم إلا
(١) ((شرح معاني الآثار)) (٨١/١)، و((فتح القدير)) (١٦٩/١).
(٢) (٤ /٥٧ - ٥٨).
(٣) ((آثار السنن)) (٥٣/١ - ٥٤).
٤٥

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
وَالْخَفِيفَ. وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَكُونُوا كَرَجُلٍ وَاحِدٍ .
بالبطء فيتأخر فلا حرج عليه في التأخير (والخفيف) فيقوم بالسرعة فلا حرج في
تقديمه، ويحتمل أن يكون المعنى أن الخفيف يسرع في القيام، فلا بأس أن
يتأخر في القيام، وكذا البطيء لا بأس بتقديمه (ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل
واحد) يقومون كلهم معاً.
وفي ((المدونة)): كان مالك لا يوقت للناس وقتاً إذا أقيمت الصلاة
يقومون لذلك، ولكنه كان يقول: ذلك على قدر طاقة الناس، فمنهم القوي
ومنهم الضعيف، اهـ.
واختلفت أقوال ناقلي المذهب في ذلك، والأمر متّسع، والجملة فيه ما
في الحاشية عن ((المحلى)) قال: روي عن مالك أنه يقوم في أول الإقامة، وقال
الشافعي والأكثرون: إنه إذا كان الإمام معهم لم يقوموا، حتى يفرغ المقيم من
الإقامة، وقال أبو حنيفة: يقومون عند ((حي على الصلاة))، اهـ.
وقال في ((المغني))(١): يستحب أن يقوم إلى الصلاة عند قول المؤذن:
(قد قامت الصلاة))، بهذا قال مالك. وقال الشافعي(٢): يقوم إذا فرغ المؤذن
من الإقامة، وقال أبو حنيفة: إذا قال: حي على الصلاة، اهـ.
قال الشعراني: ومن ذلك قول مالك والشافعي وأحمد: إنه لا يقوم الإمام
إلا بعد فراغ المؤذن من الإقامة، فيقوم حينئذ ليعدِّل الصفوف، مع قول أبي حنيفة:
إنه يقوم عند حي على الصلاة. وقال في ((الدر المختار))(٣)، في بحث الآداب:
والقيام لإمام ومؤتم حين قيل: ((حي على الفلاح))، خلافاً لزفر، فعنده عند ((حي
على الصلاة))، إن كان الإمام بقرب المحراب، وإلا فيقوم كل صف ينتهي إليه
الإمام على الأظهر، وإن دخل من قدام قاموا حين يقع بصرهم عليه، اهـ.
(١) (٤٥٨/١).
(٢) انظر: ((المجموع)) (٢٣٧/٣).
(٣) (٤٤٧/١).
٤٦

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ فَوْمِ حُضُورٍ أَرَاتُوا أَنْ يَجْمَعُوا المَكْتُوبَةَ،
فَأَرَادُوا أَنْ يُقِيمُواْ وَلَّا يُؤْثِّنُواْ؟ قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ مُجْزِىٌّ عَنْهُمْ.
قال يحيى: (وسئل مالك عن قوم حضور) أي لم يكونوا متفرقين (أرادوا أن
يجمعوا المكتوبة) أي يصلوها بالجماعة، وبوّب عليه الشيخ في ((المصفى)) ((باب
من صلى في بيته جماعة تكفيه الإقامة)) ثم ذكر فيه هذا الأثر، وقال في آخره: وعليه
أبو حنيفة. وظاهر مذهب الشافعي أنه يسن له الأذان والإقامة، اهـ.
(فأرادوا أن يقيموا) ويكتفوا على الإقامة (ولا يؤذنوا) لها؟ (قال مالك:
ذلك) يعني الاكتفاء على الإقامة (مجزئ عنهم).
وفي ((المدونة)) (١): قال مالك: ليس الأذان إلا في مساجد الجماعة
ومساجد القبائل، بل والمواضع التي تجمع فيها الأئمة، فأما سوى هؤلاء من
أهل السفر والحضر فالإقامة تجزئهم في الصلوات كلها الصبح وغيره، وقال:
وإن أَذَّنوا فحسن، اهـ.
قلت: الأذان ليس بشرط للصلاة عند جمهور الفقهاء، وقال عطاء: من
صلى دون أذان ولا إقامة أعاد، وقال داود: الأذان والإقامة فرض في الجماعة
لا على الفذٍّ، قاله الباجي، والأصل أن الإمام مالكاً يرى تأكد الأذان لإمام
المصر دون غيره، قال في ((المدونة)) (٢): قال مالك: والصلاة بالمزدلفة بأذانين
وإقامتين للإمام، وأما غير الإمام فيجزئهم إقامة إقامة، للمغرب إقامة وللعشاء
إقامة، قال مالك: وكل ما كان من صلاة الأئمة فأذان وإقامة لكل صلاة، وإن
كان في حضر، فإذا جمع الإمام صلاتين، فأذانان وإقامتان، قال مالك: وكل
شيء من أمر الأمراء إنما هو بأذان وإقامة، اهـ.
وبسط الاختلاف في حكم الأذان الشوكاني في ((النيل))(٣)، إلا أن في
(١) ((المدونة الكبرى)) (٦٤/١).
(٢) ((المدونة الكبرى)) (٦٤/١).
(٣) (٤٩٣/١).
٤٧

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
كلامه بعض ما يحتاج إلى التعقب فارجع إليه إن شئت.
وقال ابن قدامة (١): ظاهر كلام الخرقي أن الأذان سنة مؤكدة وليس
بواجب، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وقال أبو بكر بن عبد العزيز: هو من
فروض الكفاية، وهذا قول أكثر أصحابنا وقول بعض أصحاب مالك، وقال
عطاء ومجاهد والأوزاعي: هو فرض لأن الأمر يقتضي الوجوب، ومداومته
على فعله دليل على وجوبه، ولأنه من شعائر الإسلام، وإن صلى أحد بغير
أذان ولا إقامة فالصلاة صحيحة على القولين، ولا أعلم أحداً خالف في ذلك
إلا عطاء إذ قال: يعيد، والأوزاعي إذ قال: يعيد في الوقت، وهذا شذوذ،
والصحيح قول الجمهور، اهـ.
وفي ((الهداية)): المسافر يؤذن ويقيم لقوله عليه السلام: ((إذا سافرتما
فأذنا وأقيما))، فإن تركهما جميعاً يكره، ولو اكتفى بالإقامة جاز؛ لأن الأذان
لاستحضار الغائبين، والرفقة حاضرون، والإقامة الإعلام الافتتاح، وهم إليه
محتاجون، فإن صلّى في بيته في المصر، يصلي بأذان وإقامة ليكون الأداء على
هيئة الجماعة، وإن تركهما جاز لقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: أذان الحي
يكفينا، انتهى. وبهذا فصَّله الباجي أيضاً بأبسط الكلام، لكن في ((المدونة))(٢):
من صلَّى في بيته لا تجزئه إقامة أهل المصر، وقال أيضاً: من صلّى بغير إقامة
ناسياً لا شيء عليه، فإن تعمده فليستغفر الله ولا شيء عليه، اهـ.
قال ابن قدامة (٣): والذي يصلي في بيته يجزئه أذان المصر، وهو قول
الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي، وقال الأوزاعي ومالك: تكفيه الإقامة،
وقال الحسن وابن سيرين: إن شاء أقام، اهـ.
(١) ((المغني)) (٧٢/٢).
(٢) ((المدونة الكبرى)) (٦٥/١).
(٣) ((المغني)) (٢/ ٧٤).
٤٨
--
----
حفر
-------
---

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
وَإِنَّمَا يَجِبُ النِّدَاءُ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ الَّتِي تُجْمَعُ فِيهَا الصَّلاةُ.
وَسُئِلَ مَالِكٌّ عَنْ تَسْلِيمِ الْمُؤَذِّنِ عَلَى الإِمَامِ وَدْعَائِهِ إِيَّاهُ
لِلصَّلاةِ، وَمَنْ أَوَّلُ مَنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ التَّسْلِيمَ كَانَ
فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ.
وقال ابن العربي(١): الأذان من شعائر الدين يحقن الدماء ويسكن
الدهماء؛ كان ◌َّ إذا سمع أذاناً أمسك وإلا أغار، فهو واجب على البلد أو
الحي، وليس بواجب في كل مسجد ولا على كل فذ، لكنه يستحب في مساجد
الجماعات أكثر مما يستحب في الفذ، وقال عطاء: لا تجوز صلاة بغير أذان.
ولیس بصحيح، اهـ.
قلت: والظاهر أن السؤال عن غير المسافر؛ لأن حكم المسافر يأتي في
الباب الآتي، فلو أذن رجل في بيته لا يرفع صوته به، لئلا يشوش على
المسلمين، كما يظهر من ملاحظة كلام الفقهاء.
(وإنما يجب النداء) أو يسن مؤكدة كما سيجيء (في مساجد الجماعات
التي تجمع فيها الصلاة) أي تصلى فيها بالجماعة، وهل هو سنة مؤكدة أو
واجب؟ قولان للحنفية، وكذا للمالكية، والراجح عندهما معاً الأول. وأما
وجوب القتال على تركه فلكونه شعار الإسلام، صرَّح به ابن الهمام
والزرقاني(٢)، وبه قال جمهور الفقهاء كما تقدم.
قال يحيى: (وسئل مالك عن تسليم المؤذن على الإمام ودعائه) بالجر
(إياه) أي الإمام (للصلاة) (و) سئل أيضاً (من أول من سُلَّمَ) ببناء المجهول
(عليه؟ فقال) الإمام مالك: (لم يبلغني أن التسليم كان في الزمن الأول) أي في
زمانه # ولا الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -، فعلم أنه بدعة، وما أجاب
(١) ((عارضة الأحوذي)) (٣٠٩/١).
(٢) انظر: ((فتح القدير)) (٤٢٢/١) و(شرح الزرقاني)) (١٤٨/١).
٤٩

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
الإمام عن السؤال الثاني يعني أول من سُلِّمَ، إما لأنه لم يكن عند الإمام من
أمور الشرع فما التفت إليه، أو تركه للاختلاف فيه؛ وأنت خبير بأن المراد به
هو التسليم والدعاء المخصوص المتعارف بينهم، وهو أن يقول المؤذن:
السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حي على
الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، يرحمك الله (١).
وأما في الجمعة، فيقول: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته،
قد حانت الصلاة، قد حانت الصلاة، كذا في الباجي(٢).
وإنما الابتداع فيه، هو هذا التكلف، أو استعمال ألفاظ الأذان خارجه
كما سيجيء في أثر عمر - رضي الله عنه - وإلا فنفس التثويب تقدم بيانه، وقد
ثبت إعلام بلال - رضي الله عنه - للنبي وَيّر إلى الصلاة بأحاديث؛ منها: ما
روي في الصحاح: أن بلالاً كان يؤذن، ثم يأتي رسول الله وَّر على باب
الحجرة، فيؤذنه لصلاة الصبح فيخرج، وسيأتي من أثر عمر - رضي الله عنه -
أن المؤذن يأتي عنده يخبره بصلاة الصبح.
وفي ((خطط المقريزي)) عن الواقدي وغيره: ثبت وقوف بلال - رضي الله
عنه - على بابه وَ ﴾، وكذا وقوف سعد القرظ على باب أبي بكر - رضي الله
عنه -، وكذا وقوف المؤذن على باب عمر - رضي الله عنه -، وعثمان - رضي الله
عنه -، وعلي رضي الله عنه - ثابت.
واختلف العلماء في أول من أحدث هذا التسليم المتعارف المخصوص،
فقيل: معاوية - رضي الله عنه -، وجزم به ابن عبد البر(٣)، وقيل: مغيرة بن
(١) قال ابن عبد البر: من خشي على نفسه الشغل عن الصلاة بأمور المسلمين وما يجوز فعله
فلا بأس أن يقيم لذلك من يؤذنه بالصلاة، ويشعره بإقامتها. ((الاستذكار)) (٦٢/٤).
(٢) انظر: ((المنتقى)) (١٣٦/١).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٦٢/٤).
٥٠
--
-----

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مُؤَذِّنٍ أَنَّنَ لِقَوْمِ، ثُمَّ انْتَظَرَ هَلْ
يَأْنِهِ أَحَذٌ، فَلَمْ بَأْتِهِ أَحَدٌّ، فَأَقَامَ الصَّلاةَ، وَصَلَّىَّ وَحْدَهُ، ثُمّ جَاءَ
النَّاسُ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ، أَيُعِيذُ الضَّلَاةَ مَعَهُمْ؟ قَالَ: لَا يُعِيدُ الصَّلاةَ.
وَبَنْ جَاءَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ، فَلَّيُصَلٌ لِنَفْسِهِ وَحْدَهُ.
شعبة. وفي ((الأوائل)) للعسكري عن ابن أبي ذئب: قلت للزهري: من أول من
سلم عليه؟ فقال: معاوية بالشام، ومروان بن الحكم بالمدينة. وروى ابن سعد
في ((طبقاته)) عن محمد بن سعد القرظ قال: كنا نؤذن على عمر بن عبد العزيز
في داره للصلاة، وفي الناس الفقهاء، فلا ينكرون ذلك.
وظاهر هذه العبارات كلها أن التسليم حدث في زمن الإمام مالك بل قبله
كما عرفته. فما في ((الدر المختار)): أن التسليم بعد الأذان حدث في ربيع الآخر
سنة سبعمائة وإحدى وثمانين في عشاء ليلة الاثنين، ثم يوم الجمعة ... إلى آخر ما
قاله مبني على أنه ترك العمل عليه أولاً ثم حدث بعده في ذاك الوقت.
قال يحيى: (وسُئِل مالك عن مؤذن أذن لقوم) يرجو حضورهم (ثم انتظر
هل يأتيه أحد فلم بأنه أحد فأقام الصلاة) لنفسه (وصلّى وحده، ثم جاء الناس
بعد أن فرغ) ذلك (من صلانه)(١) التي أذن لها (أيعيد الصلاة معهم؟) فـ(قال: لا
يعيد الصلاة) معهم.
(ومن جاء بعد انصرافه) أي فراغه عن الصلاة (فليصل لنفسه وحده)
يحتمل أن يكون المراد بالمؤذن المؤذن المتعارف، فيكون معنى قول الإمام:
أنه إذا انتظر وصلى وحده، لا يجب عليه الإعادة مع الذي جاء بعده لتحصيل
الجماعة، وهذا ظاهرُ معنى الألفاظ، ويحتمل أن يكون المؤذن هو الإمام
الراتب بنفسه والمسجد مسجد جماعة، فيكون المسألة من باب تكرار
الجماعة .
(١) هكذا في نسخة ((الأوجز))، وفي نسخة: ((الصلاة)).
٥١

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مُؤَذِّنِ أَذَّنَ لِقَوْمِ، ثُمَّ تَنَفَّلَ .
فَأَرَادُوا أَنْ يُصَلَّوا بِإِقَامَةِ غَيْرِهِ؟ فَقَالَ: لا بَأَسَ بِذْلِكَ. إِقَامَتُهُ، وَإِقَامَةُ
غَيْرِهِ سَوَاءٌ .
ويكون حاصل الجواب، أنه إذا صلى بالأذان والإقامة في وقته، فقد
حصل الجماعة عندهم، وتكرار الجماعة مكروه عند المالكية أيضاً كما هو
مكروه عندنا الحنفية خلافاً للشافعية والحنابلة(١)، وحكى الترمذي الكراهة عن
الشافعي أيضاً فالذين جاؤوا بعد ذلك وإن كانوا جماعة صلّوا منفردين لكراهة
التكرار، وبهذا الاحتمال الثاني شرح قول الإمام جمع من المالكية. والأوجه
عندي هو الأول لكونه أوفق بالألفاظ .
ويؤيد الثاني ما في ((المدونة)) إذ قال: قلت: لو كان رجل هو إمام مسجد
ومؤذنهم أذن وأقام، فلم يأته أحد، فصلى وحده، ثم أتى أهل ذلك المسجد
الذين كانوا يصلون فيه، قال: فليصلوا أفذاذاً ولا يجمعون، لأن إمامهم قد أذن
وصلّى، اهـ.
وسيأتي بسط الكلام على إعادة الصلاة في أبواب الجماعة.
(قال يحيى: وسئل مالك عن مؤذن أذن لقوم ثم تنفل) أي شرع في النفل
(فأرادوا) أي القوم (أن يصلوا بإقامة غيره) لأنه مشتغل في النوافل (فقال)
الإمام: (لا بأس بذلك، إقامته وإقامة غيره سواء). وفي ((المدونة)): قال مالك:
لا بأس أن يؤذن رجل ويقيم غيره، اهـ.
قلت: وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي وأحمد: من أذن فهو يقيم،
لحديث الصدائي، قال ابن عبد البر(٢): انفرد به عبد الرحمن بن زياد الإفريقي
وليس بحجة عندهم، وحجة الأولين حديث عبد الله بن زيد، لما قال له وَل:
(١) انظر: ((المغني)) (١٨٠/١)، و((المهذب)) (٩٥/١)، و((الشرح الصغير)) (٤٣٢/١)،
و ((الدر المختار)) (٥١٦/١).
(٢) ((الاستذكار)) (٦٩/٤).
٥٢
--

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: لَمْ تَزَلِ الصُّبْحُ يُنَادَى لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ.
((ألقه - أي الأذان - على بلال))، فلما أذن قال لعبد الله بن زيد: ((أقم أنت))،
وهذا الحديث أحسن إسناداً، انتهى.
قلت: وحديث الصدائي ضعَّفه الترمذي(١)، وروي عن أحمد أنه قال: لا
أكتب حديث الإفريقي، ثم الحنفية قيدوه بعدم تأذي المؤذن بذلك وإلا فيكره،
صرّح به في ((البدائع))، وهو جمع حسن، وفيه عمل بالروايتين.
(قال يحيى: قال مالك: لم تزل) صلاة (الصبح ينادى بها) في زمان
النبي ◌ّ﴾ (قبل الفجر) اعلم أن الأئمة بعدما أجمعوا على أن الأذان قبل الوقت
لا يجوز في غير الفجر كما تقدم، اختلفوا في أذان الفجر قبل طلوع الفجر،
فأباحه المالكية مع الاختلاف فيما بينهم في وقته، فقيل: لا يؤذن لها حتى
يبقى السدس الأخير، وقيل: يجوز من نصف الليل، وقيل: من بعد صلاة
العشاء وهذا بعيد، والأول أظهر، قاله الباجي، وإليه ذهب الشافعي وأحمد
وأبو يوسف في قوله الأخير.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يؤذن لها حتى يطلع الفجر، وبه قال الثوري
وزفر بن الهذيل، كما في العيني وغيرهم، كما نقله الشوكاني.
وكرهه أحمد في رمضان خاصة، كما في ((المغني)). قال ابن قدامة(٢):
وقال طائفة من أهل الحديث: إذا كان له مؤذنان يؤذن أحدهما قبل طلوع
الفجر والآخر بعده فلا بأس؛ لأن الأذان قبل الفجر يفوت المقصود من
الإعلام بالوقت فلم يجز كبقية الصلوات، إلا أن يكون له مؤذنان يحصل إعلام
الوقت بأحدهما، كما قال(٣) النبي ◌َّر، انتهى.
(١) أخرجه الترمذي في الصلاة (١٩٩) باب ((من أذن فهو يقيم)).
(٢) ((المغني)) (٦٣/٢).
(٣) هكذا في الأصل والظاهر: كما كان للنبي ◌َّر. انظر: ((المغني)) (٦٣/٢).
٥٣

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٢) حديث
قال الشوكاني: قال ابن المنذر وطائفة من أهل الحديث والغزالي: إنه لا
يكتفى به، وادعى بعضهم أنه لم يرد في شيء من الحديث ما يدله على
الاكتفاء، قال القرطبي: وهو مذهب واضح، اهـ.
قلت: واستدل الأولون بروايات: ((إن بلالا ينادي بليل))، الحديث،
وأنت خبير بأن هذه الروايات بعينها تؤيد الحنفية؛ لأنه لو كان أذان بلال
- رضي الله عنه - لصلاة الصبح لم يحتج إلى الإعادة، قال الباجي(١): والذي
يظهر لي أنه ليس في الآثار ما يقتضي، أن الأذان قبل الفجر هو لصلاة الفجر،
فإن كان الخلاف في الأذان في ذاك الوقت، فالآثار حجة لمن أثبته، وإن كان
الخلاف في المقصود به فيحتاج إلى ما بيّن ذلك من اتصال الأذان إلى الفجر،
أو غير ذلك مما يدل عليه، انتهى.
قلت: هذا، وقد ثبت في الروايات، أن أذان بلال كان لمصالح أخر،
كما سيجيء في محله مفصلاً. على أنه وقع الاختلاف في هذه الروايات كثيراً،
كما لا يخفى على من له نظر في الحديث، ولم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى
هذا وينزل هذا، أخرجه البخاري في الصيام، ولذا اختار السبكي في ((شرح
المنهاج)): أن الوقت الذي يؤذن فيه قبل الفجر هو وقت السحر، كما في
((إرشاد الساري))، قال الشوكاني: ورجحه جماعة من أصحاب الشافعي، وقد
ورد ما يشعر بتعيين الوقت، وهو ما رواه النسائي وغيره، أنه لم يكن بين
أذانيهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا، اهـ.
فلو ثبت بروايات أذان بلال - رضي الله عنه - وابن أم مكتوم الأذان قبل
الفجر، وفُرِضَ أيضاً كونه لصلاة الصبح، فكيف يثبت منه الأذان بعد العشاء،
أو نصف الليل، أو السدس الأخير كما قالوه، وسيأتي تمام الكلام على
مستدلهم قريباً في قدر السحور من النداء، فانتظره.
(١) ((المنتقى)) (١٣٨/١).
٥٤
---- -----*
----- -----

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٣) حديث
فَأَمَّا غَيْرُهَا مِنَ الصَّلَواتِ، فَإِنَّا لَمْ نَرَهَا يُنَادَى لَهَا، إِلَّا بَعْدَ أَنْ
يَحِلَّ وَقْتُهَا .
٨/١٥٣ - وحدّتني عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ إِلَى
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُؤْذِنُّهُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَوَجَدَهُ نَائِماً. فَقَالَ: الصَّلَاةُ
◌َيْرٌ مِنَّ النَّوْمِ. فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءِ الصَّبْحِ.
(فأما غيرها) أي غير صلاة الصبح (من الصلوات) الباقية (فإنا لم نرها)
أي الصلوات أن (ينادى لها إلا بعد أن يحل) ويجيء (وقتها) وبه قال الأئمة
الأربعة، ونقل عليه الإجماع صاحب ((المغني)) و((البذل)) وغيرهما كما تقدم.
٨/١٥٣ - (مالك أنه بلغه، وكذا في لفظ محمد. قال ابن عبد البر (١):
لا أعلم أنه روي من وجه يحتج به، ورد عليه الزرقاني(٢) فأثبته (أن المؤذن
جاء إلى عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (يؤذنه) بهمز ويبدل من
الإيذان بمعنى الإعلام الصلاة الصبح) وفيه التثويب في زمان عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - للأمير، فهو حجة لمن أباح التثويب للأمراء
والقضاة، كما قاله أبو يوسف.
(فوجده)، أي عمر، - رضي الله عنه ــ (نائماً، فقال) أي المؤذن: (الصلاة
خير من النوم) يا أمير المؤمنين (فأمره عمر) - رضي الله عنه - (أن يجعلها) أي
هذه الكلمة (في نداء الصبح) أي أذان الصبح.
وقد يشكل قوله - رضي الله عنه - هذا؛ لأن كون هذه الكلمة في أذان
الصبح عن النبي ◌َّ ثابت في عدة روايات، فلا يمكن أن يُظن بعمر - رضي الله
عنه - أنه لم يعلم بعد كونها من الأذان، فالأوجه أن يقال: إن مقصوده
- رضي الله عنه - أن محل هذه الكلمة هو نداء الصبح فقط لا باب الأمير،
(١) ((الاستذكار)) (٧٤/٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٩/١).
٥٥

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٣) حديث
وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكِ،
عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْرِفُ شَيْئاً مِمَّا أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ، إِلَّا
النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ .
فكأنه كره أن ينادى به على بابه، وأمره باقتصاره على نداء الصبح فقط. واختار
هذا التوجيه ابن عبد البر والباجي. وقال الزرقاني: هو المتعين، وهو الأوجه
عندي .
وقال الشيخ في ((المصفى)) في توجيهه: إنه يحتمل أن مؤذن عمر
- رضي الله عنه - تركها في الأذان، وكان يقولها بعده، فأمره عمر - رضي الله
عنه - أن يجعله في أثناء الأذان، اهـ.
ويحتمل أنه لما لم يكن في أذان النازل من السماء وغيره، وقد حدث
بعده، ووقت الصبح يكون وقت نوم، فبعض الصحابة أنكروه، كما روي عن
علي وطاووس وغيرهما، فأمْرُه - رضي الله عنه - كان إشعاراً به لا شرعاً له،
واختاره الشوكاني.
ويمكن أيضاً أن يُوجَّه بأن الأمر من الأول كأنه غير متحتم، بل كان على
هوى المؤذن قد يقوله، وقد يقول بدله: ((حي على خير العمل)) كما ورد في
بعض الروايات، وقد يتركهما معاً، فأمْرُ عمر - رضي الله عنه - كان لتحتمه،
وهذا وإن لم يقل به أحد من العلماء لكنه موجه، وما قيل في توجيهه: إنه من
موافقات عمر - رضي الله عنه -. ذكره الطيبي احتمالاً، وردّه القاري(١) وغيره،
وكذا ما قيل: إنه يحتمل أنه - رضي الله عنه - يعلمه ثم نسيه بعيد أيضاً، ورده
القاري.
(مالك عن عمَّه أبي سهيل) بضم السين المهملة نافع (بن مالك عن أبيه)
مالك بن أبي عامر الأصبحي التابعي (أنه قال: ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه
الناس) أي الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - (إلا النداء بالصلاة) فإنه باقٍ
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٥٧/٢).
٥٦

٣ - كتاب الصلاة
(١) باب
(١٥٤) حدیث
٩/١٥٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
◌ُمَرَ سَمِعَ الإِقَامَةَ وَهُوَ بِالْبَقِيعِ،
على ما كان عليه الصحابة - رضي الله عنهم -، بخلاف الصلاة، وكثير من أمور
الشرع؛ فإنها غُيِّرت وقدمت وأخّرت لاختلاف الصحابة فيها، وكذا قال
عطاء(١): ما أعلم تأذينهم اليوم يخالف تأذين من مضى.
قلت: ويحتمل أن يكون المعنى: أنه وقع التهاون في أكثر أمور الشرع،
إلا النداء فلم يتهاونوا فيه بَعْدُ.
قال الزرقاني(٢): وفيه تغير الأحوال عما كانت عليه زمن الخلفاء الأربع
في أكثر الأشياء. واحتج به بعض من لم ير عمل أهل المدينة حجة، وقال: لا
حجة إلا فيما نقل بالأسانيد الصحاح عن النبي ◌َلّ أو عن الخلفاء الأربعة،
ومن سلك مسلكهم، انتهى.
٩/١٥٤ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (سمع
الإقامة وهو بالبقيع) قال في ((المجمع)): هو المكان المتسع ذو الشجر
وأصولها، وبقيع الغرقد موضع بظاهر المدينة ذو قبور كان فيه شجر الغرقد.
وفي ((القاموس)): البقيع الموضع فيه أروم الشجر من ضروب شتى،
وبقيع الغرقد لأنه كان منبته، وبقيع الزبير، وبقيع الخيل، وبقيع الخبجبة - بخاء
وجيم - كلهن بالمدينة، اهـ.
قال العيني: هو - بفتح الموحدة وكسر القاف - من الأرض موضع فيه
أروم شجر من ضروب شتى، وسمي بقيع الغرقد بالمدينة، وهي مقبرة أهلها،
والغرقد - بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف في آخره دال مهملة -
شجر له شوك، كان ينبت هناك، فذهب الشجر، وبقي الاسم لازماً للموضع،
قال الأصمعي: قطعت غرقدات في هذا الموضع حين دفن عثمان بن مظعون،
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٧٧/٤).
(٢) (شرح الزرقاني)) (١٥٠/١).
٥٧

٣ - كتاب الصلاة
(٢) باب
(١٥٤) حديث
فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ إِلَى الْمَسْجِدِ.
(٢) باب النداء في السفر وعلى غير وضوء
وفيها أيضاً بقيع الزبير، وبقيع الخيل عند دار زيد بن ثابت، وبقيع الخبجبة،
وبقيع الخضمات، اهـ.
فالظاهر أن المراد منه بقيع الغرقد، ويحتمل غيره.
(فأسرع المشي إلى المسجد) بدون الجري، فالظاهر أن المراد بالنهي في
قوله وَلّ: ((لا تأتوها وأنتم تسعون)): الجري دون الإسراع الذي لا يخرج عن
الوقار، ولا يورث تشتت البال وانتشار الحال. هكذا قال جمعٌ من المشايخ
في شرح الأثر.
والأوجه عندي أن يحمل على ظاهره، لما سيجيء في الجمعة: أن
مذهب ابن عمر - رضي الله عنهما - كان جواز الإسراع، عملاً بقوله تعالى:
﴿فَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ويؤيده ما روي عنه (١) أنه كان يهرول إلى الصلاة.
-------
(٢) النداء في السفر وعلى غير وضوء
كذا في النسخ، قال الزرقاني: كذا زاد يحيى في الترجمة لفظ: ((وعلى
غير وضوء)) ولم يتابعه أحد على زيادته ولا في الباب ما يدل عليه، وإنما فيه
أذان الراكب، انتهى.
قلت: لما توجد في النسخ الترجمة فنذكر مذاهب الأئمة في ذلك فنقول:
ذكر العلامة الشعراني اتفاق الأئمة الأربعة على جواز أذان المحدث،
وذكر اتفاق الثلاثة على جواز أذان الجنب، خلافاً للمشهور عن أحمد، وقال
العلامة العيني - رحمه الله -: قال صاحب ((الهداية)) من أصحابنا: وينبغي أن
يؤذن ويقيم على طهر، لأن الإقامة ذكر شريف، فيستحب فيه الطهارة، فإن أذن
على غير وضوء جاز، وبه قال الشافعي وأحمد وعامة أهل العلم.
(١) انظر: ((التمهيد)) (٢٣٢/٢٠).
٥٨
٠ ..

٣ - كتاب الصلاة
(٢) باب
(١٥٥) حديث
١٥٥/ ١٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ
ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرَّدٍ وَرِيحٍ. فَقَالَ:
وعن مالك: أن الطهارة شرط في الإقامة دون الأذان، وقال عطاء
والأوزاعي وبعض الشافعية: تشترط فيهما، وقال أصحابنا: يكره أن يقيم على
غير وضوء لما فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة بالاشتغال بأعمال الوضوء،
وعن الكرخي: لا تكره الإقامة بلا وضوء، وتكره عندنا أن يؤذن وهو جنب.
وذكر محمد في ((الجامع الصغير)): إذا أذن الجنب أحبّ إليّ أن يعيد
الأذان، وإن لم يعد أجزأه، وقال صاحب ((الهداية)): الأشبه بالحق أن يعاد
أذان الجنب، ولا تعاد الإقامة؛ لأن تكرار الأذان مشروع في الجملة،
والمصنف كما رأيتَ لم يذكر في إثبات أذان المحدث شيئاً، لكن أخرج
البخاري(١) عن إبراهيم النخعي أنه قال: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء،
وأخرج ابن أبي شيبة بمعناه، عن قتادة، وعبد الرحمن بن الأسود، وحماد
والحسن، فارجع إليه إن شئت.
١٠/١٥٥ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أذن
بالصلاة في ليلة ذات برد وريح) وكان مسافراً فأذن بضَجْنَان، كما في رواية
البخاري، وهو بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم وبنونين بينهما ألف بزنة
فعلان غير منصرف. قال في ((الفائق)): جبل بينه وبين مكة خمسة وعشرون
ميلاً، وبهذا يطابق الترجمة، ويستنبط الترجمة أيضاً بلفظ الرحال.
(فقال:) ولفظ محمد: ((ثم قال)) والظاهر أنه قال ذلك بعد الفراغ من
الأذان، وفي رواية للبخاري: ((ثم يقول على أثره))، قال النووي: في حديث
ابن عمر - رضي الله عنهما - أنها تقال بعد الأذان، وفي حديث ابن عباس عند
(١) ((صحيح البخاري)) مع ((فتح الباري)) (١١٤/٢)، و((تلخيص الحبير)) (٧٦/١)، و((نصب
الراية)) (٢٩٢/١).
٥٩

٣ - كتاب الصلاة
(٢) باب
(١٥٥) حدیث
أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ، إِذَا
كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: ((أَلَا صَلّوا فِي الرِّحَالِ)).
أخرجه البخاريّ في: ١٠ - كتاب الأذان، ١٨ - باب الأذان للمسافر.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٣ - باب الصلاة في الرحال في
المطر، حديث ٢٢ و ٢٣.
الصحيحين أنها تقال في الأذان، فلا حجة في حديث الباب على جواز التكلم
في الأذان، وقيل: يقوله بعد الحيعلة، وقيل: بدله، والظاهر الأول، لأن
الأذان متصل لا ينبغي أن يتخلله شيء، ثم التكلم فيه مختلف بين الأئمة،
فكرهه الأئمة الثلاثة، ورخص فيه الإمام أحمد بن حنبل، كما في
((الاستذكار))(١)، ولم يقل أحد منهم بإعادته لمن تكلم، إلا ابن شهاب بسند
ضعيف، قاله الزرقاني. وذكر في ((المدونة)) قال مالك: لا يتكلم أحد في أذانه
ولا يرد على من سلم، قلت لابن القاسم: فإن تكلم في أذانه أيبتدئه أم
يمضي؟ قال: يمضي، اهـ.
لكن قال ابن قدامة(٢): ولا يستحب أن يتكلم في الأذان، وكرهه طائفة
من أهل العلم، قال الأوزاعي: لا نعلم أحداً يقتدى به فَعَلَ ذلك، ورخص فيه
الحسن وعطاء وقتادة، فإن تكلم بكلام يسير جاز، وإن طال الكلام بطل
الأذان، اهـ. وقال الشامي - من الحنفية -: ولا يتكلم فيهما أصلاً ولو رد
سلام؛ فإن تكلم استأنفه إلا إذا كان الكلام يسيراً، اهـ.
(ألا) حرف تنبيه (صلوا) بصيغة أمر (في الرحال) جمع رحل، وهو المنزل
والمسكن، (ثم قال) ابن عمر - رضي الله عنهما - استشهاداً لفعله: (إن
رسول الله وَل﴾ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول) المؤذن: (ألا
صلوا في الرحال). فقاس ابن عمر - رضي الله عنهما - حال الريح بحال المطر
(١) (٨٤/٢).
(٢) ((المغني)) (٨٣/٢).
٦٠