النص المفهرس
صفحات 641-660
٢ - كتاب الطهارة (٢٩) باب (١٣٨) حديث فَإِنْ رَأْتِ الدَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا، وَإِنمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ . قَالَ يَحْيَىُ: قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، عَلَى حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيه، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي، اهـ، وبه قال الإمام أحمد والإمام الأعظم وأصحابه. وقال الإمامان مالك والشافعي: أكثره ستون يوماً كما في («المغني)) وغيره. وفي ((عارضة الأحوذي)) (١): لما سمع مالك بأن هنالك من ينفس سبعين يوماً، رجع عنه فقال: يسأل النساء عن ذلك، فأحال على عادة البلاد والأشخاص، اهـ. وأما أقله فلا حدَّ له عند الأئمة الأربعة كما في ((الباجي))(٢) و ((المغني)). وفي ((عارضة الأحوذي)) عن المزني: أقله أربعة أيام قال: وقد روي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله و ◌َ﴾ دون دم، فسميت ذات الجفوف، فلا جرم لا حَدَّ لأقله، اهـ. وما ينسب إلى الحنفية أنهم قالوا: أقله أحد عشر يوماً وَهَمّ من الناقلين، بسطه الشيخ في ((البذل))(٣). قال في ((البدائع)): أما الكلام في مقداره فأقله غير مقدر بلا خلاف، وفي ((الدر المختار)): لا حدّ لأقله إلا إذا احتيج إليه لعدة (فإن رأت) النفساء (الدم بعد ذلك) أي بعد أقصى المدة (فإنه يصيبها زوجها) بالإجماع (وإنما هي) أي النفساء إذاً (بمنزلة المستحاضة) وقد تقدم قريباً أن المستحاضة يصيبها زوجها فكذلك هي. (قال يحيى: قال) الإمام (مالك: الأمر عندنا في المستحاضة على حديث (١) (٢٢٨/١). (٢) ((المنتقى)) (١٢٧/١). (٣) ((بذل المجهود)) (٣٣٨/٣). ٦٤١ ٢ - كتاب الطهارة (٢٩) باب (١٣٨) حديث وَهُوَ أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ. هشام بن عروة عن أبيه) عن عائشة عن النبي ◌ّ في قصة فاطمة بنت أبي حبيش (وهو أحب ما سمعت إليّ في ذلك) لأنه أصح ما ورد في هذا الباب. ويحتمل أن يريد به حديث هشام بن عروة عن أبيه: أنها لا تغتسل إلا غسلاً واحداً، الحديث. وهذا أظهر من جهة المعنى، قاله الباجي(١)، واقتصر الزرقاني(٢) على الاحتمال الأول. وتوضيحه أن كلام الإمام مالك هذا يحتمل أن يراد به حديث هشام المذكور في أول باب الاستحاضة، فإنه يطابق مذهب الإمام، ويحتمل أن يراد حديث هشام المذكور قريباً في توحيد الغسل، وجعله الباجي أظهر من جهة المعنى . والأوجه عندي حمله على ما حمل عليه الزرقاني، وهو الحديث الأول؛ لأن هذا الحديث الثاني لا حاجة للإمام إلى تصحيحه، فإنه مجمع عليه عند الأئمة بخلاف الحديث الأول، فإن الأئمة اختلفوا فيه جداً كما عرفت، فهو أحوج إلى أن يُنَبِّه عليه الإمام مالك سيما قوله: ((الأمر عندنا)) يؤيده؛ لأن العمل بالتمييز مطلقاً، كما هو ظاهر حديث هشام المذكور عندهم مذهب الإمام مالك، وهو حديث صحيح عند الجمهور، نقل عن ابن منده: هذا الإسناد مجمع على صحته، وقال الأصيلي: هو أصح حديث جاء في المستحاضة. وقال أحمد بن حنبل: في الحيض ثلاثة أحاديث: حديثان ليس في نفسي منهما شيءٌ: حديث عائشة في قصة فاطمة، وحديث أم سلمة، والثالث: في قلبي منه شيء، وهو حديث حمنة، قال أبو داود: وما عدا هذه الثلاثة ففيها اختلاف واضطراب، اهـ. هكذا حكى العلامة الزرقاني قول الإمام أحمد، (١) ((المنتقى)) (١٢٨/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٢٦/١). ٦٤٢ --------- ---- ٢ - كتاب الطهارة (٣٠) باب (٣٠) باب ما جاء في بول الصبي وحكى الترمذي عن الإمام أحمد أنه قال: حديث حمنة حديث حسن صحيح. وفي ((المغني)): حديث فاطمة هو أحد الثلاثة التي يدور عليها الحيض، انتهى. إلا أن الحنفية والمالكية اختلفوا في معناه فإنهم حملوه على التمييز، ونحن حملناه على الاعتياد، ولكلٍّ منهما قرائن، لا تخفى على من تدبر كلام الأئمة، ولم يذكر الإمام من المستحاضات نصاً إلا فاطمة وزينب روماً للاختصار، وعدَّ الحافظ في ((الفتح)) (١): المستحاضات من الصحابيات في زمنه وَّ عشراً، ونظمها بعضهم (٢) فقال: بَنَاتُ جَحْشٍ سَهْلَةٌ وَبَادِيَه وَقَدِ اسْتُحِيضَتْ فِي زَمَانِ الْمُصْطَفَى وَبِنْتُ مَرْثَدٍ رَوَاهَا الرَّاوِيَه وَهِنْدُ أَسْمَاءُ سَوْدَةُ فَاطِمَه (٣٠) ما جاء في بول الصبي اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه للشافعية، اهـ. الصحيح المختار عندهم يكفي النضح لبول الصبي دون الجارية، بل لا بد من غسل بولها كسائر النجاسات، وبه قال الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وداود، وروي عن أبي حنيفة، وروي عن الإمام مالك أيضاً، لكن قال أصحابه: إن هذه رواية شاذّةٌ. والثاني: يكفي النضح فيها وهو مذهب الأوزاعي، وحكي عن مالك والشافعي. والثالث: أنها سواء في وجوب الغسل، وهو المشهور عن إمام دار الهجرة والإمام الأعظم وأتباعهما وسائر الكوفيين. قال ابن العربي: قال مالك وأبو حنيفة: ذلك في الذكر والأنثى يغسل، وقال الشافعي: لا يغسلان. وقال ابن وهب والطبري وابن شهاب: يغسل بول الأنثى، وهو اختيار الحسن البصري، والصحيح أنه لا يفرق بينهما وأنه يغسل؛ (١) انظر: ((فتح الباري)) (١/ ٤١٢). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٢٧/١). ٦٤٣ ٢ - كتاب الطهارة (٣٠) باب (١٣٩) حدیث ١٠٩/١٣٩ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: أَتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَه بِصَبِيِّ لأنه نجس داخل تحت عموم إيجاب غسل البول. وما ورد في الأحاديث لا يمنع غسله، وإنما هو موضوع لبيان الغسل، وإِنما سقط العرك لأنه لا يحتاج إليه، اهـ. وهذا الخلاف في تطهير ما أصابه البول، وأما نفس البول فنجسٌ عند الجميع، حتى نقل الإجماع عليه جماعة إلا ما نُقِل عن داود الظاهري. وما نقل بعضهم عن الشافعي ومالك قولاً بطهارته غلط وباطل، ردّ عليه النووي والزرقاني وغيرهما، وكأن القائل استنبطه من قولهما بالنضح فيه. ١٠٩/٣٩ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صَلى الله وست أنها قالت أتي) بضم الهمزة وكسر المثناة الفوقية على بناء المجهول (رسول الله وَلل بصبي) معناه أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يأتون بصبيانهم إلى النبي ◌َل# ليدعو لهم وليُحتكهم ويسميهم تبركاً به ومَآل . واختلف في اسم هذا الصبي، قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه ابن أم قيس الذي يأتي بعده، ويحتمل أنه الحسن أو الحسين، لما ورد في الروايات من بولهما. قال العيني: وأظهر الأقوال عندي أنه عبد الله بن الزبير، اهـ. وقيل: سليمان(١) بن هشام، وهؤلاء كلهم بالوا في حجْر النبي ◌َّ، وقد نظمهم بعضهم كما في ((حواشي الإقناع)): قَدْ بَالَ فِي حِجْرِ النَّبِيِّ أَظْفَالُ حَسَنٌ حُسَيْنُ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَالُوا (١) كذا قال الزرقاني. وقال الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة سليمان بن هاشم بن عتبة من رواية ابن منده: أنه أتي به رسول الله ◌َّ فبال عليه، وذكر في ترجمة أبيه سماه بعضهم هشاماً وهو وهم، ا ھـ (ز). ٦٤٤ ٢ - كتاب الطهارة (٣٠) باب (١٤٠) حديث فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﴾. بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ. أخرجه البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ٥٩ - باب بول الصبيان. ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ٣١ - باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله، حديث ١٠١. ١٤٠/ ١١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنِ ؛ وَابْنُ أُمَّ قَيْسٍ، جَاءَ فِيْ الخِتَامِ وَكَذَا سُلَيْمَانُ بَنِيْ هِشَامٍ (فبال على ثوبه) وَّ. وسيجيء في الحديث الآتي أنه يحتمل ثوب الولد نفسه (فدعا رسول الله وَّر بماء فأتبعه) بفتح الهمزة وسكون الفوقية وفتح الموحدة أي أتْبَع رسول الله وَّ الماء (إياه) أي البول فالضمير المتصل إِلى الماء المنفصل إلى البول، ويحتمل عكسه، والمراد بإتباع الماء صبَّه عليه، ويؤيده ما ورد لابن المنذر من طريق الثوري عن هشام بلفظ؛ فصب عليه الماء. قال الإمام محمد في ((موطئه))(١)، بعد الحديث: وبهذا نأخذ، تتبعه إياه غسلاً حتى تنقيه، وهو قول أبي حنيفة، انتهى. فما ورد من زيادة ولم يغسله في بعض الروايات لو صح فالمراد به الغسل الشديد كما سيجيء. ١١٠/٤٠ - (مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله) بضم العين المهملة مصغراً (ابن عبد الله) بفتح العين بدون الياء (ابن عتبة) بضم العين وإسكان الفوقية (ابن مسعود) الهُذلي ثقة ثبت فقيه. من كبار التابعين، كثير الحديث، أحد الفقهاء السبعة في المدينة، كان رجلاً صالحاً شاعراً قد عمي. قال أبو زرعة: مأمون إمام مات سنة ٩٤هـ وقيل غير ذلك. (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٥٥/١). (٢) انظر: ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٤٧٦/١٢) و((إسعاف المبطأ)) (٣٨٤). ٦٤٥ ٢ - كتاب الطهارة (٣٠) باب (١٤٠) حديث أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنِ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مَّه؛ فَأَجْلَسَهُ فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ؛ (عن أم قيس(١) بنت محصن) بكسر الميم وإسكان الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون، قيل: اسمها جذامة بالجيم والذال المعجمة. وقيل: آمنة الأسدية ((أسد خزيمة))، أسلمت قديماً بمكة، وهاجرت إلى المدينة، وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول الله وَ ل#، دعا لها رسول الله وَ له بطول عمرها، فلا تعلم امرأة عمرت مثل ما عمرت، ولها أحاديث، وهي أخت عكاشة (أنها أتت بابن لها صغير) . قال الحافظ: لم أقف على اسمه، ومات في عهده بَّر وهو صغير كما رواه ((النسائي))، انتهى. (لم يأكل الطعام) يعني لم يتقوّت بالطعام، ولم يستغن به عن الرضاع، فجيء به للدعاء والبركة، ويحتمل أنه جيء به عند ولادته ليُحَنِّكه النبي ◌َّ، فيكون معنى قوله: ((لم يأكل الطعام))، أي لم يقبل غذاء من طعام ولا رضاع، والظاهر الأول؛ لأنه أمه جاءته، ومجيئها عند الولادة مستبعد، ويؤيده نفي الطعام، وأنه ◌َ لّ أجلسه في حجره (إلى رسول الله مَله فأجلسه في حجره) بفتح الحاء على الأشهر أو تكسر وتضم وهو الحضن، وهذا أيضاً يناسب الاحتمال الأول، وأما على الثاني فمعنى أجلسه أي وضعه. (فبال على ثوبه) وَلّ، وأغرب من قال: المراد ثوب الصبي، لأنه خلاف الظاهر والسياق، ووجه كلامه بأنه بال على ثوب نفسه، وهو في حجره دولار فنضح الماء على ثوبه ◌َلّ خوفاً من أن يكون طار على ثوبه منه شيء، وبهذا يكون دليلاً للقائلين بنجاسة بوله، وإن لم يأكل الطعام. مختصراً من الزرقاني(٢). قلت: ذكر هذا الاحتمال ابن شعبان المالكي، وليس عند من أنكر هذا الاحتمال دليل إلا ادعاء الغرابة، ولو سُلِّمَ الغرابة، فيكفي أيضاً لإبطال (١) ((شرح الزرقاني)) (١٢٨/١). ٦٤٦ ٢ - كتاب الطهارة (٣٠) باب (١٤٠) حديث فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. أخرجه البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ٥٩ - باب بول الصبيان. ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ٣١ - باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله، حديث ١٠٣. الاستدلال بعد ثبوته . (فدعا رسول الله وَلل بماء فنضحه) أي صب الماء على ثوبه (ولم يغسله) أي لم يعركه، والنضح لغةً، يقال للرشِّ، ولصب الماء أيضاً، بل للغسل أيضاً، كما تقدم في حديث المذي، وقال عليه السلام: ((إني لا أعلم أرضاً ينضح بناحيتها البحر)) ولفظ الطحاوي: ((إني لا أعرف مدينة ينضح البحر بجانبها)) وفي حديث أسماء في غسل الدم: ((وانضحيه)). وفي حديث ابن عباس في الصحيح لما حكى وضوءه ◌ُمّ، ورش على رجله اليمنى حتى غسلها. وقد بسط الطحاوي الطرق في بول الصبي أكثرها بلفظ الصب وإتباع الماء، فيحمل عليه النضح أيضاً جمعاً بين الروايات، فلا حجة في هذه الروايات، بل ولا في رواية على التفريق بين بول الغلام والجارية. قال ابن العربي(١): النضح في كلام العرب يستعمل في معنيين: الرش وصب الماء الكثير فمعنى قوله: ((فنضحه)) أي صبه بدليل ما ورد فأتبعه إياه، وقوله: لم يغسله، أي لم يعركه بيده، اهـ. وادعَّى الأصيلي أن قوله: ((ولم يغسله))، مدرج من ابن شهاب كما في ((البذل)) (٢)، ويؤيده أن الحديث رواه معمر عن ابن شهاب، ولم يزد هذه الزيادة، وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة بلفظ: ((فرشه)) ولم يزد عليه، وأخرجه عبد الرزاق نحو سياق مالك، ولم يقل لفظ: ((ولم يغسله)) والحديث وإن لم يدل على التفرقة بين بول الصبي (١) ((عارضة الأحوذي)) (٩٣/١). (٢) ((بذل المجهود)) (١١٧/٣). ٦٤٧ ٢ - كتاب الطهارة (٣٠) باب (١٤٠) حديث والصبية، لكن يؤخذ من مفهومها ومن روايات أخر. قال الحافظ: في التفرقة أحاديث ليست على شرط الصحيح ثم ذكرها، ونقلها عنه الزرقاني أيضاً . وقال ابن عبد البر (١): أحاديث التفرقة بين بول الصبي والصبية ليست بالقوية، وقد استدل الحنفية والمالكية بعموم أحاديث نجاسة البول، وأجابوا عن الروايات ١ - بأن المراد منه الصب والغسل، كما تقدم مبسوطاً، ٢ - وبما نقله الأبهري عن مالك ليس هذا الحديث بالمتواطىء عليه أي على العمل به، ٣ - وبأن ضمير ((على ثوبه)) عائد إلى الصغير كما تقدم، ٤ - وبأن قول: ((لم يأكل الطعام)) ليس علةً للحكم، وإِنما هو وصف حال كما ترى فأي شيء فرق بين من يطعم ومن لا يطعم، ٥ - وبأن المراد نفي الغَسْل الشديد، كما يدل عليه رواية مسلم: ((ولم يغسله غسلاً)) بالمصدر المُنَوَّن للتأكيد ٦ - أو المعنى لم يعركه؛ لأنه لا يحتاج إليه لسرعة خروجه. ويجاب عن أحاديث التفرقة، ٧ - بما فيها من الكلام وببعض ما تقدم، ٨ - وبما قال الطحاوي: إنما فرَّق بينهما لأن بول الذكر يكون في موضع واحد وبول الجارية يتفرق لسعة مخرجه، فأمر بالنضح فيه في موضع واحد، وبالغسل فيها في مواضع متفرقة، وأيده بما أخرجه عن سعيد بن المسيب الصب بالصب والرش بالرش، ٩ - وبما قال القاري(٢): إن بولها بسبب استيلاء الرطوبة والبرد على مزاجها يكون أغلظ وأنتن، فيفتقر في إزالتها إلى زيادة المبالغة (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥٥/٣) و((التمهيد)) (١١٠/٩). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٧٢/٢). ٦٤٨ ------ -- ٢ - كتاب الطهارة (٣١) باب (١٤١) حديث (٣١) باب ما جاء في البول قائماً وغيره ١٤١/ ١١١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ بخلاف الصبي. (٣١) ما جاء في البول قائماً وغيره يعني ما ورد في البول قائماً وغير ذلك من أحكام تتعلق بالبول كطهارة الأرض التي يصيبها البول وكغسل الفرج منه كما سيجيء في آخر الباب في الأثر الثالث. واختلف العلماء في البول قائماً، فأباحه أحمد وآخرون بلا كراهة، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به، وإلا كرهه، وكرهه عامة العلماء، منهم الحنفية كراهة تنزيه، كذا في ((البذل))(١)، وكتب المالكية وغيرهم، وفي ((المغني)) لابن قدامة: يستحب أن يبول قاعداً لئلا يترشش، اهـ. وظاهر كلامه أنه لا يرى البول قائماً؛ لأنه أجاب عن روايات البول قائماً، لكن قال في ((نيل المآرب)): ولا يكره البول قائماً ولو لغير حاجة بشرطين: الأول؛ أن يأمن تلويثاً، والثاني؛ أن يأمن ناظراً، اهـ. ١١١/٤١ - (مالك عن يحيى بن سعيد) مرسل، وصل في الصحيحين بطرق مختلفة(٢) عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال الحديث (أنه قال: دخل أعرابي) الأعراب ساكنوا البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، والنسب إليها أعرابي. ووقعت النسبة إِلى الجمع دون الواحد، إما لأنه جرى مجرى القبيلة، أو لأنه إذا نسب إلى الواحد وهو (١) ((بذل المجهود)) (٦٣/١). (٢) انظر: طرق هذا الحديث في ((التمهيد)) (١٤/٢٤). ٦٤٩ ٢ - كتاب الطهارة (٣١) باب (١٤١) حديث الْمَسْجِدَ، فَكَشَفَ عَنْ فَرْجِهِ لِيَبُولَ، فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ، العرب يشتبه بالعربي، وهو كل من هو من أولاد إسماعيل عليه السلام. ثم اختلفوا في اسمه فقيل: هو الأقرع بن حابس التميمي، وقيل: ذو الخويصرة اليمامي (١) وقيل: هو ذو الخويصرة التميمي، وبه جزم القاري في ((المرقاة))، وهو الذي قال للنبي ◌ّليل في قسمة الغنيمة: اعدل، فقال: ((ومن يعدل إذا أنا لم أعدل))، الحديث. أخرجه في الصحيح، وصار من رؤوس الخوارج. وفَرَّقَ بعضُهم بينه وبين اليمامي، وقيل: هو عيينة بن حصن، وتوقف العراقي في كون هذا البائل ذا الخويصرة اليمامي لكونه منافقاً، وكان هذا البائل مسلماً حسن الإسلام كما هو مؤدى رواية ابن ماجه والدارقطني، ولفظ الدار قطني: جاء أعرابي إلى النبي وَلّر شيخ كبير، فقال: يا محمد متى الساعة؟ فقال: ما أعددت لها؟ قال: لا، والذي بعثك بالحق ما أعددت لها من كبير صلاة ولا صيام إلا أني أُحِبُّ الله ورسوله. فقال: إنك مع من أحببت. فذهب الشيخ، فأخذه البول في المسجد، الحديث. وفي آخره: دَعُوْه عسى أن يكون من أهل الجنة. قال ابن العربي: فعلم أن البائل هو السائل عن الساعة المشهود له بالجنة، اهـ. وأجاب بعضهم أن صاحب المنقبة هذه هو ذو الخويصرة اليماني، ورأس الخوارج التميمي. قلت: والأوجه عندي تعدد قصة البول جمعاً بين الروايات (المسجد) مسجد النبي ◌ّير، زاد ابن عيينة عند الترمذي وأبي داود وغيرهما(٢) بعده: أنه صلى ركعتين ثم قال: اللَّهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فقال ◌َله: لقد تحجَّرْتَ واسعاً، ثم لم يلبث أن بال في المسجد (فكشف عن فرجه ليبول) (١) هكذا في الزرقاني بالميمين والصواب اليماني بالميم والنون كما في ((الفتح)) وغيره، اهـ (ش)). (٢) أخرجه ((الترمذي)) (٢٧٥/١ - ٢٧٦) وأبو داود (٣٨٠) وأحمد (٢٣٩/٢). ٦٥٠ - ---- --- --.. ----------- ٢ - كتاب الطهارة (٣١) باب (١٤١) حدیث حَتَّى عَلَاَ الصَّوْتُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((اتْرُكُوهُ)) فَتَرَكُوهُ، فَبَالَ. ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾. بِذَنُوبِ مِنْ مَاءٍ، فَصُبَّ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ . مرسل. وصله البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ٥٨ - باب صبّ الماء على البول في المسجد . ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ٣٠ - باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات، إذا حصلت في المسجد، حديث ٩٩. وشرع البول، وذلك لأنه لم يعرف ما يجب للمساجد من الإكرام والتنزيه. وفي بعض طرق الحديث: ((فقام يبول)) نصٌّ في بدء البول (فصاح الناس به) زاجرين له (حتى علا) وارتفع (الصوت) من المانعين والزاجرين. قال الحافظ بعد نقل الألفاظ المختلفة في الصياحة من الروايات: إن تناوله كان بالألسنة لا بالأيدي فهو المراد في لفظ البخاري: ((فتناوله الناس)) (فقال رسول الله مح لل: اتركوه) رفقاً به ولطفاً في تعليمه، أو لئلا يؤدي قطع البول واحتباسه إلى ضرر، أو لئلا يؤدي إلى انتشار النجاسة في الأماكن المتعددة، ونجاسة الموضع الواحد أهون من الأمكنة المتعددة، وهو الأوجه عندي، أو لئلا يغلبه فيُنَجِّس ثيابه وبدنه، وزاد في رواية أبي هريرة في البخاري(١) وغيره بعده قال عليه السلام: ((إنما بُعِثْتُم مُيَسِّرين ولم تبعثوا معسرين)). (فتركوه فبال) في ناحية من المسجد كما في رواية مسلم (ثم أمر رسول الله ◌َّ) بعد أن تَمَّ بَوْلُه (بذَنُوب) بفتح الذال المعجمة هو الدلو ملأى ماء، وقيل: الدلو الكبير، فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال لها وهي فارغة: ذنوب (من ماء) وصف به تأكيداً، وقيل: لأنه مشترك بينه وبين الفرس الطويل وغيره (فَصُبَّ) ببناء المجهول (على ذلك المكان) زاد مسلم بطريق آخر عن (١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٢٣/١). ٦٥١ ٢ - كتاب الطهارة (٣١) باب (١٤١) حديث أنس: ثم إن رسول الله وَل# دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن)). ثم العجب من الذين يذكرون في هذا الحديث خلاف الحنفية، فنقدم أولاً توضيح المسألة التي يذكرونها ههنا، وهي أن الأرض تطهر بالجفاف أيضاً عندنا الحنفية خلافاً للأئمة الثلاثة على ما قاله الشعراني. قال ابن العربي: هو المشهور في المذهب، وبه قال جديد الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال قديمه وأبو حنيفة وبعض المذهب: يُطَهِّر، انتهى. وكذا نقل الخلاف ابن قدامة، وجعله في ((المغني)) أحد قولي الشافعي - رحمه الله -، ونقل الشوكاني (١) أن الخراسانييّن من الشافعية مع الحنفية، فالذين نسبوا خلاف الحديث إلى الحنفية لعلهم لم يدركوا قولهم، ولا يصح نسبة الخلاف أيضاً كما سترى. نعم لو قالوا فيه خلاف المروزي إذ قال: لا تطهر الأرض إلا بأن تحفر، أو يجعل على ظاهرها تراب، فتصير النجاسة باطنة لكان له وجه، وإذا تحققت هذا، فاعلم أن الذين قالوا: إن الحديث فيه تعيين الماء لإزالة النجاسة، فهو حجة على الحنفية في قولهم: إن الأرض تطهر بالجفاف على أنه لم يتم لهم التقريب، لا يصح قولهم أصلاً؛ لأن الحنفية - كثر الله جمعهم وشكر سعيهم - لو قالوا: بأن الماء لا يُطّهر الأرض لأمكن أن يقال: إن الحديث حجة عليهم، وأما إذا لم يمنعوا طهارة الأرض من صب الماء، فليت شعري كيف يكون الحديث حجة عليهم؛ لأنهم يقولون: إن الماء أيضاً يُطَهِّر الأرض كالجفاف. نعم لو كان في الحديث لفظ أو مفهوم يدل على حصر الطهارة في الماء لأمكن أيضاً أن يشكل به على الحنفية، وليس في الحديث إلا استعمال (١) (٨٨/١) وانظر في ((الأم)) للشافعي (١١٩/١) و((شرح المهذب)) (٦١٦/٢). .------------ -- ٦٥٢ ٢ - كتاب الطهارة (٣١) باب (١٤١) حديث النبي ◌َّل أحد المطهرين، ولذا رد الشوكاني الظاهري على من قال بتعيين الماء لإزالة النجاسة أشدَّ الرد على أن الحديث لم يتعين فيه أن صَبَّ الماء كان لطهارة الأرض، بل حديث عبد الله بن مقرن عند أبي داود(١) في هذه القصة بلفظ: ((خذوا ما بال عليه من التراب، فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء))، صريح في أن طهارة الأرض قد حصلت بإلقاء التراب، وصب الماء كان لمصلحة أخرى كزيادة التنظيف أو إزالة الرائحة الكريهة. ولو سُلِّم أن الماء لم يُصَبَّ إلا لأجل التطهير فلا خلاف فيه أيضاً للحنفية، سيما إذا كان فيه المبادرة إِلى الطهارة، بخلاف الجفاف إذا احتيج فيه إلى انتظار اليبس، والمسجد موضع الصلوات، ويكثر احتياج الناس إليه، فكان احتمل أن يجيء أحد ويتنجَّس بدنه، أو بل قدمه، فيتنجس به موضع آخر. وأيضاً فيه من المصالح الأخر. هذا، وقد استدل الحنفية على مدعاهم بما قد صح عن ابن عمر - رضي الله عنه - كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشُّون من ذلك، ولذا بوّب عليه أبو داود (طهور الأرض إذا يبست))، قال في ((البرهان)): ولنا ما روي عن عائشة ومحمد بن الحنفية: ((ذكاة الأرض يبسها))، وعن أبي قلابة: ((جفوف الأرض طهورها))، وجعل في ((المبسوط)) قوله: ((أيما أرض جفت فقد ذكت)) حديثاً مرفوعاً، اهـ. قلت: أثرا ابن الحنفية وأبي قلابة أخرجهما ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٢) وأخرج عن أبي جعفر محمد بن علي قال: ((ذكاة الأرض يبسها))، وأخرج عبد الرزاق أيضاً أثر أبي قلابة، وفي هذه الآثار تقوية لرواية ابن عمر - رضي الله (١) ((سنن أبي داود)) (٢٦٥/١) و((التلخيص)) (٤٩/١). (٢) انظر: ((نصب الراية)) (٢٠٠/١). ٦٥٣ ٢ - كتاب الطهارة (٣١) باب (١٤٢) حديث ١١٢/١٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَبُولُ قَائِماً. عنه - المرفوعة عند أبي داود وغيره: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر، الحدیث. ثم مما ينبغي أن يُحْفَظ أن يذكر ههنا مسألة أخرى خلافية، وهي أن الأرض تطهر بالمكاثرة عند أحمد والشافعي خلافاً للحنفية، وليس كذلك بل تطهر عندنا الحنفية أيضاً، قال الشامي: وتطهر الأرض يبسها لرواية أبي داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - المذكورة، ولو أريد تطهيرها عاجلاً يصب عليها الماء ثلاث مرات، وتُجَفَّفُ في كل مرة بخرقة طاهرة، وكذا لو صُبَّ الماء عليه بكثرة حتى لا يظهر أثر النجاسة. وعن الحسن بن مطيع إِذا صُبَّ الماء، فجرى قدر ذراع طهُرت الأرض، والماء طاهر بمنزلة الماء الجاري، وفي ((المنتقى)): أصابه المطر غالباً، وجرى عليها فذلك مُطَهِّرٌ ولو قليلاً لم يجر لَمْ يُطَهِّرْ، اهـ ثم مناسبة الحديث بالترجمة إما لأنه من أحكام البول، فكان تحت الجزء الثاني من الترجمة، ويحتمل أن يكون داخلاً تحت البول قائماً، فإنه قد ورد في بعض طرق الحديث أنه بال قائماً. ثم لا يذهب عليك ما قال ابن العربي(١): ليس للذنوب تقدير، وإنما هو بحسب غلبة الماء، وإذا بال رجلان في محل كفى ذَنُوْبٌ من ماء، وقال الأنماطي والإصطخري: لكل رجل ذَنُوْبٌ وهذا باطل، انتهى. ١١٢/٤٢ - (مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه ــ (يبول قائماً) لأن مذهبه - رضي الله عنه - كان جوازه بلا كراهة، وتقدم مذاهب الأئمة في ذلك، واستدل القائلون بالكراهة بحديث (١) ((عارضة الأحوذي)) (٢٤٦/١). ٦٥٤ - - - .---- ٢ - كتاب الطهارة (٣١) باب (١٤٢) حدیث قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ غَسْلِ الْفَرْجِ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، هَلْ جَاءَ فِيهِ أَثَرِّ؟ فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ مَنْ مَضى كَانُوا يَتَوَضَّؤْونَ مِنَ الْغَائِطِ. وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَغْسِلَ الْفَرْجَ مِنَ الْبَوْلِ. عائشة: ((من حَدَّثكم أنه كان يبول قائماً فلا تُصَدِّقُوه ما كان يبول إلا قاعداً))، وبحديث عائشة أيضاً: ((ما بال وَ له قائماً منذ أُنْزِلَ عليه القرآن))، رواه أبو عوانة والحاكم، وأخرج الترمذي عن عمر - رضي الله عنه - ما بلتُ قائماً منذ أسلمت، وعن ابن مسعود: من الجفاء أن تبول قائماً . (قال يحيى: وسئل مالك عن غسل الفرج من البول والغائط هل جاء فيه أثر؟ فقال) مالك (بلغني أن بعض من مضى) الظاهر أنه - رضي الله عنه - أراد به الأنصار فإنهم كانوا يجمعون بين الماء والأحجار، وفيهم نزلت ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَنَظَهَرُواْ﴾(١) ويحتمل أنه أراد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما تقدم من أثره في العمل في الوضوء (كانوا يتوضؤون) أي يغسلون الدبر (من الغائط وأنا أحب غسل) مصدر، وفي نسخة أن أغسل (الفرج من البول) قال الباجي(٢): خص مالك غسل الفرج بالماء؛ لأن البول مائع لا يكاد يسلم من الانتشار، فلذلك رأى أنه أحق باستعمال الماء فيه، ويحتمل أنه أخبر بأن عنده أثراً في غسل الفرج من الغائط، وأنه يستحب هو غسل الفرج من البول، فبين ما عنده فيه أثر، وميّزه مما يذهب إليه لنوع من النظر، انتهى. قلت: وهذا الثاني هو الأوجه فإن ظاهر السياق يدل على أن عنده أثراً في الغائط دون البول، فأجاب للأول بالأثر والثاني بالرأي، وتقدم الكلام على الاستنجاء بالماء(٣) في محله، وعموم أثر عمر - رضي الله عنه - أنه كان يتوضأ (١) سورة التوبة الآية: ١٠٨. (٢) ((المنتقى)) (١٢٩/١). (٣) قال ابن عبد البر: ولا خلاف بين العلماء في جواز الاستنجاء من الغائط بالماء ((الاستذكار)) (٢٦٥/٣). ٦٥٥ ٢ - كتاب الطهارة (٣٢) باب (٣٢) باب ما جاء في السواك وضوء لما تحت إزاره، يتناول الغائط والبول معاً، فتأمل. (٣٢) ما جاء في السواك(١) بكسر السين على الأفصح مُذَكَّرٌ، وقيل: مُؤَنَّثٌ، وأنكره الأزهري، هو ما تُدْلَكُ به الأسنان، وهو في الاصطلاح استعمال عود أو نحوه في الأسنان لِيُذْهِبَ به الصفرةَ والريحَ، مشتق من سَاكَ إذا دَلَكَ، ومن جاءتِ الإِبلُ تَساوَكُ هُزَالاً أي تَتَمَايَلُ، وقال ابن العربي (٢): السواك في اللغة الحَرَكَةُ، يقال: تساوكت الإبل إذا مشت ضرب من المشي فيه لين، اهـ. ويطلق على الفعل والآلة، وكلاهما محتملان ههنا إلا أنه على الثاني يُقَدَّر المضافُ أي استعماله. ثم الجمهور على عدم وجوبه حتى نقل بعضهم فيه الإجماع، وقال في ((المغني)): (٣) أكثر أهل العلم يرون السواكَ سُنَّةً غير واجب، ولا نعلم أحداً قال بوجوبه إلا إِسحاق وداود. قلت: وكذا نقل عنهما الوجوب أبو حامد الإسفرائني وغيره، وحكي عن إسحاق أنه إِن تركه عمداً بطلت صلاته. وقال ابن العربي(٤): واختلف العلماء في السواك، فقال إسحاق: واجب، من تركه عمداً بطلت صلاته. وقال الشافعي: سُنَّةٌ من سنن الوضوء، واستحبه مالك في كل حال يَتَغَيَّر فيها الفم. وأما من أوجبه فظاهر الأحاديث تُبْطله، وأما القول: إنه سنة أو مستحب، فمتعارف، وكونه سنة أقوى، اهـ. وقال النووي(٥): وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على أبي حامد نقل (١) انظر: ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٤٢/٣). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٣٩/١). (٣) (١٣٣/١). (٤) ((عارضة الأحوذي)) (٣٨/١، ٣٩). (٥) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٤٢/٣). ٦٥٦ ٢ - كتاب الطهارة (٣٢) باب (١٤٣) حدیث ١١٣/١٤٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ السَّبَّاقِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة، ولو صح إيجابه عن داود لم يضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون، وأما إِسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه، انتهى، وقال ابن حزم: سنة ولو أمكن لكل صلاة لكان أفضل، وهو يوم الجمعة فرض لازم. ثم اختلف العلماء أيضاً فقال بعضهم: إنه من سنة الوضوء، وقال آخرون: من سنة الصلاة، وقال آخرون، من سنة الدين وهو الأقوى، نقل ذلك عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - كذا في ((البذل)» (١) عن العيني، وورد في فضله روايات كثيرة. قالت المشايخ: فيه سبعون فائدة، منها تَذَكُّرُ الشهادةِ عند الموت - رزقنا الله ذلك - وفي الأفيون سبعون مضرة، منها نسيان الشهادتين عند الموت - حفظنا الله عنه -. ١١٣/٤٣ - (مالك عن ابن شهاب عن) عبيد بضم العين بلا إضافة (ابن السَّبَّاق) بسين مهملة مفتوحة وشدة موحدة، المدني أبو سعيد، من ثقات التابعين، روى له الستة، وذكره في مسلم في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة (٢). ثم الحديث مرسل، ووصله ابن ماجه بسنده عن صالح عن الزهري عن عبيد عن ابن عباس - رضي الله عنه - إلا أن فيه إشكالاً سيأتي في آخر الحديث (أن رسول الله ◌َ﴾ قال في) يوم (جمعة) تقدم ضبطه في المواقيت (من الجمع) جمع جمعة وقد تجمع على جمعات. (يا معاشر) بالجمع، وفي نسخة معشر بالإفراد (المسلمين) قال النووي: (١) ((بذل المجهود)) (١١٣/١). (٢) عبيد بن السّباق الثَّقفي المدني: له ترجمة في: ((تهذيب التهذيب)) (٦٦/٧) وإسعاف المبطأ» (١٧٠). ٦٥٧ ٢ - كتاب الطهارة (٣٢) باب (١٤٣) حديث إِنَّ هُذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيداً فَاغْتَسِلُوا. وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ. المعشر الطائفة الذين يشملهم وصف، فالشباب معشر، والشيوخ معشر، والنساء معشر، والأنبياء معشر وما أشبهها (إن هذا يوم جعله الله عيداً) ولفظ ابن ماجه: (١) ((إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين))، اهـ. فهو لهذه الأمة خاصة جزم به أبو سعيد وغيره، وذلك أنه سبحانه وتعالى خلق العالم في ستة أيام وكسا كل يوم منها اسماً يَخُصُّه، وخص كل يوم بصنف من الخلق أوجده فيه، وجعل يوم كمال الخلق مجمعاً وعيداً للمؤمنين يجتمعون فيه لعبادته وذكره. قلت: ويؤيده ما روي عن أبي هريرة مرفوعاً: ((هذا يومهم الذي فرض عليهم - يعني الجمعة -، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد)). كذا في ((المشكاة))(٢)، عن المتفق عليه. والعيد ما يعاد مرة بعد أخرى، وخصه الشرع بيومي الأضحى والفطر، ولما كان ذلك اليوم مجعولاً في الشرع للسرور استعمل العيد في كل يوم مسرة. قال في ((الدر المختار)): سُمَّى به، لأن الله فيه عوائد الإحسان، ولعوده بالسرور غالباً أو تفاؤلاً، ويستعمل في كل يوم مسرة، ولذا قيل: عِيْدٌ وَعِيْدٌ وَعِيْدٌ صِرْنَ مُجْتَمِعَه وَجْهُ الْحَبِيبِ وَيَوْمُ الْعِيدِ وَالْجُمْعَه (فاغتسلوا) فإن الأعياد التجمُّلُ فيها مندوب، والاغتسال من التجمل، ويأتي حكمه في بابه. وظاهر لفظ ((الموطأ)) أن الاغتسال لا يختص بمن يجيء الجمعة، ولفظ ابن ماجه: ((من جاء إلى الجمعة فليغتسل)) يشير إلى أنه يختص لمن يحضرها، وسيأتي الكلام على ذلك في الجمعة (ومن كان عنده طِيْبٌ) ولو من طيب امرأته (فلا يضُرُّه أن يَمَسَّ منه) عبّره على شأن معنى (١) ((سنن ابن ماجه)) (١٠٩٨). (٢) ((مشكاة المصابيح مع مرقاة المفاتيح)) (٢٢٩/٣). (٣) وذلك مندوب إليه حسن مرغّبٌ فيه، كان رسول الله وَّلَه يعرف خروجه برائحة الطيب إذا خرج إلى الصلاة، وإذا مشى ((الاستذكار)) (٢٧١/٣). ٦٥٨ ٢ - كتاب الطهارة (٣٢) باب (١٤٤) حديث وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ)) . وصله ابن ماجه في: ٥ - كتاب إقامة الصلاة، ٨٣ - باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة . ١٤٤/ ١١٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه قَالَ: ((لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ الندب والترغيب، فهو بمنزلة التصريح بأنه غير واجب(١)، وأوجبه أبوهريرة - رضي الله عنه - يوم الجمعة، فإن لم يحمل على إيجاب سنة وأدب فالجمهور على خلافه، قاله الزرقاني (٢) . قلت: إلا أن الحافظ نقل عن ابن حبيب من المالكية أنه لزم الآتي إلى الجمعة الاغتسال والاستنان والطيب؛ لرواية الخدري عند البخاري إلا أن يقال: إِن المراد باللزوم عنده أيضاً لزوم التأكد لا الوجوب. (وعليكم بالسواك) أي الزموه لتأكد استحبابه، وليس بواجب للنفي في الحديث الآتي. ثم الحديث مرسل في ((الموطأ)) ومتصل عند ابن ماجه بذكر ابن عباس، لكن عورض بما في البخاري عن شعيب عن الزهري، قال طاووس: قلت لابن عباس - رضي الله عنه -: ذكروا أن النبي وَلّ قال: اغتسلوا يوم الجمعة وإِن لم تكونوا جنباً، وأصيبوا من الطيب. قال ابن عباس: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري، فكيف ينفي درايته مع روايته؟ أجيب بأن صالح بن أبي الأخضر الذي رواه عن الزهري عند ابن ماجه ضعيف، ومالك خالفه فأرسله، قال الحافظ: فإن كان صالح حفظ فيه ابن عباس احتمل أن يكون ذكره بعدما نسيه أو عكس ذلك. ١١٤/٤٤ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفّة نون، عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة: أن رسول الله مَليّة قال: لولا) كلمة تدل على انتفاء الشيء لثبوت غيره، وقيل: مركبة من لفظ (لو)) (١) ((شرح الزرقاني)) (١/ ١٣٣). ٦٥٩ ٢ - كتاب الطهارة (٣٢) باب (١٤٤) حديث عَلَى أُمَّتِي لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ)). أخرجه البخاريّ في: ١١ - كتاب الجمعة، ٨ - باب السواك يوم الجمعة. ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ١٥ - باب السواك، حديث ٤٢. و ((لا)) النافية (أن أَشْقَّ) أي أُثْقِلَ يقال: شققت عليه إذا أدخلت عليه المشقة (على أمتي) وذلك لما قد علم من إشفاقه وَ لّر على أمته والرفق بهم وحرصه على التخفيف عنهم، وروي في بعض الروايات ((على الناس)) والمراد الأمة (لأمرتهم) أي أمر وجوب كما هو ظاهر السياق، وفي لفظ النسائي ((لفرضت)) بدل (لأمرت))، قال ابن رسلان: فيه حجة لأهل الأصول أن الأمر للوجوب لأنه عليه السلام نفى الأمر لأجل المشقة، وأمر الندب باقٍ بالإجماع، فلم يرفع إلّا أمر الوجوب، انتهى. قال الزرقاني: فيه حجة بوجهين: الأول: أنه نفي الأمر مع ثبوت الندبية، ولو كان للندب لما جاز النفي، والثاني: أنه جعل الأمر للمشقة عليهم، وإنما يتحقق إذا كان للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه لأنه جائز الترك، اهـ. (بالسواك) بمعنى المصدر أو حذف المضاف أي استعماله. زاد البخاري ((مع كل صلاة)) ولا يوجد شيءٌ من روايات ((الموطأ)) إلا عن معن بن عيسى بلفظ (عند كل صلاة)) وكذا رواه مسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد، وخالفه سعيد بن أبي بلال عن الأعرج فقال: ((مع الوضوء)) أخرجه أحمد. قال الإمام الشافعي: في الحديث دليل على أن السواك ليس بواجب، إِذ لو كان واجباً لأمر به شَقَّ أو لا . قال السيوطي: وفي الحديث اختصار من أثنائه وآخره؛ فقد رواه الشافعي في ((الأم))(١) بسنده: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء والسواك عند كل صلاة))، اهـ. (١) (٢٣/١). ٦٦٠