النص المفهرس
صفحات 361-380
٢ - كتاب الطهارة (٢) باب (٣٩) حديث (٢) باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة ٩/٣٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ لَ* قَالَ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ استحباب غسل اليدين إذ ذاك، فهو أشدُّ تأكيداً من غير النائم حتى قال بعضهم: بوجوبه في حقه كما سيجيء والأوجه أن يكون مقصود الترجمة أن الوضوء للنائم لا يجب على الفور، بل إذا قام إلى الصلاة. (٢) وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة ٩/٣٩ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان، (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَل قال: إذا استيقظ) (١) وهو لازم بمعنى تيقّظَ (أحدكم من نومه)، أُشكل عليه بوجهين: الأول: ما الفائدة في قول ((من نومه)) إذ الاستيقاظ لا يكون إلا من النوم، والثاني: أنه ما الفائدة في قوله: ((أحدكم من نومه)) فإن أحداً لا يستيقظ من نوم غيره، فلو قيل: من نوم أو من النوم لكان أخصر؟ وأجيب عن الأول بأن الاستيقاظ قد يكون من الغشية وغيره، ويقال: استيقظ فلان من غشية أو غفلة، وأجيب عن الثاني بما قال الفاكهاني: إنما قال ذلك لمعنى لطيف جداً، وهو الإِشارة إلى أن نومه عليه السلام مغاير لنومنا، فإن قلت: قوله ((أحدكم)) يعطي هذا المعنى؟ قلت: أجل، لكنه جاء على طريق المبالغة والتأكيد، كذا في ((ابن رسلان)). (فليغسل) بصيغة الأمر (يده) بالإِفراد، زاد مسلم وغيره (ثلاثاً)) والمراد (١) قد استنبط الفقهاء من هذا الحديث استنان تقديم غسل اليدين إلى الرسغين عند بداية الوضوء، وقالوا: قيد الاستيقاظ اتفاقي، ((التعليق الممجد)) (١٨٩/١) وانظر: ((الاستذكار))، (٧٩/٢) و((التمهيد)) (١٨ /٢٤٧) وما بعدها . ٣٦١ ٢ - كتاب الطهارة (٢) باب (٣٩) حديث قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)) . أخرجه البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء، ٢٦ - باب الاستجمار وتراً. ومسلم في: ٢ - كتاب الطهارة، ٢٦ - باب كراهة غمس المتوضىء وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإِناء، حديث ٨٧ و ٨٨. الكف، لا ما زاد عليه، اتفاقاً، والمراد يده اليمنى ثم يغسل منه يده اليسرى كما في ((المحيط)). (قبل أن يدخلها في وضوئه) بفتح الواو، الماء الذي يتوضأ به، أي في الإِناء المعدّ للوضوء، ولمسلم ((في الإِناء)) ولمسلم وغيره من طرق ((فلا يغمس يده في الإِناء حتى يغسلها)) ويلحق بإناء الوضوء إناء الغسل وكذا الآنية سواه، وخرج منه الحياض التي لا تفسد بغمس اليد على تقرير نجاستها أيضاً، والأمر للندب عند الأئمة الثلاثة، والجمهور لما علّله بقوله (فإنّ أحدكم لا يدري أين). قد أَسْتُشْكل هذا التركيب لأن انتفاء الدراية لا يمكن أن يتعلق بالاستفهام، فيكون فيه مضاف محذوف وليست استفهاماً، وإن كانت صورته صورة استفهام، يعني لا يدري تعيين الموضع الذي باتت يده، قاله السيوطي وغيره. (باتت) بمعنى صارت عند الجمهور (يده) زاد ابن خزيمة والدارقطني (منه)) أي من جسده، يعني هل لاقت مكاناً طاهراً منه أو نجساً، وحمله الإِمام أحمد على الوجوب في نوم الليل دون النهار، لأن حقيقة البيات بالليل، وفي رواية عنه استحبابه في نوم النهار. قال في ((المغني)) (١): وغسل اليدين ليس بواجب عند غير القيام من النوم بغير خلاف نعلمه، أما عند القيام من نوم الليل فروي عن أحمد وجوبه، وهو الظاهر عنه، وروي عنه أنه مستحب، وليس بواجب، وبه قال عطاء ومالك ---- (١) (١٤٩/١). ٣٦٢ ٢ - كتاب الطهارة (٢) باب (٣٩) حديث والأوزاعي، والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي. ولا تختلف الرواية في أنه لا يجب غسلها من نوم النهار، وسوَّى الحسن في نوم الليل ونوم النهار في الوجوب، اهـ ملخصاً. ثم لو غمس يده فيه قبل أن يُدخلها فاتفقوا على أنه لا يضرُّ الماء، وقال إسحاق وداود وغيرهما: يتنجَّس الماء. قال ابن قدامة: فإن غمس يده فعلى قول من لم يوجب غسلها لا يؤثر غمسها شيئاً، ومن أوجبه قال: إن كان الماء كثيراً لم يؤثر أيضاً، وإن كان يسيراً فقال أحمد: أعجب إليّ أن يهريق، وقال الحسن: تجب إراقته، اهـ ملخصاً . ثم قال الإِمام الشافعي: سبب الحديث، أنهم كانوا يستنجون بالأحجار، والبلاد حارّة، فإذا نام أحدهم عرق، فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو قذر غير ذلك، انتهى. فعلم بهذا أنه للشك في نجاسة اليد، فمتى وقع الشك فيها كره له غمسها في الإناء قبل الغسل سواء كان ليلاً أو نهاراً، أو وقع الشك بدون النوم كما قاله النووي، ولا يصح الاستدلال به على وجوب غسلهما مطلقاً كما فعله بعض أهل الظاهر. وعلى هذا يكون مؤدى الحديث استحباب الغسل للمستيقظ خاصة، ويثبت استحباب البداية بغسل اليدين لغير المستيقظ بأفعاله وَ الاته . قال ابن رسلان: المستيقظ يكره له الغمس قبل الغسل وغير المستيقظ يستحب له الغسل قبل الغمس، والفرق بينهما أن الشيء قد يكون مستحب الفعل ولا يكون مكروه الترك كصلاة الضحى وكثير من النوافل، اهـ ملخصاً. ولم يرتض الباجي بما تقدم من سبب الحديث وقال: بل الأظهر ما ذهب إليه شيوخنا العراقيون من المالكيين وغيرهم أن النائم لا يكاد أن يسلم من حك جسده، وموضع بثرة في بدنه، ومس رفغه وإبطه، وغير ذلك من مغابن جسده، ٣٦٣ ٢ - كتاب الطهارة (٢) باب (٤٠) حدیث ١٠/٤٠ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ مُصْطَجِعاً فَلْيَتَوضَّأ . وحدّثني مَالكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ تَفْسِيرَ هُذِهِ الآيَةِ - ومواضع عرقه، فاستحب له غسل اليد تنظفاً وتنزهاً، وعلى هذا يكون الحكم عاماً لكل متوضىء، ولا يختص بالنائم. ولذا قال الباجي(١) في محل آخر: وتعليقه بنوم الليل لا يدل على الاختصاص، لأن المستيقظ لا يمكنه التحرز من مس رفغه ونتف إبطه، وفتل ما يخرج من أنفه، وقتل برغوث، وحكّ موضع عرق، فإذا كان المعنى الذي شرع له غسل اليد موجوداً في المستيقظ لزمه ذلك الحكم، ولا يسقط عنه بأن الشرع علقه على النائم، انتهى مختصراً. قلت: فينبغي أن يغسل رؤس الأظفار والكرع لأنها يغمس عند الاغتراف. ١٠/٤٠ - (مالك عن زيد بن أسلم أن) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (يقول: إذا نام أحدكم مضطجعاً فليتوضأ) وجوباً لانتقاض وضوئه، وبه قالت الحنفية، قال في ((البدائع))(٢): النوم مضطجعاً في الصلاة أو خارجها ناقض بلا خلاف، اهـ. وقال الزرقاني: هذا ونحوه محمول عند مالك على ما إذا كان ثقيلاً. وسيأتي الكلام على المذاهب بعد ذلك. (مالك عن زيد بن أسلم) وكان من علماء التفسير، وله كتاب أيضاً فيه (أن تفسير هذه الآية) فسر تمام الآية العلامة العيني في ((شرح البخاري))(٣) بما لا مزيد عليه، ولا يسعه هذا الوجيز، لو شئت التفصيل فارجع إليه. (١) ((المنتقى)) (٤٨/١). (٢) (بدائع الصنائع)) (١٣٣/١). (٣) ((عمدة القاري)) (٥٨٥/٢). ٣٦٤ ٢ - كتاب الطهارة (٢) باب (٤٠) حديث ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُوْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ أَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُمْتُمْ مِنَ المَضَاجِعِ، يَعْنِي النَّوْمَ . (يا أيها الذين آمنوا) فيه تغليب للرجال (إذا قمتم) فيه التفات (إلى الصلاة) وسيأتي المراد بالقيام إلى الصلاة (فاغسلوا) والغسل لغة الإِسالة (وجوهكم) جمع وجه، وحدّه من قُصاص الشعر إلى أسفل الذقن إلى شحمتي الأذن، حكى ذلك أبو الحسن الكرخي عن البردعي. وقال الرازي: ولا نعلم خلافاً بين الفقهاء في هذا المعنى، اهـ. قلت: إلا ما روي عن الإمام مالك - رضي الله عنه - كما تقدم. (وأيديكم إلى المرافق) أي مع المرافق كما تقدم (وامسحوا) والمسح لغة الإِصابة كما في ((الهداية)) (برؤوسكم) أي كلها على الاستحباب بالاتفاق، وقد تقدم الكلام على مقدار الوجوب (وأرجلكم) بالنصب عطفاً على أيديكم، وهو قراءة نافع وابن عامر والكسائي، وبالجر على الجوار في قراءة الباقين (إلى الكعبين) أي مع الكعبين (أن ذلك) أي وجوب الوضوء (إذا قمتم) إلى الصلاة (من المضاجع) جمع مضجع (يعني النوم) يعني إذا قمتم من النوم إلى الصلاة وجب الوضوء، فالمراد بالقيام القيام من النوم. وهذا أحد الأقوال في تفسير الآية، أخذ به زيد بن أسلم وجماعة من المالكيين، على ما قاله الباجي(١)، وقالوا: إن الآية ورد فيها ذكر سائر الأحداث، فينبغي أن يحمل أولها على النوم ليجتمع فيها أنواع الأحداث الموجبة للوضوء. قال في (تفسير الخازن)): ظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء عند كل صلاة، وهو مذهب داود الظاهري، وذهب جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم إلى أنه يجزىء عدّة صلوات بوضوء واحد، وأجيب عن ظاهر الآية أن (١) انظر: ((المنتقى)) (٤٩/١). ٣٦٥ ٢ - كتاب الطهارة (٢) باب (٤١) حدیث ١١/٤١ - قَالَ يَحْيَى؛ قَالَ مَالِكٌ: الأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لا يُتَوَضَّأُ مِنْ رُعَافٍ، وَلاَ مِنْ دم، وَلا مِنْ قَبْحِ يَسِيلُ مِنَ الْجَسَدِ، المعنى إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر، فحذف ذلك لدلالة المعنى. وقيل: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم. وقيل: أمر ندب، ندب أن يجدّدوا لها طهارة، وإن كانوا على طهر، وقيل: هذا إعلام من الله عزّ وجل رسوله أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، والقول الأول هو المختار في معنى الآية، انتهى مختصراً. وقال البيضاوي: ظاهرها يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً والإِجماع على خلافه، فقيل: مطلق أريد به التقييد، والمعنى إذا قمتم إليها محدثين، وقيل: الأمر للندب، وقيل: كان أولاً ثم نسخ، وهو ضعيف لكون المائدة من آخر القرآن نزولاً، انتهى مختصراً. واختلفت أقوال الفقهاء أيضاً في سبب الوجوب للوضوء، فقيل: الصلاة. وقيل: ما لا يحلُّ إلا به. وبسط الشامي أقوال الحنفية فيه، وهذا المختصر لا يسعها، والبحث أصولي لا يحتاج إليه في شرح الحديث، فتركناه روماً للاختصار. ١١/٤١ - (قال مالك) الإمام (الأمر) المُعَوَّلُ به (عندنا أنه لا يتوضأ) ببناء المجهول (من رعاف) كغراب، وهو خروج الدم من الأنف، والرعاف أيضاً الدم بعينه. قال الإمام محمد(١) بعد أن أخرج عدة الروايات عن مالك في نقص الوضوء بالرعاف: وبهذا كله نأخذ، فأما الرعاف فإن مالك بن أنس كان لا يأخذ بذلك، اهـ. ويأتي الكلام على وضوء أصحاب الأعذار في المستحاضة (ولا من دم) خرج من الجسد ولو بحجامة أو قصد (ولا من قبح يسيل من الجسد) وعدم نقض الوضوء بخروج نحو الدم مذهب الإمام مالك (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢٤٧/١). ٣٦٦ ٢ - كتاب الطهارة (٢) باب (٤١) حديث وَلاَ يُتَوضَّأُ إلا مِنْ حَدَثٍ يَخْرُجُ مِنْ ذَكَرٍ، أَوْ دُبُرٍ، أَوْ نَوْمٍ. - رضي الله عنه -، ولذا قال: عندنا، وبه قال الإمام الشافعي - رضي الله عنه -. وقال الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: الدم من نواقض الوضوء، وقَيَّدُوْهُ بالسيلان. قال ابن قدامة في ((المغني))(١): والقيء الفاحش والدم الفاحش والدود الفاحش، أي من نواقض الوضوء. وجملته أن الخارج من البدن من غير السبيل ينقسم قسمين: طاهراً ونجساً، فالطاهر لا ينقض الوضوء على حال، والنجس ينقض الوضوء في الجملة رواية واحدة، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وعلقمة وعطاء وقتادة والثوري وأصحاب الرأي، وكان مالك والشافعي وابن المنذر وغيرهم لا يوجبون منه وضوءاً، انتهى. قال الشوكاني: وذهب إلى أن الدم من نواقض الوضوء: القاسمية وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقيدوه بالسيلان، وذكر دلائلهم، ولما سلك الإمام مالك - رضي الله عنه - طريق بيان المذهب معرضاً عن الدلائل اقتفينا أثره، ودلائلنا الحنفية في نقض الوضوء بخروج الدم بسطها حضرة الشيخ في ((البذل))(٢) من شاء فليرجع إليه، وكان الأوجه للمصنف أن يذكر هذا فيما سيأتي من باب الرعاف، وسيأتي هناك أيضاً شيء من الكلام عليه . (ولا يتوضأ) ببناء المجهول (إلا من حدث يخرج من ذكر) وهو البول والمذي والمني في بعض الأحوال (أو دبر) وهو الغائط والريح ولو بدون صوت (أو نوم) عطف على حدث، والمراد بالنوم عند المالكية النوم الثقيل. واختلف العلماء في تحديد النوم الناقض للوضوء على ثمانية مذاهب (١) (٢٤٧/١) (٢) بذل المجهود (١٢٩/٢ - ١٣٨). ٣٦٧ ٢ - كتاب الطهارة (٢) باب (٤١) حديث وحدثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَر كَانَ يَنَامُ جَالِساً، ثُمَّ يُصَلِّي وَلاَ يَتَوَضَّأُ . ذكرها النووي، وحكاها عنه الشيخ في ((البذل))(١)، وذكر العيني فيه تسعة مذاهب، ومذهب الحنفية فيه أن النوم مضطجعاً أو متكئاً على شيء لو أزيل لسقط ناقض. قال ابن قدامة في ((المغني))(٢) في موجبات الوضوء: وزوال العقل إلا أن يكون النوم اليسير جالساً أو قائماً، وزوال العقل على ضربين: نوم، وغيره؛ فأما غير النوم وهو الجنون والإغماء والسُّكر وما أشبهه من الأدوية المزيلة للعقل، فينقض الوضوء يسيره وكثيره إجماعاً. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على وجوب الوضوء على المغمى عليه، ولأن هؤلاء حِسّهُم أبعد من حسِّ النائم، والضرب الثاني: النوم وهو ناقض للوضوء في الجملة في قول عامة أهل العلم، إلا ما حكي عن أبي موسى الأشعري وغيره. ثم ذكر اختلاف الأئمة في تحديد النوم الناقض، والروايات عن الأئمة فيها مختلفة جداً لا يسعها هذا المختصر. ثم لا يذهب عليك أن حصر الإمام نقض الوضوء في حدث ونوم مشكل على مذهب المالكية أيضاً. قال الباجي(٣): ونواقض الطهارة الصغرى ثلاثة أنواع لا خلاف فيها في المذهب: ذهاب عقل كالنوم، والإغماء، والسكر، والجنون، وخارج، وملامسة، اهـ مختصراً. ويمكن أن يجاب عنه أن الحصر إضافي باعتبار بعض الأفراد. (مالك عن نافع عن) عبد الله (بن عمر) - رضي الله عنهما - (أنه كان) أحياناً (ينام جالساً ثم يصلي ولا يتوضأ) لعدم الاستناد عندنا الحنفية ولخفة النوم عند المالكية . (١) (١٣٨/٢) (٢) (٢٣٤/١). (٣) ((المنتقى)) (٤٨/١). ٣٦٨ -------- ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٢) حديث (٣) باب الطهور للوضوء ١٢/٤٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْم، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ سَلَمَةَ، مِنْ آلِ بَنِي الأَزْرَقِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةً، (٣) الطهور للوضوء (الطهور) بفتح الطاء أي المطهر البالغ في الطهارة، وهو عند جمهور أهل اللغة بالضم للفعل الذي هو المصدر، وبالفتح للماء الذي يتطهر به، وقيل: بالضم فيهما، وقيل: بالفتح فيهما كما قاله الشوكاني. (للوضوء) يعني ينبغي ويجب للوضوء أن يكون ماءً مطهراً كما يظهر من جوابه عليه السلام، لأنه رَّ عَلَّلَ جواز الوضوء منه بكونه طهوراً. ١٢/٤٢ - (مالك عن صفوان بن سليم) بضم السين المهملة مصغراً أبو عبد الله المدني الزهري، وثقه كثيرون، تابعي، مفتي، عابد، مات سنة ١٣٢ هـ. وله اثنان وسبعون سنة (عن سعيد) بفتح السين المهملة وكسر العين (ابن سلمة) المخزومي (من آل بني الأزرق) بمفتوحة وسكون زاي فراء فقاف، وثقه النسائي، وقال الحافظ في ((تهذيبه)): سعيد بن سلمة روى عن المغيرة حديث البحر ((هو الطهور ماؤه)) وهو حديث في إسناده اختلاف، وصحّح البخاري وابن حبان وابن خزيمة وغير واحد حديثه، اهـ. قلت: لم يذكر الحافظ توضيح الاختلاف الواقع فيه، وبيّنه البيهقي كما نقله عنه في (البذل))(١) قال: واختلفوا في اسم سعيد فقيل كما قال مالك، وقيل: عبد الله بن سعيد المخزومي، وقيل: سلمة بن سعيد، وهو الذي أراد الشافعي بقوله: في إسناده من لا أعرفه، اهـ. (عن المغيرة بن أبي بردة) ويقال: ابن عبد الله بن أبي بردة، ويقال: (١) (٢١٣/١) وانظر: ((تهذيب التهذيب)) (٤٥٢/٤). ٣٦٩ ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٢) حديث وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ. أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، وقلبه بعضهم، وثقه النسائي وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: من أدخل بينه وبين أبي هريرة أباه فقد وهم، وقال الرافعي: هو من المزيد في متصل الأسانيد، لتصريح المغيرة بسماعه من أبي هريرة، قال ابن عبد البر(١): سأل الترمذي(٢) البخاري عن حديث مالك هذا؟ فقال: صحيح، قلت: هشيم يقول فيه: المغيرة بن أبي برزة بفتح الموحدة والزاي؟ فقال: وهم فيه. قلت: اختلف في هذا الحديث، فقيل كما قال مالك، وقيل: عن المغيرة بن أبي بردة عن رجل من بني مدلج، وقيل: عن عبد الله بن مغيرة الكندي عن رجل من بني مدلج، وقيل: عن المغيرة بن أبي بردة عن أبيه، وقيل: غير هذا، كذا في ((البذل)). (وهو) أي المغيرة (من بني عبد الدار) وهو قبيلة من قريش منسوب إلى عبد الدار بن قصي، قال الزرقاني: كذا في رواية يحيى، قال ابن وضّاح: ليس هو من بني عبد الدار، وطرحه، ولم يقع ذلك في ((موطأ محمد))، انتهى. قلت: لكنه وقع في رواية القعنبي عن مالك عند أبي داود، قال ابن رسلان: وكان حليفاً لهم. (أنه أخبره أنه سمع أبا هريرة) الحديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه، وصحّحه ابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر والخطابي والطحاوي وابن منده والحاكم وابن حزم والبيهقي وآخرون، كذا في ((البذل)) قلت: وأطال الكلام فيه الشوكاني في ((النيل)) وقال: قد ذكر ابن دقيق العيد جميع وجوه التعليل التي يعلل بها هذا الحديث. (١) ((الاستذكار)) (٩٤/٢). (٢) ((جامع الترمذي)) (١٠١/١). ٣٧٠ معمـ --- ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٢) حديث يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَرْکَبُ قال ابن الملقن: حاصلها أربعة وجوه: الأول: الجهالة في سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة، والثاني: الاختلاف في اسم سعيد بن سلمة، والثالث: التعليل بالإِرسال، يعني أرسله يحيى بن سعيد، والرابع: التعليل بالاضطراب، ثم ذكر الأجوبة عن هذه العلل الأربعة، لو شئت فارجع إليه(١)، ولا يحتاج إلى التفصيل بعد أن تلقاه العلماء بالقبول، وتداولته فقهاء الأمصار في سائر الأعصار، ورواه الأئمة الكبار وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم. قال ابن رسلان: قال الإِمام الشافعي: هذا الحديث نصف علم الطهارة. (يقول: جاء رجل إلى رسول الله (18) من بني مدلج، كما في ((مسند أحمد))(٢) قيل: اسمه عبد الله، هكذا ذكره الدارقطني وابن بشكوال كما في ابن رسلان، وفي ((الإِصابة)): عبد بسكون الموحدة بغير إضافة، وهكذا أورده الطبراني، العركي بفتح المهملة والراء بعدها، وقيل: عبيد، وقيل: حميد بن صخر، وقيل: عَبْدُ وُدِّ، قال ابن رسلان: قال السمعاني في ((الأنساب)): اسمه العركي، وغلط في ذلك وإنما العركي وصف له، وهو ملاح السفينة، اهـ. (فقال: يا رسول الله، إنا نركب) فيه جواز ركوب البحر بغير حج ولا عمرة ولا جهاد، لأن السائل إنما ركبه للصيد، كما جاء من غير طريق، ولا يُشْكل عليه بما في جهاد أبي داود (٣) ((لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر)) الحديث، لأنه ضعيف، كما صرح به أهل الفن، أو يقال: إن النهي للإِرشاد. وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في الجهاد. (١) وراجع ((الاستذكار)) (٩٦/٢) و((التمهيد)) (٣٠/١٦). (٢) (٢٦١/٢). (٣) ((سنن أبي داود)) (٢٤٨٩). ٣٧١ ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٢) حديث الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَتَتَوَضَّأُ بِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، (البحر) أي مراكبه من السفن. واختلف أهل اللغة في اشتقاق البحر فقيل: سمي لسعته، وقيل: لشقه الأرض، بسطه ابن رسلان، والمراد به هناك المالح، لأنه المتوهم فيه لملاحته ومَرارته ونتن ريحه، وقيل: غيره (ونحمل معنا القليل) بقدر الاكتفاء (من الماء) العذب. فيه حجة على أن إعداد الماء الكافي للطهارة مع القدرة عليه غير واجب؛ لأنهم أخبروا أنهم يحملون القليل من الماء، قاله ابن رسلان (فإن توضأنا به) فينفد، و (عطشنا) بكسر الطاء المهملة . (أفنتوضأ من ماء البحر؟) وسأل عن الوضوء لأن كل ما كان مزيلاً للحَدَث، فمزيل للخبث بالطريق الأولى، ولعل منشأ السؤال ما أخرجه أبو داود وغيره من حديث ((فإن تحت البحر ناراً)) وقد روي من ابن عمرو بن العاص وغيره أنه لا يجوز التطهر به، وفي ((الشرح الكبير)) عن ابن عمرو: التيمم أعجب إليّ منه. وقيل: منشأ السؤال موت الحيوانات فيه، وقيل: تغير لونه وطعمه، وكان من المعقول عندهم أن الطهور هو الماء المفطور على خلقة السليم في نفسه، الخلي من الأعراض المؤثرة فيه. (فقال رسول الله ◌ِالر: هو) أي البحر (الطهور) بفتح الطاء البالغ في الطهارة (ماؤه) ولم يقل في جوابه: نعم، مع حصول الغرض منه ليقرن الحكم بعلته، وهي الطهورية المتناهية في بابها، أو يقال: إنه لو قال: نعم لما جاز الوضوء به إلا لضرورة، لأنه عليه وقع سؤالهم. وقال ابن دقيق العيد: لو قال: نعم لم يستفد منه من حيث اللفظ إلا جواز الوضوء الذي وقع السؤال عنه، وإذا قال: الطهور ... إلخ أفاد جواز رفع الأحداث؛ أصغرها وأكبرها وإزالة الأنجاس به لفظاً، كذا في ابن رسلان. ويُشْكل على الحديث أن المسند المحلَّى باللام ينحصر في المسند إليه، ٣٧٢ ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٢) حدیث الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)) . رواه أبو داود في: ١ - كتاب الطهارة، ٤١ - باب الوضوء بماء البحر (٦٤/١). والترمذي في: ١ - كتاب الطهارة، ٥٢ - باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور (١٠٠/١). والنسائي في: ١ - كتاب الطهارة، ٤٧ - باب ماء البحر (٥٠/١). وابن ماجه في: ١ - كتاب الطهارة، ٣٨ - باب الوضوء بماء البحر (١٣٦/١). والبيهقي في: السنن الكبرى (٣/١)، ومعرفة السنن والآثار (٤٦٧/١). كما هو المشهور عند أهل الفن، وأجيب بأنه قد يكون عكسه، فينحصر المسند إليه في المسند، وهو المقصود هناك، ذكره على هذا النسق لشدة اهتمام وصف الطهورية. ثم مذهب الجمهور والأئمة الأربعة طهوريته مطلقاً. ومنعه قوم مطلقاً، وأجازه قوم ضرورة، كما في ((الميزان)) للشعراني. قال الزرقاني(١): الطهور به حلال صحيح كما عليه جمهور السلف والخلف، وما نقل عن بعضهم من عدم الإجزاء به مُزَيَّفٌ أو مؤول، اهـ. و(الحل) أي الحلال (ميتته) بالفتح، وأخطأ من كسره إذ هي الحالة، والمراد ما زهق روحه بغير ذبح. قال العلماء: لما عرف ◌َل# اشتباه الأمر في الماء أشفق أن يشتبه عليهم حكم الميتة، وقد يبتلي بها أيضاً راكب البحر، فعقّب الجواب عن سؤاله بيان الميتة . وقال آخرون: سأله عن الماء فأجابه عنه وعن الطعام، لعلمه بأنه قد يُعْوِزُهم الزاد فيه كما يعوز الماء. وقال آخرون: كان المتوهم أنه يموت فيه الحيوان والميتة نجسة، احتاج أن يعلمهم أن حكم ميتته بخلاف غيره، كي لا (١) ((شرح الزرقاني)) (١/ ٥٣). ٣٧٣ ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٢) حديث يتوهم أنه يتنجس بحلولها، فهو بمنزلة العلة لقوله: ((الطهور ماؤه)) وهذا أوجه ما قالوا في معنى الحديث، فيكون الحل بمعنى الطاهر، ويكون هذا القول بمنزلة الدليل لما سبقه، ويكون المعنى ((الطهور ماؤه))؛ لأن ميتته طاهر، ولا يحتاج إذاً إلى التخصيص بالسمك وغيره، ولا يخالف أحداً. وأما على ما هو المشهور بين العلماء في معناه من أنه تأسيس، فاختلف فيه الأئمة. قال النووي: أجمع المسلمون على إباحة السمك، وقال أصحابنا: يحرم الضفدع للحديث في النهي عن قتلها، قالوا: وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه؛ أصحها: يحل جميعه، والثاني: لا يحل أي إلا السمك، والثالث: يحل ما له نظير مأكول في البَرِّ، اهـ وقال الشعراني(١): ومن ذلك قول أبي حنيفة لا يؤكل من حيوان البحر إلا السمك وما كان من جنسه، مع قول مالك: إنه يجوز أكل غير السمك من السرطان وكلب الماء والضفدع وخنزيره، ولكن الخنزير مكروه عنده، وروي أنه توقف فيه، ومع قول أحمد يؤكل جميع ما في البحر إلا التمساح والضفدع والكوسج، وذكر الروايات الثلاثة للشافعية، ثم قال: ورجح بعض الشافعية أن كل ما في البحر حلال إلا التمساح والضفدع والحية والسرطان والسلحفاة، وسئل مالك عن الخنزير؟ فقال: حرام، فقيل له: إنه من البحر؟ فقال: إن الله حرم لحم الخنزير، وأنتم سميتموه خنزيراً، انتهى. فعلم بهذا أن عموم الحديث مخصوص عند أكثر الأئمة، فهو مخصوص بالسمك عندنا الحنفية للأثر، قال في ((البدائع))(٢): ولنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ وَمُ الْخِزِيرِ﴾(٣) من غير فصل بين البري والبحري، وسئل عليه (١) ((الميزان الكبرى)) (٥٣/٢). (٢) (١٤٤/٣). (٣) سورة المائدة، الآية: ٣. ٣٧٤ ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٣) حديث ١٣/٤٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْن عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْن فروَةَ، عَنْ خَالَتِهَا، كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بِنْ مَالِكِ، السلام عن الضفدع يجعل في الدواء؟ فنهى عن قتله. أخرجه أبو داود في الطب(١). والمراد بالميتة في قوله: ((الحل ميتته)) السمك خاصة، بدليل قوله عليه السلام: أحلت لنا الميتتان: السمك والجراد، انتهى مختصراً. قلت: وحديث العنبر المشهور بين أهل الحديث أخرجه البخاري ومسلم وجماعة، يؤيد الحنفية، ولأن أبا عبيدة قال أولاً: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم إليه. الحديث، فلو كان كل ما في البحر حلالاً لما قال أولاً: ميتة، ولما احتاج لإباحته إلى الوجوه الثلاثة المذكورة، وهذا كله بعد إثبات أن حديث الباب يخالف الحنفية، ودونه قلل الجبال، كما تقدم من أنه لو أريد به الطاهر، فيكون علة لما قبله، ولا يخالف أحداً . ١٣/٤٣ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري عن) زوجته (حميدة) بضم الحاء المهملة وفتح الميم عند جميع رواة ((الموطأ)) إلا يحيى الليثي، فقال: إنها بفتح الحاء وكسر الميم (بنت أبي عبيدة بن فروة) كذا قال يحيى، وهو غلط منه ولم يتابعه عليه أحد (٢)، وإنما قال رواة ((الموطأ)) كلهم: بنت عبيد بن رفاعة، وهكذا في رواية محمد، وكذا في رواية أبي داود وغيره، وهو عبيد بن رفاعة بن رافع، فمن قال: بنت عبيد بن رافع نسبه إلى جده. وحميدة هذه امرأة إسحاق تكنى أم يحيى باسم ابنها يحيى بن إسحاق، أنصارية مدنية تابعية مقبولة (عن خالتها كبشة) بفتح الكاف والشين المعجمة بينهما موحدة ساكنة (بنت كعب بن مالك) الأنصارية، قال ابن حبان: لها صحبة وقال ابن منده: مجهولة، كما في ((النيل))(٣). (١) رقم الحديث (٣٨٧١). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١١٣/٢) و((تهذيب التهذيب)) (٤١٢/١٢). (٣) ((نيل الأوطار)) (١٨/١) وانظر: ((أعلام النساء)) (٣٣٣/٤) و((تهذيب الكمال)) (٤٤٧/١٢). ٣٧٥ ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٣) حديث وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءاً. فَجَاءَتْ هِرَّةٌ لِتَشْرَبِ مِنْهُ، فَأَصْغُى لَهَا الإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ. (وكانت) كبشة (تحت) عبد الله (ابن أبي قتادة) التابعي الأنصاري المدني المتوفى سنة ٩٥هـ، وقال ابن سعد: تزوجها ثابت بن أبي قتادة فولدت له، ووقع في رواية ابن المبارك عن مالك: وكانت امرأة أبي قتادة، وهو وهم، إنما هي امرأة ابنه (أنها) أي كبشة (أخبرتها) أي حميدة (أن أبا قتادة) الأنصاري، ولا يكنى بهذه الكنية في الصحابة أحد سواه، فارس رسول الله وَّل، اسمه الحارث، وقيل: عمرو، وقيل: النعمان، والأول أشهر، ابن ربعي بكسر الراء وسكون الموحدة، السلمي بفتحتين، المدني شهد أحداً وما بعدها، ولم يصح شهوده بدراً، قاله الزرقاني(١). اختلف في موته فقيل: مات سنة ٥٤هـ واختاره أكثر أهل الرجال، وقيل: سنة ٣٨هـ، وهو مختار الطحاوي، والبحث فيه طويل لا يسعه المقام، محله شروح الطحاوي (٢) . (دخل عليها فسكبت) أي صَبَّتْ كبشة، قال الرافعي: يقال: سكب يسكب سكباً أي صبّ، فسكب سكوباً أي انصب، والظاهر أنه بسكون التاء للتأنيث، وقال الأبهري: بضم التاء على المتكلم، قال القاري (٣): لكن أكثر النسخ المصححة بالتأنيث، ويؤيد المتكلم ما في ((المصابيح)) قالت: فسكبت (له) أي لأبي قتادة - رضي الله عنه - (وضوءاً) بالفتح أي الماء الذي يتوضأ به (فجاءت هرة لتشرب منه) حال أو صفة (فأصغى) بغين معجمة أي أمال (لها الإِناء حتى شربت) الهرة (منه) أي الإِناء بالسهولة، وفيه تصرف للضيف في مال المضيف والمسألة خلافية، كما بسطه ابن رسلان. ------ (١) ((شرح الزرقاني)) (٥٤/١). (٢) انظر: ((أماني الأحبار)) (٦٠/١ - ٧٩). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٦١/٢). ٣٧٦ ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٣) حديث قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْه. فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِى؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ، نَعَمْ. فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴾ قَالَ: ((إِنَّهَا لَيْسَت بِنَجَسِ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ)) . أخرجه أبو داود في: ١ - كتاب الطهارة، ٣٨ - باب سؤر الهرة. والترمذي في: ١ - كتاب الطهارة، ٥٤ - باب سؤر الهرة. والنسائي في: كتاب الطهارة: (١٣١/١) باب سؤر الهرَّة. وابن ماجه في: ١ - كتاب الطهارة، ٣٢ - باب الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك (٥٥/١). (قالت كبشة: فرآني) أبو قتادة (أنظر إليه) نظرة المتعجب أو المنكر (فقال) أبو قتادة (أتعجبين) من إصغائي لها (يا ابنة أخي) هذا على عادة العرب يقولون: يا ابن عمي يا ابن أخي، وإن لم يكن الأخ حقيقة، وأيضاً أن المؤمنين إخوة مع أن أباها صحابي أيضاً، فأخوة الصحبة أيضاً ظاهرة (قالت: فقلت: نعم) أتعجب منه. (فقال) لا تعجبي (إن رسول الله ﴾ قال: إنها ليست بنجس) بفتح الجيم على المصدر، فيستوي فيه المذكر والمؤنث، وكذا ضبطه المنذري والنووي وابن دقيق العيد وغيرهم، وقيل: بكسر الجيم على أنه صفة، والتذكير باعتبار السنور. قال القاري: قال بعض الأئمة: بفتح الجيم أي أنها ليست بذات نجس، وفيما سمعنا وقرأنا على مشايخنا بكسر الجيم، وهو القياس، أي ليست بنجسة ولم يلحق التاء نظراً إلى أنها في معنى السنور، انتهى. (إنما هي من الطوافين عليكم) أي الذين يدخلونكم ويخالطونكم، وقيل: الطائف الذي يخدمك برفق، شَبَّهها بالمماليك لقتلها المؤذيات، قاله القاري (أو الطوافات) بلفظ ((أو)) فقيل: للشك، وقيل: للتنويع، ويؤيد التنويع رواية الواو. ثم اختلف العلماء(١) في سؤر الهرة فقال الأئمة مالك والشافعي وأحمد: (١) انظر: ((الاستذكار)) (١١٥/٢) و((التمهيد)) (٣١٨/١). ٣٧٧ ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٣) حديث طاهر، وقال الإِمام: مكروه بكراهة تحريمية أو تنزيهية، قولان كما في ((الهداية))(١)، قال في ((الدر المختار)): طاهر لضرورة مكروه تنزيهاً في الأصح إن وجد غيره، وإلا لم يكره أصلاً كأكله للفقير، اهـ. واستدل الحنفية بروايات سردها الشيخ في ((البذل))(٢) والطحاوي في ((شرح الآثار)) فيها الأمر بغسل الإِناء من ولوغ الهرة، منها: قوله عليه الصلاة والسلام: ((الهر سبع))، ومنها: حديث أبي هريرة عند الترمذي وفيه: ((وإذا ولغت الهرة غسلت مرة)) ومنها: روايات أبي هريرة موقوفاً عند الدارقطني وغيره في غسل الإِناء من ولوغ الهرة مرة أو مرتين. قال النيموي في ((آثار السنن)): عن أبي هريرة عن النبي ◌ُّ قال: ((يغسل الإِناء إذا ولغ فيه الكلب سبع مرات، وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة)) رواه الترمذي وصححه، وعنه مرفوعاً: ((طهور الإِناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين))، رواه الطحاوي وآخرون، وقال الدارقطني: هذا صحيح. وعنه قال: ((إذا ولغ الهر في الإِناء فأهرقه واغسله مرة))، رواه الدارقطني، وإسناده صحيح، قال النيموي: والموقوف أصح في الباب، انتهى. قلت: وقد أخرج الطحاوي عن ابن عمر أنه كان لا يتوضأ بفضل الكلب والهر، وما سوى ذلك فليس به بأس، وعنه أيضاً أنه قال: لا تَوَضَّؤوا من سؤر الحمار ولا الكلب ولا السنور، وعن سعيد: إذا ولغ السنور في الإِناء فاغسله مرتين أو ثلاثة، وعن الحسن وسعيد بن المسيب في السنور يلغ في الإِناء قال أحدهما: يغسله مرة وقال الآخر: يغسله مرتين، وعنهما يقولان: اغسل، يعني من سؤر الهر، اهـ. (١) انظر: ((فتح القدير)) (١ /٧٤). (٢) ((بذل المجهود)) (١٩٩/١). ٣٧٨ ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٤) حديث قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: لاَ بَأْسَ بِهِ، إِلاَّ أَنْ يُرَى عَلَى فَمِهَا نَجَاسَةٌ . ١٤/٤٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وأجاب الطحاوي عن رواية الباب بأنها محمولة على مماسَّة الثياب وغيرها، لأن المرفوع منها قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليست بنجس))، الحديث. والإصغاء فعل أبي قتادة، ومجرد قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس بنجس)) لا يثبت طهارة السؤر، وأجيب أيضاً بأن الحديث أعلَّه ابن منده بأن حميدة الراوية له عن كبشة مجهولة، وكذلك كبشة، وقال: لا يعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث، ومحلها محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخبر بوجه من الوجوه، كذا في ((الجوهر النقي)) (١). ثم قال: وحديث أبي قتادة إسناده مضطرب اضطراباً كثيراً، وبَيَّنَ البيهقي بعضه، إلى آخر ما قال. لا يقال: إن الحديث صححه أيضاً جماعة فتساويا، لأن الجرح مقدم على ما اشتهر بينهم، مع أن المصير عند تعارض الروايات إلى القياس، فرجح حديث النجاسة، لأن السؤر متولد من اللحم، وهو حرام، على أن الحنفية قالوا: طاهر للضرورة مكروه تنزيهاً كما تقدم جمعاً بين الأدلة. (قال يحيى: قال) إمام دار الهجرة (مالك) رضي الله عنه: (لا بأس به) أي بالوضوء من فضله، وفي نسخة ((بها)) أي بسؤرها (إلا أن ترى في فيها) وفي نسخة ((على فيها)) وفي نسخة ((فمها)) (نجاسة) فلا يجوز الوضوء من سؤرها بالاتفاق بيننا وبينهم إلا أن أصحاب الفروع المالكية قيدوه بشرط أن يغير الماء، وعندنا مطلق، لا يقيد بشيء، وللحنابلة فيه روايتان، كما في ((المغني)). ١٤/٤٤ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن إبراهيم (١) (٢٤٦/١) . ٣٧٩ ٢ - كتاب الطهارة (٣) باب (٤٤) حديث ابْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ حَاطِب؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ فِي رَكْبٍ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، ابن الحارث) بن خالد القرشي (التيمي)(١) بفوقية فتحتية نسبة إلى تيم قريش، المدني، ثقة من صغار التابعين، مات سنة ١٢٠ هـ وقيل: قبلها (عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب)(٢) بالمهملتين، قال في ((نور النبراس)): ليس في الصحابة خاطب بالخاء المعجمة، إنما هو كله بالمهملة، ابن أبي بلتعة، بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الفوقية فعين مهملة، ثقة من التابعين، ولد في خلافة عثمان - رضي الله عنه -، قال البيهقي: هذا الأثر إسناده صحيح إلى يحيى، لكنه مرسل منقطع، فإن يحيى وإن كان ثقة فلم يدرك عمر، بل ولد في خلافة عثمان، هو الصواب، انتهى، كذا في ((فتح الرحماني)). قلت: لكن يرد عليه المعضلة العقيمة عن الجواب، وهو قوله فيما سيأتي: إنه اعتمر مع عمر - رضي الله تعالى عنه -، وسيأتي الكلام عليه في محله، مات سنة ١٠٤ هـ وأبوه صحابيُّ رؤيةً تابعيٌّ روايةً، وجده صحابيٌّ شهيرٌ بدريٌّ حليفٌ لقريش. (إن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (خرج في) أي مع (ركب) جمع راكب، أي خرج مع جماعة من الراكبين (فيهم عمرو بن العاص) بن وائل السهمي، أسلم عام الحديبية، فتح مصر وولي إمرتها مرتين، وبها مات بعد سنة ٤٠ هـ، وقيل: سنة ٥٠هـ. ثم اختلف المشايخ في اسم العاص هذا، هل هو بالياء أو بدونه؟ قال الزرقاني في ((شرح الموطأ)): بالياء وبحذفها، والصحيح بالياء، وقال أيضاً في ((شرح المواهب)): العاص بالياء وحذفها، والصحيح الأول عند أهل العربية، (١) انظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٢٩٤/٥). (٢) انظر ترجمته في: ((تهذيب التهذيب)) (٢٤٩/١١) و((التاريخ الكبير)) للبخاري (٢٨٩/٨). ٣٨٠