النص المفهرس
صفحات 541-560
٢ - كتاب الطهارة
.....
(٢١) باب
(١١٤) حديث
وكل من رواه عن مالك لم يذكر فيه عائشة إلا ابن نافع وابن أبي الوزير،
فروياه عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن أم سليم ... وذكر عدة
متابعات لها، وبسطها في ((التنوير)).
وأخرجه أبو داود(١) برواية يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة، ثم
قال: وكذا روى الزبيدي ويونس وابن أخي الزهري وابن أبي الوزير عن مالك
عن الزهري، فالظاهر أن الراجح في رواية ((الموطأ)) الإرسال وفي غيره
الاتصال .
واختلفوا في الاتصال على مخرج الحديث(٢)، فقيل: عائشة - رضي الله
عنها -، وقيل: أم سلمة، وقيل: كلاهما. كما سيأتي في الحديث الآتي، وقال
فيه ابن أبي أويس: عن عروة عن أم سليم، كما ذكره السيوطي والزرقاني
وغيرهما، وسكتوا عن الكلام عليه إلا أن الترمذي عَدَّ ممن في الباب أم سليم
أيضاً، هذا، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
ثم أم سليم هذه - بضم السين وفتح اللام - هي بنت ملحان - بكسر الميم
وسكون اللام والحاء المهملة والنون - ابن خالد الأنصارية، واختلف في اسمها
على أقوال؛ كانت تحت مالك بن النضر - بالضاد المعجمة - في الجاهلية،
فولدت له أنساً، فلما أسلمت عرض الإسلام على زوجها فغضب وخرج إلى
الشام، وهلك هناك مشركاً، وخلف عليها بعده أبو طلحة الأنصاري، خطبها
فقالت: بشرط أن تسلم فأسلم وتزوجها، وقالت: لا آخذ منك صداقاً
الإسلامك، فولدت له عبد الله بن أبي طلحة. لها أربعة عشر حديثاً عن
رسول الله ◌َّ ماتت في خلافة عثمان - رضي الله عنه -.
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٧) وأخرجه الترمذي (الحديث: ١١٣) وأخرجه النسائي (١٩٧)
وابن ماجه (٦٠١).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٣٣٣/٨ - ٣٣٥).
٥٤١
٢ - كتاب الطهارة
(٢١) باب
(١١٤) حديث
قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ له: الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مِثْلَ ما يَرَى الرَّجُلُ،
أَتَغْتَسِلُ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَه: (نَعَمْ. فَلْتَغْتَسِلْ)) فَقَالَتْ لَهَا
عَائِشَةُ: أُفِّ لَكِ!
(قالت لرسول الله(18) زاد في رواية أبي داود ((إن الله لا يستحي من
الحق)) ولمسلم من رواية أنس: فقالت له وعنده عائشة: يا رسول الله (المرأة
ترى في المنام مثل ما يرى الرجل) أي الاحتلام والإنزال، ولأحمد من رواية أم
سليم ((إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام)) وروي عن ابن سيرين: لا
يحتلم ورع إلا على أهله، (أتغتسل؟) بهمزة الاستفهام.
(فقال لها رسول الله ( 18) زاد في رواية ابن أبي شيبة: ((هل تجد شهوة))؟
قالت: لعله، قال: هل تجد بللاً؟ قالت: لعله قال: (نعم، فلتغتسل) إذا رأت
الماء. ولمسلم من حديث أنس؛ فقالت عائشة: يا أم سليم؛ فضحت النساء.
ولابن ماجه من رواية أم سلمة؛ فقلت: فضحت النساء ... الحديث، وفي
رواية ابن أبي شيبة: فلقيتها النسوة، فقلن: فضحتينا عند رسول الله وَله؛
قالت: ما كنت لأنتهي حتى أعلم في حِلِّ أنا أم في حرام. ولا مانع من الجمع
فيمكن أنهن رددن كلهن متفرقة أو مجتمعة. وفي الحديث دليل على وجوب
الغسل عليهن بالإنزال في المنام، ونفى ابن بطال الخلاف فيه.
(فقالت لها) أي لأم سليم (عائشة) رضي الله عنها (أف لك) بضم الهمزة
وكسر الفاء، وضمها وفتحها بالتنوين وتركه، هذه ست لغات. قال السيوطي:
بل فيها نحو أربعين لغة. ونظمها في ((التنوير))(١) وهي كلمة تستعمل في
الاستحقار والتضجر والكراهة، وههنا بمعنى الإنكار. قال في ((القاموس)):
كلمة تكره، ولغاتها أربعون، وفي ((لسان العرب)): يقولون لما يكرهون
ويستثقلون: أف لك، اهـ.
(١) ((تنوير الحوالك)) (ص ٧٠٠).
٥٤٢
٢ - كتاب الطهارة
(٢١) باب
(١١٤) حديث
وَهَلْ تَرَى ذَلَكِ الْمَرْأَةُ؟
ثم في هذا الحديث أن الإنكار كان عن عائشة - رضي الله عنها - ويؤيده
رواية مسلم عن أنس، وفيها: وعنده عائشة - رضي الله عنها - الحديث. وعند
مسلم وغيره بطرق مختلفة أن الإنكار كان عن أم سلمة - رضي الله عنها - وأهل
الحديث يقولون: إن الصحيح هناك أم سلمة، لا عائشة - رضي الله عنها -، لكن
جمع عياض باحتمال أنهما أنكرتا معاً، وتبعه النووي والحافظ وغيرهما .
قال الحافظ في ((الفتح))(١): قال النووي في ((شرح مسلم)): يحتمل أن
تكون عائشة - رضي الله عنها - وأم سلمة - رضي الله عنها - جميعاً أنكرتا على
أم سليم. وهو جمع حسن، لأنه لا يمتنع حضور أم سلمة وعائشة - رضي الله
عنهما - عند النبي ◌َّلجر. وقال النووي في ((شرح المهذب)): يجمع بين الروايات
بأن أنساً وعائشة وأم سلمة حضروا القصة، اهـ.
والذي يظهر أن أنساً لم يحضر القصة، وإنما تلقى ذلك من أمه أم
سليم، وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أنس - رضي الله عنه - ما يشير إلى
ذلك، وروى أحمد من حديث ابن عمر نحوها، وإنما تلقى ذلك ابن عمر من
أم سليم أو غيرها، انتهى.
(وهل ترى ذلك) بكسر الكاف (المرأة) ولعلها أنكرتها لأنها لم تعلم
لندرتها في النساء مع حداثة سن عائشة - رضي الله عنها -. وقيل: لا يحتلم كل
النساء، قال السيوطي(٢): وأي مانع من أن أمهات المؤمنين تكون محفوظة عن
الاحتلام، لأنه من الشيطان فلم يسلطه عليهن تكريماً له وَّر. وأورد عليه بأن
الخصوصيات لا تثبت بالاحتمال، ولا يسلّم اختصاص الاحتلام بالشيطان فقد
يكون للشبع وغيره. قال في ((السعاية))(٣): المحقق في هذا المقام أنه لا يُدَّعَى
(١) ((فتح الباري)) (٢٢٨/١).
(٢) (تنوير الحوالك)) (٧١/١).
(٣) (٣٠٩/١).
٥٤٣
----
.. - ---
٢ - كتاب الطهارة
(٢١) باب
(١١٤) حديث
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَله: «تَرِبَتْ يَمِينُكِ.
نفي مطلق الاحتلام عن أزواج النَّبِيِ نََّ، ولا يُدَّعى منع وقوعه عنهن، بل
يقال: يمتنع أنهن يحتلمن برؤية رجل يَطَؤُّهُنَّ، إذ قد جعلن أمهات المؤمنين،
ومحرمة على المسلمين؛ فلا يدع الله تعالى عدوه أن يتمثّل بالرجال ويُريهن
وطئهم بهن، اهـ. (فقال لها رسول الله وَ﴾) وفي رواية أنس - رضي الله عنه -
عند مسلم: فقالت عائشة: يا أم سليم، فضحت النساء تربت يمينك، فقال وقلت:
(بل أنت)) (تربت يمينك).
وهذا اللفظ مبسوط الكلام عند المشايخ في معناه الحقيقي والمرادي،
وبسط فيها السيوطي والزرقاني والباجي وغيرهم، والأكثر على أن معناه:
افتقرت، وهي كلمة جارية على ألسنة العرب، لا يقصدون بها معناه الحقيقي،
ولا الدعاء على المخاطب.
قال ابن العربي في ((شرح الترمذي)) (١): تربت يمينك أو يدك،
للعلماء فيه عشرة أقوال: الأول: معناه استغنيت، قاله عيسى بن دينار.
الثاني: ضعف عقلك، قاله ابن نافع. الثالث: تربت من العلم، قاله ابن
كيسان. الرابع: تربت يمينك إن لم تفعل هذا، قاله ابن عرفة. الخامس:
حث على العلم، كقوله: ثكلتك أمك، ولا يريد أن تشكل. السادس:
المعنى أنه كان اتعظت فعظى، قاله ابن الأنباري. السابع: أصابها التراب،
قاله أبو عمر بن العلاء. الثامن: خابت وهو محتمل. التاسع: ثربت
بالمثلثة في أوله، قاله الداودي. العاشر: أنه دعاء خفيف، قاله بعض أهل
العلم، انتهى. ثم ذكر ابن العربي ترجيح بعضهم على بعض وبسط الكلام
فيه .
(١) ((عارضة الأحوذي)) (١٨٨/١).
٥٤٤
٢ - كتاب الطهارة
(٢١) باب
(١١٥) حديث
وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟».
أخرجه مسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ٧ - باب وجوب الغسل على المرأة
بخروج المنيّ منها، حديث ٣٠.
٨٥/١١٥ - حدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْت أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَمِّ سَلَمَةً، زَوْجِ النَّبِيِّ
(ومن أين يكون الشبه) فيه لغتان مشهورتان: إسكان(١) الشين وسكون
الباء، والثاني: فتحهما، أي شبه الولد لأحد أبويه وأقاربه. وعند مسلم في
رواية عائشة - رضي الله عنها -: وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا
ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه.
ولما تحقق أن لها منياً فخروجه والاحتلام ليس بمستبعد. قال الحافظ ولي
الدين: فيه استعمال القياس، لأن معناه من كان منه إِنزال عند الجماع أمكن
منه الإنزال عند الاحتلام، فأثبت الأول بدليل الشبه، وقاس عليه الثاني، انتهى
مختصراً. والحديث الثاني نص على أن لها ماء(٢)، وسيأتي هناك ذكر من
أنكره.
١١٥/ ٨٥ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن زينب
بنت أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد، المخزومية ولدت بأرض الحبشة، كان
اسمها برة، فسماها النبي 18ّ زينب، ربيبة النبي ◌َلّ تزوج أمها وهي ترضعها،
نفخ ﴿ في وجهها من الماء، فما نقص من وجهها شيء، ولم يزل ماء
الشباب عليه حتى كبرت، ماتت سنة ٧٣هـ (عن) أمها (أم سلمة) أم المؤمنين
(زوج النبي (٥) وقد تقدمت الرواية عن عائشة - رضي الله عنها -. قال عياض
عن أهل الحديث: الصحيح أن القصة وقعت لأم سلمة لا لعائشة(٣)، ويدل
(١) كذا في الأصل، والصواب: بكسر الشين، كما في الزرقاني (١٠٤/١).
(٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٣٣١/١).
(٣) انظر: ((التعليق الممجد)) (٣٢٩/١) و((الاستذكار)) (١٢٢/٣)، ((والسعاية)) (٣٠٨/١).
٥٤٥
۔
٢ - كتاب الطهارة
(٢١) باب
(١١٥) حديث
أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْم، امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ، إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَلّهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ
الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟
على ترجيح هذه الرواية ظاهر صنيع البخاري قاله الزرقاني تبعاً للحافظ، وقوَّى
أبو داود رواية عائشة المتقدمة بكثرة المتابعات كما تقدم.
ونقل ابن عبد البر عن الذهلي أنه صحح الروايتين معاً، وقال: هما
حديثان عندنا، ويؤيده ما تقدم من الجمع في الإنكار على أم سليم، وتقدم أن
الحديث عند مسلم وغيره من مسند أنس - رضي الله عنه - أيضاً، فقيل: لعله
أيضاً كان موجوداً، لكن قال الحافظ: الظاهر أنه لم يكن موجوداً إنما أخذها
عن أمه أم سليم. وقع عند أحمد من مسند ابن عمر - رضي الله عنه - أيضاً،
قال الحافظ: وإنما تلقى ذلك ابن عمر من أم سليم أو غيرها (أنها قالت:
جاءت أم سليم) مصغراً (امرأة أبي طلحة) زيد بن سهل البدري (الأنصاري)
جاءت (إلى رسول الله وسلّ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي) بيائين في
لغة الحجاز، وياء واحدة في لغة تميم (من الحق) أي لا يأمر أن يستحيي من
الحق أو لا يمتنع من ذكره امتناع المستحيي.
قال ابن العربي: الحياء بالمد صفة تقوم بالقلب يكون عندها ترك الإقدام
على المعنى الذي يريد أن يفعله، وهو تغير من سمات الحدوث لا يجوز
على الله تعالى، فإن عبر به سبحانه وتقدس عن نفسه عاد المعنى إلى مجازه،
وهو الإخبار عن ثمرته، والمعنى: أن الله لا يترك ولا يمنع أو ما أشبه
ذلك، اهـ. وقدمت بذلك بين يدي كلامها اعتذاراً بأن السؤال عنه لا بد منه مع
أنه مما يستحيى بمثله. وروي عن عائشة - رضي الله عنها - نعم النساء نساء
الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
(هل على المرأة من) زائدة (غسل إذا هي احتلمت) أي رأت في المنام أن
زوجها يجامعها كما تقدم. قال السيوطي: هو افتعال من الحلم - بضم الحاء
٥٤٦
٢ - كتاب الطهارة
(٢١) باب
(١١٥) حديث
فَقَالَ: ((نَعَمْ. إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٣ - كتاب العلم، ٥٠ - باب الحياء في العلم.
ومسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ٧ - باب وجوب الغسل على المرأة بخروج
المني منها، حديث ٣٢.
وسكون اللام - وهو ما يراه النائم في نومه، وخصصه العرف ببعض ذلك، وهو
رؤية الجماع.
(قال) مَّ (نعم) يجب الغسل (إذا رأت الماء) أي المني (١). قيد به لأن
الحالم قد يرى الإنزال في المنام، ولا ينزل حقيقة فلا غسل عليه اتفاقاً .
وفي هذين الحديثين إثبات المني للمرأة أيضاً، وأجمع عليه فقهاء
الأمصار، ولم يخالف فيه إلا طائفة من الفلاسفة، فقال أرسطاطاليس: لا مني
لها غير أن دم الطمث لها فيه قوة التوليد، قال أبو علي بن سينا: إن لها رطوبة
شبيهة بالمني لا يصدق عليه المني، لكن المختار عند محققي الفلاسفة
والأطباء أيضاً وجود المني لها، كذا في ((السعاية))(٢).
قلت: لكن الحافظ في ((الفتح)) نقل عن النخعي وغيره إنكاره، فقال:
وفيه رَدٌّ على من منع منه في حق المرأة دون الرجل كما حكاه ابن المنذر وغيره
عن إبراهيم النخعي، واستبعد النووي في ((شرح المهذب)) صحته عنه، لكن
رواه ابن أبي شيبة عنه بإسناد جيد، اهـ.
قال ابن العربي: سبب وجوب الغسل على المرأة خمسة أشياء، التقاء
الختانين، وإنزال الماء، وانقطاع دم الحيض أو النفاس، وخروج الولد، اهـ.
قلت: وهذا الخامس مختلف عند الأئمة.
(١) قال ابن عبد البر في هذا الحديث والذي قبله إيجاب الغسل على النساء إذا احتملن
ورأين الماء، حكمهن في ذلك حكم الرجال في الاحتلام إذا كان معه الإنزال
(الاستذكار)) (١٢٢/٣).
(٢) (٣٠٦/١).
٥٤٧
٢ - كتاب الطهارة
(٢٢) باب
(١١٦ - ١١٧) حديث
(٢٢) باب جامع غسل الجنابة
٨٦/١١٦ - حدّثني يَحْيَىُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ يَقُولُ: لا بَأْسَ أَنْ يَغْنَسِلَ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ، مَا
لَمْ تَكُنْ حَائِضاً، أَوْ جُنُباً.
٨٧/١١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ، كَانَ يَعْرَقُ فِ الثَّوْبِ وَهُوَ جُنُّبٌ ثَمَّ يُصَلَّي فِيهِ .
(٢٢) جامع غسل الجنابة
أي جامع الأحاديث المتفرقة في ذلك
٨٦/١١٦ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان
يقول: لا بأس) أي يجوز (بأن يغتسل) الرجل (بفضل) وضوء (المرأة) أو بفضل
غسلها (ما لم تكن) المرأة (حائضاً أو جنباً) وقت استعمال الماء، فإن ابن عمر
- رضي الله عنه - كان لا يرى أن يغتسل الرجل بفضل المرأة الجنب أو
الحائض، وبه قال الشعبي والأوزاعي، وأما الأئمة الثلاثة ما خلا الإمام أحمد
فأباحوه مطلقاً كما تقدم في المياه.
قال الإمام محمد(١) بعد هذا الحديث: قال محمد: لا بأس بفضل وضوء
المرأة وغسلها وسؤرها وإن كانت جنباً أو حائضاً، بلغنا أن النبي ◌َّ كان
يغتسل هو وعائشة من إِناء واحد ليتنازعان الغسل جميعاً. فهو فضل غسل
المرأة الجنب، وهو قول أبي حنيفة، اهـ.
قال ابن قدامة في ((المغني)): سواء كان مسلماً أو كافراً عند عامة أهل
العلم، إلا أنه حكي عن النخعي أنه كره سؤر الحائض: اهـ.
١١٧/ ٨٧ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يعرق) بفتح الراء
يرشح جلده (في الثوب وهو جنب ثم يصلي فيه) أي في هذا الثوب، فإن عرق
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٣٤٥/١).
٥٤٨
٢ - كتاب الطهارة
(٢٢) باب
(١١٨)
٨٨/١١٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن
عُمَرَ، كَانَ يَغْسِلُ جَوَارِيهِ رِجْلَيْهِ، وَيُعِْطِينَهُ الْخُمْرَةَ،
الجنب طاهر بالاتفاق، لأن الجنابة حدث لا يتعلق منه في الثوب شيء، قال
ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، ثبت ذلك عن
ابن عمر وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم - وغيرهم من الفقهاء، كذا في
((المغني)) (١)، وقد ورد في (الصحيحين))(٢) عن أبي هريرة: أنه وَلّ لقيه في
بعض طريق المدينة وهو جنب، فانخنس منه فذهب فاغتسل ثم جاء، فقال ◌َله:
((أين كنت يا أبا هريرة))؟ قال: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك وأنا على غير
طهارة، فقال ◌َ له: (سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس)).
٨٨/١١٨ - (مالك عن نافع أن) عبد الله (بن عمر كان يغسل جواريه)
جمع جارية (رجليه) قال سحنون: في الوضوء(٣)، ولعله كان لشغل أو ضعف
أو لبيان جواز، إلا أنه يشكل عليه ما تقدم في الوضوء من القُبلة أن ابن عمر
كان يقول: جسّها بيده من الملامسة، ويحتمل أنه - رضي الله عنه - كان يفرق
بين ملامسة الرجل المرأة، وملامسة المرأة الرجل، كما هو مقتضى ألفاظ
الأثرين، لكن لم أره عند أحد، أو يقال: إنه كان يرى الملامسة الناقضة مقيداً
بالشهوة كما هو مذهب بعضهم وإلا فبين عموم الأثرين تعارض، لا يخفى.
(ويعطينه) أي يعطين الجواري ابن عمر - رضي الله عنه - (الخمرة) بضم
(١) (٢٨٠/١).
(٢) الحديث أخرجه البخاري في الطهارة حديث (٢٨٣ و٢٨٥) ومسلم حديث (٣٠٢) وأبو
داود حديث (٢٣١) ((باب في الجنب يصافح)) (٥٩/١) والترمذي في الطهارة (١٢١)
باب ((ما جاء في مصافحة الجنب)) (٢٠٧/١) والنسائي في الطهارة (١٤٥/١) وابن ماجه
حديث (٥٣٤) باب مصافحة الجنب (١٧٨/١).
(٣) قال ابن عبد البر: فلا خلاف بين العلماء في طهارة عرق الجُنُبِ، وعرق الحائض
((الاستذكار)) (١٣٦/٣).
٥٤٩
٢ - كتاب الطهارة
(٢٢) باب
(١١٨) حديث
وَهُنَّ حُيَّصٌ.
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ لَهُ نِسْوَةٌ وَجَوَارِي، هَلْ يَطَؤُهُنَّ جَمِيعاً
قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ فَقَالَ: لا بَأْسَ بِأَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ جَارِيَتَيْهِ قَبْلَ أَنْ
يَغْتَسِلَ. فَأَمَّا النِّسَاءُ الْحَرائِرُ، فَيُكْرَهُ أَنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ
فِي يَوْمِ الأَخْرَى.
الخاء المعجمة وسكون الميم مصلى صغير يُعْمل من سعف النخل، قيل:
سميت خمرة لسترها الوجه والكفين، وقيل: لأنها تغطي الوجه عند السجدة،
وقيل: لأن خيوطها مستورة وإذا كانت كبيرة تسمى حصيراً.
(وهن حيض) بضم وتشديد الياء جمع حائض، حال لكلا الفعلين،
والمعنى أن عرقها وكل عضو منها لا نجاسة فيه، وهو طاهر، فلا يؤثر الحيض
فيها بحيث يمنع الاستخدام، أو ينجّس شيئاً أصابه يدها أو بدنها؛ لأن نجاسة
الحائض حكمية لا تمنع إلا مثل الصلاة، وبوّب عليه الإمام محمد في
((موطئه)) (١) ((باب المرأة تغسل بعض أعضاء الرجل وهي حائض)) وأيد هذا الأثر
برواية عائشة - رضي الله عنها - المرفوعة: كنت أُرَجِّلُ رأس رسول الله وَّةٍ وأنا
حائض، وسيجيء. في ((جامع الحيضة))، ويؤيد الجزء الثاني روايتها - رضي الله
عنها - أيضاً. قال لها ◌َّ: ((ناوليني الخمرة من المسجد)).
(قال يحيى سئل) الإمام (مالك) رضي الله عنه (عن رجل له نسوة) زوجات
(وجوارٍ) جمع جارية أي إِماء (هل يطؤهن جميعاً قبل أن يغتسل؛ فقال: لا بأس)
أي يجوز بالاتفاق (بأن يصيب الرجل جاريته) أو جواريه (قبل أن يغتسل) إلا أنه
يستحب الوضوء، وأقله غسل الفرج للمعاودة مع أنه أنشط كما ورد (وأما النساء
الحرائر) فكذلك في باب الوطء قبل الغسل عند الجميع لطوافه ولار على نسائه
بغسل إلا أنه لما كان العدل بين الحرائر واجباً (فإنه يكره أن يصيب الرجال
المرأة الحرة في يوم الأخرى) وطوافه وَّ ر عليهن مؤول كما سيجيء، بخلاف
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٣٤٢/١).
٥٥٠
٢ - كتاب الطهارة
(٢٢) باب
(١١٨) حديث
فَأَمَّا أَنَّ يُصِيبَ الْجَارِيَةَ، ثُمَّ يُصِيبَ الأَخْرَى وَهُوَ جُنُبٌّ فَلا بَأْسَ
بِذَلِكَ.
وسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ جُنُبٍ. وُضِعَ لَهُ مَاءٌ يَغْتَسِلُ بِهِ، فَسَهَا،
فَأَدْخَلَ أَصْبُعَهُ فِيهِ، لِيَعْرِفَ حَرَّ الْمَاءِ مِنْ بَرْدِهِ. قَالَ مَالِكٌ: إِنْ لَمْ
يَكُنْ أَصَابَ أَصْبُعَهُ أَذىَّ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ يُنَجِّسِ عَلَيْهِ الْمَاءَ.
الإماء فلا عدل فيهن، فبين حكم معاودة الجواري بقوله: (فأما أن يصيب
الرجل) أي يجامع (الجارية ثم يصيب الأخرى وهو جنب فلا بأس بذلك) فبين
يحيى أولاً حكم الغسل عند المعاودة، وهذا حكم نفس المعاودة.
ولما لم يكن بين الإماء والحرائر فرقٌ في حكم الغسل جمعهما في قول
واحد، وكان الفرق بينهما في حكم المعاودة فذكر أولاً حكم الحرائر ثم حكم
الإماء فلا تكرار. وطوافه بَّر على نسائه، فقيل: لم يكن العدل واجباً عليه
إنما يفعله تبرعاً، وقيل: كان في مرجع السفر وغيره ولم يشرع القسم، وقيل:
كان برضا صاحبة الليلة. وفيه أقوال أخر، محلها المطولات.
وقال ابن العربي(١): وكان له ساعة لا يكون لأزواجه منها، فيدخل فيها
على جميع أزواجه فيطؤهن أو بعضهن. وفي مسلم عن ابن عباس: أن تلك
الساعة تكون بعد العصر، فلو اشتغل عنها لكان بعد المغرب وغيره. والحنفية
والمالكية متفقون في هذه المسألة، وكذا في المسألة الآتية.
(قال يحيى: وسئل مالك عن رجل جنب وُضِعَ) ببناء المجهول، ويحتمل
المعلوم (له ماء يغتسل منه فسَهَا) مثلاً (فأدخل أصبعه فيه) أي في ذلك الماء (ليعرف
حر الماء من برده، قال مالك: إن لم يكن أصاب أصابعه) وفي نسخة ((أصبعه)) (أذى)
أي نجاسة حقيقة (فلا أرى ذلك) أي إدخال الأصابع في الماء (ينجس عليه) أي
المغتسل (الماء) وبهذا قال الأئمة كلهم، والماء طهور بالاتفاق، قاله الزرقاني (٢).
(١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) (٢٣١/١).
(٢) (شرح الزرقاني)) (١٠٨/١).
٥٥١
٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(٢٣) باب في التيمم
وقال ابن قدامة(١): سئل عن جنب وضع له ماء، فأدخل يده ينظر حره
من برده؟ قال: إن كان أصبعاً فأرجو أن لا يكون به بأس، وإن كانت اليدُ
أجمعَ فكأنه کرهه، انتهى.
(٢٣) التيمم
تَفَعُّلٌ من الأَمّ، وهو لغةً (٢): مطلق القصد، بخلاف الحج، فإنه قصد إلى
معظّم. واصطلاحاً: قصد الصعيد بصفةٍ مخصوصةٍ ونيةٍ مخصوصةٍ، قال
ابن رسلان: هو في اللغة القصد، وفي الشرع القصد إِلى الصعيد بمسح الوجه
واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها. وقال ابن السكيت: فتيمموا صعيداً أي
اقصدوا صعيداً، ثم كثر استعماله حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين
بالتراب، انتهى. فعلى هذا هو مجاز لغوي، وعلى الأول حقيقة شرعية،
انتھی .
ولاعتبار القصد في مفهومه اللغوي وجبت النية فيه عندنا بخلاف أصليه
من الوضوء والغسل، وأيضاً الغسل بالماء طهارة حِسِّية فلا يشترط لها النية إلا
الخصوص الأجر والمثوبة بخلاف التيمم فإنه طهارة حكمية، وفي الظاهر إنما
هو غبرة صورة فاحتاج إلى النية ليصير بها كالطهارة الحقيقية.
وقال ابن رسلان: لوجود معنى القصد في التيمم اتفق فقهاء الأمصار
على وجوب النية فيه إلا ما حكي عن الأوزاعي، اهـ.
ثم التيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، فضيلة مخصوصة لهذه الأمة
خاصة بلا ارتياب، قال القاري: إجماعاً، قلت: ونصاً، قال عليه السلام:
((أعطيت خمساً لم يُعْطَهن أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر،
(١) («المغني)) (٢٨٢/١).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٨٠/١٩).
٥٥٢
- :
٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
٨٩/١١٩ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِمِ، عَنْ أَبيِهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَلَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ،
وجُعِلَتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً، الحديث، مخرج في ((الصحيحين)) عن
جابر - رضي الله عنه -؛ واختلفوا في أنه عزيمة أو رخصة، وفصل بعضهم،
فقال: لعدم الماء عزيمة، ولعذر المرض ونحوه رخصة. قال القاري (١):
أجمعوا على أنه مختص بالوجه واليدين وإِن كان الحدث أكبر.
٨٩/١١٩ - (مالك عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر
الصديق - رضي الله عنه - القرشي التيمي أبو محمد المدني، ثقة جليل، أمه
قريبة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، مات سنة
١٢٦ هـ، وقيل بعدها (عن أبيه) القاسم بن محمد (عن عائشة أم المؤمنين)
- رضي الله عنها - (أنها قالت: خرجنا مع رسول الله ◌َلا) فيه جواز سفر الرجل
بأهله، ويحتمل خروجهن جميعاً كما هو ظاهر مقتضى اللفظ، ويحتمل البعض
لما كان من دأبه ولو أن يسهم بين نسائه إذا أراد سفراً.
(في بعض أسفاره) قال ابن عبد البر في ((التمهيد))(٢): قيل: هو في غزوة
بني المصطلق، وجزم بذلك في ((الاستذكار)) (٣)، وبه قال ابن سعد(٤)
وابن حبان. وغزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع، وكان الخروج إليها يوم
الاثنين لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس، ورجحه في ((الإكليل))، وقال
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٨٥/١).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٦٧/١٩) و((الاستذكار)) (١٤١/٣) و((فتح الباري)) (٤٣٢/١).
(٣) (١٤١/٣).
(٤) طبقات ابن سعد (٦٣/٢).
٥٥٣
٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ،
البخاري(١) عن ابن إسحاق: سنة ست، وقال عن موسى بن عقبة: سنة أربع.
وفيها وقعت قصة الإفك كان ابتداؤها بسبب العِقْدِ، قال البكري في حديث
الإفك: فانقطع عِقْدٌ لها من جزع ظفَارٍ، فحبس الناس ابتغاؤه إلخ. وسيجيء
في حديث الباب أن ابتداء التيمم أيضاً بسبب العقد، فإن ثبت هذا يقال: إنه
انقطع العقد في هذا السفر مرتين لاختلاف السياقين.
وذهب جماعة إلى تعدد الواقعة في سفرين لما في ((الطبراني)) عن عائشة:
لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع
رسول الله مَر في غزاة أخرى، فسقط أيضاً عقدي حتى حبس الناس على
التماسه، فقال أبو بكر: يا بُنية، في كل مرة تكونين عناءً وبلاءً على الناس ...
الحديث، ففيه تصريح بأن ضياع العقد كان في غزوتين (٢)، وبذلك جزم
محمد بن حبيب الإخباري فقال: سقط عقدها مرتين في غزاة بني المصطلق
وفي ذات الرقاع. واختلف أهل المغازي في أيهما كانت أولاً، قال الحافظان
ابن حجر والعيني: واستبعد بعضهم سقوط العقد في المريسيع من ناحية مكة
بين قديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر بقولها في الحديث:
حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، وهما بين المدينة وخيبر كما جزم به
النووي.
قلت: في كلام النووي نظر كما سيأتي فلا استبعاد في وقوع القصة في
غزوة المريسيع.
(حتى إذا كنا بالبيداء) بفتح الموحدة والمد هي الشرف الذي قدام ذي
الحليفة من طريق مكة، جزم به أبو عبيد البكري، وقال الكرماني: موضع بين
(١) ((صحيح البخاري)) (١١٥/٥).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٤٣/١) و((عمدة القاري)) (١٩٠/٣).
٥٥٤
٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
أَوْ بِذَات الْجَيشِ، انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي.
مكة والمدينة، وجزم ابن التين: هي ذو الحليفة كذا في العيني (أو) للشك من
الراوي، وقيل: الشك من عائشة - رضي الله عنها -، وبالثاني جزم الكرماني (بذات
الجيش) بفتح الجيم وسكون التحتية وشين معجمة، موضع على بريد من المدينة،
بينها وبين العقيق سبعة أميال، وهو أيضاً بطريق مكة لا خيبر، قاله ابن التين.
وقال الكرماني: موضع بين مكة والمدينة، وأيضاً كون القصة في طريق
مكة يؤيده رواية الحميدي بسنده عن عائشة - رضي الله عنها -: أن القلادة
سقطت ليلة الأبواء، لأن الأبواء أيضاً بين مكة والمدينة، وأيضاً للنسائي وغيره
عنها، كان ذلك بمكان يقال له: ((الصلصل)) وهو أيضاً جبل عند ذي الحليفة،
قاله العيني.
وقال الزرقاني: فقول النووي: البيداء وذات الجيش بين المدينة وخيبر
فيه نظر .
قلت: بل هو وهم، اللَّهم إلا أن يقال: إِن القصة - كما تقدم - وقعت
عند بعضهم في غزوة المريسيع، وذات الرقاع كانت عند خيبر، فيمكن تصحيح
كلام النووي بأن القصة هذه عنده ليست هي ما ذكرت في روايات النسائي
وغيره، بل هي التي وقعت في غزوة ذات الرقاع، فتأمل وتشكر، فالجمع هذا
حسن، ولا تجده إن شاء الله في غير هذا المختصر، والله الملهم للرشد
والصواب.
(انقطع عقد لي) بكسر المهملة وسكون القاف، وكل ما يعقد ويعلق في
العنق يسمى قلادة، وفي رواية أبي داود أنها كانت من جزع ظفار، قال ابن
الأثير: كقطام، موضع باليمن، ويروى ((من جزع أظفار)) وهو نوع من طيب،
قاله ابن رسلان، والإضافة إلى عائشة - رضي الله عنها - مجازي لكونها في
يدها، لما في رواية البخاري: أنها استعارته من أسماء أختها، قيل: كان ثمنها
اثني عشر درهماً. قاله العيني. وفي الحديث جواز اتخاذ النساء الحلي تجملاً
٥٥٥
٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَلَى الْتِمَاسِهِ. وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ. وَلَيْسُوا عَلَى
علياء
مَاءٍ. وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ.
لأزواجهن، واستصحاب الحلي في السفر، قاله ابن رسلان، قلت: وأيضاً
جواز استعارة الحلي.
(فأقام رسول الله بََّ) قال الباجي: لم يكن المقام لأجل انقطاعه، وإنما
كان لأجل ضياعه، لأن معناه انقطع بغير علمها، فلما ذكرت أمره خفي عليها
مكانه (على التماسه) أي لأجل طلبه حتى يمكن الطلب بذهاب الظلام المانع
من الالتماس، أو لانتظار من أرسله لطلبه. وفيه الاعتناء بحفظ أموال
المسلمين وإن قلّت (وأقام الناس) أيضاً (معه) وَ ل ◌َله (وليسوا على ماء) أي ما
أقاموا في موضع الماء (وليس معهم) أيضاً (ماء) يحتمل أنه ومَّ لم يظن عدم
الماء، ويحتمل أنه أقام مع علمه بعدم ماء الوضوء ((باجي))(١)، ليكون ذلك
سنته في حفظ الأموال، فيجوز للرجل المقام على طلب ماله وحفظه، وإن أدى
ذلك إِلى الصلاة بالتيمم. ويؤخذ منه جواز السفر بطريق لا ماء فيه، كذا قاله
الشُرّاح.
قلت: لكن يُشكل عليه أن القصة كانت في البيداء أو ذات الجيش، أو
الأبواء أو الصلصل كما تقدم من الروايات المختلفة، وكلها أسماء لمواضع
الماء (٢)، ويمكن الجواب عنه بما يخطر في البال - والله أعلم بحقيقة الحال -
بأن القيام لم يكن عين هذه المواضع وإلا فيشكل الجمع بين هذه الروايات
أيضاً، بل كان في غير أمكنة النزول، فالتعبير في كل رواية بموضع مشهور
قريب من محل القيام للتعريف، فيصح نسبة القربة بمواضع متفرقة، ولا يشكل
أيضاً بقولها: وليسوا على ماء.
(١) ((المنتقى)) (١٠٨/١).
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٢٦٧/١٩ - ٢٧٠).
٥٥٦
٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
فَأَتَّى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، فَقَالُوا: أَلا تَرَى مَا صَنَعَتْ
عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَهِ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ. وَلَيْسَ
مَعَهُمْ مَاءٌ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ وَ﴾ وَاضِعٌ رَأْسَهُ
عَلَى فَخِذِي، قَدْ نَامَ. فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ مَ﴿ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا
عَلَى مَاءٍ. وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ مَا
شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ. وَجَعَلَ يَْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي، فَلا يَمْنَعُنِي مِنَ
التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانٌ
(فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق) والد عائشة - رضي الله عنها -، وفيه
شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج (فقالوا) له: (ألا ترى) بهمزة الاستفهام
(ما صنعت عائشة) - رضي الله عنها - فإنها (أقامت برسول الله مح لجر وبالناس،
وليسوا على ماء، وليس معهم ماء) نسبة الإقامة إلى عائشة لكونها سبب القيام
(قالت عائشة) - رضي الله عنها - (فجاء) ني (أبو بكر الصديق) - رضي الله عنه -
ليعاتبني (ورسول الله {ي﴾ واضع رأسه على فخذي) بالذال المعجمة، وفيه جواز
دخول الرجل على بنته، وإن كان زوجها عندها إذا علم رضاه به، ويحتمل أن
دخول الصديق - رضي الله عنه - كان ليُذَكِّره مَ ل او شكوى الناس وحالة الماء
لكنه وَ لّ (قد نام) وكان ◌َلّ إذا ينام لا يوقظه أحد لأجل الوحي.
(فقال) أبو بكر - رضي الله عنه - (حبست) أي منعت (رسول الله مالي) عن
الرحيل (والناس) بالنصب (وليسوا على ماء وليس معهم ماء) وفيه ضرر شديد
(قالت عائشة فعاتبني أبو بكر) قيل: لم تقل أبي، لأن قضية الأبوة الحنو،
والعتاب بالقول دون الفعل، فأنزلته بمنزلة الأجنبي (فقال: ما شاء الله أن يقول)
(وجعل يطعن بيده) بضم العين وكذا كل ما هو حسيّ، والمعنوي بالفتح على
المشهور، وحُكِيَ كلٌّ منهما في كليهما (في خاصرتي) هي الشاكلة، وخصر
الإنسان وسطه، وفيه تأديب الرجل بنته وإن كانت متزوجة.
ويمكن أنه - رضي الله عنه - أراد بالمبالغة في عتبها، ليكون تحريكها سبباً
لإيقاظه 18 لما خاف من فوات الصلاة (فلا يمنعني من التحرك) إذ يطعنني (إلا مكان)
٥٥٧
٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ عَلَى فَخِذِي. فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له حَتَّى أَصْبَحَ
عَلَى غَيْرِ مَاءٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّم.
أي كون (رأس رسول الله ﴿ على فخذي، فنام) بالنون من النوم في جميع
النسخ الموجودة عندنا، وهو الصواب، وفي نسخة الزرقاني بالقاف من القيام.
ولا يصح كما يظهر من كلام الحافظ الآتي. (رسول الله وَّر حتى أصبح) هكذا
في نسخ ((الموطأ)» بلفظ ((حتى)) قال الزرقاني(١): هكذا الرواية في ((الموطأ))
(حتى)) ولفظ البخاري في التيمم ((فقام حين أصبح)) (على غير ماء).
قال الحافظ: كذا أورده هنا، وأورده في فضل أبي بكر بلفظ ((فنام حتى
أصبح))، وهي رواية ((مسلم)) ورواية ((الموطأ))، والمعنى فيهما متقارب، لأن
كلاً منهما يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح على غير ماء.
-- -
واستدل ببعض ألفاظ الرواية على ترك التهجد في السفر، قاله الزرقاني
وابن رسلان وغيرهما، فإن لم يكن التهجد واجباً عليه وَ ◌ّ فلا إِشكال وإن كان
واجباً ففي الاستدلال نظر. وهل تيمم النبي وَل﴾؟ الحديث ساكت، فظاهره
نعم، لكن قال ابن عبد البر(٢): ومعلوم عند جميع أهل المغازي أن النبي
صَلىالله
وَسْـ
لم يصل منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء، انتهى.
قلت: لكن لفظ أبي داود: فقاموا مع رسول الله وَّل، فضربوا بأيديهم.
الحديث، نَصٌّ في تيممه ◌َّ.
(فأنزل الله تعالى آية التيمم) قال ابن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها
من دواء، لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة - رضي الله عنها -، وقال ابن بطال:
هي آية النساء، أو المائدة. وقال القرطبي: هي آية النساء لأن آية المائدة تسمى
آية الوضوء. وأورد الواحدي الحديث في أسباب النزول عند آية النساء.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١١٠/١).
(٢) ((الاستذكار)) (١٥٧/٣).
٥٥٨
--------
٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آَلَ أَبِي بَكْرٍ .
قال الحافظ(١): وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري أنها آية المائدة بلا
تردد لروايته في التفسير: فنزلت آية ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الضَّلَوَةِ﴾(٢) الآية. واستدل به على أن الوضوء كان واجباً قبل نزول الآية، ولذا
استعظموا نزولهم على غير ماء، فالحكمة في نزول الآية بعد العمل ليكون
فرضه متلواً بالتنزيل، فيمكن أن يوجه أن الوضوء في الأول كان لكل صلاة
محدثاً كان أو لا، ثم لما نزلت الآية اقتصر على المحدث فقط.
وقيل: يحتمل أن أول آية الوضوء نزل قديماً، ثم نزل بقيتها، وهو ذكر
التيمم، لكن رواية البخاري في التفسير تؤيد الأول، وزاد في رواية ((الموطأ))
لمحمد وغيره ههنا (فَتَيَشَّمُوا) وليس في رواية يحيى وغيره، قاله الزرقاني(٣).
قلت: واختلفت الروايات في غير ((الموطأ)) أيضاً، فهو موجود في رواية
البخاري، ولا يوجد في رواية النسائي؛ وأيضاً لا يوجد في بعض النسخ
الموجودة عندنا برواية يحيى، ولعله إلحاق من بعض النساخ إذ صرح الزرقاني
أنه ليس في رواية يحيى، قال الحافظ: ويحتمل أنه أخبر عن فعل الصحابة أي
تيمَّمُوْا بعد نزول الآية؛ ويحتمل أنه بيان لما نزل، وحكاية لبعض الآية أي قوله
تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَنِبًا﴾.
(فقال أسيد) بضم الهمزة وفتح السين المهملة مصغر أسد (ابن الحضير)
بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة فتحتية ساكنة آخره راء مهملة؛
ابن سماك الأنصاري الأشهلي أبو يحيى؛ الصحابي الجليل (ما هي بأول
بركتكم يا آل أبي بكر) والمراد بآل أبي بكر نفسه مع أهله وأتباعه؛ والمعنى:
(١) ((فتح الباري)) (١/ ٤٣٢).
(٢) سورة المائدة الآية: ٦.
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١١٠/١).
٥٥٩
٢ - كتاب الطهارة
(٢٣) باب
(١١٩) حديث
قَالَتْ: فَبَعَنْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.
أخرجه البخاريّ في: ٧ - كتاب التيمم، ١ - باب قول الله تعالى فلم تجدوا
ماء فتيمموا .
ومسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ٢٨ - باب التيمم، حديث ١٠٨.
أن بركاتكم متوالية على الصحابة متكررة؛ وكانوا سبباً لكل ما لهم فيه رفق
ومصلحة للمسلمين.
ں
وفي البخاري من وجه آخر، فقال أسيد لعائشة - رضي الله عنها -:
جزاك الله خيراً؛ فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إِلا جعل الله لك وللمسلمين فيه
خيراً - وفي لفظ - إِلا جعل الله لك منه مخرجاً وجعل للمسلمين فيه بركة. وفي
تفسير إسحاق المسيبي: أن النبي ◌َلّ قال لها: ((ما أعظم بركة قلادتك))
(قالت: فبعثنا) أي أثرنا (البعير الذي كنت) راكبة (عليه) في حالة السير (فوجدنا
العقد تحته) وظاهره أن الجماعة التي أرسلها النبي ◌َّ وهم أسيد بن حضير
وغيره - كما في كتب الصحاح - ما وجدوها.
لكن يشكل عليه ما في البخاري بطريق عبد الله بن نمير عن هشام بن
عروة عن أبيه بلفظ ((فبعث رسول الله ﴿ ﴿ر رجلاً فوجدها)) فظاهر لفظ
البخاري أن العقد أتى به ذلك الرجل المبعوث، ويمكن الجمع بين رواية
البخاري و((الموطأ)) بأن أسيداً كان رأس من بعث لذلك، ولذا سمي في
بعض الروايات وحده، ولذا ورد في بعض الروايات: بعث رجلاً، ولم
يجدوا العِقْدَ، فلما رجعوا، ونزلت الآية، وأرادوا الرحيل وأثاروا البعير
فوجده أسيد تحته. ويحتمل أن ضمير وجدها إلى النبي ◌َّ مجازاً
واختصاراً. وبالغ الداودي في توهيم رواية عروة، ونقل عن إِسماعيل
القاضي أنه حمل الوهم فيه إلى ابن نمير. ثم ليس في شيء من طرق
حديث عائشة - رضي الله عنها - كيفية التيمم، وسيجيء في الباب الثاني
الكلام عليه .
٥٦٠