النص المفهرس

صفحات 561-580

٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ تَيَمَّمَ لِصَلاةٍ حَضَرَتْ، ثُمَّ حَضَرَتْ صَلاةٌ
أُخْرَى، أَيَنَيَمَّمُ لَهَا أَمْ يَكْفِيهِ تَيَمُّمُهُ ذُلِكَ؟ فَقَالَ: بَلْ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ
صَلاَةٍ. لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْتَغِيَ الْمَاءَ لِكُلِّ صَلاةٍ. فَمَنِ ابْتَغَى الْمَاءَ فَلَمْ
يَجِدْهُ، فَإِنَّهُ يَنْيَمَّمُ .
(قال يحيى: سئل مالك عن رجل تيمم لصلاة حضرت) فصلى تلك
الصلاة (ثم حضرت صلاة أخرى) أي جاء وقت الأخرى، أو أراد الصلاة
الأخرى.
وتوضيح الكلام أن ههنا مسألتين: الأولى؛ أداء الفرضين في الوقتين
بتيمم واحد، فمنعه مالك - رحمه الله - والشافعي - رحمه الله -، وأباحه
الحنفية، ولأحمد فيه روايتان، والثانية؛ أداؤهما في وقت واحد، فمنعه أيضاً
الشافعي ومالك ـ رحمهما الله - وأباحه الحنفية وأحمد كما سيجيء مفصلاً،
وعلى كلتيهما يصح حمل كلام ((الموطأ))، لكن لفظ ((حضرت صلاة أخرى))
أوفق بالأول.
(أيتيمم) بهمزة الاستفهام (لها) أي للصلاة الأخرى (أم يكفيه) أي الرجل
(تيممه ذلك) الذي تيمَّمَ للصلاة الأولى (فقال) الإمام (بل يتيمم) لها وكذلك
يتيمم (لكل صلاة) فريضة على حدة (لأن عليه أن يبتغي) أي يطلب (الماء لكل
صلاة) عند وقتها (فمن ابتغى) أي طلب الماء (فلم يجده فإنه) حينئذٍ يباح له
التيمم (يتيمم) إذاً لهذه الصلاة التي حضرت، وبهذا قال الإمام الشافعي -
رحمه الله - وهو المشهور عن الإمام أحمد، وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه:
إنه يصح التيمم قبل وقت الصلاة؛ لأنها طهارة تبيح الصلاة، فأبيح تقديمها
على وقت الصلاة كسائر الطهارات.
قال صاحب ((المغني))(١): المذهب أن التيمم يبطل بخروج الوقت
(١) (٢٤١/١).
٥٦١

٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
ودخوله، فيبطل بكل واحد منهما، وبه قال مالك والشافعي والليث وإِسحاق،
وروي عن أحمد أنه قال: القياس أن التيمم بمنزلة الطهارة، حتى يجد الماء أو
يحدث، وهو مذهب سعيد بن المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب
الرأي، وروي عن ابن عباس وأبي جعفر، ثم قال: وله أن يصلي به ما شاء
من الصلاة فيصلي الحاضرة ويجمع بين الصلاتين، ويقضي فوائت، ويتطوع
قبل الصلاة وبعدها. وقال مالك والشافعي - رحمهما الله -: لا يصلي به
فرضين، اهـ.
قلت: لكن قال ابن العربي المالكي: قال أبو حنيفة: يجوز أن يصلي به
فريضة أخرى، وفي المذهب تفصيل، اهـ.
وقال الشوكاني في ((النيل)): في حديث عمرو بن شعيب: ((جعلت لي
الأرض مسجداً وطهوراً أينما أدركتني الصلاة)). وقد استدل بالحديث على
اشتراط دخول الوقت للتيمم لتقييد الأمر بالتيمم بإدراك الصلاة، وإدراكها لا
يكون إلا بعد دخول الوقت قطعاً، وقد ذهب إلى ذلك الاشتراط الشافعي
ومالك وأحمد وداود - رحمهم الله - مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا﴾ الآية، ولا قيام قبله، والوضوء خصه الإجماع والسنة. وقال
أبو حنيفة وأصحابه: إنه يجزىء قبل الوقت كالوضوء، وهذا هو الظاهر، ولم
يرد ما يدل على عدم الإجزاء. والمراد بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ أردتم القيام،
وإرادة القيام تكون في الوقت وتكون قبله، فلم يدل دليل على اشتراط الوقت
حتى يقال: خصص الوضوء الإجماع، اهـ.
قال العيني: وبقول أصحابنا قال إبراهيم، وعطاء، وابن المسيب،
والزهري، والليث، والحسن بن حُي، وداود بن علي، وهو منقول عن
ابن عباس، اهـ.
وفي ((السعاية)): وبقولنا قال أهل الظاهر، وابن شعبان من المالكية،
٥٦٢

٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
والمزني من الشافعية، وهو رواية عن أحمد، انتهى. وفي البخاري: قال
الحسن البصري: يجزئه التيمم ما لم يحدث(١).
واستدل الحنفية على ذلك بقوله وعليه: ((التراب طهور المسلم ولو إلى
عشر سنين)). وقد روي هذا من حديث أبي ذر وأبي هريرة - رضي الله عنهما -،
أما حديث أبي ذر فرواه أبو داود والترمذي والنسائي بعدة طرق، قال الترمذي:
حسن صحيح، ورواه ابن حبان في (صحيحه)) والحاكم في ((المستدرك)) وقال:
صحيح، وما أورد عليه ابن القطان وغيره أجاب عنه الزيلعي(٢)، نتركهما روماً
للاختصار. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البزار في ((مسنده)) والطبراني في
((معجمه)) كذا ذكره الزيلعي.
ولا يذهب عليك أن حقيقة الترجيح عند الحنفية يكون بما يشبه القرآن،
وله نظائر لا تحصى، وهناك أيضاً لما كان الأوفق بعموم قوله عز وجل:
﴿وَلَكِنْ يُرِيْدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ عموم الطهارة قبل الوقت وبعده، مالت الحنفية إلى
ذلك، وكلما تعمق النظر في قولهم تجدها أوفق بالقرآن، فللَّه درهم.
وفي ((السعاية)): منها حديث ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) صريح
في أن التيمم طهور أي مطهر كالوضوء، فيثبت جوازه قبل الوقت، وأداء أكثر
من فرض واحد، قال: وخلاصة المرام أن عدم جواز التيمم قبل الوقت إن
كان مبنياً على أنه ليس برافع للحدث فباطل بالكتاب والسنة، وإِن كان ذلك
ثابتاً بدليل آخر فليبين حتى ينظر فيه.
(١) وفي ((الاستذكار)) قال أبو حنيفة وأصحابُه، والثوري، والليث بن سعد والحسن بن حي،
وداود: يُصَلّي ما شاء بتيمُّم واحدٍ، ما لم يُحدث، لأنه طاهرٌ ما لم يجد الماء، وليس
عليه طلب الماء إذا يئس منه)) (١٦٤/٣).
(٢) انظر ((نصب الراية)) (١٤٨/١ - ١٤٩).
٥٦٣

٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَيَمَّمَ، أَيَؤُّمُّ أَصْحَابَهُ وَهُمْ عَلَى وُضُوءٍ؟
قَالَ: يَؤُمُّهُمْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَلَوْ أَمَّهُمْ هُوَ لَمْ أَرَ بِذْلِكَ بَأْساً.
قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلِ تَيَمَّمَ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَاءً، فَقَامَ
وَكَبَّرَ، وَدَخَلَ فِي الصَّلاَةِ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ؟ قَالَ: لا يَقْطَعُ
صَلاَتَهُ، بَلْ يُتِمُّهَا بِالتَّيَمُّم، وَلْيَتَوَضَّأْ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ.
(قال يحيى: وسئل مالك عن رجل تيمم أيؤم أصحابه وهم) أي والحال
أنهم (على وضوء؟ قال) الإمام: (يؤمهم) أي المتوضئين (غيره) ويعني يؤمهم
أحد من المتوضئين (أحبُّ إليّ) بتشديد الياء (ولو أَمَّهم هو) أي ذلك المتيمم
(لم أر به) وفي نسخة ((بذلك)) أي بإمامته أيضاً (بأساً) أي حرجاً، يعني أن
الأفضل أن يؤم المتوضئين متوضئٌ، لكن لو أَمَّهم متيمٌّ يجوز الصلاة أيضاً،
لكنه خلاف الأفضل، قاله الباجي(١).
قلت: ويصح اقتداء المتوضئ بالمتيمم عندنا الحنفية على قول الشيخين
خلافاً لمحمد كما في ((الشامي)). وفي ((البخاري)): أمّ ابن عباس وهو متيمم،
قال العيني: وهذا مذهب أصحابنا، وبه قال الثوري، والشافعي، وأحمد،
وإسحاق، وأبو ثور، وعن محمد بن الحسن لا يجوز، وبه قال الحسن بن
حي، وكره مالك وعبد الله بن حسن ذلك، فإن فعل أجزأه، ومعنى قول
العيني: «كره)) أي عَدَّه خلاف الأفضل، كما صرح به الباجي وهو صاحب
المذهب، وصاحب البيت أدرى بما فيه.
(قال يحيى: قال مالك في رجل تيمَّمَ حين لم يجد ماء) للوضوء (فقام)
ليصلي (فكبر) للتحريمة (ودخل في الصلاة، فطلع عليه إنسان معه ماء قال)
الإمام مالك: (لا يقطع صلاته بل يتمها) أي صلاته تلك (بالتيمم) الذي بدأ
الصلاة به (وليتوضأ) بعد ذلك (لما يستقبل) أي لما سيأتي (من الصلاة)، وفي
نسخة ((من الصلوات)).
(١) ((المنتقى)) (١١١/١).
٥٦٤

٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
قَالَ يَحْيَىُ: قَالَ مَالِكٌ:
اعلم أن واجد الماء بعد التيمم قبل الشروع في الصلاة يتوضأ عند
الجميع إلا ما قال أبو سلمة: ليس عليه استعمال الماء، وكذا واجد الماء بعد
أداء الصلاة بالتيمم لا إعادة عليه عند الأئمة الأربعة، والجمهور، إلا ما قال
طاووس وغيره: إنه يعيد في الوقت، كما في ((الباجي)) و((النيل)).
أما واجد الماء في وسط الصلاة فاختلفت الأئمة في ذلك؛ فقال
الحنفية: يبطل صلاته، وبه قال الثوري وأحمد. وقال مالك والشافعي: يمضي
فيها، وروي ذلك عن أحمد إلا أنه رجع عنه، قال أحمد: كنت أقول:
يمضي، ثم تدبرتُ فإذا أكثر الأحاديث على أنه يخرج. وهذا يدل على رجوعه
عن هذه الرواية، قاله المغني (١).
ثم ذكر الدلائل على فساد الصلاة، منها: قوله عليه السلام: ((الصعيد
الطيب وضوء المسلم وإِن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأَمِسَّه
جلدك))، أخرجه أبو داود والنسائي، يدل بمفهومه على أنه لا يكون طهوراً عند
وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب إِمساسه جلده عند وجود الماء، ولأنه قدر
على استعمال الماء، فبطل تيممه كالخارج من الصلاة، ولأن التيمم طهارة
ضرورة فبطلت بزوال الضرورة كطهارة المستحاضة، كذا في ((المغني)).
قلت: ويصح الاستدلال على ذلك برواية حذيفة عند مسلم مرفوعاً :
فُضِّلْنَا بثلاث ... الحديث(٢)، وفي آخره: ((وجعلت تربتها طهوراً إِذا لم نجد
الماء)». فَعُلِمَ أن طهوريته معلق بعد الوجدان، فإذا وجد الماء ولو في الصلاة
لم يبق طهوراً.
(قال يحيى قال) الإمام (مالك) هذا بمنزلة الدليل لقوله الأول بعدم فساد
(١) (٣٤٧/١).
(٢) انظر: أخرجه مسلم (٣٧١/١) من كتاب المساجد.
٥٦٥

٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
مَنْ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَلَمْ يَجِدْ مَاءَ، فَعَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ
التَّيَمُّم، فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَلَيْسَ الَّذِي وَجَدَ الْمَاءَ، بِأَظْهَرَ مِنْهُ، وَلا أَتَّمَّ
صَلاَةً. لأَنَّهُمَا أُمِرَا جَمِيعاً. فَكُلٌّ عَمِلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وإِنَّمَا الْعَمَلُ
بمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْوُضُوءِ، لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ. وَالتَّيَّمُّم لِمَنْ لَمْ يَجِدِ
الْمَاءَ. قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلاَةِ.
الصلاة (من قام إلى الصلاة) أي أرادها فطلب الماء (فلم يجد ماءً فعمل بما
أمره الله به من التيمم) إذ قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُوا﴾ (فقد أطاع الله
عز وجل) إذا فعل ما أمر به وتيمم، فصار بمنزلة المتوضىء (وليس الذي وجد
الماء) وتوضأ (بأطهر منه) أي المتيمم (ولا أتم صلاة) منه، بل هما سيّان في
الطهارة (لأنهما أمرا) ببناء المجهول (جميعاً) بأمرين الوضوء والتيمم (فكلّ عمل
بما أمره الله عز وجل به) (١) أي بذلك العمل (وإنما) كان (العمل) واجباً (بما
أمره الله تعالى به) لكليهما (من الوضوء) بيان لقوله العمل (لمن وجد الماء
والتيمم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة) فإذا دخل في الصلاة، وقد
امتثل أمر الله عز وجل فلا وجه لنقض الصلاة.
قلت: ولكن يُشكل على هذا ما تقدم من إيجاب الوضوء لوقت كل
صلاة، فإن التيمم إذاً صار بمنزلة الوضوء سواء بسواء، وامتثل المتيمم بما
أمر به فلا وجه لنقضه بخروج الوقت، وكذا يشكل عليه أيضاً ما تقدم من
قول الإمام مالك إِن كون إمام المتوضئين متوضأ أحبُّ إليّ مع أن الذين
قالوا: تنقض الصلاة برؤية الماء قالوا أيضاً: إن العمل بما أمره الله عز وجل،
وأمره تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾، فإذا وجده ولو في الصلاة لم يبق تحت
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ﴾، فليت شعري إن هذا الكلام والدليل يؤيد
(١) قال ابن عبد البر: هذا يقضي بأنه لا بأس أن يؤم المتيمم المتوضىء، وهو قول أبي
حنيفة وأبي يوسف والشافعي وزفرٍ والثوري، وقال الأوزاعي ومحمد بن الحسن
والحسن بن حُيّ: لا يؤم متيمم متوضاً. ((الاستذكار)) (١٧٧/٣).
٥٦٦

٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
وَقَالَ مَالِكٌّ فِي الرَّجُلِ الْجُنُبِ: إِنَّهُ يَنَيَمَّمُ، وَيَقْرَأُ حِزْبَهُ مِنَ
الْقُرْآنِ، وَيَتَنَفَّلُ، مَا لَمْ يَجِدْ مَاءً. وَإِنَّما ذَلِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَجُوزُ
لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ بِالتََّمَّم .
مذهبهم أو مذهب غيرهم، فإن التيمم إذا صار كالوضوء سواء، فما الوجه
لنقضه بخروج الوقت؟ وما المانع من أن يصلي الصلوات المتكثرة بتيمم
واحد؟.
(قال يحيى: قال مالك في الرجل الجنب: إنه) إذا أراد قراءة القرآن ولا
يجد الماء أو لا يقدر على استعماله (يتيمم ويقرأ حزبه) وهو ما يجعله الإنسان
على نفسه من قراءته سورة أو صلاة كالوِرْد، والحزب النوبة في ورود الماء،
كذا في ((المجمع)) (من القرآن ويتنفل) قال الزرقاني(١): تبعاً للفرض بعده،
انتهى. ويصلي عند الحنفية مطلقاً بدون قيد التبعية (ما لم يجد ماء)، وأما إذا
وجد فلا يجوز له التيمم، (وإنما ذلك) أي جاز القراءة والتنفل بالتيمم (في
المكان) والموضع (الذي يجوز له أن) يتيمم و (يصلي فيه) أي في ذلك الموضع
(بالتيمم) والمراد بذلك الموضع فقدان الماء حقيقة أو حكماً، بأن لا يقدر على
استعماله .
قال صاحب ((المغني))(٢): يجوز التيمم لكل ما يُتَطَهَّرُ له من نافلة، أو
مسّ مصحف، أو قراءة قرآن، أو سجود تلاوة، أو شكر، أو لبث في
المسجد. قال أحمد: يتيمّم ويقرأ جزءه، يعني الجنب، وبذلك قال مالك
والشافعي والثوري وأصحاب الرأي. وقال أبو مخرمة: لا يتيمم إلا المكتوبة؛
وكره الأوزاعي أن يمسّ المتيمم المصحف، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١١٢/١).
(٢) (٣٥١/١).
٥٦٧

٢ - كتاب الطهارة
(٢٤) باب
(١٢٠) حديث
(٢٤) باب العمل في التيمم
١٢٠/ ٩٠ - حدّثني يَحْيِىُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّهُ أَقْبَلَ
هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، مِنَ الْجُرُفِ. حَتَّى إِذَا كَانَا بِالْمِرْبَدِ، نَزَلُ
عَبْدُ الله فَنَيَمَّمَ
.
(٢٤) العمل في التيمم
أي بيان كيفيته، ولما كان التيمم عند المالكية ضربة للوجه والكفين على
المشهور في مذهبهم - كما سيجيء - وما ذكر الإمام فيها من الروايات ليس
فيها إلا الضربتين والمرفقين بخلاف مذهبه، فيُؤوَّل أن المراد بالعمل في التيمم
في هذه الترجمة بيان كيفية التيمم المسنون، وإليه يشير كلام الزرقاني.
والأوجه عندي أن يقال: إن للمالكية فيها روايتين كما سيجىء، وهذا
محمول على إحدى الروايتين عن الإمام مالك، وإليه يشير كلام الباجي في
((شرحه)) .
١٢٠ / ٩٠ - (مالك عن نافع أنه أقبل هو) أي نافع (وعبد الله بن عمر)
روي موقوفاً ومرفوعاً، قال الدارقطني: الصواب وقفه، كذا في ((تلخيص
الخبير)) (١) وغيره (من الجرف) بضمتين أو بسكون الثاني؛ موضع على ثلاثة
أميال من المدينة كما تقدم (حتى إذا كانا بالمربد) بكسر الميم وسكون الراء
بعدها موحدة مفتوحة آخره دال مهملة، وقيل: الرواية بالفتح واللغة بالكسر؛
مجلس الإبل أو خشبة تعرض، فتمنع الإبل عن الخروج، والمراد في الحديث
موضع على ميل، وقيل: على ميلين من المدينة.
(نزل عبد الله) بن عمر - رضي الله عنهما - (فتيمّم) وهذا يؤيد الحنفية في
قولهم: إن الماء إذا كان على ميل فيُعَدُّ معدوماً، ولم أتحقق بعد فيه أقاويل
(١) (١٤٥/١).
٥٦٨

٢ - كتاب الطهارة
(٢٤) باب
(١٢٠) حدیث
الأئمة إلا أن في ((الإقناع)) (١) في فقه الشافعية قدره بحد الغوث عند الخوف،
وبحد القرب عند الأمن، وقدره بنصف فرسخ.
نعم اختلفت الأئمة ههنا في مسألة أخرى وهي جواز التيمم في الحضر،
واضطربت أقوال ناقلي المذاهب في تلك المسألة، والظاهر أنه لاختلاف
روايات الأئمة في ذلك، نقل في الحاشية عن ((المحلى)): وفي الأثر أن ابن عمر
- رضي الله عنه - كان يرى جواز التيمم في الحضر، وبه قال الإمام أبو حنيفة
ومالك، وقال الشافعي: تجب الإعادة لمن تيمّم في الحضر، اهـ.
وفي ((المغني)) (٢): يتيمم في قصير السفر وطويله، وهو ما يبيح القصر
والفطر، والقصير ما دون ذلك، فيباح التيمم فيهما جميعاً، وبه قال الشافعي
ومالك. وقيل: لا يباح إلا في السفر الطويل، وإن عدم الماء في الحضر بأن
انقطع عنهم أو حبس في مصر، فعليه التيمم والصلاة، وهذا قول مالك
والثوري والأوزاعي والشافعي. وقال أبو حنيفة في رواية عنه: لا يصلي.
ثم لو تيمم في الحضر وصلَّى ثم قدر على الماء فهل يعيد؟ على
روايتين؛ إحداهما: يُعيد، وهو مذهب الشافعي، والثانية: لا وهو مذهب
مالك، اهـ. وقال الزرقاني: (٣) وإلى جوازه في الحضر ذهب مالك وأصحابه
وأبو حنيفة والشافعي، لأنه شُرع لإدراك الوقت فإذا لم يجد الحاضر الماء
تيمم، والآية خرجت على الأغلب من أن المسافر لا يجد الماء، كما أن
الأغلب أن الحاضر يجده فلا مفهوم له. وقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز
التيمم في الحضر بحال ولو خرج الوقت، اهـ.
(١) (١/ ٢٠٢).
(٢) (٣١٠/١).
(٣). ((شرح الزرقاني)) (١١٣/١).
٥٦٩

٢ - كتاب الطهارة
(٢٤) باب
(١٢٠) حديث
وقال الشعراني: ومن ذلك قول الشافعي(١): من تعذّر عليه الماء في
الحضر، وخاف فوت الوقت يتيمّم ويصلي، ثم إِذا وجد الماء أعاد، مع قول
مالك: يصلي بالتيمم ولا يعيد، ومع قول أبي حنيفة: إنه يصبر إِلى أن يقدر
على الماء، اهـ. قال البخاري: ((باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء خاف
فوت الصلاة))، وبه قال عطاء.
قال العيني(٢): إن فاقد الماء في الحضر الخائف فوت الوقت يتيمم، قاله
عطاء بن أبي رباح، وبه قال الشافعي، ومذهبنا جواز التيمم لعادم الماء، كذا
في (الأسرار)) وفي ((شرح الطحاوي)): التيمم في المصر لا يجوز إلا في ثلاث:
فوت الجنازة، وفوت العيد، وخوف الجنب البرد بسبب الاغتسال. وقال
التمرتاشي: من عدم الماء في المصر لا يتيمم لأنه نادر.
قلت: الأصل جوازه لعادم الماء سواء كان في المصر أو خارجه لعموم
النص، وعند مالك إذا وجد الحاضر الماء في الوقت فهل يعيد أم لا؟ فيه
قولان في ((المدونة))، وقيل: أن يعيد أبداً، انتهى.
وقال في ((البحر الرائق))(٣): ظاهره أنه في حق المسافر، لا المقيم وهو
جائز لهما، ولو في المصر؛ لأن شرط العدم، فأينما تحقق جاز له التيمم،
نص عليه في ((الأسرار))، لكن قال في ((شرح الطحاوي)): لا يجوز في المصر
إلا لخوف فوت الجنازة والعيد أو للجنب الخائف من البرد. وكذا ذكر
التمرتاشي بناءً على كونه نادراً، والحق الأول لما ذكرنا، والمنع بناءً على عادة
الأمصار، فليس خلافاً حقيقياً، وتصحيح الزيلعي لا يفيده، اهـ.
(١) كذا في ((الاستذكار)) (١٧٢/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٠٠/٣).
(٣) (٢٤٣/١).
٥٧٠

٢ - كتاب الطهارة
(٢٤) باب
(١٢٠) حديث
صَعِيداً طَيِّباً، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى.
(صعيداً طيباً) اختلف العلماء في تفسيره، وسيأتي الكلام عليه في آخر
الباب الثاني (فمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين) وهذا تفسير لقوله تيمّم (ثم
صلى).
اختلف العلماء في كيفية التيمم في موضعين، الأول: في الضربات، فقال
مالك في رواية وأحمد: يكفي ضربة واحدة للوجه والكفين. وقال الشافعي
وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وهو رواية عن الإمام مالك، كما في
(الباجي)) (١): لا بد للتيمم من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين. وقال ابن
المسيب وابن سيرين: ثلاث ضربات: ضربة للوجه وضربة للكفين، وضربة
للذراعين .
قال ابن قدامة(٢): المسنون عند أحمد التيمم بضربة واحدة، فإن تيمم
بضربتين جاز، وبه قال الأوزاعي ومالك وإسحاق. وقال الشافعي: لا يجزئ
إلا بضربتين، وبه قال الثوري وأصحاب الرأي، اهـ.
قلت: وفي ((مختصر الخليل)) و((مختصر عبد الرحمن)) في فقه المالكية:
جعل الضربة الأولى فريضة، والثانية سنة، فعُلِم أن الراجح في مذهب مالك
الموافقة مع أحمد - رحمه الله -.
والثاني: في مقدار اليدين، فقال مالك في إحدى الروايتين عنه والشافعي
في القديم وأحمد: إِن الفرض مسح الكفين فقط، وقال الحنفية والشافعي في
الجديد وهو إحدى الروايتين عن الإمام مالك: إن الفرض إلى المرفقين، وقال
ابن شهاب: إلى الآباط، وأقوال أُخر لا يلتفت إليها، قاله ابن العربي وغيره،
وحديث الباب ساكت عن بيان الضربات، ومؤيد لمن ذهب إلى المرفقين،
(١) ((المنتقى)) (١١٢/١).
(٢) («المغني)) (٣٢٠/١).
٥٧١

٢ - كتاب الطهارة
(٢٤) باب
(١٢٠) حديث
وحمله الآخرون على الاستحباب والسنية، لكن الآثار الآتية عن ابن عمر
- رضي الله عنه - صريحة في الضربتين، فيحمل هذا أيضاً عليها .
قال ابن الشحنة في ((نهاية النهاية)): وللجمهور قوله عليه الصلاة
والسلام: ((التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين)). روي
هذا من حديث ابن عمر عند الحاكم والدارقطني في ((سننه)) وروي أيضاً من
حديث جابر وعائشة - رضي الله عنهما - كذا في ((الفتح الرحماني)).
قلت: ومن حديث عمار وأسلع وأبي هريرة وأبي أمامة وأبي الجهيم
أيضاً، والكلام في الدلائل طويل لا يسع هذا المختصر، بسط نبذاً منها الشيخ
في ((البذل))(١)، وذكر تخريج هذه الروايات، لكن على أصل ما لا يدرك كله لا
يترك كله نذكر شيئاً منها، ونحيل البسط على المطولات.
فمنها: رواية عمار قال: كنت في القوم حين نزلت الرخصة في المسح
بالتراب إِذا لم نجد الماء، فأمرنا، فضربنا واحدة للوجه ثم ضربة أخرى لليدين
إلى المرفقين. رواه البزار، وقال الحافظ: بإسناد حسن.
ومنها: حديث جابر - رضي الله عنه - عن النبي ◌َّ قال: التيمم ضربة
للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين. رواه الدارقطني والحاكم، وقال: صحيح
الإسناد ولم يخرجاه. وقال العيني: أخرجه البيهقي أيضاً، والحاكم أيضاً من
حديث إسحاق الحربي، وقال: إسناده صحيح، وقال الذهبي: إِسناده
صحیح، اهـ.
ومنها: حديث جابر أيضاً قال: جاء رجل، فقال: أصابتني جنابة، وإِني
تمعّكت في التراب، فقال: اضرب هكذا، وضرب بيديه الأرض فمسح وجهه،
ثم ضرب بيديه فمسح بهما إلى المرفقين. رواه الحاكم والدارقطني والطحاوي،
قال الحاكم: وإسناده صحيح.
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (١٩/٣).
٥٧٢

٢ - كتاب الطهارة
(٢٤) باب
(١٢١) حديث
٩١/١٢١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَتَمَّمُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ تَيْفَ النَّيَمُّمُ وَأَيْنَ يَبْلُغُ بِهِ؟ فَقَالَ: يَضْرِبُ ضَرْبَةً
للوَجْهِ، وَضَرْبَةً لِلْبَدَيْنِ، وَيَمْسَحُهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ.
ومنها: ما روي عن نافع قال: سألت ابن عمر عن التيمم؟ فضرب بيديه
إلى الأرض ومسح بهما يديه ووجهه وضرب ضربة أخرى فمسح بهما ذراعيه.
رواه الطحاوي وإسناده صحيح.
ومنها: أثر الباب وإسناده صحيح، ومنها: أثر سالم عن ابن عمر، وفيه:
ثم ضرب ضربة أخرى ثم مسح بهما يديه إلى المرفقين. رواه الدارقطني،
وإسناده صحيح قاله النيموي(١).
قلت: ولا يذهب عليك ما حققنا قبلُ أن من أقوى المرجحات عندنا
الحنفية كون المعنى أوفق بالقرآن، والأوفق به ههنا الضربتان ومسح اليدين إلى
المرفقين كما فصله الشيخ في ((البذل)). فتأمل وتشكر.
١٢١/ ٩١ (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان
يتيمم إلى المرفقين) وكان هذا مذهبه ومذهب ابنه سالم والحسن والثوري كما
في ((المغني)).
(قال يحيى: وسئل مالك كيف التيمم وأبن يبلغ به؟) في اليدين (فقال:
يضرب ضربة لوجهه) وفي نسخة ((للوجه)) (وضربة) أخرى (ليديه) وفي نسخة
(لليدين)) (ويمسحهما إلى المرفقين) وهذا على إحدى الروايتين عن الإمام كما
بسطه الباجي، وأما على الرواية الثانية فيحمل على الاستحباب، كما مشى عليه
الزرقاني. وقد عرفت أن ظاهر كلام الإمام في ((الموطأ)) إيجاب التيمم إلى
(١) ((آثار السنن مع التعليق الحسن)) (٤٠/١).
٥٧٣

٢ - كتاب الطهارة
(٢٥) باب
(١٢٢) حديث
(٢٥) باب تيمم الجنب
٩٢/١٢٢ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
حَرْمَلَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، عَنِ الرَّجُلِ الْجُنُبِ يَتَيَمَّمُ
ثُمَّ يُدْرِكُ الْمَاءَ؟
المرفقين، وهو ظاهر ((المدونة)) للإمام مالك(١)، وحمله على إحدى الروايتين
أوجه من حمله على الاستحباب كما لا يخفى.
(٢٥) تيمم الجنب
مجمع عليه عند العلماء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا السلف إلا
ما روي عن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - وحكي مثله عن النخعي من
عدم جوازه للجنب، وقيل: إن الأولين رجعا عن ذلك قاله الشوكاني.
قال ابن قدامة في ((المغني))(٢): وإباحة التيمم للجنب قول جمهور العلماء
منهم علي وابن عباس وعمرو بن العاص وأبو موسى وعمار، وبه قال الثوري
ومالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي، وكان ابن
مسعود لا يرى التيمم للجنب، ونحوه عن عمر - رضي الله عنه -، اهـ. وقال
ابن العربي(٣): حكي عن ابن مسعود أنه لم يره، وانعقد الإجماع بعد ذلك
على جوازه للنصوص.
٩٢/١٢٢ - (مالك عن عبد الرحمن بن حرملة أن رجلاً سأل سعيد بن
المسيب عن الرجل الجنب يتيمَّم ثم يدرك الماء؟) ماذا يفعل، وهل يعيد ما
(١) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (١٦٥/٣): لما اختلفت الآثار في كيفية التيمم، كان
الواجب في ذلك الرجوع إلى ظاهر القرآن، وهو يدل على ضربتين: ضربة للوجه،
وضربة لليدين إلى المرفقين، قياساً على الوضوء، واتباعاً لفعل عمر - رضي الله عنه -.
(٢) (٣٣٤/١).
(٣) ((عارضة الأحوذي)) (١/ ١٩٢).
٥٧٤

٢ - كتاب الطهارة
(٢٥) باب
(١٢٢) حديث
فَقَالَ سَعِيدٌ: إِذَا أَدْرَكَ الْمَاءَ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ.
قَالَ مَالِكٌ، فِيمَنْ احْتَلَمَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، وَلاَ يَقْدِرُ مِنَ الْمَاءِ،
إِلَّا عَلَى قَدْرِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ لا يَعْطِشُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَاءَ. قَالَ: يَغْسِلُ
بِذْلِكَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ مِنْ ذُلِكَ الأَذَى، ثُمَّ يَنَيَمَّمُ صَعِيداً طَيِّباً،
كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ.
صلى؟ (فقال سعيد: إذا أدرك الماء فعليه الغسل) واجب (لما يستقبل) من
الصلوات، ولا إعادة لما صلى قبلُ، لأنه قد أتى ما لزمه، وتقدم أن واجد
الماء بعد التيمم قبل الصلاة يتوضأ عند الجميع إلا عند أبي سلمة - رضي الله
عنه - وواجد الماء بعد أداء الصلاة لا إعادة عليه عند الجميع إلا ما قال
طاووس وغيره. وواجد الماء في وسط الصلاة مختلف فيه.
قال الشوكاني: وإذا صلى الجنب بالتيمم، ثم وجد الماء وجب الاغتسال
بإجماع العلماء إلا ما يحكى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: لا يلزمه
وهو مذهب متروك بإجماع من بعده ومن قبله.
(قال يحيى: قال مالك فيمن احتلم وهو في سفر) وأما حكم الحضر
فمختلف عند العلماء كما تقدم مبسوطاً (ولا يقدر على الماء إلا على قدر) أي
على مقدار يكفي (الوضوء) فقط دون الغسل (وهو) أي المحتلم على يقين من
أنه (لا يعطش حتى يأتي) ويصل إلى (الماء) إما لأنه وقت البرد مثلاً لا يعطش
في مثل هذا الوقت، أو لأن عنده شيئاً آخر يُغني عن العطش، وكذلك إذا
يكون ماء الشرب مثلاً غير ذلك الموجود عنده.
(قال) الإمام (يغسل بذلك الماء) الذي يكفي الوضوء فقط (فرجه) المتلطخ
بالمني (و) يغسل (ما أصابه) من أعضاء البدن شيء (من ذلك الأذى) أي من
الاحتلام، وهذا يستقيم على مذهب من قال بنجاسة المني؛ لأنه إن كان طاهراً وكان
غسله لمجرد النظافة لا يجوز صرف الماء إلى ذلك (ثم يتيمم صعيداً طيباً كما أمره الله
عز وجل) لأنه داخل في حكم عادم الماء، والموجود الذي لا يكفي في حكم العدم.
٥٧٥

٢ - كتاب الطهارة
(٢٥) باب
(١٢٢) حديث
وسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ جُنُبِ، أَرَادَ أَنْ يَتَمَّمَ فَلَمْ يَجِدْ تُرَاباً إِلاَّ
تُرَابَ سَبَخَةٍ، هَلْ يَتَيَمَّمُ بِالسِّبَاخِ؟ وهل تُكْرَهُ الصلاةُ في السِّبَاخ؟
قَالَ مَالِكٌ: لاَ بَأْسَ بِالصَّلاةِ فِي السَِّاخِ، والتََّمُّم مِنْهَا .
قلت: وبه قالت الحنفية، قال الباجي(١): وبه قال جمهور الفقهاء، وقال
عطاء والحسن: يتوضأ بذلك الماء ويصلي. وقال ابن قدامة في ((المغني))(٢):
وإذا وجد الجنب ما يكفي بعض أعضائه لزمه استعماله، ويتيمَّم للباقي، نص
عليه أحمد فيمن وجد ما يكفيه لوضوئه وهو جنب، قال: يتوضأ به ويتيمم، وبه
قال عبدة ومعمر وهو أحد قولي الشافعي، وقال الحسن والزهري وحماد
ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر والشافعي في القول الثاني: يتيمم ويتركه؛
لأن هذا الماء لا يُطَهِّرُهُ فلا يلزمه استعماله كالمستعمل، انتهى.
وقال ابن العربي: إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لا يلزمه استعماله، وبه
قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يستعمله فيما قدر ويتيمم لما نقص.
(قال يحيى: سئل مالك عن رجل جنب أراد أن يتيمم فلم يجد تراباً إلا
تراب سبخة) - بسين مهملة فموحدة فخاء معجمة مفتوحات - أرض مالحة لا
تكاد تنبت، وإذا وصفت الأرض يقال: أرض سبخة بكسر الموحدة أي ذات
سباخ (هل يتيمم بالسباخ؟ و)أيضاً (هل تكره الصلاة في السباخ) أو لا؟ (فقال
مالك: لا بأس بالصلاة في السباخ) وكذلك لا بأس (في التيمم منها) قلت:
كذلك عندنا الحنفية، وفي ((الشرح الكبير)): أما السبخة فعن أحمد أنه يجوز
التيمم بها وهو مذهب الشافعي والأوزاعي وابن المنذر، اهـ.
قال الزرقاني: وبه قال جمهور الفقهاء إلا إسحاق بن راهويه قاله ابن عبد
البر، زاد الباجي: وروي عن مجاهد أنه قال: لا يتيمم بالسباخ. قلت: وهو
(١) ((المنتقى)) (١١٥/١).
(٢) (٣١٤/١).
٥٧٦

٢ - كتاب الطهارة
(٢٥) باب
(١٢٢) حديث
لأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبَاءَ﴾ فَكُلُّ مَا كَانَ
صَعِيداً فَهُوَ يُنَمَّمُ بِهِ. سِبَاخاً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
رواية عن أحمد كما في ((الشرح الكبير))، واحتج ابن خزيمة للجمهور بقوله وَليه :
((أريت دار هجرتكم سبخة ذات نخل))، يعني المدينة، وقد سماها طيبة، فعلم
أن السبخة داخلة في الطيب، ولذا استدل عليه الإمام فقال (لأن الله) تبارك
و(تعالى قال: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾) والصعيد: وجه الأرض كان عليه تراب
أم لا، قاله الخليل، وابن الأعرابي والزجّاج قائلاً: لا أعلم فيه خلافاً بين
أهل اللغة (فكل ما كان) أي كل شيء يكون (صعيداً فهو متيمم) وفي نسخة
يتيمم به (سباخاً كان أو غيره).
اختلف أهل التفسير في المراد بالآية، ويبني عليه اختلاف الفقهاء في
اشتراط التراب للتيمم، فمذهب الإمام مالك - كما صرح به الزرقاني، ويؤيده
كلامه في ((الموطأ)) - الجواز بوجه الأرض كان عليه تراب أو لا، قال الزرقاني:
وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، وعنه أيضاً كالشافعي أنه يجوز بالتراب خاصة، اهـ.
وقال ابن قدامة في ((المغني))(١): لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر ذي
غبار يعلق باليد، وبهذا قال الشافعي وإسحاق وأبو يوسف وداود. قال مالك
وأبو حنيفة: يجوز بكل ما كان من جنس الأرض كالنورة والزرنيخ والحجارة.
وقال الأوزاعي: الرمل من الصعيد. وعن أحمد رواية أخرى في السبخة
والرمل أنه يجوز التيمم به إلى آخر ما بسطه.
قال الزرقاني(٢): يتيمم من وجه الأرض كلها؛ لأنه مدلول الصعيد لغةً،
وقال ◌َّ: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً))، رواه الشيخان في حديث
جابر - رضي الله عنه -، فكل موضع جازت الصلاة فيه من الأرض جاز التيمم
(١) (٣٢٤/١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١١٤/١).
٥٧٧

٢ - كتاب الطهارة
(٢٦) باب
(٢٦) باب ما يحِلُّ للرجل من امرأته وهي حائض
به. وقال ◌َّه: يحشر الناس على صعيد واحد أي أرض واحدة. وقال ابن عباس:
أطيب الصعيد أرض الحرث. فدل على أن الصعيد يكون غير أرض الحرث، انتهى.
وفي ((السعاية)): وأقوى المذاهب في هذا الباب هو جواز التيمم بكل ما
كان من جنس الأرض مستنداً بالأحاديث الواردة فيه بلفظ الصعيد والأرض
وبظاهر الآية، فإن الصعيد أطبق أهل اللغة على أنه وجه الأرض كان عليه غبار
أو لم يكن، وقد رُدَّ على الشافعي بحديث أبي جهيم - رضي الله عنه - فإن فيه
أن النبي ◌َّ تيمم على جدارٍ في المدينة، ومن المعلوم أن حيطان المدينة
كانت مبنيةً من أحجار سُؤْدٍ من غير تراب، فلو لم تثبت الطهارة على الأحجار
لم يفعله رسول الله ◌َ﴾، كذا ذكره الطحاوي وابن بطال وابن القصار
المالكيان، انتهى.
قلت: وما أورد عليه الكرماني، ردّه العيني، وجمعهما صاحب ((السعاية))(١)
في شرحه على ((شرح الوقاية))، فارجع إليه إن شئت، ولا يسعهما هذا الوجيز.
(٢٦) ما يحِلُّ للرجل من امرأته
يعني من المباشرة بها (وهي حائض)، قال ابن عرفة: المحيض والحيض
اجتماع الدم إلى ذلك المكان، وبه سُمِّي الحوض لاجتماع الماء فيه. وليس
كما زعم، إنما هو سيلان الدم، وإنما سمي الحوض حوضاً لسيلان الماء فيه.
كذا في ((عارضة الأحوذي))(٢). وقال العيني(٣): الحيض لغةً السيلان، يقال:
حاضت السمرة، وهي شجرة يسيل منها شيء كالدم، ويقال: الحيض لغةً الدم
الخارج، وعن اللحياني: حاض وجاض وحاص وحاد كلها بمعنى. والمرأة
(١) (١/ ٥٢٢).
(٢) (٢٠٣/١).
(٣) ((عمدة القاري)) (٩٤/٣).
٥٧٨

٢ - كتاب الطهارة
(٢٦) باب
حائض هي اللغة الفصيحة الفاشية بغير تاء، واختلف النحاة في ذلك، فقال
الخليل: لما لم يكن جارياً على الفعل كان بمنزلة المنسوب بمعنى حائضي أي
ذات حيض كدارع وتامر ولابن وكذا طالق وطامث، ومذهب سيبويه أن ذلك
صفة شيء مذكر أي شيء أو إنسان أو شخص، ومذهب الكوفيين أنه استغنى
عن علامة التأنيث لأنه مخصوص بالمؤنث، ونقض بجمل بازل وناقة بازل
وضامر فيهما .
وأما معناه في الشرع: فهو دم ينفضه رحم امرأة سليمة عن داءٍ وصغرٍ .
وقال الأزهري: الحيض دم يُرْخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة من
قعر الرحم. وقال الكرخي: الحيض دم تصير به المرأة بالغة بابتداء خروجه.
وقيل: هو دم ممتدٌ خارج عن موضع مخصوص، وهو القبل والاستحاضة
جريانه في غير أوانه، اهـ.
وفي ((عارضة الأحوذي)): للحائض ثمانية أسماء: حائض، عارك، فارك،
صامس، وآرس، كائر، ضاحك، طامث.
اعلم أن مباشرة الحائض على ثلاثة أنواع: أحدها: المباشرة في الفرج
بالوطء وهو حرام بالنص والإجماع. ومستحِلَّه يُكفّر، على الاختلاف فيما
بينهم في وجوب الكفارة على من أتاها، نتركه روماً للاختصار، ولم يذكر
المصنف أيضاً حديث الكفارة لأنه لم يقل بها. وكذا لا يجب عندنا الحنفية،
وهو الأصح من قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد كذا في
((البذل)»(١) .
والثاني: المباشرة بما فوق السُّرَّةِ ودون الركبة باليد أو الذكر وغيره، وهو
مباحٌ بالإجماع. قال العيني: إلا ما حكي عن عبيدة السلماني وغيره من أنه لا
(١) ((بذل المجهود)) (٢٧٩/٢).
٥٧٩

٢ - كتاب الطهارة
(٢٦) باب
(١٢٣) حديث
١٢٣/ ٩٣ - حدّثني يَحْيِىُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ
رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ،
يباشر شيئاً منها، فهو شَاذٌ منكرٌ مردودٌ بالأحاديث الصحيحة المذكورة في
((الصحيحين)) وغيرهما في مباشرة النبي مَّل فوق الإزار، انتهى.
والثالث: الاستمتاع بما بينهما خلا الفرج والدبر فمختلف فيما بين
الأئمة، قال أحمد ومحمد والثوري وإسحق: مباح، ورجحه(١) الطحاوي من
الحنفية، فقالوا: إن الممتنع منها الفرج، فقط، قال العيني: وهو قويٌ دليلاً،
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأكثر العلماء: لا يجوز، وهما روايتان عن
أبي يوسف كذا في ((البذل)) و ((المغني))(٢).
ثم اعلم أن مقصود الترجمة بيان النوع المباح والحرام من أنواع
المباشرة كما يدل عليه ملاحظة الروايات وإلا فيحلّ له منها غير المباشرة
كل شيء؛ لأنها لا تمنع من غير المباشرة إلا عشرة أشياء، وهي: رفع
الحدث، ووجوب الصلاة، وصحتها، وصحة الصوم دون وجوبه، ومسُّ
المصحف، وقراءته، وكتابته إلا ما فيه دعاء على وجه التعوذ لا النظر فيه،
والجماع ودخول المسجد والطواف؛ فلفظ الترجمة وهو ما يحلُّ وإن كان
عاماً لكن المقصود منه خاص، وهو بيان المباشرة خاصة لا بيان كل ما
یحل له.
---
٩٣/١٢٣ - (مالك عن زيد بن أسلم أن رجلاً سأل رسول الله وَ لو) كذا
(١) قلت: ما ذكر من ترجيح الطحاوي حكاه الحافظ في ((الفتح)) تبعه غيره من ابن رسلان
وصاحب ((التعليق الممجد)) (٣١٨/١) وغيرهما، لكن الطحاوي في ((معاني الآثار))
رجحه أولاً ثم رجع عنه، ورجح قول الإمام، وقال أيضاً في ((مختصره)): قال أبو جعفر:
ويستمتع من الحائض بما عدا مئزرها، ويجتنب ما تحته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف
وبه نأخذ، ا هـ المؤلف.
(٢) (٤١٥/١) وانظر: ((فتح الملهم)) (٥٧/١) ففيه بحث نفيس حول هذه المسألة.
٥٨٠