النص المفهرس
صفحات 381-400
٢ - كتاب الطهارة
(٣) باب
(٤٤) حديث
حَتَّى وَرَدُوا حَوْضاً، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِصَاحِبِ الْحَوْضِ:
يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ! هَلْ تَرِدُ حَوْضَكَ السِّبَاعُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بنُ
الخَطَّابِ: يَا صَاحِبَ الحَوْضِ لا تُخْبِرْنَا، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ،
وَتَرِدُ عَلَيْنَا .
وهو قول الجمهور، كما قال النووي وغيره، وفي ((تبصير المنتبه)) قال النحّاس:
سمعت الأخفش يقول: سمعت المبرد يقول: هو بالياء، لا يجوز حذفها، وقد
لهجت العامة بحذفها، قال النحّاس: هذا مخالف لجميع النحاة، لأنه من الأسماء
المنقولة، فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها، كذا في ((التعليق الممجد))(١).
وقال القاري: عمرو بن العاص الأصح عدم ثبوت الياء إما تخفيفاً أو
بناء على أنه أجوف، ويدل عليه ما في ((القاموس)): الأعياص من قريش أولاد
أمية بن عبد شمس الأكبر، وهم العاص، وأبو العاص، وغيرهما. فعلى هذا
لا يجوز كتابة العاص بالياء، ولا قراءته بها لا وقفاً ولا وصلاً، فإنه معتلّ
العين بخلاف ما يتوهم بعض الناس أنه من عصى، فحينئذ يجوز إثبات الياء
وحذفه وقفاً ووصلاً بناء على أنه معتل اللام، انتهى.
(حتى وردوا) أي الركب، وخص عَمْراً بالذكر، لما وقع منه سؤال الماء
(حوضاً) وجاء وقت الصلاة (فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض: يا صاحب
الحوض. هل ترد حوضك السباع) للشرب فنمتنع عنه (فقال له عمر بن
الخطاب) رضي الله عنه: (يا صاحب الحوض لا تخبرنا) لأنا لم نكلف
بالتفحص، فلو فتحنا هذا الباب على أنفسنا لوقعنا في المشقة (فإنا نرد على
السباع) وهي ما يفترس الحيوان ويأكله قهراً، (يوترد) السباع (علينا)(٢).
اختلف العلماء في نجاسة الماء(٣): فقالت الظاهرية والإمام مالك
(١) (٢٦٦/١).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٢٦/٢).
(٣) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٧٠/١) و((السعاية)) (ص٢٨٠).
٣٨١
٢ - كتاب الطهارة
(٣) باب
(٤٤) حدیث
- رضي الله عنه -: لا يتنجَّسُ الماء بملاقاة النجاسة ما لم يتغير أحد أوصافه
الثلاثة، وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة وإسحاق إلى أنه يتنجس القليل
بملاقاة النجاسة، وإن لم يتغير أحد أوصافه، لكن اختلفوا في تعيين القليل،
فذهب الإِمامان: الشافعي وأحمد إلى التحديد بالقلتين، وقال الإِمام أبو حنيفة
- رضي الله عنه - على ما نقله عنه الإمام محمد في ((موطئه)) (١): إن تحركت
ناحية منه بتحريك الناحية الأخرى، وقدَّره متأخرو الحنفية بعشر في عشر، وفي
تحديده أقوال أخر محلها كتب الفقه.
وظاهر الحديث يؤيد الذين قالوا: بتنجيس الماء بملاقاة النجاسة، وإلا
فلم يكن لسؤال عمرو بن العاص ولا لمنع عمر - رضي الله عنهما - وجهٌ، هذا
إذا كان الماء قليلاً، وأما إذا يكون كثيراً - كما هو ظاهر ماء الفلاة سيما لكونه
مورداً للركب والقوافل والسباع - فلا يخالف أحداً، ويحتمل أن يكون غرض
الإمام بإخراج الحديث الاستدلال على مسألة سؤر السباع بقول عمر - رضي الله
عنه -: ((إنا نَرِدُ على السباع وهم يردون علينا)) وسؤر السباع طاهر عند مالك -
رضي الله عنه - وكذلك عند الإمام الشافعي - رضي الله عنه -، وسؤر سباع
الوحش نجس عند الإمام(٢)، وهما روايتان عن الحنابلة، قال في ((البدائع)):
ولنا حديث عمرو هذا، فلو لم يتنجَّس الماء القليل بشربها منه لم يكن للسؤال
ولا للنهي معنى، اهـ.
قلت: ولا دليل فيه على قلة الماء أيضاً، بل قال الباجي المالكي:
(١) قال محمد: إذا كان الحوض عظيماً إن حُرِّكت منه ناحية لم تتحرك به الناحية الأخرى لم
يفسد ذلك الماء ما ولغ فيه من سبع، ولا ما وقع فيه من قذر إلى أن يغلب عليه ريح أو
طعم، فإذا كان حوضاً صغيراً إن حركت منه ناحية تحركت الناحية الأخرى فولغ فيه
السباع أو وقع فيه القذر لا يتوضأ منه، انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد))، (١/
٢٦٨، ٢٦٩).
(٢) أي عند الإمام أبي حنيفة.
٣٨٢
----
---
٠٠٠
٢ - كتاب الطهارة
(٣) باب
(٤٥) حدیث
١٥/٤٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِنْ كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فِي زَمَّانِ رَسُولِ اللَّهِ وَّ،
لَيَتَوَضَّؤُّونَ جَمِيعاً .
أخرجه البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء، ٤٣ - باب وضوء الرجل مع امرأته
(١٩٣).
وأخرجه مسلم في: ٣ - كتاب الحيض ١٠ - باب القدر المستحب من الماء
في غسل الجنابة .
والمقدار الذي لا يكره استعماله من الماء الذي ولغت فيه السباع كالحوض
ونحوه .. إلى آخر ما قاله، فعلم أن المالكية أيضاً يحملونه على الكثير لإخراج
الكراهية .
فالحاصل أن في الحديث مسألتين: الأولى: مسألة سؤر السباع،
فالحديث فيها حجة للحنفية نصاً. ويخالف من خالفهم وحجةٌ عليهم. والثانية:
مسألة تحديد الماء، فالحديث لا يخالف فيها الحنفية، لأنهم قائلون أيضاً
بتحديد الماء، فإذا تكون القلتان بموضع لا يتحرك أحد جانبيه بتحريك الآخر
لا يتنجس عند الحنفية أيضاً .
٤٥ /١٥ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (كان يقول:
إن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن (كان الرجال والنساء) ظاهره
التعميم، فاللام للجنس (في زمان رسول الله (وَله) فيه أن الصحابي إذا أضاف
الفعل إلى زمان المصطفى يكون حكمه حكم الرفع، وقيل: لا، لاحتمال
أنه ◌َّ لم يطلع عليه، والمسألة من مباحث الأصول. وقد أشبعت الكلام فيه
في رسالتي التي شرعتها في أصول الحديث على مسلك الحنفية، وفقني الله
لإتمامها .
(لَيَتَوَضَّؤُون جميعاً) أي حال كونهم مجتمعين لا متفرقين، زاد ابن ماجه
في هذا الحديث ((من إناء واحد))، ولا مانع من ذلك قبل نزول الحجاب، وأما
٣٨٣
٢ - كتاب الطهارة
(٤) باب
(٤٦) حديث
(٤) باب ما لا يجب منه الوضوء
١٦/٤٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ،
بعده فيختص بالزوجات والمحارم. وقال ابن التين حكاية عن سحنون في
معناه: يتوضأ الرجال، فيذهبون، ثم يأتي النساء فيتوضَّأن.
قال النووي(١): أما تطهُّر الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع
المسلمين لهذه الأحاديث، وأما تطهُّر المرأة بفضل الرجل فهو جائز أيضاً
بالإِجماع، وأما تطهُّر الرجل بفضلها، فذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة
الثلاثة إلى جوازه، سواء خَلَتْ به أو لم تَخْلُ. وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا
خَلَتْ به. وروي عن ابن عمر وغيره المنع بشرط أن تكون حائضاً أو جنباً،
وحجة الجمهور حديث الباب وفعل ميمونة وغيرها من أزواج النبي {قَل،
وقوله ◌َله: ((الماء لا يُجنب)). أخرجه أبو داود وغيره، قال الزرقاني عن ابن
عبد البر(٢): الآثار في معناه متواترة.
(٤) ما لا يجب فيه الوضوء
(ما لا يجب فيه) وفي نسخة الزرقاني ((منه)) (الوضوء) يحتمل أن يراد
بالوضوء الأعم من الاصطلاحي واللغوي، للحديث المبدوء به، قاله
الزرقاني(٣). والأوجه عندي أن يراد به الاصطلاحي، وهو المناسب للمقام،
يوجه إدخال الرواية بتوجيه كما سيجيء.
١٦/٤٦ - (مالك عن محمد بن عمارة) بضم العين، ابن عمرو بن حزم
(١) ((شرح النووي على مسلم)) (٢/٤).
(٢) قال أبو عمر: الآثار في الكراهية في هذا الباب مضطربة لا تقوم به حجَّةٌ، والآثار
الصحاح هي الواردة بالإباحة ((الاستذكار))، (١٢٩/٢) وانظر ((التعليق الممجد)) (١/
٢٤٤) .
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٥٦/١).
٣٨٤
٢ - كتاب الطهارة
(٤) باب
(٤٦) حديث
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بن
عَوْفٍ؛ أَنَّهَا سَأَلَتْ أَمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ وَله، فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ
أَطِيلُ ذَيْلِي، وأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:
الأنصاري المدني، صدوق يخطىء، من السابعة وثقه ابن معين ولَيِّنَه أبو حاتم (١)
(عن محمد بن إبراهيم) التيمي المدني (عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن
عوف) يقال: اسمها حميدة تابعية صغيرة مقبولة، من الرابعة، وفي ترجمتها من
((التهذيب))(٢) ذكر الحافظ هذا الحديث (أنها سألت) أم المؤمنين (أم سلمة)
اسمها هند، وقيل: اسمها رملة، ولم يصح، بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية
المخزومية (زوج النَّبِيّ ◌َ ﴾) تزوَّجها بعد أبي سلمة سنة أربع أو قبلها وتوفيت
سنة ٦١ هـ(٣).
(فقالت) أي حميدة (إني امرأة أطيل) من الإطالة (ذيلي) تريد أنها تطيل
الثوب ليستر قدميها في مشيها على عادة العرب، ولم يكن نساءهم يلبسن
الخفاف، فكن يُطلن الذيل للستر، ورخص النَّبِيُّ ◌َّ في ذلك لذلك المعنى،
قاله الباجي (٤).
(وأمشي في المكان القذر) بذال معجمة، قال النووي: أرادت به نجاسة
يابسة، والمعنى أنه لا يمكنها ترك المشي للضرورة، والطريق قد لا يخلو عن
هذا، (قالت أم سلمة) قال ابن عبد البر: روى الحديث حسين بن الوليد عن
مالك فقال: عن حميدة أنها سألت عائشة. وهذا خطأ، وإنما هو لأم سلمة،
كما رواه الحفاظ في ((الموطأ)) وغيره.
(١) انظر: ((تقريب التهذيب)) (١٩٣/٢).
(٢) (تهذيب التهذيب)) (٤١٢/١٢) وانظر: ((تنوير الحوالك)) (ص٤٧).
(٣) انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠١/٢).
(٤) انظر: ((المنتقى)) (٦٤/١).
٣٨٥
٢ - كتاب الطهارة
(٤) باب
(٤٦) حديث
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ)) .
أخرجه أبو داود في: ١ - كتاب الطهارة، ١٣٧ - باب في الأذى يصيب
الذيل.
والترمذي في: ١ - كتاب الطهارة، ١٠٩ - باب ما جاء في الوضوء من
المَوْطأ .
وابن ماجه في: ١ - كتاب الطهارة، ٧٩ - باب الأرض يطهر بعضها بعضاً.
(قال رسول الله وَليلة) في جواب مثل هذا السؤال (يُطَهِّرهُ) أي الذيل (ما
بعده) أي المكان الذي بعد هذا المكان القذر بزوال ما يتشبَّث بالذيل من القذر
اليابس. وهذا التأويل على تقدير صحة الحديث متعين، لانعقاد الإجماع على
أن الثوب إذا أصابته نجاسة لا يطهر إلا بالغسل، فإطلاق التطهير مجاز، قاله
القاري(١) .
وروى ابن عبد البر(٢) وغيره عن الإمام مالك أنه في اليابس، وأما
النجاسة مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد لا يطهره إلا الغسل،
قال: وهذا إِجماع الأمة، وروي مثل ذلك عن الإمام الشافعي والإمام أحمد -
رضي الله عنهما - وروي عن بعض أصحاب مالك عموم الخبر في الرطبة
واليابسة، كما بسطه الباجي، لكنه خلاف ما تقدم من الإجماع.
نعم لو حمل هذا الحديث على معنى حديث امرأة الأشهلية الذي أخرجه
أبو داود(٣)، وفيه: فكيف نفعل إذا مطرنا؟ فيمكن أن يؤول: بأن المراد به طين
الشارع الذي لا يتحقق نجاسته، فتأمل، إلا أنهما حديثان متغايران على
الظاهر.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٧٢/٢).
(٢) انظر: الاستذكار)) (١٢٣/٢).
(٣) ((سنن أبي داود)) (١٥٧/١) ((باب الأذى يصيب الذيل)).
٣٨٦
٢ - كتاب الطهارة
(٤) باب
(٤٧) حديث
١٧/٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ رَأَى رَبيعَةَ بْنَ عَبْدٍ
الرَّحْمُنِ يَقْلِسُ مِرَاراً، وَهُوَ فِي الْمَسْجِد؛ فَلا يَنْصَرِفُ، وَلا يَتَوَضَّأُ،
حَتَّى يُصَلِّيَ.
قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلِ قَلَس طَعَاماً، هَلْ عَلَيْهِ
وُضُوءٌ؟ فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ. وَلْيَتَمَضْمَضْ مِنْ ذُلِكَ، وَلْيَغْسِلْ
فَاهُ .
ثم مناسبة الحديث بالترجمة على تقدير العموم ظاهر، أما على تقدير
الخصوص بأن يراد به الوضوء الشرعي كما هو الأوجه، فيكون غرض الإمام
أنه لا يجب الوضوء بأمثال هذه الصور.
١٧/٤٧ - (مالك أنه رأى ربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي (يقلس) بكسر
اللام من باب ضرب، قال في ((النهاية)): القلس بالتحريك، وقيل: بالسكون،
ما خرج من الجوف ملء الفم أو دونه وليس بقيء، فإن عاد فهو القيء (مراراً
وهو في المسجد) أي النبوي، قاله الزرقاني (١) (فلا ينصرف) من المسجد (ولا
يتوضأ)، لأنه ليس بناقض مطلقاً كما عند المالكية والشافعية، أو لأنه لم يكن
ملأ الفم، كما عندنا الحنفية والحنابلة (حتى يصلي).
(قال يحيى: وسُئِل) ببناء المجهول، الإمام (مالك) رضي الله عنه (عن
رجل قلس طعاماً هل عليه وضوء؟ قال) الإمام: (ليس عليه وضوء) شرعي
(وليمضمض من ذلك) يعني (وليغسل فاه) وبه قال الإمام الشافعي، وينقض به
الوضوء عندنا الحنفية، بشرط أن يكون ملء الفم، وكذا عند الحنابلة كما تقدم
عن ((المغني))، بسط الإمام محمد الآثار فيه في كتابه ((الحجج)) منها؛ ما قال:
أخبرنا سفيان عن المغيرة قال: سألت إبراهيم عن القلس؟ قال: إذا وسع
فليتوضأ، واستدل عليه الزيلعي بحديث عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً: ((من
(١) (شرح الزرقاني)) (٥٧/١).
٣٨٧
٢ - كتاب الطهارة
(٤) باب
(٤٨) حديث
١٨/٤٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ حَنَّطَ
أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ، ثم لِيَبْن على صلاته)»
أخرجه ابن ماجه والدارقطني بطرق، وابن عدي في ((الكامل)) والبيهقي في
((سننه)) وغيرهم، قال الزيلعي: وحديث عائشة صحيح، وروي عن الشافعي:
ليست هذه الرواية ثابتة عن النبِي ◌ُّ، وإن صحت فيحمل على غسل الدم لا
على وضوء الصلاة، انتهى.
قال الزيلعي(١): هذا الحمل غير صحيح، إذ لو حمل الوضوء في هذا
الحديث على غسل الدم فقط لبطلت الصلاة بالانصراف ثم بالغسل، ولما جاز
له أن يبني على صلاته، بل يستقبل الصلاة، وإسماعيل بن عياش فقد وثقه ابن
معين، وزاد في الإسناد عن عائشة، والزيادة عن الثقة مقبولة، والمرسل عندنا
حجة ، اهـ.
واستدل أيضاً بحديث أبي سعيد الخدري في هذا المعنى، وذكر المقال
في سنده، وبحديث معدان عن أبي الدرداء، وفيه: فقال ثوبان: ((أنا صببت له
وضوءه)) قال الترمذي: هو أصح شيء في الباب، قال الحاكم: صحيح على
شرط الشيخين، انتهى.
١٨/٤٨ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (حنّط)،
بفتح المهملة والنون الثقيلة والطاء المهملة آخر الحروف أي طيّب بالحنوط،
وهو كل شيء خلط من الطيب للميت خاصة. ولفظ حنط بالطاء المهملة هو
الصواب، كما في نسخة الزرقاني و ((التنوير))، هكذا في رواية محمد، وكذا
أخرجه البخاري، فما في بعض النسخ القديمة من لفظ ((حنك)) بالكاف في آخره
ليس بصواب، وإن صح معناه، فإن التحنيك هو جعل التمر الممضوغ في حنك
الصبي عند الولادة.
(١) انظر: ((نصب الراية)) (٣٩/١).
٣٨٨
٢ - كتاب الطهارة
(٤) باب
(٤٨) حديث
ابْنَاَ لِسَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ.
قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ، هَلْ فِي الْقَيء وُضُوءٌ؟ قَالَ: لا.
وَلْكِنْ، لِيَتَمَضْمَضْ مِنْ ذَلِكَ، وَلْيَغْسِلْ فَاهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ وُضُوءٌ.
قال الشيخ في ((المسؤَّىُ)) (١): وعلى كل تقدير فعليه عامة أهل العلم.
(ابنا لسعيد بن زيد) اسمه عبد الرحمن؛ كما في رواية الليث عن نافع
(وحمله) أي رفع جنازته (ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ)(٢) فعلم أن حمل
الجنازة ليس من نواقض الوضوء.
قال الباجي: لا خلاف أن من حَنَّطَ ميتاً لا وضوء عليه، ومن حمله فلا
وضوء عليه عند جمهور الفقهاء، وما روي في ذلك: ((من غسل ميتاً فليغتسل
ومن حمله فليتوضأ)» فليس بثابت، ولو صح كان معناه: أن يتوضأ إن كان
محدثاً ليكون على وضوء فيصلي عليه مع المصلين، انتهى.
والأثر أخرجه البخاري في الجنائز، قال الحافظ (٣): وكأنه أشار إلى
تضعيف ما رواه أبو داود(٤) عن أبي هريرة ((من غسل الميت فليغتسل ومن
حمله فليتوضأ)) رُواته ثقات إلا عمرو بن عمير فليس بمعروف، اهـ.
(قال يحيى: سئل) الإمام (مالك) رضي الله عنه (هل في القيء وضوء؟
قال: لا، ولكن ليتمضمض من ذلك) أي القيء (وليغسل فاه) ندبا (وليس عليه
وضوء) وتقدم قريباً في القلس وحكمهما واحد.
(١) (١/ ٧٧).
(٢) وإنما أدخل مالك هذا الحديث إنكاراً لما روي عن النبي وَل أنه قال: ((من غسل ميتاً
فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ))، ((الاستذكار)) (١٣٧/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٢/ ١٥٧).
(٤) أخرج أبو داود في: باب الغسل من غسل الميت، من كتاب الطهارة: ((سنن أبي داود))
(١٧٩/٢).
٣٨٩
٢ - كتاب الطهارة
(٥) باب
(٤٩) حديث
(٥) باب ترك الوضوء مما مسته النار
١٩/٤٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ﴾: أَكَلَ
(٥) ترك الوضوء مما مسته النار
قال النووي: كان الخلاف فيه معروفاً بين الصحابة والتابعين، ثم استقر
الإجماع على أن لا وضوء مما مسَّت النار إلا لحوم الإبل، فقال أحمد:
بالوضوء منه، واختاره ابن خزيمة وغيره من محدثي الشافعية، اهـ. وقال
المهلب: كانوا في الجاهلية قد ألفوا قلة التنظيف فأمروا بالوضوء مما مست
النار، ولما تقررت النظافة في الإسلام، وشاعت نُسِخَ الوضوء تيسيراً على
المسلمين، اهـ. ونقل الإجماع على ترك الوضوء منه الباجي والشعراني وابن
قدامة في ((المغني)).
وقد روي عنه رقّ الوضوء منه. فقال بعضهم: لم يكن الوضوء واجباً منه
قط، وإنما معناه المضمضة وغسل اليدين، وقال آخرون: كان واجباً ثم نسخ
الرواية جابر «كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مَسَّتِ النار)) وقيل: حديث
جابر هذا اختصره شعيب فَغَيَّرَ معناه، قاله الباجي.
قلت: وبه جزم أبو داود إذ قال في ((سننه))(١): هذا اختصار من الحديث
الأول، والبسط في ((البذل))(٢).
١٩/٤٩ - (مالك عن زيد بن أسلم) العدوي (عن عطاء بن يسار) الهلالي
(عن عبد الله بن عباس أن رسول الله وَّ أكل) في بيت ضباعة بنت الزبير، وهي
بنت عمه ◌ّ، كما قاله القاضي إسماعيل، وفي بيت ميمونة، كما في رواية
(١) (٤٩/١) رقم الحديث (١٩٢) باب ترك الوضوء مما مسَّتِ النَّار.
(٢) (١١٣/٢).
٣٩٠
٢ - كتاب الطهارة
(٥) باب
(٥٠) حديث
كَنِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ .
أخرجه البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء، ٥٠ - باب من لم يتوضأ من لحم
الشاة والسويق.
ومسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ٢٤ - باب نسخ الوضوء مما مست النار،
حديث ٩١.
٢٠/٥٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ
أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ رَله، عَامَ خَيْبَرَ. حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ،
وَهِيَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ،
للبخاري (كتف شاة) أي لحمه، وفي رواية للبخاري ((تعرّق)) أي أكل ما على
العرق، وهو بفتح المهملة وسكون [الراء] العظم (ثم صلى ولم يتوضأ) نص في
معناه .
٢٠/٥٠ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن بشير) (١) بضم
الموحدة وفتح المعجمة وسكون الياء آخره راء (ابن يسار) بفتح تحتية وتخفيف
سين مهملة آخره راء (مولى بني حارثة) من الأنصار الحارثي المدني، قليل
الحديث، أدرك عامة الصحابة (عن سويد)(٢) بضم السين المهملة مصغراً (ابن
النعمان) بضم النون ابن مالك الأنصاري الأوسي، صحابي شهد أحداً وما
بعدها، ما روى عنه سوى بشير (أنه) أي سويداً (أخبره) أي بشيراً (أنه) أي
سويداً (خرج مع رسول الله صل عام) أي سنة غزوة (خيبر) بخاء معجمة مفتوحة
تقدم ضبطها، والخروج إليها تحت حديث ليلة التعريس.
(حتى إذا كانوا) أي النبي ◌ّ والصحابة (بالصهباء) بفتح الصاد المهملة
والمد (وهي) أي الصهباء (من أدنى) أي أسفل (خيبر) أي طرفها مما يلي
(١) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٤٧٢/١).
(٢) انظر ترجمته في: ((أسد الغابة)) (٤٩٤/٢) و ((الاستيعاب)) (٦٨).
٣٩١
٢ - كتاب الطهارة
(٥) باب
(٥٠) حديث
نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ مَله، فَصَلَّى الْعَصْرَ. ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلا
بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَتُرِّيَ. فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ مِ﴿، وَأَكَلْنَا. ثُمَّ قَامَ إِلَى
الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا. ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ .
أخرجه البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء، ٥١ - باب من مضمض من السويق
ولم يتوضأ .
المدينة، وفي رواية للبخاري: وهي على رَوْحَةٍ (١) من خيبر، وبَيَّنَ البخاري في
الأطعمة أن لفظ ((هي أدنى من خيبر)) مُدرج من قول يحيى.
(نزل رسول الله جل فصلى العصر) بها (ثم دعا) فيه جمع الرفقة على الزاد
في السفر (بالأزواد) جمع زاد، وهو ما يؤكل في السفر. ودعا بها ليصيب من
لا زاد عنده (فلم يؤت) ببناء المجهول (إلا بالسويق) هو ما يؤخذ من الشعير أو
الحنطة، وقال أعرابي: هو عدة المسافر، وطعام العجلان وبُلْغَة المريض.
(فأمر به) أي أمر رسول الله وَ ل﴿ل بالسويق (فَثُرِّيَ) بالمثلثة وشد الراء
المكسورة ويجوز تخفيفها أي بُلَّ بالماء (فأكل منه رسول الله مِ لّه وأكلنا) معه،
زاد في رواية للبخاري ((وشربنا)) أي من الماء أو من مائع السويق (ثم قام)
رسول الله ◌َّة (إلى المغرب فمضمض) قبل دخول الصلاة (ومضمضنا) وإن لم
يكن الدسومة فيه، لكن يحتبس بقاياه بين الأسنان، (ثم صلى ولم يتوضأ) فيه
وجهان: إثبات الهمزة الساكنة علامة للجزم، والآخر حذفها كما يقال: لم
يخش، ولا يقال: في هذا روايتان، بل يقال لغتان أو وجهان، أو نحوهما،
كذا في ((الفتح الرحماني)) عن العيني(٢).
والمعنى أنه وَل﴿ لم يتوضأ من أكل السويق. وأخذ المهلَّب من الحديث
أنه يجوز للإمام أن يأخذ المحتكرين بإخراج الطعام عند قلة، ليبيعوه من أهل
(١) قوله: على رَوْحَةٍ: هي ضد الغدوة.
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٥٨٠/٢).
٣٩٢
٢ - كتاب الطهارة
(٥) باب
(٥١) حديث
٢١/٥١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَعَنْ
صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم؛ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ
التَّيْمِيِّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ ؛
الحاجة، وأن الإمام ينظر لأهل العسكر، فيجمع الزاد ليصيب من لا زاد
عنده .
قال ابن العربي: لمالك في ذلك نكتة بديعة، وذلك أنه أدخل حديث
سويد وهو مؤرخ، وحديث الوضوء منه غير مؤرخ، ومتى عارض حديثان،
أحدهما مؤرخ، والآخر غير مؤرخ قضي بالمؤرخ على مجهول التاريخ، وهذا
يَدلُك على غوص مالك في العلم وعظيم ترتيبه في كتابه، اهـ.
قلت: وغوص مالك في العلم وعظيم ترتيب كتابه مما لا ينكر، لكن
ترجيح المؤرخ على غيره فيه نظر، لاحتمال أن يكون المؤرخ مقدماً، ولذا
قالوا: لا يكون ما يرويه الصحابي المتأخر الإسلام ناسخاً لما يرويه المتقدم
الإسلام.
٢١/٥١ - (مالك عن محمد بن المنكدر) بضم الميم وسكون النون وفتح
الكاف وكسر الدال المهملة آخره راء مهملة ابن عبد الله بن الهدير مصغراً
التيمي المدني، روى عنه الإمامان: أبو حنيفة ومالك وخلق، قال ابن عيينة:
كان من معادن الصدق، مات سنة ١٣٠ هـ أو بعدها.
(وعن صفوان بن سليم) مصغراً (أنهما) محمداً أو صفوان (أخبراه) أي
الإمام مالكاً (عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي) تيم قريش (عن ربيعة بن
عبد الله بن الهدير) بضم الهاء وفتح الدال مصغراً عم محمد المذكور، ولد في
حياة النبي ◌َّ، يُعَدّ في كبار التابعين، وبعضهم أدخل في النسب بين عبد الله
والهدير ربيعة آخر، ذكره ابن حبان في الصحابة ثم في التابعين، مات سنة
٩٣ هـ.
٣٩٣
٢ - كتاب الطهارة
(٥) باب
(٥٢) حديث
أَنَّهُ تَعَشَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ .
٢٢/٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ،
عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَكَلَ خُبْزاً وَلَحْماً، ثُمَّ
مَضْمَضَ، وَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ .
وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ
(أنه) أي ربيعة (تعشَّى)(١) أي أكل العشاء وهو طعام المساء (مع عمر بن
الخطاب) - رضي الله عنه - والظاهر أنه طعام مَسَّتْهُ النار وإن احتمل الاكتفاء
بالتمر وغيره (ثم صلى) عمر - رضي الله عنه - (ولم يتوضأ) ويجوز فيه لغة
وجهان: إبقاء الهمزة، وهو الأشهر، وحذفها كما تقدم.
٢٢/٥٢ - (مالك عن ضمرة)(٢) بفتح الضاد المعجمة وإسكان الميم (ابن
سعيد) بفتح السين ابن أبي حنة بحاء مهملة فنون، وقيل: بالباء الموحدة
(المازني) بكسر الزاي نسبة إلى مازن بن النجار، قبيلة من الأنصار، المدني
تابعي صغير، ثقة، روى له مسلم وأصحاب السنن (عن أبان)(٣) بفتح الهمزة
وخفة الباء الموحدة (ابن) أمير المؤمنين (عثمان) بن عفان الأموي، أبي سعيد
أو أبي عبد الله المدني تابعي، له روايات كثيرة، ثقة مات سنة ١٠٥ هـ (أن أباه)
ثالث خلفاء الراشدين (عثمان بن عفان) - رضي الله عنه -.
(أكل خبزاً ولحماً) مطبوخاً (ثم مضمض) فاه (وغسل يديه) لأنه سنة
الطعام (ومسح بهما) أي اليدين (وجهه) لينشف يديه وليزيل عنه الشعث، وتزول
الدسومة بمسح اللحية (ثم صلى ولم يتوضأ) أخرجه الطحاوي أيضاً .
(مالك أنه بلغه أن) أمير المؤمنين رابع الخلفاء أبا الحسن (علي بن أبي
طالب) بن عبد المطلب - كرم الله وجهه - ابن عم النبي ◌َّ- وصهره، كناه
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٣١/١).
(٢) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٤٦١/٤) و((خلاصة تهذيب الكمال)) (٦/٢).
(٣) وانظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٩٧/١) و((شذرات الذهب)) (٣٥/٢).
٣٩٤
٢ - كتاب الطهارة
(٥) باب
(٥٣) حديث
وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، كَانَا لا يَتَوَضَّانِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
٢٣/٥٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَأَلَ
عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الرَّجُلِ يَتَوَضَأْ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ يُصِيبُ
طَعَاماً قَدْ مَسَّتْهُ النَّارُ، أَيَتَوَضَّأُ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي
رسول الله ◌َ و أبا تراب، من السابقين الأولين، روي عن الإمام أحمد بن حنبل
- رضي الله عنه - والنسائي وإسماعيل القاضي أنهم قالوا: لم يرو لأحد من
الصحابة من الفضائل ما روي لعلي - رضي الله عنه - اسْتُشْهِد في رمضان سنة
٤٠ هـ بيد عبد الرحمن بن ملجم، وجهل قبره، وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني
آدم بالأرض بإجماع أهل السنة، وله ٦٣ سنة على الأرجح، قاله الحافظ(١).
(وعبد الله بن عباس) رضي الله عنه (كانا لا يتوضآن مما مسَّت النار) وقد
تقدم أن المسألة إجماعية بعد زمن الصحابة.
٢٣/٥٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه) أي يحيى (سأل
عبد الله (٢) بن عامر بن ربيعة) وهو أبو محمد العنزي بإسكان النون وقيل
يفتحها، في نسبه خلاف، حليف بني عدي قريش، وقيل: حليف آل الخطاب،
ولد في عهد النبي ◌َّلة، وثقه العجلي، قاله الزرقاني(٣)، له رؤية وأبوه
صحابي، مات سنة بضع وثمانين.
(عن الرجل يتوضأ للصلاة) يعني لا يكون محدثاً، بل يكون متوضِّئاً (ثم
يصيب) أي يأكل (طعاماً قد مَسَّتْه النار أيتوضأ؟) بهمزة الاستفهام أي من أكله
(قال) عبد الله (رأيت أبي) وهو عامر(٤) بن ربيعة بن كعب العنزي بفتح المهملة
(١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٣٣٤/٧).
(٢) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٢٧١/٥).
(٣) (شرح الزرقاني)) (٦٠/١).
(٤) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (١٢/٥).
٣٩٥
---
٢ - كتاب الطهارة
(٥) باب
(٥٤ - ٥٥) حديث
يَفْعَلُ ذُلِكَ وَلا يَتَوَضَّأُ .
٢٤/٥٤ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي نُعَيْمَ وَهْبِ بْنِ
كَيْسَانَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، يَقُولُ: رَأَيَّتُ أَبَا بَكْرِ
الصِّدِّيقَ، أَكَلَ لَحْماً ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ .
٢٥/٥٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ؛ أَنَّ
وسكون النون وزاي، حليف آل الخطاب، صحابي مشهور، أسلم قديماً وهاجر
الهجرتين وشهد بدراً، مات ليالي قتل عثمان - رضي الله عنه - (يفعل ذلك) أي
يأكله (ولا يتوضأ) وفي نسخة ((يصلي))، والمعنى واحد، سأله عن فعله، فأجابه
عن فعل أبيه ليعلم عمله ومستدله معاً.
٢٤/٥٤ - (مالك عن أبي نعيم) بضم النون (وهب بن كيسان) بفتح
الكاف القرشي مولاهم المدني المعلم، من رواة الستة، وثقه النسائي وغيره
مات سنة ١٢٧ هـ (أنه سمع جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام أبو عبد الله
(الأنصاري) السلمي بفتحيتين صحابي ابن صحابي من مشاهير الصحابة، غزا
معه وَّر تسع عشرة غزوة، كانت له حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه، مات
بالمدينة، وقيل: بمكة سنة ٧٤هـ، وقيل: بعدها .
(يقول رأيت) خليفة رسول الله وَ ر (أبا بكر الصديق) رضي الله عنه (أكل
لحماً ثم صلى ولم يتوضأ) أخرجه الطحاوي نحواً من عشرة طرق، فهؤلاء
الخلفاء الأربعة وعامر وابن عباس ما توضؤوا به بعد النبي ◌َّ فهو من أدلة
النسخ(١) .
٢٥/٥٥ - (مالك عن محمد بن المنكدر) وصله أبو داود والترمذي (أن
(١) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٢/ ١٤٢) وروى محمد بن الحسن أنه سمع مالكاً
يقول: إذا جاء عن النبي عليه السلام حديثان مختلفان، وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا
بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به.
٣٩٦
-----------
٢ - كتاب الطهارة
(٥) باب
(٥٦) حديث
رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ دُعِيَ لِطَعَامِ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَلَحْمٌ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ
تَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتِيَ بِفَضْلِ ذُلِكَ الَّعَامِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ
يَتَوَضَّأُ .
هذا حديث مرسل.
وقد وصله أبو داود عن جابر في: ١ - كتاب الطهارة، ٧٤ - باب في ترك
الوضوء مما مست النار.
والترمذيّ في: ١ - كتاب الطهارة، ٥٩ - باب في ترك الوضوء مما غيرت النار.
٢٦/٥٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ،
٠
: دعي) ببناء المجهول (لطعام) دعته امرأة من الأنصار كما في
رسول الله
الطريق الموصولة، قاله الزرقاني. قلت: هكذا في رواية الترمذي والطحاوي
والبيهقي، وفي رواية أبي داود عن محمد بن المنكدر عن جابر بلفظ ((قربت))
على المتكلم، فتأمل. (فقرب) ببناء المجهول (إليه خبز ولحم) من شاة ذبحتها
الأنصارية له على رواية الجماعة.
(فأكل منه ثم توضأ) للأكل منه أو لأنه كان محدثاً، وهو الظاهر (ثم
صلى) الظهر (ثم أتي) وفي رواية ((ثم دعي)) (بفضل) أي بقية (ذلك الطعام
فأكل) وَّ (منه ثم صلى) العصر (ولم يتوضأ) فعلم أن الوضوء لا يجب بأكل
ما مَسَّتْه النار. والحديث لا يخالف رواية عائشة ((ما شبع عليه الصلاة والسلام
من لحم في يوم مرتين)) لأن حديث جابر هذا ليس فيه الشبع، ويحمل حديث
عائشة - رضي الله عنها - على علمها .
٢٦/٥٦ - (مالك عن موسى بن عقبة) بالقاف ابن أبي عياش القرشي
مولاهم المدني مولى آل الزبير، ويقال: مولى أم خالد، وثقه أحمد ويحيى
وغيرهم، وكان الإمام مالك إذا سُئِل عن المغازي يقول: عليك بمغازي الرجل
الصالح موسى بن عقبة، فإنها أصح المغازي، مات سنة ١٤١ هـ، وقيل: بعدها.
٣٩٧
٢ - كتاب الطهارة
(٥) باب
(٥٦) حدیث
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ قَدِمَ مِنَ
الْعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ
(عن عبد الرحمن بن زيد) هكذا في جميع النسخ إلا في نسخة ((الزرقاني))
و((التنوير))، ففيهما بزيادة الياء في أوله، بل قال الزرقاني(١): هو بتحتية قبل
الزاي، وهو وهم، والصواب بإسقاط الياء، كما في أكثر النسخ، وكذا في
روايات الطحاوي والبيهقي بدون الياء، وهو المؤيد بكتب الرجال(٢).
والحقيقة أنه اشتبه هذا الراوي على العلامة الزرقاني ففسره بعبد
الرحمن بن زيد بن جارية الأنصاري أبي محمد المدني، وذكر حاله وليس
كذلك، بل هو غيره، وهو عبد الرحمن بن زيد بن عقبة المدني الأنصاري، فإن
الحافظ ابن حجر لم يذكر في مشايخ عبد الرحمن بن يزيد بن جارية أنساً، ولا
في تلامذته موسى بن عقبة.
بل يظهر من ملاحظة كتب الرجال أن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية
ليس له سوى حديث واحد، وهو حديث قصة الخنساء، أخرجه البخاري في
النكاح وأصحاب السنن، وأما عبد الرحمن بن زيد بن عقبة المدني الأنصاري
ذكر في مشايخه أنساً، وفي تلامذته موسى بن عقبة. وأصرح منه ما في ((جامع
الأصول)) إذ قال: عبد الرحمن بن زيد بن عقبة بن كريم الأنصاري يعد في
تابعي أهل المدينة، روى عن أنس بن مالك، وروى عنه موسى بن عقبة حديثه
في ترك الوضوء مما مست النار، انتهى.
فهذا نص في أن الراوي هناك عبد الرحمن بن زيد بدون الياء، وهو ليس
بابن جارية بل ابن عقبة بن كريم (الأنصاري) فله الحمد وله المنة (أن أنس بن
مالك) رضي الله عنه (قدم من العراق فدخل عليه) زوج أمه (أبو طلحة) زيد بن
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٦١/١).
(٢) انظر: ((تعجيل المنفعة)) (٦٢٥)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (٢٨٤/٥)، و((رجال جامع
الأصول)» (٣٧٠/١٣، ٣٧١).
٣٩٨
٢ - كتاب الطهارة
(٥) باب
(٥٦) حديث
وَأَبَيُّ بْنُ كَعْب، فَقَرَّبَ لَهُمَا طَعَاماً قَدْ مَسَّتْهُ النَّارُ، فَأَكَلُوا مِنْهُ. فَقَامَ
أَنَسْ فَتَوَضَّأَ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبِ: مَا هُذَا يَا أَنَسُ؟
أَعِرَاقِيَّةٌ؟ فَقَالَ أَنَسُ: لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْ. وَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ وَأَبَيُّ بْنُ
كَعْب، فَصَلَّيَا وَلَمْ يَتَوَضَّآ.
سهل الأنصاري النجَّاري، مشهور بكنيته من كبار الصحابة شهد بدراً وما
بعدها، مات سنة ٣٤هـ، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: هو وهم، وقيل:
هو الصواب (وأبي بن كعب) الأنصاري الخزرجي سيِّدُ القُرَّاء من فضلاء
الصحابة، في سن موته اختلاف كثير، أمره عثمان - رضي الله عنه - بجمع
القرآن، وجمع عليه عمر - رضي الله عنه - في التراويح، وكتب للنبي وَال
الوحي، وفيه دليل زيارة القادم من السفر.
(فقرب لهما طعاماً قد مسته النار، فأكلوا منه فقام أنس فتوضأ فقال) له
(أبو طلحة وأبي بن كعب: ما هذا) الوضوء (يا أنس أعراقية؟) أي أبالعراق
استفدت هذا العلم (١)، وتركت عمل أهل المدينة (فقال أنس: ليتني لم أفعل)
انقياداً لقولهما ورجوعاً إلى رأيهما.
قال الباجي(٢): يحتمل أن وضوء أنس - رضي الله عنه ــ كان على
التجديد، والوضوء على الوضوء، فأنكرا عليه موافقةً لمن توضأ منه، فعلى هذا
قول أنس: (ليتني لم أفعل)) لما أن ظهر منه الموافقة في غير الصواب وفيما
يوهم الشبهة، وإظهار التحرز عن التشبه بمن يتوضأ مما مسته النار (وقام أبو
طلحة وأبي بن كعب فصليا ولم يتوضأ) لما أنه كان متعارفاً بينهم. قال
الزرقاني(٣): وهذا من الحجج القوية الدالة على نسخ الوضوء منه، ومن ثم
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٢/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٦٧/١).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٦١/١).
٣٩٩
٢ - كتاب الطهارة
(٦) باب
(٥٧) حديث
(٦) باب جامع الوضوء
٢٧/٥٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ه سُئِلَ عَنْ الاسْتِطَابَةِ، فَقَالَ: ((أَوَ لا يَجِدُ
أَحَدُكُمْ ثَلاَثَةَ أَحْجَارٍ؟)).
ختم به هذا الباب، وهو يفيد أيضاً ردُّ ما ذهب إليه الخطابي من حمل أحاديث
الأمر على الاستحباب، إذ لو كان مستحباً ما ساغ لهما الإنكار عليه، اهـ.
(٦) جامع الوضوء
٢٧/٥٧ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير، أرسله رواة
((الموطأ)) كلهم ووصله أبو داود(١) والنسائي عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، وما
وقع لابن بكير وغيره عن هشام عن أبيه عن أبي هريرة غلط فاحش، قاله الزرقاني.
(أن رسول الله وَّ سُئل) ببناء المجهول (عن الاستطابة)(٢) هو طلب
الطيب والاستطابة الاستنجاء، يقال: استطاب وأطاب إطابة؛ لأن المستنجي
تطيب نفسه بإزالة الخبث (فقال) وَلّ: (أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟)
ليستطيب بها، يريد ◌َ﴿ بذلك التيسير، والتسهيل، كما هو ظاهر من السياق،
لأن المُحْدِثَ لا يكاد يعدم مثل هذا غالباً. وعَلَّقَهُ بالثلاث لأنه مما يقع به
الإنقاء في الغالب، قاله الباجي(٣)، فقصر الاستجمار على ما كان من جنس
الأرض كما فعله أصبغ خلاف الرخصة فتأمل. وتقدم أن الاستنجاء سنة عند
الحنفية، والمالكية، وكذلك التثليث مندوب عندهما خلافاً للشافعية،
والحنابلة، لأنهم قالوا بوجوب كل منهما .
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة (٢١) باب الاستنجاء بالحجارة، والنسائي في كتاب
الطهارة (٤٠) باب الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها .
(٢) قال في ((الاستذكار)) (١٥٨/٢) الاستطابة والاستنجاء والاستجمار أسماء لمعنى واحد.
(٣) ((المنتقى)) (٦٧/١).
٤٠٠